213
"م-ما الذي يحدث بحق...!"
لفت جيغال روك حوله بذهول وصدمة، لكن لم يملك أحدٌ القدرة على إجابته؛ فقد تحطمت بوابة فيلا مونغ لين تماماً، تلك البوابة التي كانت موصدة بإحكام.
ومن خلف حطامها، بدأت أسراب من الأغوي (الغيلان الجائعة) تتدفق إلى الداخل بأعداد هائلة لا تقارن بالمرة السابقة.
"لا، مستحيل!"
"ن-نجدة..."
هجوم مفاجئ، ونقص عددي ساحق.
وفي اللحظة التي بدأ فيها الرعب ينتشر كعدوى في الأجواء وسط الفوضى، صدح صوت دانغ هوي الذي عاد بلمح البصر بعد استطلاع المكان بفن خفة الحركة، متسائلاً الجميع كيف استطاع الحفاظ على بروده وفحص المكان في هذا الوضع
"الجانب الداخلي من بوابة إي غونغ مغلق بتشكيلات ميكانيكية!"
لم تكن بوابة إي غونغ مجرد باب في سور، بل كان مبنى ضخماً يعمل كبوابة تفصل بين الأقسام لو كانت البوابة مفتوحة من الجهتين، لتمكنوا من الاحتماء في الفناء الداخلي، لكن بما أن البوابة الداخلية مغلقة بالتشكيلات، فهذا الخيار لم يعد مطروحاً؛ فمن المؤكد أن التشكيلات الميكانيكية قد فُرضت على طول الخط الفاصل بين الفناءين الداخلي والخارجي.
"و-ولكن، ألا يمكننا الاحتماء داخل مبنى بوابة إي غونغ على الأقل؟!"
"لا، لو فعلنا ذلك سنموت جميعاً"
رد دانغ هوي باختصار.
في الحالات العادية، يكون التحصن داخل مبنى البوابة خياراً مثالياً، ولكن ألم يروا للتو كيف تحطمت بوابة الفيلا الرئيسية بسهولة؟
لو حُشر الجميع داخل المبنى ثم تحطم الباب، فسيتحولون إلى فئران في مصيدة ويُبادون عن بكرة أبيهم.
ولكن...
'رغم ذلك، الأبواب المؤدية للمبنى لا تزال مفتوحة.'
'ربما... ربما لا يتحطم الباب هذه المرة.'
في اللحظة التي غلب فيها الخوف بعض النوابغ الشباب وبدأوا يتراجعون غريزياً نحو مبنى بوابة إي غونغ أمسك بانغ سوول بمقبض نصله العظيم المثبت على ظهره وهزه بخفة.
تك، تك.
صدر صوت فك أقفال الغمد التي كانت تقيد السيف، ثم...
أزيز... تشششششش!
في اللحظة التي استلّ فيها النصل العظيم الثقيل من وراء ظهره، انبثقت صواعق بيضاء تخطف الأبصار، تتدفق على طول نصل السيف المتوهج بزرقة.
ومع وصول فنون خوارق هلع الرعد إلى ذروتها القصوى، اصطبغت عينا بانغ سوول باللون الذهبي.
بدأ يتقدم بخطوات بطيئة نحو حشود الأغوي المندفعة، وهو يتمتم بجمود
"جيد، هكذا لن أضطر لضبط قوتي خشية تحطيم البوابة."
وفي اللحظة التالية مباشرة.
ضربت قدما سوول الأرض بقوة، بإمالةٍ خاطفةٍ من خصره، أرجح نصله العملاق في الهواء ليرسم مساراً دائرياً
كوا-كوا-كواااانغ—!!!!!
على الرغم من أنها لم تكن سوى ضربة سيف، إلا أن دوياً كقصف الرعد المنهمر من غيوم الداكنة مزّق طبلة الأذن.
لم يكن الأمر مجرد مبالغة؛ فقد كان ما نفثه ذلك النصل العظيم طاقة رعدية حقيقية ومرعبة.
ابتلعت ريح النصل الكاسحة والمحملة بالصواعق البيضاء طليعة الغيلان التي حاولت تجاوز البوابة، فمزقت أجسادها شر ممزق وحولتها إلى رماد تذروه الرياح كانت ضربة مهيمنة جعلت الرؤية تومض باللون الأبيض، ولم تمنح الخصوم حتى فرصة للصراخ قبل الموت.
"......"
"......"
انعقدت لسان الجميع ذهولاً أمام ذلك المشهد التدميري الذي انكشف بعد انقشاع الغبار.
حتى غيلان الأغوي—التي يفترض أنها جردت من العقل—تجمدت في مكانها رعباً من المذبحة التي خلّفها البرق.
توقف زحف الغيلان للحظة وكأنه سحر، فأطلق دانغ تاي يول ضحكة ساخرة وكأنه غير مصدق لما يرى
"ما رأيكم لو استرحنا نحن هناك، وتركنا السيد الشاب الأكبر بانغ يتولى الأمر وحده؟"
"للأسف، قوة بهذا المستوى تُستخدم لمرة واحدة فقط"
رد بانغ سوول وهو يهز كتفيه بلامبالاة.
لكن تلك الضربة كانت كافية؛ فالنوابغ الشباب الذين كانوا يتراجعون رعباً قبل قليل، بدأوا يستلون أسلحتهم بأيدٍ مرتجفة.
لقد نجحت القوة المهيمنة لحليفهم في إيقاد شعلة القتال في نفوسهم الخامدة قسراً وفي تلك الفجوة القصيرة من الهدوء، اقترب اي هيون من جيغال روك وسأله بسرعة
"جيغال روك، ماذا عن ختم الأثر؟"
"لقد عرفته.. عرفته ولكن في تلك اللحظة تحديداً..."
كانت ملامح جيغال روك تشحب حتى أصبحت كبياض الورق وهو يتابع حديثه.
'هل يعقل، كما قال ذلك الوغد، أن كل هذا كان فخاً نصبه الأعداء؟'
لطمت تلك الفكرة رأسه كالصفعة؛ ففي اللحظة ذاتها التي اتصل فيها بـختم الأثر واستخرج المانترا، تزلزل فضاء المان سانغ وتغيّر مكانه كما لو أن العدو كان ينتظر هذه اللحظة تحديداً لينقضّ عليهم بقطعان الغيلان.
قبل ثوانٍ فقط، حين وضع يده على المانترا، كان واثقاً تماماً بأنه قد حسم الأمر، وظنّ لأول مرة أنه أنجز شيئاً بمفرده دون مساعدة أحد.
لكنه أدرك الآن أن كل ذلك كان وهماً مُطبقاً.
لم يترك إي هيون مجالاً لجيغال روك ليغرق في لوم ذاته وتحطمه النفسي؛ إذ أمسك بتلابيبه وهزه بعنف قائلاً بحدة
"استفق أيها الوغد! أخبرني، ما هي المانترا؟!"
"إ-إنها..بـا سـا هيون جونغ [معناه :دحر الشر وإظهار الحق] ، بمجرد الاقتراب من النواة وترديد هذه الكلمات، سيتم كشف التمويه وتظهر النواة الحقيقية لكن المشكلة أننا لا نعرف موقعها! لو كان لدينا وقت لفحصنا المكان، لكن في ظل هذا الوضع..."
في تلك اللحظة، ومضت ذكرى في عقل إي هيون؛ الخريطة التي عرضها مانغ ريانغ والنقاط الحمراء الأربع المرسومة عليها.
'في منطقة الفناء الخارجي، كانت النقطة تقع بوضوح عند بوابة إي غونغ.'
بالطبع، كانت الخريطة مبسطة ولم تحدد الموقع بدقة متناهية، ولكن
'هذا وحده يقلص نطاق البحث كثيراً بدلاً من تفتيش الفناء بالكامل.'
لم يكن مانغ ريانغ ليريه تلك العلامات عبثاً.
رتب إي هيون أفكاره بسرعة والتفت نحو الجميع قائلاً
"ليس لدينا وقت، لذا سأختصر الكلام؛ سأتوجه أنا وجيغال روك إلى بوابة إي غونغ حالاً."
عند هذا الإعلان، صرخ الشاب ذو الشامة بانفعال
"أنت وجيغال روك فقط؟ هل تنويان استخدامنا كدرع بشري لتلوذا بالفرار وتنجوا بأنفسكما؟!"
"كلا، نحن ذاهبون للعثور على النواة التي تُبقي عالم المان سانغ قائماً أعتقد أنها هناك، وذهابي مع جيغال روك يرفع احتمالية اكتشافها أكثر من أي شخص آخر."
وفي تلك الأثناء، بدأت صرخات غيلان الأغوي تتعالى وتغلي من خلف البوابة التي تحولت لرماد بضربة بانغ سوول، مؤذنة بجولة جديدة من الجحيم.
بدأت موجات جديدة من الغيلان الأغوي تتدفق إلى داخل القصر، وهي تطأ جثث بني جنسها تحت أقدامها.
وحين بدأت وجوه النوابغ الشابة تشحب رعباً مرة أخرى، صرخ إي هيون بصوتٍ ملحّ
"أعلم أن من الصعب عليكم الوثوق بنا الآن ولكن كما ترون، بوابة إي غونغ مغلقة، والهرب من البوابة الرئيسية مستحيل إلى أين يمكننا أن نذهب؟"
"......"
"سنقوم بتدمير النواة حتماً، لذا أرجوكم، اصمدوا بأي وسيلة حتى ننجز المهمة!"
اضطربت أعين الفتيان بقلقٍ لا مفر منه، فهم مطالبون الآن بالمخاطرة بحياتهم بناءً على وعود هؤلاء فقط في تلك اللحظة، تقدم الشاب ذو النمش قائلاً بصوتٍ يرتجف
"أنا.. أنا أثق بالسيد الشاب الثالث من عائلة دانغ!"
كان هذا هو الشخص نفسه الذي أنقذه إي هيون بالأمس حين كاد يلقى حتفه بين أنياب الغيلان.
وصاح غويانغ تاي وهو يوجه سيفه نحو الغيلان المقتربة من الأمام
"على أي حال، هذان الاثنان لا فائدة منهما في القتال! اذهبا بسرعة حتى لا تعيقا طريقنا!"
لم يعد هناك متسع من الوقت للجدال؛ فقد اندفعت قطيع الغيلان نحوهم بسرعةٍ خاطفة.
بو-بو-بو-بو-بوك!
انطلقت أسلحة دانغ هوي المخفية كالبرق، لتخترق بدقةٍ متناهية جباه الغيلان وأعينها وبينما سقطت الوحوش أرضاً وهي تطلق صرخات مروعة، أصدر بانغ سوول أوامره بصوتٍ جهوري يشبه زئير الأسد
"بوم سانغ جين! مو يونغ غون! انقلا الجرحى والخدم إلى داخل مبنى بوابة إي غونغ! وبعدها استبسلا في الدفاع عن مدخل البوابة حتى يتم العثور على النواة! أما البقية، فاتبعوني لنعطل زحف هؤلاء الأوغاد هنا!"
أطلق بانغ سوول أوامره بلهجةٍ حازمة لم تترك مجالاً للاعتراض، ولم يجرؤ أحد من النوابغ على المناقشة؛ فلم تكن لديهم رفاهية الوقت أصلاً.
علاوة على ذلك، في هذا الجحيم الذي يتقرر فيه المصير بين الحياة والموت، كان أكثر ما يمكنهم الاعتماد عليه هو تلك القوة المطلقة القادرة على سحق الوحوش أمام أعينهم.
بينما انطلق اي هيون وجيغال روك، رفقة مو يونغ غون وبوم سانغ جين، وهم يقودون الناجين بسرعةٍ نحو بوابة إي غونغ ، انفجر الموقف من خلفهم معلناً بداية ملحمةٍ دامية وفوضى لا ترحم.
***
وسط أجواء المعركة الضارية، وقف بوم سانغ جين أمام بوابة إي غونغ وصاح
"سـ.. سندافع عن هذا المدخل، لذا ابحثوا عن النواة دون قلق.. لا بل أرجوكم، جدوها بسرعة، أتوسل إليكم!"
كان وجهه يوحي بالبكاء من شدة الخوف، لكن يده كانت تقبض على مقبض سيفه بقوة وإصرار.
أومأ اي هيون برأسه وقال بحزم
"سنفعل حتماً."
طـاخ!
بمجرد إغلاق الأبواب السميكة لبوابة إي غونغ المؤدية للفناء الخارجي، خمدت أصوات الجحيم التي كانت تصم الآذان بالخارج، وتحولت إلى صدىً مكتوم خلف الجدران.
التفت اي هيون نحو الخدم المذعورين وأصدر أوامره بسرعة
"تحصنوا في أقصى زوايا المبنى الداخلية مع الجرحى."
كان المصابون بجروح طفيفة ممن يستطيعون حمل السلاح قد انضموا لبانغ سوول في المعركة بالخارج، بينما نُقل اثنان من أصحاب الإصابات البليغة إلى الداخل؛ أحدهما الشاب الذي استخرج دانغ تاي يول السهم من خاصرته، والآخر مصاب بأسلحة مخفية في ساقه وبسبب تحريكهم القسري في وقت يحتاجون فيه للراحة المطلقة، تصبب العرق البارد على وجوههم الشاحبة كالمطر.
"فـ.. فهمنا، سنفعل ذلك!"
أجاب الخدم وهم يسارعون بإسناد الجرحى والتوجه بهم نحو الداخل، بينما ألقى إي هيون نظرة خاطفة على الباب الموصد.
لقد بحث بعينيه عن نام غونغ جي تشون والمصابين بالعدوى الآخرين أثناء نقل الجرحى، لكنهم اختفوا في تلك اللحظات القصيرة؛ رغم أنهم كانوا قريبين منه عندما أعيد ترتيب المكان فجأة.
'......'
هل انسحبوا بصمت لحماية الآخرين؟
سواء بقوا مع إي هيون داخل البوابة أو قاتلوا في الخارج، فإن تحولهم المفاجئ لمسوخ في أي لحظة سيعني—في أسوأ الحالات—زيادة عدد الأعداء وتفاقم الكارثة.
عضّ إي هيون شفتيه بقوة وكأنه يطرد تلك الأفكار المشوشة من رأسه، ثم انطلق دون إبطاء فأصوات السيوف والصرخات والزمجرة القادمة من الخارج كانت تلتهم ما تبقى لهم من وقت ثمين ثانيةً تلو أخرى.
بدأ إي هيون رفقة جيغال روك بتفتيش كل زاوية مشبوهة داخل مبنى بوابة إي غونغ م بينما كان الأخير يتمتم بالمانترا باستمرار
"با سا هيون جونغ! با سا هيون جونغ...!"
تمتم جيغال روك بالمانترا مراراً وتكراراً وهو يتفحص الجدران والأرضيات والأثاث بلمسات متخبطة، لكن لم تظهر أي علامة تدل على وجود النواة.
توقف جيغال روك عن الحركة وقد تآكله القلق، ثم سأل بحدة
"تباً! هل أنت متأكد من أنها داخل بوابة إي غونغ؟ ماذا لو كانت تلك الخريطة التي رأيتها مجرد خدعة أخرى من ألاعيبهم؟"
كلا، هذا غير ممكن.
فالأعداء—أياً كانوا—كيف لهم أن يعرفوا أن مانغ ريانغ قد تجسد في هيئة الميدالية ليخدعوا إي هيون؟ لا يمكنهم أصلاً معرفة وجود مانغ ريانغ من الأساس.
... إلا إذا كان مانغ ريانغ نفسه هو من يخدع إي هيون.
لكنه لم يجد سبباً واحداً يدفعه لفعل ذلك؛ لذا لم يكن أمامه سوى الوثوق به الآن.
وإذا كانت خريطة مانغ ريانغ صحيحة، فإن النواة موجودة داخل هذا المبنى حتماً.
'لا تحاول البحث في كل زاوية، فكر بعقلية العدو.'
أخذ إي هيون نفساً عميقاً وجال بنظره ببطء في أرجاء المكان.
عادةً، حين يبحث الناس عن شيء ما، فإنهم يفتشون الأرضيات والجدران والزوايا الخفية بشكل لا إرادي لكن الشخص الذي يريد إخفاء شيء ما، سيفكر في مكانٍ لا يخطر على بال أحدٍ تفتيشه أبداً.
'أجل.. على سبيل المثال..'
استقرت نظرات اي هيون على البوابة الضخمة الموصدة بإحكام والمؤدية للفناء الخارجي وتحديداً، على مقابض الباب المصممة على شكل وحش الـدوتشول الأسطوري.
وفجأة، ومضت في ذهنه ذكرى نام غونغ جي تشون حين أمسك بتلك المقابض وفتح الباب لإنقاذ من هم بالخارج.
وفي تلك اللحظة مباشرة، تعرض النوابغ الشباب لهجوم الغيلان المفاجئ.
لو أن مجموعةً من هؤلاء الفتيان أصابهم الذعر، ففروا للاحتماء داخل البوابة وأغلقوها خلفهم تاركين رفاقهم لمصيرهم؛ لكان هذا المقبض هو أول ما تقع عليه أبصارهم وبما أنهم خافو عن الخروج لمواجهة الغيلان مجدداً
وهو أيضاً الشيء الذي لن يجرؤ أحد على لمسه مجدداً، إلا إذا امتلك الشجاعة الكافية للخروج ومواجهة أسراب الغيلان تلك مرة أخرى.
لامست يد إي هيون حلقة المقبض الحديدية الباردة، المصممة على شكل وجه دوتشول، ثم قال
"با سا هيون جونغ!"
وفي تلك اللحظة، انفجر الضوء.