أسئلة
بما أن الفصل يُنشر يوم الجمعة، فأذكّركم ونفسي بالإكثار من الصلاة على النبي ﷺ، فقد قال:
«إنَّ مِن أفضلِ أيّامِكم يومَ الجمعةِ، فأكثِروا عليَّ مِن الصلاةِ فيه، فإنَّ صلاتَكم معروضةٌ عليَّ».
رواه أبو داود عن أوس بن أوس رضي الله عنه، وصحّح إسناده النووي.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد.
----------------------------------------
الفصل التاسع: أسئلة
استيقظ آدم في صباح اليوم التالي قبل أن يأتي أحد لإيقاظ الخدم.
فتح عينيه على السقف الخشبي نفسه، وبقي مستلقيًا بضع لحظات.
هذه المرة لم يحتج إلى تذكير نفسه بمكانه.
والأغرب أنه لم يبحث عن هاتفه.
لم ينتبه إلى ذلك إلا بعد مرور عدة ثوانٍ. في الأيام السابقة، كانت يده تتحرك أحيانًا من تلقاء نفسها، أو كان يستيقظ متوقعًا للحظة أن يرى سقف شقته، قبل أن يعود كل شيء دفعة واحدة.
أما اليوم، فقد فتح عينيه وعرف مباشرة أين هو.
ثلاثة أيام فقط.
ثلاثة أيام كانت كافية حتى يبدأ عقله بالتعامل مع هذا المكان على أنه حقيقي.
لم يعجبه ذلك.
لم يكن يريد أن تصبح غرفته القديمة، وهاتفه، والجامعة، ووجه أمه، أشياء يحتاج إلى استحضارها كي يتذكر أنها كانت موجودة.
أغلق عينيه قليلًا، لكنه لم يسمح للفكرة بأن تمتد أكثر.
وعندما فتحهما من جديد، رفع يده أمام وجهه.
يد كايل.
حتى الاسم لم يعد فارغًا كما كان عندما استيقظ هنا.
قبل أيام، لم يكن يعرف عن صاحب هذا الجسد إلا اسمه. الآن عرف أباه، وليو، ويلمار، والصيد، والشتاء، والعقد الذي يمتد ثلاثين عامًا.
عرف لماذا دخل كايل القلعة، وعرف أنه لم يكن يريد قضاء حياته خادمًا، بل كان يرى في الحراسة احتمالًا لحياة أخرى.
لم يكن يعرف كل شيء عنه، لكنه عرف ما يكفي ليصبح كايل شخصًا حقيقيًا في ذهنه.
وهنا ظهرت مشكلة أخرى.
إذا كان قد بدأ يفهم من كان كايل...
فأين عاش كايل أصلًا؟
جلس آدم على السرير.
يعرف أنه في قلعة تابعة لسيدة ما.
ويعرف طريق يلمار بطريقة لا يستطيع شرحها، كما لو أن قدمي كايل تستطيعان الوصول إليها حتى لو عجز هو عن رسم الطريق.
لكن ما اسم المنطقة؟
والمقاطعة؟
والمملكة؟
هل هي مملكة أصلًا؟
ومن هي السيدة التي يردد الجميع لقبها وكأنه يكفي وحده لتعريفها؟
مرر يده على وجهه.
كيف أمضى ثلاثة أيام هنا دون أن يسأل عن أبسط هذه الأشياء؟
وجد الجواب بسرعة.
كان مشغولًا بحقيقة أنه مات.
ثم بحقيقة أنه استيقظ داخل جسد شخص آخر.
ثم بمحاولة معرفة من كان صاحب ذلك الجسد، ولماذا انتهى به الأمر هنا.
أسباب معقولة.
لكنها لم تغير الحقيقة البسيطة:
هو لا يعرف أين هو.
---
بدأ الخدم يستيقظون، وسرعان ما عاد المهجع إلى روتينه المعتاد.
ارتدى آدم ملابسه وخرج معهم.
ضربه هواء الصباح البارد فور دخوله الساحة. رفع رأسه هذه المرة، ولم يكتفِ بالنظر إلى الطريق أمامه.
القلعة ضخمة.
كان قد أدرك ذلك منذ اليوم الأول، لكنه الآن حاول أن يراها باعتبارها مكانًا عليه فهمه، لا مجرد جدران تحيط به.
كان المبنى الرئيسي أكبر من بقية المباني وأعلى منها. انتشرت حوله مبانٍ أخرى، بعضها متصل به وبعضها منفصل. خدم يتحركون بين الممرات، عربات تدخل وتخرج، وحراس يظهرون عند أكثر من مدخل.
هل تعيش السيدة في المبنى الرئيسي؟
على الأرجح.
أما من يعيش معها، وكم عدد الخدم، ومن يدير كل هذا، فلم يكن يعرف.
يعرف رئيس الخدم بالاسم والوظيفة تقريبًا، ويعرف أن هناك حراسًا، لكنه لا يعرف حتى من يقودهم.
تابع السير وهو يراقب ما حوله.
كان الأمر مزعجًا بطريقة غريبة. يستطيع الوصول إلى بعض الأماكن اعتمادًا على ذاكرة جسد كايل، لكنه لو وضع أحدهم خريطة أمامه الآن وطلب منه تحديد مكانه، فلن يعرف من أين يبدأ.
كايل عرف الطرق.
آدم يريد أن يعرف الخريطة.
"كايل."
التفت.
كان سامر يقترب منه.
أصبح وجهه مألوفًا الآن. لم يكن آدم يعرف إن كان كايل يعتبره صديقًا، لكن سامر كان أقرب شخص يستطيع الحديث معه من دون أن يتحول كل سؤال إلى تحقيق في سبب جهله.
قال سامر:
"سنذهب اليوم إلى المخزن الشرقي."
"جميعنا؟"
"أنت وأنا وأربعة آخرون."
سار آدم إلى جانبه، وانتظر قليلًا قبل أن يقول:
"سامر، متى إجازتك القادمة؟"
نظر إليه سامر.
"لماذا؟"
"أسأل فقط."
"وأنا أيضًا أسأل."
ابتسم آدم.
"حسنًا. أريد أن أفهم كيف توزع الإجازات."
ظل سامر ينظر إليه لحظة، ثم قال:
"بعد أسبوع تقريبًا، إن لم يغيروها."
"هل يغيرونها كثيرًا؟"
"بحسب العمل."
أومأ آدم.
"إذن ليس لكل شخص يوم ثابت."
رفع سامر حاجبه.
"منذ متى كان لنا يوم ثابت؟"
أدرك آدم خطأه متأخرًا.
"أعرف. أقصد إذا أراد أحد الخروج من القلعة."
"يطلب الإذن."
"وإذا وافقوا؟"
"يخرج."
"ويحصل الخادم عادة على يومين في الشهر؟"
نظر إليه سامر باستغراب أوضح هذه المرة.
"تقريبًا."
ثم سأله:
"ما الذي أصابك؟ منذ أن استيقظت وأنت تسأل عن أشياء تعرفها."
توتر آدم قليلًا.
كان لا بد أن يحدث هذا عاجلًا أو آجلًا.
"الإرهاق شوّش ذاكرتي قليلًا."
لم تكن إجابة عبقرية، لكنها كانت أفضل ما لديه.
هز سامر كتفيه.
"هذا واضح."
تابعا السير.
وبعد عدة خطوات قال آدم، محاولًا أن يبدو سؤاله عابرًا:
"آخر مرة خرجت فيها من القلعة..."
توقف.
أكمل سامر:
"ذهبت إلى أخيك."
نظر آدم إليه.
"نعم."
"قبل عشرة أيام تقريبًا."
عشرة أيام.
ظهرت في ذهنه صورة خاطفة: طريق ترابي بين الأشجار، ثم بيت صغير.
اختفت قبل أن تتضح أكثر.
لم يحاول مطاردتها.
"ومتى إجازتي القادمة؟"
فكر سامر قليلًا.
"أليست بعد نحو عشرين يومًا؟"
عشرون يومًا.
شعر آدم براحة لم يتوقعها.
ليس غدًا.
ولا بعد غد.
لديه وقت.
ثم ظهر اسم واحد في رأسه.
ليو.
بعد عشرين يومًا سيقف أمام شخص عاش مع كايل منذ طفولته. شخص يعرف صوته، وطريقته في الكلام، وعاداته، وربما يستطيع ملاحظة أشياء لم ينتبه إليها سامر.
وهذا وحده كان كافيًا ليقلقه.
لكن فكرة أخرى مرت خلفه.
بعد عشرين يومًا يستطيع الذهاب إلى أخ كايل.
أما عائلته هو...
لم يكمل.
ثبت نظره أمامه وتابع السير.
عشرون يومًا.
ليس الآن.
---
وصلوا إلى المخزن الشرقي.
كانت المهمة بسيطة: نقل صناديق، وترتيب أخرى، وإخراج بعض الأدوات إلى عربة تنتظر خارج المبنى.
بدأ آدم العمل.
بعد مدة جاءه صوت من الخلف:
"ليس هناك."
التفت.
كان شابًا قريبًا من عمر كايل، وربما أكبر منه قليلًا. لم تكن ملابسه مختلفة كثيرًا عن ملابس بقية الخدم، لكنها أنظف، وشعره مرتب بعناية لا تتناسب كثيرًا مع صباح يقضيه بين المخازن.
عرفه آدم قبل أن يتذكر سبب معرفته.
إريك.
ثم أتت المعلومة التالية.
ابن أخ رئيس الخدم.
نظر إريك إلى الصندوق الذي وضعه آدم.
"قلت: ليس هناك."
نظر آدم إلى الصناديق الأخرى.
"أين أضعه؟"
أشار إريك إلى الطرف الآخر من المخزن.
"هناك."
حمل آدم الصندوق ونقله إلى المكان الذي أشار إليه، ثم عاد إلى عمله.
لم تمضِ دقيقة حتى سمع:
"كايل."
التفت.
"ماذا؟"
أشار إريك إلى الصندوق.
"من قال لك أن تضعه هناك؟"
بقي آدم ينظر إليه لحظتين.
"أنت."
"قلت قرب الباب."
أشار آدم إلى المكان الآخر.
"أشرت إلى هناك."
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه إريك.
"والآن أقول لك ضعه قرب الباب."
شعر آدم بالغضب يصعد بسرعة.
حمل الصندوق مرة أخرى.
وعندما مر بجانب سامر، التقت عيناهما.
لم يقل سامر شيئًا، لكن نظرته كانت واضحة بما يكفي.
لا تدخل معه.
وضع آدم الصندوق قرب الباب.
هذه المرة تابع إريك طريقه دون تعليق.
راقبه آدم وهو يبتعد، فظهرت ذكرى قصيرة.
إريك يأمر خادمًا بإعادة تنظيف أرضية نظيفة.
خادمان يضحكان بعيدًا عنه.
ووجه رجل يحاول كتم غضبه.
ثم انتهت.
ابن أخ رئيس الخدم.
يبدو أن القرابة منحته مساحة يتصرف فيها مع الآخرين كما يشاء.
لكن إلى أي حد؟
ومن يستطيع إيقافه إن تجاوزها؟
عاد آدم إلى الصناديق.
مرة أخرى، كل إجابة يجدها تفتح أمامه أسئلة أكثر.
---
خرجوا في الظهيرة للاستراحة.
جلس آدم مع عدد من الخدم وبدأ يأكل.
كان الطعام بسيطًا: خبز، وبعض الخضار، وطبق ساخن.
وبينما كان يمضغ، مر رجل في الساحة.
تبعته عينا آدم.
الأذنان.
كانتا أطول قليلًا من المعتاد.
ليستا طويلتين إلى درجة تلفت النظر من بعيد، لكن الفرق أصبح واضحًا بعدما بدأ ينتبه إليه.
هذا ليس الرجل نفسه الذي رآه قبل أيام.
مرت بعده امرأة تحمل بعض الأقمشة.
الأذنان نفسيهما تقريبًا.
توقف آدم عن المضغ.
نظر حوله بتركيز أكبر.
وجد واحدًا آخر.
ثم بدأ يدرك أن الأمر لم يبدأ اليوم أصلًا.
لقد رأى هذه الآذان من قبل، أكثر من مرة. في الساحة، قرب المخازن، عند المطبخ، وبين الخدم.
كيف لم ينتبه؟
لم يحتج إلى التفكير طويلًا.
في الأيام الأولى كان بالكاد قادرًا على استيعاب نفسه، فكيف سيبدأ بتصنيف آذان الناس؟
أعاد نظره إلى الرجل البعيد.
ما هؤلاء؟
هل هم سكان منطقة معينة؟
صفة وراثية؟
وقبل أن يكمل السؤال، ظهرت كلمة في ذهنه بسهولة شديدة.
الإيلفار.
رمش آدم.
الإيلفار.
لم تكن الكلمة غريبة على كايل. على العكس، كانت عادية إلى درجة أن وجودها لم يحتج يومًا إلى تفسير.
إنهم عرق آخر.
يشبهون البشر إلى حد كبير، وآذانهم أطول قليلًا، ويعيشون أعمارًا أطول بكثير.
هذا كل ما أتاه.
لا رقم محدد.
لا تاريخ.
ولا تفسير.
مجرد معرفة عامة كان كايل يحملها، كما يحمل أي شخص معرفة بأشياء لم يفكر يومًا في سبب معرفته بها.
نظر آدم إلى الرجل مرة أخرى.
عرق آخر.
إذن وجود أعراق مختلفة هنا ليس اكتشافًا عظيمًا بالنسبة إلى أهل هذا العالم.
هو فقط الذي لم يكن يعرف.
كم عرقًا يوجد إذن؟
وهل يعيشون جميعًا معًا؟
بدأ سؤال ثالث يتشكل، ثم توقف.
لا.
يكفي.
قبل دقيقة لم يكن يعرف حتى اسم الإيلفار، ولن يصبح خبيرًا بأعراق العالم لأنه حدق في آذان ثلاثة أشخاص أثناء الغداء.
لكنه اضطر إلى النظر إلى يديه.
كايل بشري... صحيح؟
من الخارج لا يوجد ما يجعله يشك في ذلك.
ومع ذلك، قبل دقائق فقط كان سيقول بثقة إن كل من حوله بشر أيضًا.
خفض يديه.
ربما من الأفضل ألا يثق باستنتاجاته بسرعة.
---
بعد الاستراحة عاد إلى العمل.
لكن فكرة الإيلفار ظلت معه.
وعندما مرت عربة خشبية في الساحة، يجرها حصانان، وجد نفسه يراقبها.
خشب.
عجلات.
حصانان.
منذ استيقظ هنا لم يرَ محركًا واحدًا.
لا أسلاك كهربائية.
لا مصابيح.
ولا آلة تشبه ما اعتاد رؤيته على الأرض.
بدأت فكرة صغيرة تنمو في رأسه.
هو طالب هندسة كهربائية.
ليس عالمًا، ولا مخترعًا عبقريًا، لكنه أمضى سنوات يتعلم أشياء لم يرَ هنا أثرًا لها.
الدوائر الكهربائية.
المحركات.
المغناطيسية.
الإلكترونيات.
الاتصالات.
وفوق ذلك، عاش في عالم مليء بأشياء لم يخترعها بنفسه، لكنه يعرف أنها ممكنة، ويعرف المبادئ التي تقوم عليها كثير منها.
ابتسم قليلًا.
إذا كان هذا العالم متأخرًا فعلًا...
فما الذي تعنيه معرفته هنا؟
لن يبني حاسوبًا من الخشب والحجارة، بالتأكيد.
لكنه لا يحتاج إلى اختراع الفيزياء من البداية.
يعرف ما هي الكهرباء.
ويعرف كيف تتولد.
ويعرف ما يمكن أن تفعله.
وحتى ما لا يعرف بناءه بنفسه، يعرف أنه موجود وأن الوصول إليه ممكن.
قرون من المعرفة البشرية جاءت معه إلى عالم يستخدم العربات والخيول.
للحظة، بدت الفكرة مغرية جدًا.
ربما لم يصل إلى هنا بلا شيء.
ربما يملك أفضلية أكبر بكثير مما تخيل.
مر أمامه رجل يحمل سجلًا تحت ذراعه.
عرف آدم الأذنين فورًا.
إيلفار.
اختفت ابتسامته ببطء.
نظر إلى الرجل حتى ابتعد.
قبل أقل من ساعة لم يكن يعرف أن في هذا العالم عرقًا آخر يعيش إلى جانب البشر.
لا يعرف اسم المملكة التي يقف فيها.
لا يعرف من هي السيدة.
لا يعرف ما يعرفه علماء هذا العالم، ولا ما الذي يستطيعون فعله، ولا حتى إن كانت العربة الخشبية التي رآها تمثل مستوى حضارتهم فعلًا.
ومع ذلك، احتاج إلى عربة وحصانين فقط حتى بدأ يتخيل نفسه يحمل قرونًا من التقدم فوق كتفيه.
زفر بهدوء.
حسنًا.
ربما من المبكر قليلًا أن يبدأ بإعادة الثورة الصناعية.
---
في طريقه إلى مهمة أخرى، مر آدم بساحة أصغر لم يدخلها من قبل.
كان عدد من الحراس يتدربون فيها.
أبطأ خطواته.
رجلان يتبادلان الضرب بسيفين خشبيين، وآخر يتدرب بالرمح، بينما وقف رجل أكبر سنًا يراقبهم ويصحح حركاتهم.
كانوا أسرع مما توقع.
صد أحدهم ضربة، ثم تحرك إلى الجانب ودفع خصمه إلى الخلف بحركة جعلت آدم يتابعه بعينيه حتى استعاد توازنه.
كايل أراد أن يصبح واحدًا منهم.
تذكر سؤاله في البلدة قبل توقيع العقد.
هل يستطيع الخادم أن يصبح حارسًا؟
ممكن.
لم يعرف آدم بعد لماذا تمسك كايل بهذه الفكرة إلى ذلك الحد.
ربما الراتب.
أو المكانة.
أو لأنها كانت ببساطة طريقًا للخروج من حياة الخادم.
واصل السير ببطء.
وقبل أن يبتعد عن الساحة، وصل إليه صوتان من جانبها الآخر.
كان حارسان يتحدثان.
"ثلاثة..."
لم يسمع آدم بداية الجملة.
قال الآخر:
"من الدورية نفسها؟"
"نعم."
خفض الرجل صوته، فضاعت منه عدة كلمات.
ثم وصلت كلمة واحدة بوضوح.
"الهول."
التفت آدم قليلًا دون أن يتوقف.
تابع الحارس:
"...في الطريق بين الغابة والجبال. ومنذ ذلك الحين لم..."
ابتعد آدم أكثر، وضاع باقي الحديث بين أصوات الساحة.
ثلاثة أشخاص.
دورية.
والهول.
لم يعرف إن كان الثلاثة قد ماتوا أم فُقدوا، ولا حتى ما الذي يعنيه الاسم بالضبط.
الهول.
بحث في ذاكرة كايل عن شيء، لكن لم تأته إجابة واضحة.
كاد يتباطأ أكثر ليستمع، ثم جاءه صوت من خلفه:
"كايل، إلى أين أنت ذاهب؟"
التفت إلى الخادم الذي ينتظره.
"قادم."
تابع طريقه.
وبقي الاسم معه.
الهول.
سؤال آخر.
---
عندما انتهى العمل مساءً، عاد آدم إلى المهجع وجلس على سريره.
كان جسده متعبًا، لكن رأسه ظل يعمل.
خلال يوم واحد فقط اكتشف كم هو جاهل بهذا المكان.
لا يعرف القلعة إلا بقدر ما يحتاج إليه خادم يؤدي عمله.
لا يعرف السيدة.
ولا المملكة.
ولا الأعراق الموجودة.
ولا ما يعرفه علماء هذا العالم.
ولا ما هو الهول الذي يتحدث عنه الحراس.
حتى الشيء الذي ظنه للحظة أفضلية واضحة، معرفته من الأرض، لم يكن يعرف قيمته الحقيقية بعد.
احتاج إلى المعلومات.
وهنا اصطدم بمشكلة أبسط.
كيف سيحصل عليها؟
نظر إلى سامر.
تذكره وهو يقرأ سابقًا.
يمكنه أن يسأله، بالتأكيد.
لكن إلى متى؟
ما هذا؟
من هذا؟
أين نحن؟
ماذا يعني هذا؟
إذا استمر بهذه الطريقة، فإما أن يشك سامر فيه، أو يقرر أن كايل تلقى ضربة أقوى على رأسه مما ظنوا.
ثم إن كثيرًا من الأجوبة لا بد أنها موجودة أصلًا.
في الكتب.
الخرائط.
السجلات.
ربما القوانين والتاريخ أيضًا.
لكن قراءة كايل لم تكن جيدة.
كان يستطيع قراءة الكلمات البسيطة وبعض النصوص، ويستطيع كتابة أشياء محدودة، لكنه بطيء. ولو وضع أحدهم أمام آدم كتابًا حقيقيًا الآن، فقد يقضي وقتًا طويلًا فقط في محاولة فهم ما يقرأ.
إذن هذه البداية.
القراءة والكتابة.
عليه أن يحسن ما تركه له كايل.
بعدها يستطيع فهم القلعة، ومعرفة أين هو، ثم يبدأ بفهم العالم خارج أسوارها.
لم يحتج إلى خطة من خمسين خطوة.
فقط بداية يستطيع تنفيذها.
ثم تذكر ليو.
بعد عشرين يومًا.
ليو يقرأ.
ابتسم آدم ابتسامة صغيرة.
على الأقل يعرف شخصًا قد يساعده في هذه المشكلة.
أما كيف سيقف أمامه، وماذا سيقول له، وكيف سيقنع فتى عاش مع كايل طوال حياته بأن أخاه لم يتغير...
فهذه مشكلة لعشرين يومًا من الآن.
استلقى آدم ونظر إلى السقف.
لديه اتجاه أخيرًا.
يتعلم القراءة جيدًا.
يفهم القلعة.
يعرف أين يعيش.
ثم يعرف ما هو هذا العالم، قبل أن يقرر أنه جاء لإنقاذه باختراعات الأرض.
بدت الخطة جيدة.
وهذا تحديدًا ما جعله يتوقف.
على الأرض أيضًا كانت خططه جيدة دائمًا.
الدراسة.
النادي.
مشاريعه.
كان يعرف كيف يرتب ما يريد فعله، ويعرف كيف يقنع نفسه بأن هذه المرة ستكون مختلفة.
المشكلة لم تكن يومًا في الخطة.
كانت في اليوم التالي.
ظل ينظر إلى السقف.
ثم جلس من جديد.
لا.
إذا كانت البداية هي القراءة، فلا يوجد سبب ينتظر من أجله حتى الغد.
بحث بعينيه عن سامر.
------------------------------——————
فقرة الكاتب
أَبَكَتْ تِلْكُمُ الحَمامَةُ أَمْ غَنَّتْ
عَلى فَرْعِ غُصْنِها المَيّادِ؟
صاحِ، هَذي قُبورُنا تَمْلَأُ الرُّحْبَ
فَأَيْنَ القُبورُ مِنْ عَهْدِ عادِ؟
خَفِّفِ الوَطْءَ، ما أَظُنُّ أَديمَ الأَرْضِ
إِلّا مِنْ هَذِهِ الأَجْسادِ
وَقَبيحٌ بِنا، وَإِنْ قَدُمَ العَهْدُ،
هَوانُ الآباءِ وَالأَجْدادِ
سِرْ إِنِ اسْتَطَعْتَ في الهَواءِ رُوَيْدًا،
لا اخْتِيالًا عَلى رُفاتِ العِبادِ
— أبو العلاء المعرّي، من قصيدة «غير مجدٍ في ملّتي واعتقادي».