ثمن الشتاء
قبل أن تبدأ القراءة، عطّر لسانك بالصلاة على النبي محمد ﷺ.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد.
---------------------------------------
الفصل الثامن: ثمن الشتاء
عاد كايل إلى الغابة في اليوم التالي، ثم في اليوم الذي بعده، وفي اليوم الثالث أيضًا.
لم يكن الشتاء يعني أن الحيوانات اختفت تمامًا. لو كان الأمر كذلك، لكان القرار أسهل. المشكلة أنها أصبحت أقل، وآثارها أقدم، والمسافات التي يقطعها أطول، بينما يعود بصيد أصغر.
في ذلك الصباح خرج قبل شروق الشمس. ترك ليو نائمًا، وأخذ قوسه وسكينه، ثم أغلق الباب خلفه بهدوء.
وعندما عاد إلى يلمار، كانت الشمس قد بدأت تختفي خلف الأشجار.
كان يحمل أرنبين.
نظر إليهما أثناء سيره نحو البيت. قبل أشهر، كان سيعتبر يومًا كهذا سيئًا.
أما الآن؟
على الأقل لم يعد خالي اليدين.
فتح الباب، فوجد ليو جالسًا في مكانه المعتاد وكتابًا بين يديه. رفع رأسه ونظر إلى الأرنبين.
"أفضل من الأمس."
"بالتأكيد. بالأمس عدت إليك بالهواء فقط."
ابتسم ليو.
"حتى الهواء كان باردًا."
خلع كايل معطفه.
"إن لم يعجبك، سأجلب لك غدًا هواءً دافئًا."
"من أين؟"
"من الجبل."
"الجبل أبرد."
توقف كايل ونظر إليه.
"اقرأ كتابك."
ضحك ليو وعاد إلى القراءة.
وضع كايل صيده جانبًا واقترب من النار. لم تكن قوية، لكن الحطب يكفيهما في الوقت الحالي، والطعام أيضًا.
في الوقت الحالي.
بدأ يكره هذه العبارة.
كل شيء صار يكفيهما في الوقت الحالي، لكن ماذا عن الأسبوع القادم؟ أو الشهر القادم؟ وماذا لو استمر الشتاء على هذا الحال؟
مد يديه نحو النار.
كان يعرف الغابة جيدًا، ربما أفضل من معظم الشبان في يلمار. حرص أبوه على ذلك منذ صغره. يعرف الآثار، وأماكن بحث الحيوانات عن الماء، ومتى يترك أثرًا ليتبع آخر، وكيف يتحرك دون أن يسمعه ما يصطاده.
لكن معرفته بالغابة لا تستطيع إجبارها على منحه ما ليس فيها.
نظر خلفه.
كان ليو لا يزال يقرأ الكتاب نفسه.
حدق فيه كايل قليلًا.
"ليو."
"نعم؟"
"ألم تنتهِ من هذا الكتاب؟"
لم يرفع ليو رأسه.
"انتهيت."
"متى؟"
"منذ مدة."
قطب كايل حاجبيه.
"فلماذا تقرؤه مرة أخرى؟"
رفع ليو عينيه أخيرًا، ونظر إلى الكتاب ثم إلى أخيه.
"وماذا أقرأ غيره؟"
لم يجد كايل جوابًا.
عاد ليو إلى الصفحة، أما هو فبقي ينظر إليه.
كان يعرف أن أخاه لم يقل ذلك ليشتكي.
وهذا جعله أسوأ.
---
كان أمام امتحان ليو نحو خمسة عشر شهرًا.
عندما يحين موعده، سيكون عليه الذهاب إلى المقاطعة والتقدم إليه. لم يكن النجاح في الامتحان سيجعله عالمًا بين ليلة وضحاها، لكنه بالنسبة إلى فتى من قرية مثل يلمار كان بابًا.
بابًا صغيرًا، نعم، لكن معظم الناس حولهما لم يملكوا حتى ذلك.
ليو يريد دخوله.
وكايل يريد أن يمنحه فرصة حقيقية لذلك.
لكن الرغبة وحدها لا تكفي.
كان ليو بحاجة إلى أن يتعلم، والتعلم يحتاج إلى كتب. بعض الكتب التي يملكانها اشترياها مستعملة، وبعضها حصل عليه ليو من أشخاص لم يعودوا يحتاجون إليها، وكان أحدها ناقص الصفحات. ومع ذلك، كان يعيد قراءتها للمرة الثانية والثالثة.
كايل يعرف الصيد. يستطيع النظر إلى أثر حيوان وتقدير الوقت الذي مر عليه، والدخول إلى الغابة والعودة منها ليلًا، وسلخ ما يصطاده وبيع الجلد أو جزء من اللحم.
أما الكتب فكانت قصة أخرى. كان يحتاج إلى وقت حتى يقرأها ويفهمها.
ليو لم يكن مثله.
أعطه شيئًا جديدًا، وسيجلس أمامه حتى يفهمه، ثم تبدأ الأسئلة. أسئلة كثيرة إلى درجة أن كايل كان يتمنى أحيانًا لو أن أخاه لم يتعلم الكلام أصلًا.
لكنه كان جيدًا.
جيدًا فعلًا.
ولهذا عرف كايل أن المشكلة ليست في رغبة ليو في التعلم.
المشكلة هي إن كانا يستطيعان دفع ثمن تلك الرغبة.
---
بعد عدة أيام، تغير شيء في يلمار.
لم يبدأ الأمر بصراخ أو جرس. بدأ برجلين عادا من الغابة دون الرجل الثالث.
كان كايل قرب أحد البيوت عندما رآهما. عرف الرجلين، وعرف أيضًا من كان يفترض أن يكون معهما.
كان على ملابس أحدهما دم.
ليس كثيرًا، لكنه كان كافيًا.
بدأ بعض أهل القرية يتجمعون. خرجت امرأة من أحد البيوت، فنظرت إلى الرجلين ثم إلى الطريق خلفهما.
لم تجد من تبحث عنه.
"أين هو؟"
لم يجب أحدهما مباشرة.
تغير وجهها.
"أين هو؟"
قال الرجل الأكبر:
"وجدنا آثار نمر."
صمتت المرأة.
أكمل بعد لحظة:
"لم ننتبه إليه إلا بعد فوات الأوان."
لم يسأل كايل عن التفاصيل.
لم يحتج إليها.
أما المرأة فاحتاجت. سألت مرة، ثم مرة أخرى، حتى أخبراها بما حدث.
لم يعودوا بجسد الرجل كاملًا.
---
في الأيام التالية، لم تتوقف يلمار.
وكان ذلك ربما أسوأ ما في الأمر.
مات الرجل، وفي اليوم التالي خرج الناس إلى أعمالهم. كانوا ما يزالون بحاجة إلى الحطب والطعام والصيد. الشتاء لم يهتم بأن رجلًا مات، والجوع لم يهتم أيضًا.
كان للرجل زوجة وأطفال يعرفهم كايل. لم يكونوا مقربين منه، لكن في قرية صغيرة لا تحتاج إلى صداقة أحد حتى تعرف من يعيش خلف كل باب.
مر ذات يوم قرب بيتهم، فرأى المرأة عند النافذة، وإبرة في يدها وقطعة قماش على ركبتها. جلس طفل صغير قريبًا منها، وآخر في زاوية الغرفة.
تابع كايل طريقه.
وفي اليوم التالي رآها تحمل ملابس ليست لها.
بدأت تأخذ أعمال الخياطة وإصلاح الملابس من أهل القرية. أعطاها بعض الناس طعامًا، وآخرون حطبًا، وأعطتها إحدى العائلات كيسًا صغيرًا من الحبوب.
لكن لكل عائلة في يلمار شتاءها الخاص.
لا أحد يملك ما يكفي لإطعام عائلة ثانية إلى الأبد.
بعد أسبوعين ستبقى المرأة وحدها في مواجهة الأمر. وبعد شهرين ربما تجد طريقة لتدبر حياتها.
وربما لا.
لم يعرف كايل.
وهذا بالضبط ما أزعجه.
---
في تلك الليلة لم يستطع النوم بسرعة.
كان ليو نائمًا على الجانب الآخر من الغرفة، بينما بقي كايل ينظر إلى السقف.
الرجل الذي مات كان أكبر منه وأقوى وأكثر خبرة. كانت لديه زوجة وأطفال. خرج في صباح عادي إلى الغابة، ثم انتهى كل شيء.
فكر كايل بأبيه، لكنه أوقف الفكرة هناك.
التفت نحو ليو.
خمسة عشر عامًا.
بعد نحو خمسة عشر شهرًا سيحين الامتحان. هذا إن استمر في الدراسة، وحصل على الكتب التي يحتاج إليها، وكان لديهما ما يكفي من المال حتى يصل إلى ذلك اليوم.
وماذا لو...
أغلق كايل عينيه.
بدأ يكره كلمة "إذا" أيضًا.
ماذا لو خرج غدًا وقابل نمرًا؟ أو دبًا؟ ماذا لو كسر ساقه؟ حتى إصابة لا تقتله قد تكون كافية لقلب حياتهما.
من سيصطاد عندها؟
ليو؟
فتح عينيه.
ليو قادر على العمل، بالتأكيد. خلال أشهر يستطيع كايل أن يعلمه المزيد عن الصيد، أو يمكنه أن يعمل في جمع الحطب أو في الحقول عندما يأتي الموسم. يستطيع أن يحمل وينقل ويقبل أي عمل يجده.
وهكذا سيعيشان.
مثل الجميع.
استدار كايل على جانبه ونظر إلى أخيه.
مثل الجميع.
لماذا أزعجته الفكرة؟
لأنها كانت صحيحة.
لو ترك ليو الكتب غدًا وبدأ يعمل معه، لأصبحت حياتهما أسهل. يدان بدل واحدة، ودخل إضافي، ولن يبقى كل شيء معلقًا بقدرة كايل وحده على العمل والصيد.
حل بسيط.
لكن ماذا بعد ذلك؟
بعد سنة؟
خمس سنوات؟
عشر؟
سيصبح ليو رجلًا يعرف كيف يحمل الحطب ويزرع ويصطاد قليلًا. ربما يتزوج وينجب أطفالًا، ثم يخرج أحدهم يومًا إلى الغابة لأن البيت يحتاج إلى اللحم.
وقد يعود.
وقد لا يعود.
مثل الرجل الذي مات.
ومثل قصص كثيرة سمعها أهل يلمار حتى لم تعد غريبة بالنسبة إليهم.
شد كايل فكه.
لم يكن يحتقر أهل القرية. كان واحدًا منهم.
لكنه لم يكن راضيًا عن فكرة أن هذه هي الحياة كلها: أن تعمل لأنك إن توقفت جعت، وأن يأتي شتاء سيئ فيأخذ ما جمعته، وأن تمرض فتحتاج إلى الآخرين، وأن تموت فتجلس زوجتك في اليوم التالي تخيط ملابس الناس كي تطعم أطفالك.
هل هذه كل الخيارات؟
نظر إلى ليو مرة أخرى.
لا.
إذا كان أخوه يملك فرصة للخروج من هذه الحياة، فلن يكون كايل هو من يسحبها منه.
---
كان قد سمع عن العمل في القلعة من قبل.
الجميع في يلمار سمعوا عنه. أراضي السيدة لم تكن بعيدة، وبعض رجال القرية عملوا هناك مؤقتًا، بينما دخل آخرون بعقود خدمة.
كانت القلعة تحتاج دائمًا إلى الأيدي: في المطابخ والمخازن والإسطبلات ونقل الحطب والتنظيف والورش، وعشرات الأعمال الأخرى التي يجب أن تُنجز كل يوم.
وفي المقابل يحصل العامل على الطعام ومكان للنوم وراتب.
وفي بعض أنواع العقود، دفعة مالية عند التوقيع.
كان كايل يعرف ذلك.
لكنه لم يفكر فيه جديًا من قبل.
حتى ذلك الشتاء.
---
"ثلاثون سنة؟"
نظر كايل إلى الرجل الجالس أمامه.
كان قد ذهب إلى البلدة القريبة ليسأل فقط. لم يوقع شيئًا، ولم يدخل القلعة حتى. وجد رجلًا سبق له العمل في أراضي السيدة ويعرف كيف تجري عقود الخدمة.
هز الرجل رأسه.
"أقصر عقد من النوع الذي تسأل عنه؟ ثلاثون سنة."
ضحك كايل مرة واحدة، لا لأن الأمر كان مضحكًا.
"عمري سبعة عشر عامًا."
"أعرف."
"هذا يعني أنني سأكون في السابعة والأربعين عندما ينتهي."
رفع الرجل كتفيه.
"إذا أكملت العقد."
حدق فيه كايل.
"وهل يفترض أن يطمئنني هذا؟"
ابتسم الرجل قليلًا.
"أنت سألت، وأنا أجبت."
سكت كايل لحظة.
"والدفعة؟"
أخبره الرجل بالمبلغ.
لم يكن ثروة. لن يشتري له بيتًا كبيرًا، ولن يجعل ليو غنيًا، لكنه بالنسبة إلى كايل كان مبلغًا كبيرًا بما يكفي لتغيير السنة القادمة، وربما أكثر.
"والراتب؟"
شرح له الرجل.
سأل كايل عن الطعام والسكن وأيام الراحة ونوع العمل.
ثم سأل عن شيء آخر.
"وماذا عن الحراس؟"
نظر الرجل إليه.
"ماذا عنهم؟"
"هل يستطيع الخادم أن يصبح حارسًا؟"
"يستطيع."
اعتدل كايل قليلًا.
"كيف؟"
"عندما يحتاجون إلى رجال، يجرون اختبارًا. لكن ليس كل من يتقدم يقبلونه."
"وماذا يريدون؟"
"إذا كنت تظن أن حملك للقوس في القرية سيجعلك حارسًا في القلعة، فانْسَ الأمر."
"لم أقل ذلك."
"إذن لا تستعجل."
سكت الرجل قليلًا، ثم أضاف:
"لكن الأمر ممكن. حدث من قبل."
بقيت كلمة واحدة في رأس كايل.
ممكن.
---
عاد إلى يلمار في ذلك اليوم دون قرار.
ثلاثون سنة.
كلما فكر في الرقم، بدا له العقد أكثر جنونًا. ثلاثون سنة أطول من حياته كلها حتى الآن، وبفارق كبير.
هل يوقع حياته على ورقة لأن شتاءً واحدًا كان سيئًا؟
لا.
في اليوم التالي خرج للصيد وعاد بغزال صغير. باع جزءًا منه واحتفظ بالباقي، وقال لنفسه إن الأمور ليست بهذا السوء.
بعد ثلاثة أيام عاد بأرنب.
ثم جاء يوم عاد فيه بلا شيء.
وتبعه يوم آخر مثله.
لكن موقفه من العقد لم يتغير.
ثلاثون سنة كثيرة.
---
مر أسبوع، ثم آخر.
استمرت المرأة المجاورة بالخياطة.
وفي إحدى المرات رأى كايل ابنها الأكبر يحمل حزمة حطب أكبر مما يناسب جسده. كان طفلًا، وإن لم يكن صغيرًا جدًا، وأصغر من ليو على أي حال.
توقف كايل لحظة.
فهم ما يحدث فورًا.
الأم تخيط، والولد بدأ يعمل.
لم يجبره أحد.
البيت يحتاج إليه.
عاد كايل إلى منزله في المساء، فوجد ليو يقرأ الكتاب نفسه مرة أخرى.
خلع قوسه وجلس.
"ليو."
رفع أخوه رأسه.
"ماذا؟"
"إذا لم تستطع الحصول على كتب أخرى، هل تستطيع التقدم إلى الامتحان؟"
تغير وجه ليو قليلًا.
"أستطيع."
عرف كايل أنه يكذب.
"سألت إن كنت تستطيع النجاح."
صمت ليو.
"ربما."
"ليو."
تنهد وأغلق الكتاب.
"أحتاج إلى كتب."
"كم كتابًا؟"
ذكر له بعضها.
لم يعرف كايل جميع العناوين، لكنه عرف عددها، وعرف أن ثمنها يتجاوز ما يستطيع دفعه الآن.
"وإذا لم نحصل عليها؟"
هز ليو كتفيه.
"أدرس ما لدي."
"ثم؟"
"أتقدم إلى الامتحان."
"وإذا لم تنجح؟"
لم يجب ليو مباشرة.
"أتقدم مرة أخرى إذا استطعت."
"وإذا لم تستطع؟"
ظهر الضيق في صوته، وهو أمر نادر.
"كايل، ماذا تريد مني أن أقول؟ أعرف وضعنا. ليس علينا أن نفكر فيه كل يوم."
سكت كايل قليلًا.
"أنا أفكر فيه حتى لا تضطر أنت إلى ذلك."
نظر ليو إليه.
لم يرد.
وبعد لحظات فتح كتابه من جديد.
أما كايل فظل جالسًا.
---
في تلك الليلة حسب كل شيء.
لم يحتج إلى أرقام دقيقة. كان يعرف ما يحتاجان إليه: الطعام والحطب والملابس والكتب، ثم نفقات رحلة ليو إلى المقاطعة عندما يحين موعد الامتحان بعد نحو خمسة عشر شهرًا.
أما الشيء الذي لم يستطع حسابه فهو الصيد.
كم غزالًا سيجد؟ وكم أرنبًا؟ هل سيكون الربيع أفضل؟ هل يأتي الشتاء القادم أسوأ؟ وهل سيبقى هو نفسه قادرًا على الصيد؟
فكر في الرجل الذي قتله النمر.
ثم فكر في نفسه.
هو أيضًا لم يكن يريد هذه الحياة.
كانت حقيقة لم يحب الاعتراف بها.
لم يكن يريد أن يقضي ثلاثين سنة خادمًا في القلعة، لكن هل يريد أن يقضي الثلاثين سنة القادمة في يلمار؟ يخرج للصيد، ويبيع ما يستطيع، ويعود إلى البيت، ثم يكرر الأمر في اليوم التالي، آملًا في كل شتاء ألا يكون القادم أسوأ؟
لم يكن يعرف ما ينتظره خلف جدران القلعة، لكنه يعرف أن هناك خدمًا وحراسًا وأعمالًا مختلفة.
والرجل أخبره أن الانتقال إلى الحراسة ممكن.
قد يفشل.
وقد يبقى خادمًا.
وقد يندم على اليوم الذي فكر فيه بهذا الطريق أصلًا.
لكنه على الأقل سيكون قد تحرك.
نظر إلى ليو النائم.
وكان هناك فرق آخر أهم.
إذا بقي في يلمار، فسيحتاج إلى مساعدة ليو قريبًا. سيبدأ أخوه العمل، وستقل ساعات القراءة شيئًا فشيئًا، وستصبح الكتب أقل أهمية أمام الطعام والحطب. وعندما يأتي الامتحان بعد خمسة عشر شهرًا، ربما لا يذهب إليه أصلًا.
أما إذا ذهب كايل إلى القلعة، فالدفعة الأولى وحدها تستطيع أن تشتري لهما شيئًا لا يملكانه الآن.
الوقت.
طعام وحطب وكتب، وخمسة عشر شهرًا يستطيع ليو خلالها أن يواصل الدراسة.
ربما هذا كل ما يحتاج إليه.
فرصة واحدة.
نهض كايل.
لم يقتنع بأن العقد جيد.
لم يكن كذلك.
ثلاثون سنة لا تصبح صفقة جيدة مهما قلب الرقم في رأسه.
لكنه بدأ يقتنع بأن الخيارات الأخرى ليست جيدة أيضًا.
---
لم يخبر ليو عندما ذهب في المرة التالية.
قال فقط إنه ذاهب إلى البلدة، ومن هناك تابع الطريق نحو أراضي السيدة.
كلما اقترب، أصبحت الطريق أفضل، حتى ظهرت الأسوار من بعيد.
القلعة.
رآها من قبل، لكن النظر إليها هذه المرة كان مختلفًا.
إذا دخلها ووقع، فقد يبقى في خدمتها حتى يبلغ السابعة والأربعين.
توقف على الطريق وظل ينظر إليها مدة طويلة.
ثم أكمل سيره.
---
قرأ الرجل الجالس خلف الطاولة شروط العقد.
فهم كايل بعضها جيدًا، واضطر إلى طلب شرح بعض الكلمات الأخرى.
سيعمل حيث تكون الحاجة إليه. السكن والطعام ضمن الخدمة، والراتب يُدفع له. مخالفة الأوامر لها عقوبات، ولا يحق له ترك الخدمة قبل انتهاء العقد لمجرد أنه غير رأيه.
أما المدة...
ثلاثون عامًا.
كانت الورقة أمامه، والمكان المخصص لاسمه في أسفلها.
قال الرجل:
"إذا أردت التفكير، ففكر."
رفع كايل عينيه.
"كم لدي من الوقت؟"
"العقود لن تختفي غدًا."
نظر كايل إلى الورقة مرة أخرى.
كان يستطيع النهوض والعودة إلى يلمار.
ربما يأتي الربيع جيدًا. وربما يكون العام القادم أفضل. وربما يستطيع شراء كتب ليو واحدًا بعد الآخر.
ربما.
تذكر المرأة التي تخيط.
وابنها الذي يحمل الحطب.
والرجل الذي لم يعد من الغابة.
وكتاب ليو الذي يقرؤه للمرة الثالثة.
ثم تذكر سؤالًا آخر.
الحراس؟
ممكن.
لم يكن ضمانًا.
لكنه كان شيئًا.
قال الرجل:
"هل قررت؟"
بقي كايل صامتًا لحظات.
ثم أخذ القلم.
---
لم يخبر ليو عن الثلاثين سنة.
ليس في تلك الليلة.
وضع المال أمامه.
نظر ليو إليه، ثم إلى كايل.
"من أين أتيت بهذا؟"
"وجدت عملًا."
"كل هذا؟"
"دفعة أولى."
تغير وجه ليو.
"أين ستعمل؟"
"في القلعة."
ظل ليو ينظر إليه.
"قلعة السيدة؟"
رفع كايل حاجبه.
"كم قلعة لدينا؟"
"منذ متى؟"
"من اليوم."
"وماذا ستعمل؟"
"أي شيء يحتاجون إليه في البداية."
لم تعجبه الإجابة. ظهر ذلك على وجهه فورًا.
"كم؟"
عرف كايل ما يقصده، لكنه تظاهر بغير ذلك.
"كم ماذا؟"
"كم ستبقى هناك؟"
صمت.
"العقد طويل."
"كم هو طويل؟"
"ليو."
"كم؟"
نظر كايل إلى أخيه.
خمسة عشر عامًا.
لم يعد طفلًا، لكنه لم يرد أن يخبره.
ليس الآن.
"طويل."
ضاقت عينا ليو.
"لماذا لا تجيبني؟"
دفع كايل المال نحوه.
"لأن المدة ليست أهم شيء الآن."
"بالنسبة إلي هي مهمة."
"وبالنسبة إلي المهم أن تتقدم إلى الامتحان."
سكت ليو.
أشار كايل إلى المال.
"سنشتري الكتب التي تحدثت عنها."
نظر ليو إلى المال ثم عاد إليه.
"...كايل."
"وهناك راتب أيضًا."
"لم أطلب منك أن تفعل هذا."
"أعرف."
"أستطيع أن أعمل."
"أعرف."
"إذن لماذا؟"
تنفس كايل ببطء.
كان يستطيع أن يقول لأنه أخوه، أو لأنه يريد له حياة أفضل، لكن الكلمات بدت أكبر مما يريد قوله.
فاختار الحقيقة الأبسط.
"لأنك إذا بدأت العمل معي الآن، فبعد سنة ستظل تعمل معي."
عبس ليو.
"وماذا في ذلك؟"
"أنا أعرف كيف أصطاد."
وأشار إلى الكتاب.
"وأنت تعرف كيف تفعل هذا."
"القراءة؟"
"لا. إزعاجي بأسئلة لا أعرف إجاباتها."
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه ليو رغمًا عنه.
تابع كايل:
"لديك فرصة. فلنجربها."
تلاشت الابتسامة قليلًا.
"وأنت؟"
توقف كايل.
ثم قال:
"وأنا أيضًا أجرب شيئًا."
لم تكن كذبة.
نظر نحو الباب، إلى الطريق البعيد المؤدي إلى القلعة التي سيعود إليها.
ربما يبقى خادمًا.
وربما يأتي يوم يستطيع فيه الوقوف في الجانب الآخر من ساحتها، لا بين الخدم، بل بين الحراس.
لم يكن يعرف.
لكن منذ موت أبيه، كانت هذه أول مرة يشعر فيها أن حياته لا يجب أن تكون نسخة أخرى من حياة كل رجل عرفه في يلمار.
نظر إلى ليو.
"أحضر الكتب."
---
انقطعت الذكرى.
فتح آدم عينيه.
كان مستلقيًا في سريره داخل مهجع الخدم، والظلام يملأ المكان، بينما تتردد حوله أنفاس عشرات الرجال.
بقي ساكنًا.
ثلاثون عامًا.
الآن فهم الرقم، وفهم العقد، وفهم لماذا كان كايل هنا.
لم يُسحب من بيته، ولم يولد خادمًا. لقد اتخذ القرار بنفسه، لكن وصفه بأنه "اختار" بدا غريبًا عندما كانت جميع الخيارات أمامه سيئة.
رفع آدم يده أمام عينيه.
يد كايل.
الشاب الذي رأى الحياة التي تنتظره في يلمار ولم يرضَ بها. الذي أراد أن يمنح أخاه فرصة، وربما كان يأمل أن يصنع لنفسه فرصة أيضًا.
حارس.
إذن لم يكن كايل ينظر إلى القلعة بوصفها مكانًا سيقضي فيه ثلاثين سنة خادمًا فحسب.
كان يريد الوصول إلى شيء آخر.
أعاد آدم يده إلى جانبه.
لكن بين كل ما عرفه بقي ليو أكثر ما يشغل تفكيره.
خمسة عشر عامًا.
الكتب التي اشتراها كايل لأجله.
وامتحان يفصل ليو عنه، من الزمن الحالي، نحو اثني عشر شهرًا.
وأخ لم يعرف حتى الآن أن كايل وقع ثلاثين عامًا من حياته.
ظل آدم يحدق في الظلام.
قبل ثلاثة أشهر دخل كايل هذه القلعة وهو يظن أن أمامه ثلاثين عامًا ليغير حياته.
لم يعرف أنه لن يحصل حتى على ثلاثة أشهر كاملة منها.
والآن بقي في يلمار أخ يستعد لامتحانه، ويظن أن كايل ما زال هنا.
أن أخاه ما زال يعمل في القلعة.
وأن الشخص الذي سيعود إليه يومًا هو الشخص نفسه الذي ودعه.
لكن كايل لم يعد موجودًا.
----‐---‐---‐-------‐--------—-————
من الكاتب | برد الشتاء
بَرْدُ الشِّتَاءِ مُعَذِّبٌ يَشْقَى بِهِ الرَّجُلُ الفَقِيرُ
وَحْلٌ وَرِيحٌ قَاتِلٌ وَنَهَارُهُ يَوْمٌ قَصِيرُ
لَيْلُ الشِّتَاءِ هُوَ المَمَاتُ وَفِي صَبِيحَتِهِ النُّشُورُ
— الأحنف العكبري