من كان كايل؟
قبل أن تبدأ القراءة، عطّر لسانك بالصلاة على النبي محمد ﷺ.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد.
-----------------------------------------
الفصل السابع: من كان كايل؟
جلس آدم مع بقية الخدم عندما بدأت الاستراحة.
هذه المرة لم يندفع نحو الطعام كما فعل في الأيام الأولى. كان جائعًا، أو على الأقل كان جسده كذلك، لكنه حين وُضع الخبز والطعام البسيط أمامه، ظل ينظر إليهما بضع ثوانٍ قبل أن يمد يده.
أخذ قطعة خبز وقضم منها ببطء.
سرعان ما عادت الأصوات من حوله.
أحاديث متقاطعة.
ضحكات قصيرة.
شكاوى من العمل.
رجل يسأل آخر عما حدث في المخزن، وآخر يلتهم طعامه كأنه يخشى أن يهرب منه.
حياة عادية.
بالنسبة إليهم، على الأقل.
رفع أحد الخدم صوته من مكان قريب:
"إذا أعطوني يومي الإجازة هذا الشهر، فسأذهب إلى القرية."
رد عليه رجل آخر:
"إذا أعطوك."
ضحك الأول.
"لهذا قلت إذا."
"ولماذا ستذهب؟"
"لأرى أهلي. مضى أكثر من شهر منذ أن رأيتهم."
استمر الحديث، لكن آدم توقف عن المضغ.
أهله.
ظهرت في ذهنه صورة صغيرة.
فتى ذو شعر داكن.
ليو.
حاول التمسك بالصورة.
كم عمره الآن؟
أين يعيش؟
ومتى رآه كايل آخر مرة؟
لم تأته إجابة.
ظهرت بدلًا منها أجزاء غير مكتملة.
بيت صغير.
طريق بين الأشجار.
وجه ليو.
عرف شيئًا واحدًا فقط.
ليو لا يعيش هنا.
وإذا كان حديث الخدم صحيحًا، فربما كان بعض من يعملون في القلعة يزورون عائلاتهم عندما يحصلون على إجازة.
هل كان كايل يفعل الشيء نفسه؟
لم يعرف.
واصل الأكل.
بعد قليل، انتقل حديث الرجال إلى شيء آخر، وسمع أحدهم يذكر أمه.
حاول آدم أن يتذكر أم كايل.
لم يظهر وجه.
ولا صوت.
كان هناك شيء بعيد.
قديم إلى درجة أنه لم يستطع تمييزه.
ثم اختفى.
تركه.
بدأ يفهم أن مطاردة الذكريات بالقوة لا تفيد.
لكن السؤال الذي نام وهو يفكر فيه بقي معه.
من كان كايل؟
---
انتهت الاستراحة وعادوا إلى العمل.
أُرسل آدم مع ثلاثة خدم لنقل بعض الأغراض إلى مبنى آخر.
خرجوا إلى الساحة، فضرب الهواء البارد وجهه. رفع رأسه فرأى الجبال البعيدة، بيضاء وضخمة، كأنها تحيط بجزء من العالم.
مروا بجانب عربة وصلت حديثًا.
كانت محملة بأكياس وصناديق، وفوق أحدها رُبط جلد حيوان كبير.
وقعت عينا آدم عليه.
وصلت إليه رائحة الجلد.
ورائحة دم قديم.
وفجأة، لم يعد في الساحة.
"لا تمشِ هكذا."
كان صوت الرجل أمامه هادئًا.
كايل أصغر بكثير.
ربما في العاشرة أو الحادية عشرة.
كان يحمل قوسًا أصغر من قوس الرجل الذي يسير أمامه. الأشجار تحيط بهما، والأرض رطبة تحت قدميهما.
رفع كايل قدمه.
"ماذا فعلت؟"
التفت الرجل إليه.
كان وجهه خشنًا، ولحيته قصيرة، وشعره أسود بدأت تظهر فيه خيوط رمادية.
نظر كايل إلى قدمه.
"لا شيء."
"اسمع."
سكت.
في البداية لم يفهم.
ثم سمع صوت غصن صغير ينكسر تحت حذائه.
أشار الرجل إليه.
"سمعتك قبل أن أراك."
"كان غصنًا."
"والحيوان سيقول الشيء نفسه قبل أن يهرب؟"
لم يجب كايل.
اقترب الرجل منه، ثم أشار إلى الأرض أمامه.
"لا تنظر إلى المكان الذي ستضع فيه قدمك فقط. انظر إلى الخطوات الثلاث القادمة."
تحرك ببطء بين الأشجار.
راقبه كايل، ثم حاول تقليده.
هذه المرة لم يصدر صوتًا.
أومأ الرجل.
"أفضل."
تغير المشهد.
كايل جاثٍ قرب أثر في الطين.
الرجل خلفه.
"ماذا ترى؟"
"غزال."
"هذا واضح."
حدق كايل أكثر.
"مر من هنا."
"هذا أوضح."
نظر كايل إليه بانزعاج.
ضحك الرجل.
"متى؟"
عاد كايل إلى الأثر.
لم يعرف.
أشار الرجل إلى حافة الطبعة في التراب.
"الأرض لا تزال رطبة هنا."
ثم أشار إلى ورقة مسحوقة بجانبها.
"وهذه لم تجف."
اقترب كايل أكثر.
"يعني قريب؟"
"أقرب مما كنت ستعرفه لو اكتفيت بالنظر إلى شكل القدم."
اختفى المشهد.
عادت الساحة حول آدم.
توقف للحظة.
"كايل؟"
التفت إليه أحد الخدم.
"ماذا؟"
أدرك آدم أن الآخرين سبقوه عدة خطوات.
"لا شيء."
لحق بهم.
لكن الرجل بقي واضحًا في رأسه.
والد كايل.
هذه المرة لم يكن مجرد وجه ظهر للحظة.
كان يستطيع تذكر صوته.
طريقة وقوفه.
وحتى الطريقة التي كان ينظر بها إلى كايل عندما يخطئ.
والأغرب أنه شعر بأنه يعرفه.
لو وضعوا أمامه مئة رجل، لعرف أيهم والد كايل.
مع أنه، آدم، لم يره في حياته.
---
وصلوا إلى المبنى الآخر.
بدأوا بتفريغ ما يحملونه.
طلب منه أحد الرجال تثبيت حبل حول مجموعة من الأدوات قبل نقلها.
أمسك آدم الحبل.
وقبل أن يفكر في الطريقة، تحركت أصابعه.
دار الحبل.
مر الطرف من تحته.
شده.
ثم ثبته.
توقف آدم ونظر إلى العقدة.
لم يتذكر تعلمها.
لكن جسده نفذها من دون تردد.
جرب شد الحبل.
ثابت.
نظر إلى أصابعه.
ثم إلى العقدة.
لم تكن الذكريات وحدها ما بقي من كايل.
بعض الأشياء ظهرت في الحركة نفسها.
الطرق التي يسلكها دون تفكير.
طريقة حمل بعض الأدوات.
والآن هذه.
لم يعرف حدود ذلك.
وهذا بالتحديد ما جعله حذرًا من افتراض أنه يستطيع فعل كل ما كان كايل يستطيع فعله.
وجود بعض مهاراته لا يعني أن كل شيء موجود.
ترك الحبل وأكمل العمل.
---
في وقت لاحق، وجد ورقة موضوعة فوق أحد الصناديق.
لم تكن تخصه، لكنه توقف عندها.
كانت الكتابة مألوفة له.
ليس لأنها تشبه الكتابة التي عرفها في حياته السابقة، بل لأن شيئًا من كايل كان يعرف هذه الحروف.
قرأ أول كلمة ببطء.
ثم الثانية.
عند الثالثة توقف.
أعادها.
استطاع قراءتها بعد لحظات، لكنه لم يفهمها مباشرة.
عبس.
جرب السطر التالي.
بعض الكلمات عرفها.
وبعضها احتاج إلى تهجئتها.
وأخرى لم يعرفها أصلًا.
إذن كايل كان يعرف القراءة.
لكن ليس جيدًا.
والغريب أن آدم نفسه كان يعرف كيف يقرأ في حياته السابقة، لكن ذلك لم يساعده كثيرًا هنا.
الحروف مختلفة.
والكلمات مختلفة.
ما يملكه الآن ليس معرفته القديمة باللغة.
بل ما بقي من معرفة كايل بها.
وصل إليه صوت خطوات، فأعاد الورقة إلى مكانها وأكمل عمله.
لكن الأمر بقي في رأسه.
---
لاحقًا، أثناء نقل الأغراض، مرت أمامه ذكرى أخرى.
هذه المرة جاء ليو أولًا.
كان أصغر من الصورة التي يحملها آدم عنه الآن، جالسًا وفي حجره كتاب مفتوح.
تحرك إصبعه تحت أحد الأسطر وهو يقرأ.
توقف عند كلمة.
أعادها.
ثم قالها بطريقة مختلفة.
"غلط."
رفع ليو رأسه.
كان كايل جالسًا بالقرب منه يصلح قطعة من الجلد.
"وين الغلط؟"
أشار كايل إلى الكلمة.
"هاي."
قرأها ليو مرة أخرى.
هز كايل رأسه.
"مو هيك."
"طيب اقرأها أنت."
سكت كايل.
نظر إلى الكلمة.
ثم اقترب قليلًا.
قرأها ببطء.
توقف في منتصفها.
ابتسم ليو.
"وأنت ما تعرف."
"بعرف."
"وقفت."
"لأني كنت أفكر."
ضحك ليو.
"أنت دائمًا تفكر لما ما تعرف."
رمقه كايل بنظرة ضيقة، ثم أعاد قراءة الكلمة.
هذه المرة أكملها.
رفع حاجبه.
"شفت؟"
"أخذت وقت."
"المهم قرأتها."
أعاد ليو عينيه إلى الكتاب.
وبعد لحظات قال:
"ليش الجبال أبرد كل ما طلعنا لفوق؟"
نظر كايل إليه.
"شو دخل هذا باللي تقرأه؟"
"مكتوب هون عن جبل."
"وكاتب ليش بارد؟"
"لا."
"إذن كمل قراءة."
"بس بدي أعرف."
تنهد كايل.
"وأنا من وين أعرف؟"
"أنت تطلع للجبال مع أبي."
"هذا ما يعني إني أعرف ليش الجبل بارد."
فكر ليو قليلًا.
ثم قال:
"يمكن لأن الثلج فوق."
نظر إليه كايل.
"أكيد. الثلج قرر يطلع فوق لأنه يحب البرد."
قطب ليو حاجبيه.
"أنا أسأل بجد."
ابتسم كايل.
"وأنا جاوبتك بجد."
"كذاب."
اختفت الذكرى.
لكن الشعور الذي تركته بقي.
ليو يحب الكتب.
ويحب الأسئلة أكثر.
أما كايل...
فكان يعرف القراءة، لكنه لم يكن جيدًا فيها.
ومع ذلك، بدا أنه يعرف أكثر مما يحب أن يعترف به أمام أخيه.
والأهم أن آدم بدأ يرى شيئًا آخر.
كايل كان يستمع إليه.
حتى عندما لم يعرف الإجابة.
حتى عندما تظاهر بالانزعاج.
كان يبقى.
---
خلال بقية اليوم، جاءت أشياء صغيرة.
اسم أداة قبل أن يخبره بها أحد.
وجه شعر أنه رآه عشرات المرات من قبل.
طريق عرف أنه يقود إلى أحد المخازن قبل أن يصل إليه.
لكن الذكريات لم تكن كاملة.
وكلما ظهرت واحدة، كشفت شيئًا وتركت خلفها أسئلة أكثر.
بدأ آدم يفكر فعلًا في اليوم الذي سيرى فيه ليو.
إن حدث ذلك.
ماذا سيقول له؟
ليو يعرف كايل أكثر من أي شخص قابله آدم هنا حتى الآن.
ربما يلاحظ شيئًا.
طريقة كلام.
تصرفًا.
ذكرى مشتركة لا يعرفها آدم.
لم يكن لديه حل.
إذا اضطر، يستطيع القول إنه متعب أو مريض، أو إنه لا يتذكر بعض الأشياء جيدًا.
لكن الأفضل ألا يفتح الموضوع من نفسه.
ليس قبل أن يعرف أكثر.
---
قرب منتصف اليوم، وبينما كان يحمل صندوقًا مع رجل آخر، ظهرت ذكرى من دون شيء واضح يستدعيها.
رجل جالس أمام نار.
والد كايل.
كان أكبر قليلًا من الرجل الذي رآه في الغابة.
ومتعبًا.
ثم تغير المشهد.
سرير.
صوت تنفس ثقيل.
كايل واقف بالقرب منه.
لم يفهم آدم الكلمات كلها.
ثم جاءت صورة أخرى.
تراب.
أشخاص واقفون بصمت.
وليو بجانب كايل.
صغيرًا.
شعر آدم بانقباض مفاجئ في صدره.
توقف.
"ارفع."
جاءه صوت الرجل الذي يحمل معه الصندوق.
عاد آدم إلى نفسه ورفع جانبه.
أكملا الطريق.
لكن شيئًا أصبح واضحًا.
والد كايل مات.
لم يعرف كيف.
ولا متى بالضبط.
لكن كايل كان في الخامسة عشرة تقريبًا.
بعد ذلك بدأت تظهر صور أقصر.
أرنب في يده.
غزال في أخرى.
طريق العودة.
ثم البيت.
وليو ينتظره.
لم يحتج آدم إلى مشهد كامل حتى يفهم ما حدث.
واصل كايل الصيد وحده بعد موت أبيه.
المهارات التي تعلمها منه لم تعد شيئًا يفعله برفقته.
أصبحت وسيلته لتأمين الطعام له ولأخيه.
وبقي ليو معه.
لكن ذلك لم يجب عن بقية الأسئلة.
أين أمهما؟
وكيف عاش الاثنان بعد موت أبيهما؟
ولماذا ترك كايل الصيد في النهاية وجاء إلى هذه القلعة ليعمل خادمًا بعقد يمتد ثلاثين عامًا؟
ماذا حدث لك؟
لم يكن السؤال موجهًا إلى نفسه هذه المرة.
---
قرب نهاية يوم العمل، انخفضت الحرارة أكثر.
كان آدم يحمل بعض الأغراض عبر الساحة عندما ضربه الهواء البارد، فارتجف.
وفي اللحظة التالية، وجد نفسه وسط برد آخر.
كان الثلج يتساقط بكثافة بين الأشجار.
كايل أكبر من الطفل الذي رآه مع أبيه.
قريب من عمره الحالي.
يحمل قوسه، وأنفاسه تظهر بيضاء أمام وجهه.
انحنى نحو أثر على الأرض.
قديم.
واصل السير.
مر وقت طويل بين الأشجار والثلج والصمت.
ولم يجد شيئًا.
ثم تغير المشهد.
فتح كايل بابًا خشبيًا ودخل.
كان البيت أبرد مما ينبغي.
النار في الموقد ضعيفة.
جلس ليو قريبًا منها، ملفوفًا بقطعة قماش سميكة.
رفع رأسه فور دخول كايل.
ثم نظر خلفه.
لم يكن هناك شيء.
"ما لقيت؟"
خلع كايل القوس.
"بكرة."
لم يقل ليو شيئًا.
كان على الطاولة القليل من الطعام.
أشار كايل إليه.
"كُل."
"وأنت؟"
"أكلت."
نظر ليو إليه.
"وين؟"
"بالطريق."
"شو أكلت؟"
توقف كايل.
"أكلت."
"شو؟"
اقترب منه ودفع الطعام نحوه.
"ليو."
فهم الفتى.
نظر إلى الطعام.
ثم إلى أخيه.
"نقسمه."
"قلت لك أكلت."
"أنت تكذب."
"وكيف عرفت؟"
"لأنك سيئ بالكذب."
كاد كايل يبتسم.
لكنه لم يفعل.
"كُل."
ظل ليو ساكنًا.
ثم قسم الطعام إلى قسمين.
دفع أحدهما نحو كايل.
"إذا ما أكلت، أنا كمان ما راح آكل."
نظر كايل إليه طويلًا.
ثم جلس.
انتهت الذكرى.
---
عاد البرد إلى مجرد هواء يمر في الساحة.
ظل آدم واقفًا لثانية قبل أن يتحرك.
بدأت أجزاء القصة تقترب من بعضها.
مات الأب.
واصل كايل الصيد.
كان عليه أن يعتني بليو.
ثم جاء شتاء لم يعد فيه الصيد كافيًا.
وبعد ذلك، في مكان ما بين ذلك البيت وهذه القلعة، وقع عقدًا لثلاثين عامًا.
لم يعرف بعد ما حدث بين الأمرين.
لكنه أصبح يفهم شيئًا لم يكن يفهمه من قبل.
لم يكن يعرف الجواب كاملًا.
لكنه نظر إلى ذلك البيت البارد، والطعام القليل، وكايل الذي حاول أن يعطي حصته لأخيه...
والفقر والجوع يغيران معنى كلمة "اختيار".
جاء صوت المسؤول يأمرهم بمتابعة العمل.
تحرك آدم مع الآخرين.
كان لا يزال يشتاق إلى أمه وأبيه.
ولا يزال جزء منه يتمنى أن ينام ثم يستيقظ في حياته القديمة.
لكن سؤالًا آخر أصبح يسير معه الآن.
لم يعد كايل مجرد الجسد الذي استيقظ فيه.
كان ابنًا تعلم الصيد من أبيه.
وأخًا حاول إطعام ليو بعد موت ذلك الأب.
وشابًا انتهى به الأمر إلى توقيع ثلاثين عامًا من حياته بعيدًا عن بيته.
وبقي جزء من القصة مفقودًا.
الجزء الذي أوصله إلى هنا.
ماذا حدث لك يا كايل؟
---------------------------------
من الكاتب | أخاك أخاك
أَخاكَ أَخاكَ إِنَّ مَن لا أَخًا لَهُ كَساعٍ إِلى الهَيْجاءِ بِغَيْرِ سِلاحِ
وَإِنَّ ابْنَ عَمِّ المَرْءِ فَاعْلَمْ جَناحُهُ وَهَلْ يَنْهَضُ البازي بِغَيْرِ جَناحِ؟