غدًا الذي لم يأتِ
قبل أن تبدأ القراءة، عطّر لسانك بالصلاة على النبي محمد ﷺ.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد.
----------------------------------------
الفصل السادس: غدًا الذي لم يأتِ
لم ينم آدم سريعًا.
بقي مستلقيًا في الظلام، يستمع إلى أنفاس الرجال من حوله وإلى الأصوات الخافتة القادمة من خارج الغرفة.
خلال يومين فقط، تغير كل شيء.
الحادث.
هذه القلعة.
الخدم.
كايل.
وقبل كل ذلك...
الموت.
لم تعد الكلمة احتمالًا يستطيع الابتعاد عنه.
مات آدم على ذلك الطريق.
ومع اعترافه بذلك، جاء الشيء الذي كان يتجنب التفكير فيه منذ استيقاظه.
أمه.
ظهرت رسالتها في ذهنه كما رآها آخر مرة.
لا تنسَ الجمعة.
كان ينوي الذهاب.
لم يكن يكذب عليها عندما وعدها.
كان سيذهب فعلًا.
لكن الجمعة لم تأتِ بالنسبة إليه.
أغمض عينيه.
تخيل أمه في البيت، تنتظر اليوم الذي أخبرها أنه سيأتي فيه.
ربما اتصلت به.
مرة.
ثم مرة أخرى.
ربما ظنت في البداية أنه نائم.
أو مشغول.
أو أن هاتفه مغلق.
ثم لا بد أن أحدًا أخبرها.
لم يعرف من.
الشرطة؟
المستشفى؟
شخص وجد رقمه؟
توقفت أفكاره عند ذلك الحد.
ضغط شفتيه معًا.
وماذا عن أبيه؟
ماذا حدث عندما وصله الخبر؟
هل ذهبا إلى المستشفى؟
هل رأيا جسده؟
خرج نفس مرتجف من صدره.
رفع ذراعه إلى وجهه ومسح عينيه.
لم يتوقف شيء.
استدار نحو الجدار بسرعة، محاولًا ألا يصدر صوتًا.
لم يرد أن يستيقظ أحد ويسأله لماذا يبكي.
وماذا سيقول أصلًا؟
مت لأنني كنت أنظر إلى رسالة من أمي، والآن أنا في جسد شاب آخر في عالم لا أعرفه؟
حتى داخل رأسه بدت الجملة جنونية.
بقي مواجهًا للجدار مدة طويلة.
كان يشتاق إليهما.
ولم يكن أكثر ما يشتاق إليه شيئًا كبيرًا.
كان يشتاق إلى أشياء عادية بشكل مؤلم.
صوت أمه عندما تتصل به لتسأله إن كان قد أكل.
أبيه وهو يسأله عن الجامعة.
الجلوس معهما من دون أن يحدث شيء مهم.
حتى الأسئلة التي كان يجيب عنها أحيانًا باختصار لأنها تكررت كثيرًا.
كان يتصرف دائمًا وكأن الفرصة القادمة مضمونة.
إذا لم يتصل اليوم، سيتصل غدًا.
إذا لم يزرهم هذا الأسبوع، سيذهب الأسبوع القادم.
إذا كان مشغولًا الآن، يستطيع الرد لاحقًا.
لأنهم كانوا دائمًا هناك.
فتح عينيه في الظلام.
أما الآن...
فلم يعد هناك لاحق.
للمرة الأولى منذ استيقاظه، لم يكن يفكر في كيفية وصوله إلى هذا المكان.
كان يفكر في الطريقة التي عاش بها قبل أن يصل إليه.
المشروع الإلكتروني الذي بدأه ولم يكمله.
اشتراك النادي الذي بدأه بحماس، ثم تحول بعد أسابيع إلى شيء يدفع ثمنه أكثر مما يستخدمه.
الدراسة التي كان يستطيع أن يكون أفضل فيها لو بدأ قبل الامتحان بوقت كافٍ.
الكتاب الذي توقف في منتصفه.
لم تكن حياته سيئة.
وهذا، بطريقة ما، جعل الأمر أسوأ.
لم يكن هناك شخص منعه.
لم تكن حياته سلسلة من الكوارث.
كان لديه بيت.
وعائلة.
وجامعة.
ووقت.
وفي أغلب المرات، كان يعرف ما يجب أن يفعله.
لكنه كان يؤجل.
غدًا سأبدأ.
غدًا سألتزم.
غدًا سأكمل.
غدًا سأذهب.
وكان الغد يأتي، فيتحول ببساطة إلى يوم آخر يستطيع أن يقول فيه الكلمة نفسها.
حتى صباح موته.
اتسعت عيناه قليلًا.
تذكر نفسه في شقته.
وتذكر القرار الصغير الذي اتخذه يومها.
اليوم.
للمرة الأولى منذ مدة، لم يقل غدًا.
سيعود إلى البيت.
سيبدل ملابسه.
ويذهب إلى النادي فورًا.
لا سرير.
لا هاتف.
ولا خمس دقائق.
ثم مات في الطريق.
خرج منه ضحك خافت.
قصير.
ولم يحمل شيئًا من الضحك.
"...حتى لما قررت."
توقفت الكلمات.
حدق في الظلام.
هل كانت تلك هي النهاية فعلًا؟
أول يوم قرر فيه أن يبدأ بدل أن يؤجل؟
لم يعرف إن كان الأمر مضحكًا أم قاسيًا.
ربما الاثنين.
بقي ساكنًا لحظات.
ثم جاءه سؤال آخر.
كيف أعود؟
تعلق به فورًا.
كيف؟
لم تكن لديه إجابة.
هو لا يعرف حتى أين هو.
لا يعرف كيف وصل.
ولا يعرف إن كان ما حدث انتقالًا، أو شيئًا آخر لا يملك له اسمًا.
وحتى لو كان الرجوع ممكنًا، لم يكن يعرف من أين يبدأ.
لكن جزءًا منه ظل متعلقًا بالفكرة.
لو فتح عينيه مرة أخرى ووجد سقف مستشفى فوقه...
حتى لو كان مصابًا.
حتى لو احتاج شهورًا ليتعافى.
حتى لو خسر عامًا كاملًا من الجامعة.
لم يكن يهم.
كان يريد أن يعود.
إلى أمه.
إلى أبيه.
إلى حياته.
أغمض عينيه بقوة.
لكن عندما فتحهما...
ظل السقف الخشبي فوقه.
وظلت أنفاس الرجال من حوله.
لم يتغير شيء.
الرغبة وحدها لم تكن طريقًا إلى المنزل.
استلقى بصمت.
لم يعرف إن كانت هذه حياة ثانية.
ولا كم ستستمر.
ولا إن كان سيظل في هذا الجسد.
ولهذا لم يحاول أن يعد نفسه بأنه سيتغير تمامًا.
لقد فعل ذلك كثيرًا من قبل.
من الأسبوع القادم.
من الشهر القادم.
من الفصل القادم.
كانت الوعود أسهل جزء دائمًا.
هذه المرة، لم يرد وعدًا كبيرًا.
إذا كان لديه وقت هنا...
فلا يريد أن يضيعه كله كما فعل من قبل.
هذا فقط.
أما كيف سيفعل ذلك، فلم يعرف بعد.
بقي مستلقيًا حتى بدأت أفكاره تتباطأ.
وعندما اقترب النوم منه أخيرًا، ظهرت صورة أمه في ذهنه.
لم يحاول إبعادها.
تركها تبقى.
ثم نام.
---
عندما استيقظ مرة أخرى، كان أحد الخدم يتحرك بين الأسرة.
"انهضوا."
بدأت الغرفة تمتلئ بالحركة.
فتح آدم عينيه بصعوبة. شعر كأنه لم ينم إلا دقائق، رغم أنه عرف أن المدة كانت أطول.
كان الوقت قريبًا من بداية يوم العمل، نحو الخامسة صباحًا.
جلس وفرك وجهه.
كان رأسه ثقيلًا، وعيناه تحرقانه.
ولم يكن إرهاقه هذه المرة قادمًا من جسد كايل وحده.
ارتدى ملابسه بصمت، ثم خرج مع بقية الخدم.
---
أُرسل ذلك اليوم مع مجموعة لتنظيف وترتيب جزء من المبنى قريب من المخازن، ثم نقل بعض الأدوات والأوعية بين الغرف.
لم يكن العمل شاقًا، لكنه كان متواصلًا.
وهذا ناسبه.
حين كان يعمل، كانت أفكاره أهدأ.
يحمل شيئًا.
ينقله.
يعود.
ينظف.
ثم يبدأ من جديد.
لم يحتج إلى التفكير في أمه في كل دقيقة.
ولا في الحادث.
ولا في كيفية العودة.
لكن الصمت لم يدم دائمًا.
"كايل."
رفع رأسه فورًا.
كان أحد المسؤولين يشير إلى مجموعة من الأوعية.
"خذ هذه إلى الغرفة الثانية."
"حاضر."
تحرك نحوها.
وبعد خطوات فقط، أدرك ما حدث.
توقف.
لم يحتج إلى التفكير عندما سمع الاسم.
استجاب له مباشرة.
كايل.
الاسم ليس اسمه.
ومع ذلك، عندما يناديه أحد به، يلتفت.
عندما يريدون منه العمل، يستخدمونه.
وعندما يبحث أحد عنه، يبحث عن كايل.
ظل واقفًا للحظة، ثم عاد إلى حمل الأوعية.
كان الأمر صغيرًا.
لكنه أزعجه أكثر مما توقع.
قبل أيام فقط، لم يكن لهذا الاسم أي معنى بالنسبة إليه.
والآن أصبح الاسم الذي يفتح به عينيه كل صباح.
---
مرت الساعات.
وأثناء العمل، أخذ آدم يراقب المكان أكثر.
لم يعد كل شيء حوله مجرد خلفية غريبة.
بدأ يحاول حفظ الطرق.
أين توجد المخازن.
من يعطي الأوامر.
أي الممرات يستخدمها الخدم.
وأي الأماكن لا يدخلها أحد منهم من دون سبب.
لم يكن يعرف كم سيبقى هنا.
لكن إذا كان سيعيش هذه الحياة، ولو مؤقتًا، فلا يستطيع أن يبقى جاهلًا بكل شيء حوله.
كان يحتاج إلى معلومات.
عن المكان.
عن العقد.
وعن كايل نفسه.
كل ما يعرفه عنه حتى الآن لا يتجاوز قطعًا متناثرة.
شاب في السابعة عشرة.
كان يصطاد مع والده.
له أخ أصغر اسمه ليو.
وقع عقدًا طويلًا وأصبح خادمًا هنا.
لكن بين تلك المعلومات فراغات ضخمة.
لماذا جاء إلى القلعة؟
أين والده؟
أين يعيش ليو الآن؟
وما الذي حدث لكايل في آخر أيامه حتى وصل جسده إلى تلك الحالة؟
لم يحاول إجبار الذكريات على الظهور.
تعلم خلال الأيام الماضية أن ذلك لا يفيد.
سيجمع ما يستطيع عندما يأتي.
---
في إحدى المرات، خرج إلى الساحة يحمل بعض الأدوات.
كانت الجبال ظاهرة من بعيد.
قمم بيضاء ضخمة ترتفع خلف الأشجار.
توقف بصره عليها للحظات.
لو رأى مكانًا كهذا قبل أسبوع، لكان أول ما فعله هو إخراج هاتفه.
ربما التقط صورة.
وربما أرسلها إلى أمه.
شوفي وين أنا.
ابتلع آدم ريقه.
خفض نظره وأكمل السير.
لم يكن يريد أن يعود إلى البكاء وسط الساحة.
لكن الفكرة لم تتركه.
أمه لن ترى هذه الجبال.
لن تعرف أين هو.
لن تعرف حتى أنه ما زال واعيًا في مكان ما.
بالنسبة إليها...
كان قد مات.
أكمل العمل ورأسه منخفض.
---
عندما انتهى اليوم وعاد إلى غرفة الخدم، كان التعب كافيًا ليجعل جسده يطلب النوم.
لكن رأسه ظل مستيقظًا.
جلس على سريره لبعض الوقت.
أراد العودة.
هذه الحقيقة لم تتغير.
لو ظهر أمامه الآن طريق يعيده إلى حياته القديمة، لما احتاج إلى التفكير لحظة واحدة.
لكنه لم يملك طريقًا.
ولا حتى دليلًا على وجود واحد.
وفي الوقت نفسه، كانت هناك حياة أخرى حوله لا تنتظر أن يفهم ما حدث.
غدًا سيستيقظون للعمل.
سينادونه كايل.
وسيُطلب منه أن يتصرف كأن كل شيء طبيعي.
رفع آدم عينيه نحو الرجال من حوله.
كل واحد منهم كان يعرف شيئًا عن كايل لا يعرفه هو.
ربما بعضهم عمل معه شهورًا.
ربما سنوات.
وفي مكان آخر، كان هناك ليو.
فتى لا يعرف أن شيئًا تغير في أخيه.
تنفس آدم ببطء.
في البداية، كان كايل بالنسبة إليه مجرد اسم.
ثم أصبح وجهًا.
وبعد ذلك بدأت تأتي الذكريات.
أما الآن...
فللمرة الأولى شعر أن الاسم يخفي وراءه حياة كاملة لا يعرف عنها إلا القليل.
خفض نظره إلى يديه.
هذا الجسد لم يبدأ وجوده عندما استيقظ آدم داخله.
كان هناك شخص عاش به قبله.
شخص له أب.
وأخ.
وذكريات.
وأسباب أوصلته إلى هذا المكان.
استلقى آدم على السرير.
كان لا يزال يريد العودة.
ولا يزال لا يعرف إن كان ذلك ممكنًا.
لكن حتى يجد إجابة، لم يعد يستطيع التعامل مع حياة كايل كأنها مجرد مكان مؤقت استيقظ فيه.
إذا كان سيعيش داخلها، فعليه أن يفهمها.
ويفهم صاحبها.
أغمض عينيه.
وفي رأسه بقي سؤال واحد:
من كان كايل؟
-----------------------------------------
من الكاتب | حين تدمع العين ويحزن القلب
أحببت أن أشارككم اليوم موقفًا من حياة رسول الله ﷺ، يحمل معنى جميلًا عن الفقد والحزن والصبر.
كان للنبي ﷺ ابن صغير يُدعى إبراهيم، وكان يحبه ويعتني به.
يروي أنس بن مالك رضي الله عنه أنه دخل مع رسول الله ﷺ على أبي سيف، الذي كانت زوجته ترضع إبراهيم، فأخذ النبي ابنه وقبّله وشمّه.
ومضت الأيام، حتى جاء اليوم الذي اشتد فيه المرض على إبراهيم، وأصبح في لحظاته الأخيرة.
دخل عليه رسول الله ﷺ، ورأى ابنه الصغير يجود بنفسه، فلم يتمالك عينيه من الدموع.
وكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه حاضرًا، فتعجب حين رأى رسول الله ﷺ يبكي، وسأله عن ذلك.
فأخبره النبي ﷺ أن تلك الدموع رحمة.
ثم قال كلماته:
«إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون».
— صحيح البخاري، حديث رقم 1303.
العبرة من القصة
تأملوا هذا الموقف.
رسول الله ﷺ، وهو أعظم الناس إيمانًا وصبرًا، بكى حين فارق ابنه.
فالصبر لا يعني أن يكون قلب الإنسان خاليًا من الحزن، ولا أن يمنع نفسه من البكاء حين يفقد عزيزًا عليه.
بل إن الحزن رحمة أودعها الله في قلوبنا، والصبر أن نرضى بقضاء الله، وألا يدفعنا ألم المصيبة إلى قول أو فعل ما يغضبه سبحانه.
قد يفقد الإنسان شخصًا عزيزًا، وقد تمر عليه أيام يتمنى فيها أن يسمع صوته مرة أخرى، أو يجلس معه ولو لدقائق.
وحينها، ليس عليه أن يتظاهر بأن الفراق لم يؤلمه.
فليحزن، وليبكِ إن غلبته دموعه، وليتذكر أن الله يعلم ما في قلبه.
فليس الصبر ألّا تحزن، وإنما أن تصبر وأنت حزين.
أسأل الله أن يرحم موتانا وموتى المسلمين، وأن يجبر قلوب كل من فقد عزيزًا عليه، وأن يجمعنا بأحبتنا في جنات النعيم.
وصلّى الله وسلّم على نبينا محمد.