حياة شخص آخر
قبل أن تبدأ القراءة، عطّر لسانك بالصلاة على النبي محمد ﷺ.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد.
------------‐------------------------‐-
الفصل الخامس: حياة شخص آخر
عندما فتح آدم عينيه، بقي مستلقيًا لثوانٍ يتأمل السقف الخشبي.
لم يحتج هذه المرة إلى البحث عن هاتفه أو التساؤل عن المكان. الأسرة المتراصة حوله، والأصوات الخافتة للخدم الذين بدأوا يستيقظون، والألم المنتشر في جسده؛ كل ذلك أعاده سريعًا إلى ما حدث بالأمس.
ومع ذلك، تمنى للحظة أن يسمع صوت منبهه، وأن يمد يده فيجد هاتفه بجانب السرير، فيكتشف أن اليومين الماضيين لم يكونا سوى حلم طويل وغريب.
لكن الغرفة لم تتغير.
جلس على طرف السرير، فتألم ظهره وحرك كتفيه بحذر. كان جسده أفضل قليلًا من الليلة الماضية، وإن ظل الإرهاق عالقًا فيه.
حتى اسم كايل بدأ يفقد غرابته شيئًا فشيئًا.
كان يعرف القليل عنه حتى الآن: في السابعة عشرة، يعمل خادمًا في هذه القلعة، يعرف الصيد، وهناك فتى يدعى ليو يظهر بين ذكرياته.
معلومات متفرقة لا تكفي لتخبره بحياة من يعيشها.
قرر أن يستفيد من هذا اليوم لفهم المزيد.
---
خرج مع بقية الخدم.
لم يكن سامر قريبًا منه، ولم يبحث آدم عنه وسط عشرات الوجوه التي ملأت المكان. بعضها أصبح مألوفًا على نحو غريب، وخلال تنقله بين الخدم لمح أكثر من مرة آذانًا تشبه أذني الرجل الذي رآه بالأمس.
لم تكن منتشرة بين الجميع، لكنها لم تكن حالة تخص رجلًا واحدًا أيضًا.
لاحظ ذلك دون أن يجد له تفسيرًا. وكلما حاول البحث في ذكريات كايل عن إجابة، لم يحصل على شيء واضح.
أُرسل مع مجموعة إلى أحد المخازن. كانت مهمتهم إخراج الصناديق، ونقل الأكياس، وترتيب ما يصل، ثم توزيع بعض الأشياء على أماكن مختلفة داخل القلعة.
بعد يوم الحطب، بدا العمل أخف بكثير.
حمل صندوقًا إلى المكان الذي أشار إليه المسؤول، وعندما عاد ليأخذ غيره مر بجانب وعاء معدني كبير.
جذب انتباهه انعكاس تحرك على سطحه، فاقترب دون تفكير.
ظهر أمامه وجه شاب.
احتاج إلى لحظة ليدرك أنه يرى انعكاسه.
أو انعكاس كايل.
رفع يده ولمس خده، فتحركت الصورة معه.
كان الوجه أصغر من الوجه الذي اعتاده طوال عشرين عامًا، وأنحف بسبب الإرهاق. ملامحه متناسقة وهادئة، وفيها شيء من الحدة، مع فك واضح وبشرة فاتحة اكتسبت سمرة خفيفة.
لكن أكثر ما شد انتباهه كان العينين.
رماديتان داكنتان.
اقترب قليلًا ليرى شعره. بدا أسود للوهلة الأولى، إلا أن الضوء القادم من النافذة أظهر فيه زرقة داكنة خفيفة لا تكاد تُرى بعيدًا عن الضوء.
ظل يراقب الوجه أمامه.
"هذا أنا..."
ما إن خرجت الكلمات حتى شعر بخطئها.
هذا وجه كايل.
"كايل! الصندوق."
جاءه الصوت من الخلف، فقطع تأمله والتفت.
"قادم."
أخذ الصندوق وعاد إلى العمل، لكن صورة الشاب ذي العينين الرماديتين بقيت حاضرة في ذهنه.
---
حين جاءت استراحة الطعام، جلس آدم مع مجموعة من الخدم لم يعرف أسماء معظمهم.
كان الطعام بسيطًا كما في اليوم السابق: خبز وبطاطا وبعض الخضار وطبق دافئ.
هذه المرة لم يكن جائعًا إلى الحد الذي يجعله يلتهم كل شيء، فاستطاع أن يأكل بهدوء ويراقب من حوله.
كان بعض الخدم يتحدثون ويضحكون، فيما فضل آخرون الصمت. وما إن أنهى أحد الرجال طعامه حتى تمدد على الأرض، بينما أسند آخر رأسه إلى الحائط وأغلق عينيه.
يبدو أنهم تعلموا ألا يهدروا وقت الراحة.
أسند آدم ظهره إلى الجدار هو الآخر. توقع أن يناديهم أحد سريعًا، إلا أن الدقائق مرت دون أن يحدث ذلك. لم يكن يملك وسيلة لمعرفة الوقت، لكنه قدر أن الاستراحة امتدت لنحو نصف ساعة، وربما أكثر.
وبعد إرهاق الأمس، بدت له طويلة على نحو غير معتاد.
وصل إليه حديث رجلين يجلسان بالقرب منه.
"هل سمعت ما فعله إريك بالأمس؟"
رفع آدم عينيه عن طعامه دون أن يلتفت إليهما مباشرة.
"مع من؟"
ذكر الرجل اسمًا لم يعرفه آدم.
"وماذا فعل؟"
"ظل وراءه طوال اليوم. كلما رآه، أعطاه عملًا جديدًا."
ضحك صاحبه بخفة.
"هذا إريك."
"وفي النهاية أعاده لتنظيف المكان، وقال له إنه لم ينظفه جيدًا."
"ولم يقل أحد شيئًا؟"
نظر الرجل إلى صاحبه باستغراب.
"ومن سيتكلم؟"
انتهى الحديث عند ذلك الحد، لكن اسم إريك بقي في ذهن آدم.
كان مألوفًا.
حاول ربطه بوجه أو حادثة، فلم يجد سوى إحساس غامض بأنه سمعه من قبل. وبعد محاولتين، ترك الأمر.
بدا أن ذكريات كايل تظهر وفق قواعد خاصة بها، ومحاولة انتزاعها بالقوة لم تفده منذ استيقاظه.
---
استمر العمل بعد الاستراحة بوتيرة أهدأ.
أحيانًا كانوا ينقلون الأغراض، وأحيانًا ينتظرون وصول شيء إلى المخزن، وفي أوقات أخرى يُرسل أحدهم لتنفيذ مهمة بمفرده.
وجد آدم أخيرًا بعض المساحة للتفكير.
وأول اسم جربه كان كايل.
لم يحدث شيء.
فكر في ليو.
جاءته رائحة الأشجار.
تلاشى المخزن من حوله، وحل مكانه طريق بين الأشجار.
كان يرى من عيني كايل، أصغر سنًا، يسير خلف رجل طويل عريض الظهر. بدت قوة الرجل في طريقة حركته أكثر مما بدت في حجم جسده، وكأن سنوات العمل تركت أثرها عليه.
كان يحمل قوسًا.
نظر كايل إلى الأرض، ثم إلى الأشجار المحيطة بهما.
توقف الرجل فجأة.
وكاد كايل يصطدم به.
"ماذا؟"
لم يجبه.
انحنى الرجل وأشار إلى أثر على الأرض.
حدق كايل فيه.
"غزال؟"
"قديم أم جديد؟"
تردد.
"جديد."
رفع الرجل عينيه إليه.
"لماذا؟"
فتح كايل فمه، ثم أغلقه.
لم يعرف.
ابتسم الرجل قليلًا.
"إذن أنت تخمن."
نهض وأكمل السير.
لحق به كايل.
"وكيف أعرف؟"
"تنظر."
"أنا أنظر."
"إذن انظر أفضل."
انقطعت الذكرى.
عاد المخزن من حول آدم دفعة واحدة.
بقي واقفًا للحظة، والصندوق بين ذراعيه.
الرجل...
والد كايل.
لم يعرف كيف عرف ذلك، لكنه كان متأكدًا.
ومع الذكرى بقي شيء آخر؛ إحساس بأن المشهد لم يكن استثناءً. كايل خرج مع ذلك الرجل إلى الغابة مرات كثيرة.
الصيد لم يتعلمه وحده.
كان والده هو من علّمه.
حاول آدم تذكر وجه الرجل مرة أخرى، فوجد معه شعورًا غريبًا من الألفة والحنين، كما لو أن الذكرى تحمل أثر صاحبها حتى بعد أن وصلت إلى شخص آخر.
لكن سؤالًا واحدًا لم يجد له جوابًا:
أين والد كايل الآن؟
---
لاحقًا، أُرسل آدم بكيس إلى جزء آخر من المبنى.
مر بجانب نافذة ورأى الأشجار في الخارج.
تحرك شيء في ذاكرته.
هذه المرة لم يرَ كتابًا أو كلمات.
رأى بيتًا صغيرًا.
كان المطر يضرب السقف، وصوت قطراته يملأ المكان.
جلس فتى نحيف قرب نافذة صغيرة، يحاول إصلاح رباط في حذائه. شده مرة، ثم أعاده، ثم قطب حاجبيه عندما انفلت من جديد.
كان كايل قريبًا منه، يصلح شيئًا آخر بيديه.
رفع الفتى رأسه.
"كايل."
"ماذا؟"
رفع الحذاء.
"انقطع مرة ثانية."
نظر إليه كايل.
"لأنك تشده كأنك تحاول خنقه."
"أنا أشده عادي."
مد كايل يده.
"هات."
أعطاه الحذاء.
أصلح كايل الرباط بسرعة، ثم أعاده إليه.
"جربه."
ارتداه الفتى وحرك قدمه.
"أفضل."
"طبعًا."
نظر الفتى إليه لحظة.
"شكرًا."
"لا تقطعه مرة ثانية."
"كأنني أقطعه عمدًا."
"معك، كل شيء ممكن."
دفعه الفتى بقدمه بخفة.
ابتسم كايل.
بدأ صوت المطر يبتعد.
ثم اختفى البيت.
عاد آدم إلى الممر.
"كايل!"
انتبه.
"إلى أين تذهب؟"
اكتشف أنه تجاوز المكان الذي كان عليه أن يضع فيه الكيس.
"آسف."
عاد خطوتين ووضعه في مكانه.
ليو.
الاسم أصبح الآن مرتبطًا بوجه وصوت وذكرى.
أخ كايل الأصغر.
لم تكن الذكرى مهمة لأنها أخبرته بشيء كبير.
لم يكن فيها خطر، ولا سر، ولا حدث غريب.
كانا فقط أخوين في بيت صغير، يتحدثان عن حذاء مقطوع.
ولسبب لم يفهمه، جعل ذلك ليو يبدو أكثر حقيقة من قبل.
---
في وقت لاحق، مر رجل يحمل ورقة بالقرب من آدم.
توقفت عيناه عليها للحظة.
وضربته ذكرى أخرى.
وجد كايل نفسه أمام طاولة يجلس خلفها رجل.
كانت ورقة موضوعة بينهما، مليئة بعلامات وكلمات لم يستطع آدم تثبيتها في ذهنه. كان الرجل يشير إلى أجزاء منها ويتحدث، بينما يستمع كايل بصمت.
تفرقت معظم الكلمات.
لكن بعضها بقي.
الخدمة.
القلعة.
سنوات.
وعقد.
كان كايل يوقع عقدًا.
ركز آدم على المشهد محاولًا التقاط المزيد. رأى القلم بين أصابع كايل، وشعر بثقل المدة التي كان الرجل يتحدث عنها، لكنه لم يستطع الوصول إلى عدد واضح.
ثم اختفى كل شيء.
أكمل ترتيب الأغراض وهو يعيد ما رآه في ذهنه.
إذن، لم يولد كايل خادمًا في القلعة.
جاء إلى هنا.
ووقع عقدًا يبقيه في الخدمة سنوات طويلة.
لكن لماذا؟
لم تأته إجابة.
---
مع اقتراب نهاية اليوم، بدأ التعب يعود إلى جسده.
لم يكن بالسوء نفسه الذي شعر به بالأمس، لكنه ظل موجودًا في كتفيه وساقيه، يذكره بأن هذا الجسد لم يتعافَ بعد.
ومع ذلك، استطاع العمل بصورة أفضل.
بدأت بعض الطرق داخل القلعة تصبح مألوفة له. أحيانًا كان يعرف إلى أين ينعطف قبل أن يفكر في الأمر، وأحيانًا يرى وجهًا فيشعر أنه يعرفه دون أن يتذكر اسمه.
كان الأمر مزعجًا.
لكنه بدأ يفهمه قليلًا.
هناك أشياء بقيت من كايل.
لا يعرف مقدارها.
ولا يعرف لماذا تظهر بعضها وتختفي أخرى.
لكنها موجودة.
---
عندما عاد إلى غرفة النوم، جلس على سريره وبقي صامتًا.
كان الحديث يدور في الطرف الآخر من الغرفة، لكن آدم لم ينتبه إليه.
تذكر الطريق.
الحادث.
الناس الذين تجمعوا حوله.
سيارة الإسعاف.
وعجزه عن التنفس.
ثم الفراغ.
خفض عينيه إلى صدره ووضع يده عليه.
لا إصابة هناك.
ولا أثر لما حدث على الطريق، لأن الجسد الذي يجلس فيه الآن لم تصدمه تلك السيارة.
عاد وجه كايل الذي رآه صباحًا إلى ذهنه.
شاب في السابعة عشرة.
عينان رماديتان داكنتان.
شعر أسود تظهر فيه زرقة خفيفة تحت الضوء.
"أنا ميت."
خرجت الجملة بهدوء، حتى إنها بدت غريبة في أذنيه.
انتظر لحظات.
ظل كل شيء حوله كما كان.
استمر الحديث في الطرف الآخر من الغرفة، ورتب أحد الرجال فراشه، وعبرت خطوات في الممر.
قالها مرة أخرى، بصوت أخفض:
"أنا ميت."
لم يستطع هذه المرة أن يعاملها كسؤال.
تذكر أمه.
لا تنسَ الجمعة.
كان قد وعدها بأنه لن ينسى.
تخيلها تنتظر وصوله، ثم نظر إلى الأرض.
لا بد أنهم عرفوا الآن.
ربما رن الهاتف في بيتهم.
ربما...
أوقف الفكرة.
بقي مطأطئ الرأس، ومرت مدة لم يحاول تقديرها.
قبل أيام، كان يعيش وهو يفترض أن الأسبوع القادم موجود، وأن الشهر القادم موجود، وأن الأشياء التي لم يفعلها يستطيع فعلها لاحقًا.
أما الآن، فلم يعد هناك لاحق.
رفع رأسه ومسح وجهه.
لم يستطع تغيير ما حدث على ذلك الطريق.
لكنه ما زال واعيًا.
ما زال يفكر ويتنفس ويرى الغرفة أمامه.
وهذا قاده إلى السؤال الآخر.
إذا كان آدم قد مات، فمن صاحب هذا الجسد؟
كان يعرف الاسم.
كايل.
في السابعة عشرة. يعمل خادمًا في هذه القلعة بموجب عقد طويل، وكان يصطاد مع والده، وله أخ أصغر يدعى ليو.
توجد في رأس آدم ذكريات لم يعشها، وأماكن يستطيع السير فيها دون أن يتذكر متى تعلم طرقها، وأسماء تثير فيه إحساسًا بالألفة قبل أن يعرف أصحابها.
"أنا في جسد شخص آخر."
لو سمع هذه الجملة قبل أيام، لاعتبر قائلها مجنونًا.
أما الآن، فلم يجد تفسيرًا يجمع ما حدث له أفضل منها.
لكن قبول ذلك فتح سؤالًا أسوأ.
أين كايل؟
استعاد آخر ما رآه من حياة الشاب: يوم عمل مرهق، سرير، جسد أنهكه التعب، وعينان أُغلقتا في نهاية اليوم.
هناك تنتهي ذكريات كايل.
وعند النقطة نفسها تقريبًا تبدأ حياة آدم هنا.
"هل مات هو أيضًا؟"
بقي السؤال معلقًا.
لم يكن لديه ما يثبت الإجابة، لكنه لم يستطع تجاهل الاحتمال.
جال بنظره في غرفة الخدم.
هؤلاء الرجال عاشوا وعملوا مع كايل. سامر يعرفه ويتحدث إليه باسمه، ولا أحد منهم يعرف أن الشخص الذي استيقظ في ذلك السرير قد لا يكون الشاب نفسه الذي نام فيه.
ثم تذكر ليو.
أخوه الصغير لا يعرف شيئًا مما حدث هنا.
عادت إليه صورة البيت الصغير وصوت المطر.
ماذا سيحدث لليو إذا كان كايل قد مات فعلًا؟
حاول الوصول إلى المزيد، فظهرت أشياء غير مكتملة: الكوخ، والغابة، وطريق طويل يقطعه سيرًا.
ثم توقفت الذكريات.
لم يحاول إجبارها هذه المرة.
سيعرف عندما تسمح له، أو عندما يجد طريقة أخرى.
استلقى على السرير، لكن النوم لم يأخذه مباشرة.
خلال يومين جمع أجزاء قليلة من حياة كايل: عمره، وعمله، والصيد مع والده، وليو، وعقد الخدمة الطويل.
أما الأسئلة، فكانت أكثر بكثير.
لماذا وقع العقد؟
أين والده الآن؟
أين يعيش ليو؟
ما هذا المكان؟
وما حكاية أصحاب الآذان الطويلة الذين بدأ يلاحظ وجودهم بين الخدم؟
لم يكن يملك إجابات بعد.
حدق في السقف الخشبي.
هذه المرة لم ينتظر أن يتحول إلى سقف شقته إذا أغمض عينيه وفتحهما من جديد.
لقد انتهت حياة آدم على ذلك الطريق.
وإن لم يكن يريد ذلك.
وعندما فتح عينيه، وجد نفسه داخل حياة شخص آخر.
حياة كايل.
أغمض عينيه، وبقيت معه صورة البيت الصغير تحت المطر.
ومعها ظل سؤال لم يعرف كيف يجيب عنه:
إذا كانت هذه حياة كايل، فماذا يُفترض به أن يفعل بها الآن؟