كايل
الفصل الثالث: كايل
الألم.
كان أول شيء شعر به.
لكنه لم يكن الألم الحاد الذي تذكره. لا ضربة السيارة في جانبه، ولا ذلك العجز المرعب عن إدخال الهواء إلى صدره.
كان مختلفًا.
ثقلًا وإرهاقًا غريبًا منتشرين في كل جزء من جسده، كأنه لم ينم منذ أيام.
فتح آدم عينيه.
لم يرَ السماء.
ظل ينظر إلى ما فوقه لثوانٍ قبل أن يدرك أنه سقف. عوارض خشبية داكنة تمتد فوق رأسه.
رمش، ثم أخذ نفسًا بحذر.
دخل الهواء.
توقف للحظة، ثم أخذ نفسًا آخر، أعمق هذه المرة.
دخل أيضًا.
رفع يده بسرعة ووضعها على صدره. لا ذلك الألم الخانق، ولا الشعور بأن شيئًا يسحق رئتيه. تحسس جانبه، ثم بطنه ورأسه.
كان جسده يؤلمه، نعم، لكنه لم يكن ألم الحادث.
الحادث.
تجمد.
السيارة.
الطريق.
السماء فوقه.
أصوات الناس.
الإسعاف.
أمه.
الجمعة.
ثم الظلام الذي ابتلع رؤيته.
وبعده...
لا شيء.
عاد بصره ببطء إلى السقف الخشبي.
مستشفى؟
أدار رأسه.
وتوقفت الفكرة قبل أن تكتمل.
كان مستلقيًا على سرير ضيق، فوق فراش خشن وتحت غطاء ثقيل. إلى جانبه سرير آخر، ثم آخر، وصف كامل يمتد على طول الغرفة.
رفع رأسه قليلًا، فضرب الألم عنقه.
"...آه."
عاد إلى الوسادة وانتظر لحظات قبل أن يحاول مرة أخرى، هذه المرة ببطء.
كانت الغرفة كبيرة، تمتلئ جوانبها بصفوف من الأسرة. بعضها فارغ، وعلى بعضها رجال ما زالوا نائمين، بينما بدأ آخرون بالنهوض وارتداء ملابسهم.
وقع أقدام.
خشخشة أغطية.
سعال من أحد الأركان.
تثاؤب.
وصوت رجلين يتحدثان في الطرف الآخر.
أدار آدم رأسه نحو النافذة.
إطار خشبي مثبت في جدار حجري، يتسلل عبره ضوء صباح خافت.
لا شيء في المكان يشبه مستشفى.
دفع نفسه إلى الجلوس.
ارتجفت ذراعاه تحت ثقله.
"...شو؟"
توقف.
استقرت عيناه على يديه.
قربهما من وجهه.
كانتا أنحف مما يتذكر. الجلد أخشن، وعلى الأصابع آثار جروح صغيرة، بينما غطت راحتيه طبقة قاسية تكونت من عمل طويل.
فتح أصابعه.
ثم أغلقها.
وأعاد الحركة.
هذه...
ليستا يديه.
أنزل قدميه إلى الأرض ونظر إلى ساقيه، ثم إلى الملابس التي تغطي جسده.
قميص خشن واسع وبنطال بسيط.
لا أثر لملابس الأمس.
رفع يده إلى وجهه وتحسس أنفه وفكه، ثم مرر أصابعه في شعره.
تسارعت أنفاسه.
"وين تلفوني؟"
راح يبحث حول السرير.
لا هاتف.
لا حقيبة.
ولا أي شيء يخصه.
انتقلت عيناه بسرعة بين الأسرة والصناديق الخشبية والرجال من حوله.
ربما أخذوا أغراضه بعد الحادث.
ربما نقلوه إلى مكان ما.
لكن كلما نظر حوله، أصبح التفسير أقل إقناعًا.
أي مستشفى هذا؟
لا أجهزة. لا ممرضون. ثلاثون شخصًا تقريبًا في غرفة واحدة، بأسرة خشبية وجدران حجرية.
جاءه صوت من الخلف.
"كايل؟"
لم ينتبه إليه في البداية.
واصل النظر حوله، يبحث عن شيء يستطيع فهمه.
"كايل."
اقترب الصوت.
التفت آدم.
كان شاب يقف على بعد خطوات منه، ينظر إليه باستغراب.
"إنت صاحي؟"
لم يجب آدم.
لقد فهمه.
فهم كل كلمة قالها.
فتح فمه أخيرًا.
"وين أنا؟"
تغير وجه الشاب قليلًا.
"شو؟"
وقبل أن يستطيع آدم قول شيء آخر، ظهرت صورة في رأسه.
خاطفة.
الشاب نفسه جالس فوق صندوق خشبي، وبين يديه كتاب مفتوح.
ثم اختفت.
تراجع آدم قليلًا.
وجاء الاسم من مكان لا يعرفه.
سامر.
حدق في الشاب.
سامر.
خادم.
يعرف القراءة.
حبس آدم أنفاسه.
لم يسبق له رؤية هذا الإنسان في حياته.
ومع ذلك كان يعرف اسمه.
"كايل؟"
تعلقت الكلمة هذه المرة في ذهنه.
كايل.
نظر آدم خلفه غريزيًا، كأن الشاب ربما يخاطب شخصًا آخر.
لم يكن هناك أحد.
عاد إليه.
"أنا؟"
قطب سامر حاجبيه.
"إي، إنت."
سرت برودة خفيفة في ظهر آدم.
"شو اسمي؟"
حدق سامر فيه.
"شو؟"
"اسمي."
"كايل."
ما إن سمع الاسم حتى ضرب رأسه شيء آخر.
ليس ألمًا.
ذكرى.
رجل يمشي أمامه بين أشجار كثيفة، وعلى ظهره قوس.
يد كبيرة تمسك بيده.
وصوت يقول:
لا تمشِ فوق الأغصان اليابسة.
اختفت الصورة.
وحلت محلها أخرى.
طفل صغير قرب نار.
كتاب أكبر من يديه.
ابتسامة.
ليو.
ثم...
برد.
ثلج.
معدة فارغة.
كوخ.
عملات معدودة فوق طاولة.
ورجل يتحدث عن ثلاثين سنة.
انقطعت الصور دفعة واحدة.
وضع آدم يده على رأسه.
"...آه."
"كايل؟"
سمع صوت سامر، لكنه بدا بعيدًا.
كايل.
سبعة عشر عامًا.
صياد.
أب.
ليو.
قلعة.
خادم.
ظهرت الكلمات في ذهنه دون ترتيب. بعضها حمل معنى واضحًا، وبعضها لم يكن أكثر من شظايا.
حاول التمسك بواحدة منها.
القلعة.
لم تأته صورة هذه المرة، بل إحساس.
مكان ضخم.
عمل.
تعب.
أوامر.
الاستيقاظ قبل طلوع الشمس.
التأخر...
عقوبة.
نهض آدم فجأة.
وندم فورًا.
دارت الغرفة من حوله، فقبض على طرف السرير حتى لا يسقط.
اقترب سامر منه.
"على مهلك."
أبعد آدم يده عنه بشكل غريزي.
نظر إلى سامر.
ثم إلى الغرفة.
ثم إلى يديه مرة أخرى.
هذا ليس جسدي.
حاول رفض الفكرة.
الحادث.
لا بد أن هناك تفسيرًا.
ربما ما يزال في مستشفى.
ربما يحلم.
ربما ما يزال ملقى على الطريق ودماغه يصنع كل هذا.
أي شيء سوى...
"كايل."
رفع عينيه إلى سامر.
"إذا إنت تعبان لهالدرجة، لا تقوم بسرعة."
تعبان.
حركت الكلمة ذكرى أخرى.
حمل.
صناديق.
ظهر يؤلمه.
قدمان بالكاد تحملانه.
ليل.
هذا السرير.
إغلاق العينين.
ثم...
لا شيء.
شهق آدم.
لم تكن تلك ذكرى الحادث.
كانت ذكرى شخص آخر.
شخص عاد إلى هذا السرير منهكًا، أغمض عينيه...
ولم يستيقظ.
حتى الآن.
نظر آدم إلى الفراش تحته.
ثم إلى يديه.
كايل.
صاحب هاتين اليدين كان اسمه كايل.
أما هو...
فكان آدم.
عمره عشرون عامًا.
طالبًا جامعيًا.
لديه أم تنتظره يوم الجمعة.
أب.
جامعة.
شقة.
وسيارة اصطدمت به.
مات؟
ابتلع بصعوبة.
رفض أن يكمل الفكرة.
ازدادت الحركة في الغرفة فجأة. بدأ الخدم بالخروج واحدًا بعد الآخر، وسمع شخصًا قرب الباب يصيح بشيء عن العمل.
لم يستوعب آدم كل ما قيل.
لكن جسده استوعبه.
قبل أن يفكر، شعر بحاجة ملحة إلى النهوض.
يجب أن يخرج.
يجب ألا يتأخر.
ومعها جاء خوف لا يعرف مصدره.
العقوبة.
هذا الخوف لم يكن خوفه.
كان خوف كايل.
أمسك سامر بقطعة من ملابسه.
"إذا ضليت واقف هيك رح نتأخر."
نظر آدم إليه.
كانت الأسئلة تتزاحم في رأسه، أكثر مما يستطيع ترتيبها.
المكان.
كايل.
سامر.
هذه الذكريات.
وهذا الجسد.
لكن شيئًا ما أخبره أن طرحها كلها لن يجلب له إجابات، بل سيجعل سامر ينظر إليه وكأنه فقد عقله.
قال أخيرًا:
"أنا... مو منيح."
نظر سامر إليه لثانية.
"مبين."
ثم اتجه نحو الباب مع بقية الخدم.
بقي آدم مكانه.
كان يستطيع البقاء.
أن يصرخ طالبًا طبيبًا أو شرطة أو هاتفًا.
لكن الكلمات نفسها بدت سخيفة وهو ينظر إلى الجدران الحجرية، والأسرة الخشبية، والملابس الخشنة التي يرتديها الرجال من حوله.
تحرك.
خطوة.
ثم أخرى.
كان جسده ثقيلًا بصورة مخيفة، لكنه خرج مع الآخرين.
مر عبر ممر حجري طويل، ثم نزل درجًا.
ومع كل خطوة، كان يحدث شيء أغرب.
انعطف عند زاوية قبل أن يفكر إلى أين تؤدي.
رفع عينيه نحو باب قبل أن يظهر كاملًا أمامه.
عرف أن الممر سيضيق بعد عدة خطوات.
ورائحة المكان...
كانت مألوفة.
لكنها لم تكن مألوفة له.
ذكريات كايل لم تأتِ عندما يريدها.
كانت تظهر وحدها.
ثم تختفي.
وصلوا أخيرًا إلى باب كبير.
خرج الخدم واحدًا تلو الآخر.
خرج آدم خلفهم.
وضرب ضوء الصباح وجهه.
رفع يده أمام عينيه، ثم أنزلها ببطء.
وتوقف.
ارتفعت أمامه جدران حجرية ضخمة تتخللها أبراج عالية. امتدت ساحات واسعة يتحرك فيها عشرات الأشخاص، وعبرت إحداها عربة خشبية تجرها الخيول، بينما سار رجال يحملون أسلحة قرب الأسوار.
وفي البعيد، خلف القلعة والأشجار الممتدة، ارتفعت جبال هائلة غطى البياض قممها.
ظل آدم واقفًا.
بحثت عيناه دون وعي عن شيء مألوف.
سيارة.
شارع معبد.
مبنى حديث.
أي شيء.
لم يجد شيئًا.
"كايل!"
جاء صوت سامر من أمامه.
لم يرد.
كان ينظر فقط.
الحادث كان حقيقيًا.
ذكرياته كانت حقيقية.
وأمه...
أغمض عينيه للحظة.
ثم فتحهما.
بقيت القلعة أمامه.
لم تختفِ.
خفض بصره إلى يديه.
يدي كايل.
وللمرة الأولى، لم يجد تفسيرًا آخر يستطيع أن يكذب به على نفسه.