لم يبقَ شيء
الفصل الثاني: لم يبقَ شيء
رنّ المنبه عند السادسة والنصف.
لم يتحرك آدم.
بعد خمس دقائق، رنّ الثاني. مد يده نحو الهاتف وأغلقه دون أن يفتح عينيه.
أما المنبه الثالث، فاستطاع أخيرًا أن يجعله يرفع رأسه عن الوسادة.
نظر إلى الشاشة.
6:40.
ظل يحدق فيها لثانيتين.
ثم تذكر.
الواجب.
رفع الغطاء عنه وجلس بسرعة.
"تبًا."
نظر إلى المكتب. كانت الأوراق في المكان نفسه الذي تركها فيه الليلة الماضية، والمسألة الأخيرة ما تزال تنتظره.
كان قد أقنع نفسه قبل النوم بأن ساعة في الصباح أكثر من كافية لإنهائها. لكن حسابه كان مبنيًا على تفصيل صغير: أن يستيقظ فعلًا في السادسة والنصف.
نهض ودخل الحمام، غسل وجهه، ثم عاد إلى الغرفة دون أن يهتم كثيرًا بشعره أو ملابسه.
جلس أمام المكتب، قرأ المسألة وأمسك القلم.
بدأ الحل.
بعد عدة دقائق توقف، راجع إحدى المعادلات، مسح رقمًا وكتب آخر.
نظر إلى الساعة.
6:57.
عاد إلى الحل.
هذه المرة لم يلمس هاتفه. لم يفتح أي تطبيق، ولم ينظر حتى إلى الإشعارات.
معادلة تلو الأخرى، امتلأت الورقة بالأرقام والخطوات. توقف عند النتيجة الأخيرة، أعاد الحساب سريعًا، ثم قارنها بما سبقه.
"خلص."
وضع القلم.
7:21.
ظل ينظر إلى الورقة لحظة. لو أنه أنهى المسألة أمس، لكان يستطيع الآن تناول فطوره بهدوء، وربما حتى الاستحمام دون أن يتعامل معه كسباق.
لكنه أنهاها.
وهذا هو المهم.
جمع الأوراق ووضعها في الحقيبة، ثم دخل المطبخ وفتح الثلاجة.
نظر إلى الساعة.
وأغلقها.
"بالجامعة."
أخذ حقيبته وخرج.
---
وصل آدم إلى الجامعة في الوقت المناسب، وسرعان ما نسي توتر الصباح.
سلّم الواجب، جلس في محاضرته وبدأ يكتب ملاحظاته. فهم بعضها، وفي بعضها الآخر توقف عن الفهم بعد انتقال الأستاذ من اللوح الأول إلى الثاني، فكتب ما استطاع وترك الباقي لوقت لاحق.
خلال الاستراحة، جلس مع اثنين من زملائه. كان أحدهما يأكل بينما يتصفح هاتفه، فيما التفت الآخر إلى آدم.
"خلصته؟"
"شو؟"
"الواجب."
أخرج آدم زجاجة ماء من حقيبته.
"طبعًا."
نظر إليه زميله بشك.
"متى؟"
"الصبح."
ضحك.
"كنت عارف."
"المهم خلص."
"لحد الواجب الجاي."
رفع آدم زجاجة الماء نحوه قليلًا.
"لحد الواجب الجاي."
انتقل حديثهم بعدها إلى أحد الأساتذة، ثم إلى اختبار سيأتي بعد أسابيع، ثم إلى طالب دخل القاعة الخطأ وبقي فيها عشر دقائق قبل أن ينتبه.
وبعدها عادوا إلى المحاضرات.
ومر الوقت.
---
عند الظهر، اشترى آدم شيئًا سريعًا ليأكله.
نظر إلى الوجبة، فتذكر أمه.
"هذا مو أكل."
ابتسم.
أخرج هاتفه وفكر أن يرسل لها صورة ليستفزها. رفعه والتقط صورة للوجبة، لكنه حين نظر إليها ضحك وأغلق الكاميرا.
"بلاها."
لو أرسلها فستبدأ محاضرة جديدة عن الطبخ، وهو أصلًا سيذهب إليهم بعد يومين.
يستطيع أن يأكل كما يريد حتى ذلك الوقت.
أعاد الهاتف إلى جيبه وأكمل طعامه.
---
انتهت آخر محاضرة في وقت متأخر من بعد الظهر.
خرج آدم من المبنى مع بعض زملائه، ووقفوا أمام الباب عدة دقائق يتحدثون قبل أن يتفرقوا.
قال أحدهم:
"جاي معنا؟"
"لوين؟"
ذكر اسم مكان اعتادوا الذهاب إليه أحيانًا.
فكر آدم قليلًا. كان يستطيع الذهاب؛ ليس لديه شيء ضروري الليلة.
ثم تذكر بطاقة النادي.
"لا، عندي شغلة."
رفع زميله حاجبه.
"دراسة؟"
"أهم."
"شو؟"
"رياضة."
ضحك الآخر.
"أنت؟"
"شو يعني أنا؟"
"من متى؟"
"من اليوم."
"آه... من اليوم."
أشار آدم إليه بإصبعه.
"رح تندم لما أصير أقوى منك."
"أنا رح أكون مبسوط إذا رحت مرتين."
ضحك آدم.
"روح من وجهي."
ودعهم وبدأ يمشي.
بعد عدة دقائق، أخرج مفاتيحه من جيبه. كانت بطاقة النادي معلقة بها.
قلبها بين أصابعه.
أمس قال: غدًا.
والآن جاء الغد.
كان يستطيع العودة إلى شقته والاستلقاء على السرير وفتح هاتفه، ثم اكتشاف بعد ساعة أنه لم يعد يريد الخروج. كان يعرف هذا السيناريو جيدًا.
لذلك اتخذ القرار قبل أن يصل إلى المنزل.
يدخل.
يبدل ملابسه.
ويخرج فورًا.
لا سرير.
لا هاتف.
ولا "خمس دقائق".
ابتسم قليلًا.
"اليوم."
وأعاد المفاتيح إلى جيبه.
---
وصل إلى الشارع القريب من شقته.
كانت حركة السيارات أكبر قليلًا من المعتاد. وقف عند معبر المشاة مع عدة أشخاص وأخرج هاتفه بينما ينتظر.
إشعارات.
رسالتان من مجموعة الجامعة.
إعلان.
ثم ظهرت أمامه محادثة والدته من الليلة الماضية.
لا تنسَ الجمعة ❤️
وتحتها رده:
ما بنسى ❤️
توقف عند الرسالة لحظة.
الجمعة.
بعد يومين.
عليه أن يتذكر أخذ بعض الملابس معه. وربما الغسيل أيضًا.
تخيل وجه أمه لو عاد بحقيبة من الملابس المتسخة بدل أن يغسلها بنفسه.
ابتسم.
"عندك غسالة بالشقة، آدم."
كان يستطيع سماعها تقريبًا.
تغيرت الإشارة.
بدأ الناس بالعبور.
أعاد الهاتف إلى جيبه ومشى معهم.
وصل إلى منتصف الطريق تقريبًا عندما شق صوت بوق ضجيج الشارع.
تبعه آخر، أعلى وأقرب.
ثم صرير حاد للإطارات.
التفت.
رأى سيارة تنحرف بعنف عن مسارها.
لم يفهم ما يحدث. لم يرَ سوى مقدمتها تتجه نحوه، والسائق خلف الزجاج يشد المقود، وفم شخص بالقرب منه ينفتح وهو يصرخ.
تجمد جسده لجزء من الثانية.
قفز إلى الخلف.
متأخرًا.
ضربه شيء هائل في جانبه.
اختفت الأرض من تحت قدميه، واختلطت السماء بالشارع في عينيه قبل أن يرتطم جسده بالأرض.
ثم...
سكون.
فتح آدم عينيه على سماء زرقاء مشوشة.
حاول أن يتنفس، لكن الهواء دخل صدره بصعوبة، وتبعه الألم دفعة واحدة؛ في جانبه، ساقه، رأسه، وفي أماكن لم يستطع حتى تحديدها.
حاول الحركة.
لم يستجب جسده كما أراد.
كانت أصوات كثيرة تحيط به.
"لا تحركوه!"
"اتصل بالإسعاف!"
"اتصلت!"
اقترب وجه رجل من مجال رؤيته.
"يا أخي، بتسمعني؟"
حاول آدم إدارة رأسه نحوه، فتحرك بالكاد.
ماذا حدث؟
ثم عادت صورة السيارة.
حادث.
حرك أصابع يده.
استجابت.
شعر براحة صغيرة، سخيفة ربما، لكنها كانت كافية ليتشبث بها.
سيأتي الإسعاف.
سيأخذونه إلى المستشفى.
ربما كسر ساقه. ربما بعض الأضلاع.
حادث، مستشفى، علاج...
ثم يعود.
هذا كل شيء.
حاول أخذ نفس أعمق.
توقف الهواء في منتصف صدره، وخرج منه صوت ضعيف.
اشتد الألم.
شيء لم يكن صحيحًا.
شعر بدفء غريب قرب رأسه. حاول رفع يده، لكن الرجل أمسكها.
"لا تتحرك. الإسعاف جاي."
الإسعاف.
نعم.
فقط ينتظر.
حدق آدم في السماء. كانت أطرافها تتشوش شيئًا فشيئًا.
ومن بعيد، وصل صوت صفارة.
أراد أن يسأل إن كانت سيارة الإسعاف.
فتح فمه.
لم يخرج شيء.
لأول مرة، تسلل إليه خوف مختلف عن خوف الألم.
هل أنا أموت؟
رفض الفكرة فورًا.
لا.
مستحيل.
هو واعٍ. يسمعهم. يفكر.
حاول أخذ نفس عميق.
لم يستطع.
ارتفع الذعر في صدره.
تحرك بعنف محاولًا النهوض.
"لا! لا تتحرك!"
لم يهتم.
أراد الجلوس. أراد أن يرى نفسه، أن يفهم ما الذي حدث لجسده.
لكن ذراعيه لم تحملاه.
"اهدأ، الإسعاف وصل."
دخل أشخاص جدد إلى مجال رؤيته. أصوات سريعة، حقيبة تُفتح، خطوات حوله، كلمات لم يفهم منها سوى أجزاء.
"اسمك؟ بتسمعني؟"
حاول الإجابة.
تحركت شفتاه دون صوت.
عشرون.
كان عمره عشرين عامًا فقط.
ومضة خاطفة عبرت رأسه: مكتبه، اللوحة الإلكترونية، بطاقة النادي، الجامعة...
ثم أمه.
الجمعة.
كانت تنتظره.
قال لها إنه سيأتي.
تخيلها في المطبخ تشتري ما تحتاجه للأكلة التي يحبها. ربما أخبرت والده بالفعل أنه سيأتي. وربما رتبت غرفته القديمة رغم أنه طلب منها مرارًا ألا تفعل.
ضغط شيء على صدره. يد، جهاز، لم يعد يعرف.
بدأ السواد يزحف من أطراف رؤيته.
لا.
حاول أن يتنفس.
أنا ما بدي أموت.
كانت الفكرة أوضح من كل الأصوات المحيطة به.
لم يكن مستعدًا.
كان من المفترض أن يكون لديه وقت.
تحركت أصابعه بضعف نحو جيبه.
هاتفه.
أراد الاتصال بها.
فقط ليسمع صوتها.
ليقول لها إنه تعرض لحادث.
ألا تقلق.
إنه...
سيأتي الجمعة.
انتشرت برودة غريبة في جسده.
ابتعدت الأصوات.
أغمض عينيه، ثم فتحهما بسرعة.
لا تنم.
لم يعرف لماذا، لكنه شعر أنه يجب ألا ينام.
حاول التركيز على السماء، لكنها لم تعد سوى بقعة باهتة فوقه.
ثم عادت الرسالة إلى ذهنه.
لا تنسَ الجمعة.
كان قد وعدها.
حاول فتح فمه.
خرج نفس ضعيف.
لا كلمة.
لم يكن يريد أن تكون آخر مرة سمعت فيها صوته مكالمة عادية.
لم يكن يريد أن تظل تنتظره.
أراد وقتًا آخر فقط.
يومًا آخر.
لكن السماء تلاشت.
والأصوات اختفت معها.
وبقيت فكرة واحدة.
أنا ما بدي أموت.
ثم لم يبقَ شيء.