غدًا
الفصل الأول: غدًا
رنّ المنبه للمرة الأولى عند السادسة والنصف صباحًا.
امتدت يد «آدم» من تحت الغطاء الثقيل، تتلمس بخدر سطح الطاولة الصغيرة بجانب السرير حتى عثرت على الهاتف. بضغطة واحدة، ومن دون أن يفتح عينيه، أخرس الصوت المزعج، فعاد الهدوء إلى الغرفة.
بعد خمس دقائق، انطلق المنبه الثاني. فتح عينًا واحدة بكسل؛ كانت الشاشة تشير إلى 6:35. حدق في الرقم لثانيتين، ثم أطفأه وهمس لنفسه:
"خمس دقائق أخرى فقط..."
أدار وجهه ودفن رأسه في الوسادة. لكن حين فتح عينيه مجددًا، كان ضوء الصباح قد غمر المكان.
تلاشى النعاس ما إن رأى الساعة: 7:46.
"تبًا!"
نفض الغطاء عنه ونهض مسرعًا. محاضرته الأولى تبدأ في الثامنة والربع. من حسن حظه أن شقته المستأجرة لم تكن تبعد عن الجامعة سوى عشر دقائق سيرًا على الأقدام.
شقة... ربما كانت الكلمة مبالغًا فيها قليلًا لوصف المكان؛ فهي مجرد غرفة واحدة تضم سريرًا ومكتبًا وخزانة، يحاذيها مطبخ ضيق بالكاد يتسع لشخصين، وحمام صغير. لكنها، على أي حال، كانت مساحته الخاصة؛ لا أحد يملي عليه متى يستيقظ، أو يوبخه على كوب القهوة المتروك منذ البارحة على الطاولة.
دخل الحمام، غسل وجهه بالماء البارد ونظر في المرآة. كان شعره في حالة يرثى لها. حاول ترتيبه بأصابعه دون فائدة، فتمتم زافرًا:
"سيؤدي الغرض."
أسرع إلى الخزانة، والتقط بنطالًا وقميصًا متجعدًا بعض الشيء. ألقى نظرة سريعة على الساعة، 7:51، ثم اتجه نحو المطبخ. فتح الثلاجة فرأى بيضًا وجبنًا وبقايا طعام من الليلة الماضية، فأغلقها؛ الوقت لا يسعفه. حشا قطعة خبز بقليل من الجبن، وأكلها واقفًا وهو يجمع أغراضه: الحاسوب المحمول، الشاحن، الدفتر، والآلة الحاسبة.
فجأة توقف.
الواجب!
تطلع نحو المكتب المكتظ بالأوراق المبعثرة والأسلاك، واللوحة الإلكترونية الصغيرة التي اشتراها قبل أسابيع. اقترب من الدفتر المفتوح؛ كانت المسألة الأخيرة غير مكتملة.
حشر الأوراق داخل الحقيبة وقال لنفسه، كمن حل الأزمة للتو:
"لدي ساعة كاملة بين المحاضرتين."
ارتدى حذاءه وخرج يركض.
وصل إلى القاعة قبل بدء المحاضرة بدقيقتين، وجلس في المقاعد الخلفية بجانب زميله. ألقى زميله نظرة على مظهر آدم المبعثر وقال ضاحكًا:
"استيقظت قبل خمس دقائق، أليس كذلك؟"
"بل منذ وقت طويل." رد آدم وهو يضع حقيبته.
"شعرك يملك رأيًا آخر!"
حاول آدم ترتيب شعره بيده مجددًا، ثم قال بجفاف:
"ركز في دراستك."
دخل الأستاذ وبدأ شرح مادة الدوائر الكهربائية. لم يكن آدم يكره تخصص الهندسة الكهربائية، لكنه لم يختره أيضًا بدافع شغف طفولي، بل اختاره بطريقة الاستبعاد حين فتح قائمة التخصصات؛ كان خيارًا معقولًا، ممتعًا في أحيان كثيرة، ويحبه بما يكفي ليستمر فيه.
رسم الأستاذ دائرة على اللوح، وأتبعها بسؤال:
"إذا تغيرت هذه المقاومة، ماذا سيحدث للتيار هنا؟"
عم الصمت القاعة. حسبها آدم في رأسه، وكتب سطرًا سريعًا على هامش الصفحة للتأكد. وحين رأى الأستاذ ينتظر يدًا ترتفع، أنزل عينيه إلى دفتره.
شرح الأستاذ الإجابة بنفسه بعد ثوانٍ، وكانت تمامًا كما حسبها آدم. مال زميله نحوه وهمس:
"كنت تعرفها، صح؟"
"أجل."
"لماذا لم تجب؟"
"ولماذا أجيب؟ هل سأحصل على علامة؟"
"لا..."
"إذن؟"
هز الزميل رأسه، ثم سأله بعد قليل:
"هل أنهيت الواجب؟ التسليم غدًا."
رد آدم وهو ينظر إلى اللوح:
"بقي شيء بسيط."
"يعني لم تنهه!"
"سأنهيه، لا تقلق."
بعد المحاضرة، توجه إلى المكتبة الجامعية. اختار طاولة هادئة قرب النافذة، ووضع هاتفه مقلوبًا على الطاولة وبدأ العمل. في أول عشرين دقيقة، سار كل شيء بسلاسة؛ أنهى السؤال السابق وانتقل إلى التالي، المتعلق بالتيار المتردد. لكن عند الخطوة الأخيرة ظهرت النتيجة خاطئة. أعاد المحاولة... خطأ آخر!
أسند ظهره وتنهد. في تلك اللحظة، اهتز الهاتف.
تجاهله أولًا، ثم اهتز مجددًا... ومجددًا. فتح الرسائل؛ كانت المحادثة الجماعية للأصدقاء. رد بقليل من المزاح، لكن إشعارًا آخر أخذ ينقله من تطبيق إلى آخر. وحين رفع رأسه ونظر إلى الساعة، لم يبقَ سوى سبع عشرة دقيقة على المحاضرة التالية.
جمع أوراقه وهو يغادر الطاولة:
"سأكمله بعد المحاضرات."
مر باقي اليوم ببطء؛ محاضرات متتابعة، ووجبة سريعة على العجل، ومقاومة مستمرة للنعاس. مع حلول العصر، خرج آدم من مبنى الجامعة متوجهًا إلى شقته.
في الطريق، رن هاتفه. كانت الشاشة تضيء باسم: أمي.
ابتسم وأجاب:
"أهلًا أمي."
جاءه صوتها الدافئ مباشرة:
"هل أنهيت دروسك؟ هل أكلت شيئًا؟"
نظر آدم إلى كيس الوجبة السريعة في يده وقال:
"أجل، أكلت."
"ماذا أكلت؟"
سكت لحظة.
"طعامًا..."
"آدم!"
ضحك وقال:
"شطيرة سريعة."
"هذا ليس طعامًا حقيقيًا! لديك مطبخ في الشقة، لماذا لا تطبخ؟"
"أطبخ أحيانًا... طبخت البارحة."
"وماذا طبخت البارحة؟"
ابتسم وهو ينظر أمامه.
"طيب... ليس البارحة تمامًا."
سمع ضحكتها عبر الهاتف وهي تقول:
"كنت أعلم! متى ستأتي لزيارتنا؟"
"ربما نهاية الأسبوع، إن لم يكن لدي التزامات جادة."
"والدك سأل عنك بالأمس."
"سلمي لي عليه."
"تعال وسلم عليه بنفسك! إذا جئت يوم الجمعة سأعد لك الأكلة التي تحبها."
"الجمعة إذن! الآن أصبحت لدي دوافع قوية للقدوم."
"يعني أنا ووالدك لسنا دافعًا كافيًا؟"
"الطعام المنافس الأقوى!"
ضحك آدم.
أوصته أمه كعادتها ألا يسهر، وأن يدرس جيدًا، وألا يكتفي بكلمة "حاضر" دون تنفيذ. انتهت المكالمة وبقيت الابتسامة على وجهه.
لم تكن المسافة بين مدينته وشقته شاسعة. ورغم اعتياده على وحدته، بدت زيارة البيت يوم الجمعة فكرة مريحة.
مر أمام النادي الرياضي وأبطأ خطواته. رأى المتدربين من خلف الواجهة الزجاجية، وأخرج مفاتيحه وتأمل بطاقة الاشتراك المعلقة بها. ذهب في الأسبوع الأول أربع مرات، ثم مرتين، ثم... انقطع منذ أسابيع.
نظر إلى باب النادي وقال لنفسه:
"غدًا سألتزم."
دخل شقته، فعاد الهدوء إلى المكان. أخرج بقايا طعام البارحة وسخنه ليأكله وهو يتابع مقطعًا على هاتفه. ترك الطبق في الحوض، واستلقى على السرير.
"عشر دقائق فقط."
حين نظر إلى الساعة مجددًا، كانت قد مرت أربعون دقيقة!
قفز فزعًا:
"الواجب!"
جلس إلى المكتب وأبعد الهاتف كليًا. بعد عدة محاولات، اكتشف الخطأ البسيط الذي ارتكبه في المكتبة وأنهى المسألة.
بقيت المسألة الأخيرة... كانت طويلة، لكنه يستطيع حلها.
مرر أصابعه فوق اللوحة الإلكترونية الصغيرة والأدوات التي اشتراها لمشروعه الخاص قبل أسابيع. بجانبها رأى كتابًا لم يصل في قراءته إلى منتصفه، ودفتر رياضات كتب فيه خطة تدريبية لم ينفذها.
أشياء صغيرة... لا شيء منها يشكل كارثة. درجاته جيدة، حياته مستقرة، وهو في العشرين من عمره ولديه متسع من الوقت.
ألقى القلم من يده. كان متعبًا.
"إذا نمت الآن مبكرًا، أستطيع الاستيقاظ في السادسة والنصف. ساعة كاملة تكفي لإكمال المسألة، وبعد الجامعة أذهب إلى النادي، وفي المساء أصلح اللوحة وأرتب الشقة قبل السفر للبيت."
ابتسم؛ بدت الخطة مثالية.
ضبط المنبه على 6:30، ثم أضاف آخر عند 6:35، وثالثًا عند 6:40 كاحتياط.
استعد للنوم وأطفأ أضواء الغرفة. أخذ هاتفه ليرى رسالة من أمه:
«لا تنسَ الجمعة».
كتب لها:
«لن أنسى».
أغمض آدم عينيه، وغرق في النوم وهو يمني نفسه بأنه يملك متسعًا كبيرًا من الوقت ليصبح الشخص الذي يريد أن يكونه... غدًا.
---------------------------
من الكاتب
أحببت أن أشارككم اليوم ثلاثة أبيات من قصيدة للشاعر حافظ إبراهيم، يتحدث فيها بلسان لغتنا العربية الجميلة:
وَسِعْتُ كِتابَ اللهِ لَفْظًا وَغَايَةً وَمَا ضِقْتُ عَنْ آيٍ بِهِ وَعِظَاتِ
فَكَيْفَ أَضِيقُ اليَوْمَ عَنْ وَصْفِ آلَةٍ وَتَنْسِيقِ أَسْمَاءٍ لِمُخْتَرَعَاتِ
أَنَا البَحْرُ فِي أَحْشَائِهِ الدُّرُّ كَامِنٌ فَهَلْ سَأَلُوا الغَوَّاصَ عَنْ صَدَفَاتِي
— حافظ إبراهيم
دمتم بخير، وقراءة ممتعة.