ما يملكه
قبل أن تبدأ القراءة، عطّر لسانك بالصلاة على النبي محمد ﷺ.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد.
--------------———-----------------
الفصل الثاني عشر: ما يملكه
في الأيام التي تلت موت هارم، بدأ آدم ينتبه إلى جسده أكثر.
لم يكن الأمر اهتمامًا مفاجئًا بصحته. لو امتلك هذا القدر من الحرص في حياته السابقة، لربما استفاد من اشتراك النادي الذي كان يدفع ثمنه بدل أن يكتفي بمشاهدة المبلغ يخرج من حسابه كل شهر.
لكن رؤية رجل ينام بعد يوم عادي ثم لا يستيقظ جعلت تجاهل التعب أصعب.
في صباح اليوم التالي، جلس آدم على طرف السرير وحرك كتفيه ببطء. بقي الألم الذي اعتاده في ظهره وساقيه، لكنه لم يكن بالقسوة نفسها التي شعر بها عندما استيقظ في هذا الجسد للمرة الأولى.
مد ذراعيه أمامه، وقبض يديه ثم فتحهما.
كانتا خشنتين.
تراكم الجلد القاسي عند مواضع معينة من الأصابع وراحة اليد، وانتشرت فوقهما آثار جروح قديمة التأمت منذ زمن. لم يحتج إلى ذكرى تخبره بأن معظمها أقدم من الأشهر الثلاثة التي قضاها كايل في القلعة.
وخلال الأيام التالية، بدأ يلاحظ شيئًا آخر.
عندما رفع صندوقًا ثقيلًا، استطاع حمله وحده. وحين اضطر إلى شد حبل مربوط بعربة، استجابت ذراعاه بقوة لم يتوقعها. بعض الحركات خرجت منه بسهولة، كأن الجسد يعرف الوضعية الصحيحة حتى عندما لم يفكر آدم فيها.
لكن المشكلة ظهرت كلما طال الجهد.
الصندوق الأول لم يكن صعبًا.
ولا الثاني.
بعد عدة مرات، بدأت ذراعاه تثقلان، وتسارع تنفسه، وعاد ذلك الوهن المزعج إلى ساقيه.
في البداية ظن أن جسد كايل ضعيف.
الآن لم يعد مقتنعًا بذلك.
كانت هناك قوة، وآثار سنوات من الحركة والعمل.
ما ينقصه هو القدرة على الاستمرار.
في أحد الأيام، بعد أن وضع ما يحمله، بقي واقفًا لثوانٍ يراقب يديه.
لم يكن يعرف كيف كانت حالة هذا الجسد قبل دخول القلعة، ولا مقدار ما تغير خلال الأشهر التي قضاها هنا.
لكن وصفه بالضعيف لم يعد دقيقًا.
كان مستنزفًا.
وهناك فرق.
مرت صورة هارم في ذهنه.
رجل مستلقٍ على سريره، لا يستجيب لمن يناديه.
ثم تبعتها صورة أقصر.
تعب ثقيل.
سرير.
عينان تكادان تنغلقان.
كايل.
صرف آدم ذهنه عنها.
لم يكن لديه دليل على ما حدث لكايل، وتشابه الصورتين لا يكفي لصنع حقيقة.
لذلك لم يحاول الوصول إلى واحدة.
اكتفى بأن يصغي إلى جسده أكثر.
لم يكن يستطيع تقليل ساعات عمله أو أخذ يوم راحة متى أراد
ومع مرور الأيام، بدأ يلاحظ تحسنًا بطيئًا. لم تختفِ آلامه، ولم يصبح العمل سهلًا، لكنه لم يعد يصل إلى نهاية كل يوم بالحالة نفسها التي كان عليها في البداية.
كان الجسد يستعيد شيئًا منه.
وقاده ذلك إلى شيء آخر لم يفكر فيه كثيرًا من قبل.
الطعام.
ثلاث وجبات في اليوم كانت أفضل بكثير من الظروف التي عاشها كايل قبل دخوله القلعة، لكن العمل كان طويلًا، والوجبات بسيطة، واللحم لم يكن حاضرًا باستمرار.
لم يكن آدم خبيرًا بالتغذية.
عرف بعض الأشياء العامة التي يعرفها أي شخص أمضى وقتًا كافيًا على الإنترنت ومر بمقاطع تتحدث عن البروتين والسعرات والرياضة، لكن معرفته لم تكن كافية ليبدأ بحساب احتياجات جسده كما لو كان مختصًا.
لذلك فعل الشيء الوحيد المتاح له.
أكل.
وفي أحد الأيام، وجد أمامه البطاطا مرة أخرى.
أمسك واحدة منها ونظر إليها.
كانت مسلوقة.
كما حدث مرات سابقة.
أخذ قضمة، ثم بقيت عيناه عليها.
بطاطا.
كان لديهم بطاطا.
ورأى الزيت من قبل.
والملح موجود بالتأكيد.
ظهرت الفكرة ببساطة جعلته يستغرب أنه لم يفكر فيها سابقًا.
البطاطا المقلية.
خفض ما في يده قليلًا.
هل يعرفونها هنا؟
لم يكن لديه أي فكرة.
كل ما يعرفه أنه لم يرها منذ وصوله.
تصور شرائح البطاطا وهي تخرج من الزيت، ساخنة ومقرمشة، ثم تخيل كمية الملح التي كان يضعها عليها في حياته السابقة.
للحظة، لم يعد الطعام أمامه مجرد وجبة.
إذا لم تكن هذه الطريقة معروفة هنا، فهي شيء جاء به معه من الأرض.
فكرة بسيطة جدًا، نعم.
لكنها فكرة.
وتبعتها أخرى.
كم شيء يعرفه ويعتبره عاديًا، بينما قد لا يكون عاديًا هنا؟
الأطعمة كانت البداية الأسهل.
ثم الأدوات.
طرق التصنيع.
المحركات.
الكهرباء.
الاتصالات.
وجد أفكاره تتسارع بالطريقة نفسها التي حدثت عندما رأى العربات للمرة الأولى.
هو قادم من القرن الحادي والعشرين.
لم يكن عالمًا، ولم يكن مخترعًا، وحتى دراسته للهندسة الكهربائية لم يكملها.
لكن الفارق بين ما تعلمه إنسان عادي في عصره وبين ما قد يعرفه الناس هنا يمكن أن يكون هائلًا.
يمكن.
توقفت أفكاره عند الكلمة الأخيرة.
نظر إلى البطاطا مجددًا.
هو لا يعرف حتى إن كانت البطاطا المقلية جديدة عليهم.
ولا يستطيع دخول المطبخ متى شاء ليطلب الزيت ويبدأ تجاربه.
ولا يملك متجرًا.
ولا مالًا يكفي لبدء مشروع.
ولا يعرف كيف يعمل السوق أصلًا.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
قبل أيام قليلة فقط كاد يبدأ ثورة صناعية في رأسه لأنه رأى عربة تجرها الخيول.
يبدو أنه لم يتعلم الدرس بالكامل.
لكن هذه المرة لم يرمِ الفكرة بعيدًا أيضًا.
ربما كانت البطاطا المقلية معروفة.
وربما لم تكن.
وربما توجد عشرات الأشياء الأخرى التي يستطيع الاستفادة منها يومًا ما.
سيعرف عندما يصبح قادرًا على ذلك.
أما الآن، فقد كان خادمًا يأكل بطاطا مسلوقة ويفكر في مستقبل لا يعرف عنه شيئًا.
أكمل وجبته.
مرت أربعة أيام أخرى.
استمر آدم في القراءة عندما استطاع، وإن لم يعد يعدّ كل جلسة كأنها انتصار على نفسه. بعض الليالي قرأ أكثر، وفي أخرى لم يستطع إلا مراجعة كلمات قليلة قبل النوم.
وفي الوقت نفسه، استمر جسده في التحسن ببطء.
صار الفرق أوضح عندما قارن نفسه بالأسبوع الأول.
لم يصبح العمل خفيفًا، لكنه لم يعد يشعر منذ الصباح بأنه بدأ يومه بطاقة مستهلكة أصلًا.
وبحلول نهاية الأسبوع الأول بعد موت هارم، استطاع أن يقول بثقة إن حالته أفضل.
كان ذلك كافيًا.
لم يحتج إلى أكثر من ذلك الآن.
---
في مساء ذلك اليوم، كان رودريك جالسًا خلف مكتبه.
أمام رئيس الخدم عدد من السجلات، بعضها مفتوح وبعضها مكدس عند طرف الطاولة. بقي يراجع أحدها حتى أُغلق الباب أمامه.
رفع رأسه.
كان إريك واقفًا هناك.
أشار رودريك إلى المقعد المقابل.
"اجلس."
بقي إريك واقفًا.
لم يكرر رودريك طلبه.
عاد إلى السجل وقال:
"بقي نحو شهرين."
عرف إريك ما يقصده.
"أعرف."
رفع رودريك عينيه إليه.
"اختبار الحرس."
"قلت إنني أعرف."
أغلق رودريك السجل.
"وأنا أعرفك."
انعقد حاجبا إريك.
"ماذا يعني ذلك؟"
"يعني أنك تخبرني منذ مدة أنك ستستعد، ولم أرَ شيئًا يدل على أنك بدأت."
"أعمل طوال اليوم. متى تريدني أن أتدرب؟"
"جد وقتًا."
ظهر الضيق على وجه إريك.
"من السهل قول ذلك وأنت جالس خلف مكتب."
ساد الصمت.
أدرك إريك بعد خروج الكلمات أنه تجاوز حدًا، لكنه لم يسحبها.
نظر رودريك إليه طويلًا.
"أتظن أنني وُلدت على هذا الكرسي؟"
لم يجب إريك.
دفع رودريك السجل جانبًا.
"إن كنت تريد البقاء خادمًا، فلا تفعل شيئًا. لا تتدرب، ولا تتقدم للاختبار، واستمر كما أنت."
شد إريك فكه.
"تعرف أنني لا أريد ذلك."
"إذن تصرف على هذا الأساس."
ابتعد إريك بعينيه.
كان عمه يعرف كيف يضغط على النقطة التي تزعجه.
قال رودريك:
"راتبك خمسة وثلاثون نحاسًا في الشهر."
"أعرف."
"والحارس من الرتبة D يبدأ بفضتين."
هذه المرة لم يرد إريك مباشرة.
فضتان.
مئتا نحاس.
أكثر من خمسة أضعاف ما يحصل عليه الآن.
لكن المال لم يكن السبب الوحيد.
قال رودريك:
"ولن أبقى قادرًا على مساعدتك في كل مرة تقع فيها في مشكلة."
عاد إريك ينظر إليه.
"لم أطلب منك أن تساعدني."
"حقًا؟"
لم تعجب إريك نبرته.
أكمل رودريك:
"أستطيع أن أضعك في عمل أفضل من غيرك أحيانًا. أستطيع أن أمنع بعض المشرفين من استغلالك. وأستطيع أن أتدخل عندما تتجاوز حماقتك الحد."
"أنا لست بحاجة إلى حماية."
"إريك."
كانت كلمة واحدة، لكنها أوقفت رده.
مال رودريك إلى الخلف.
"أنا رئيس الخدم هنا. وهذا يمنحني سلطة معينة، لكنه لا يجعلني قادرًا على إعطائك كل ما تريد."
سكت قليلًا.
"لا أستطيع أن أجعلك حارسًا."
ثبت إريك عينيه عليه.
"أعرف."
"هذه عليك أنت."
ساد الصمت بينهما.
لم يكن إريك يكره عمه.
كان ذلك سيجعل الأمور أبسط.
بعد موت والده، كان رودريك الشخص الذي وقف إلى جانبه. وفر له مكانًا هنا، وساعده أكثر من مرة، ولم يتركه عندما كان يستطيع فعل ذلك بسهولة.
لكن لكل مساعدة ثمنًا لم يكن مكتوبًا في أي سجل.
ظل إريك، في أعين الآخرين، ابن أخ رئيس الخدم.
حين يحصل على عمل أخف، فالسبب عمه.
حين ينجو من مشكلة، فالسبب عمه.
وحين يتصرف كما يريد، يصل الخبر إلى عمه.
أراد المال الذي يحصل عليه الحراس.
لكنه أراد شيئًا آخر أكثر.
أن يصبح اسمه كافيًا وحده.
قال:
"سأكون مستعدًا."
راقبه رودريك للحظة.
"أتمنى أن تعنيها."
استدار إريك نحو الباب.
وقبل أن يصل إليه، جاءه صوت عمه.
"وهناك أمر آخر."
نظر إليه.
"خفف مشاكلك مع الخدم."
تغير وجه إريك.
"أي مشاكل؟"
"أنا رئيس الخدم."
لم يقل رودريك أكثر.
لم يحتج.
أدار إريك المقبض.
"اهتم بسجلاتك."
خرج وأغلق الباب خلفه.
بقي رودريك ينظر إلى الباب لحظة، ثم أعاد السجل أمامه وفتحه.
---
لم يعرف آدم شيئًا عن ذلك الحديث.
مرت أيام أخرى.
بدأت الأسابيع منذ استيقاظه هنا تفقد حدودها الواضحة. في البداية كان يستطيع تذكر كل صباح تقريبًا، وكل شيء جديد رآه، وكل سؤال ظهر في رأسه.
الآن بدأت بعض الأيام تتشابه.
وهذا لم يكن سيئًا بالكامل.
واصل القراءة.
صار يتوقف عند كلمات أقل مما كان يفعل في البداية، وإن بقيت الكتابة أبطأ مما يريد.
وفي جسده، استمر التحسن الصغير نفسه.
لم يعد يراقب كل ألم كما فعل في الأيام الأولى بعد موت هارم. فقط صار يعرف متى يكون متعبًا، ومتى يستطيع الاستمرار، ومتى يكون الإرهاق مختلفًا عن المعتاد.
وبعد مرور ما يقارب أسبوعين، أدرك شيئًا آخر.
موعد إجازته اقترب.
لم ينتظر سامر ليخبره.
في نهاية أحد الأيام، ذهب بنفسه إلى المشرف المسؤول عن مجموعته.
كان الرجل يراجع ورقة حين وقف آدم أمامه.
رفع عينيه.
"ماذا تريد؟"
"أريد أن أعرف موعد إجازتي القادمة."
نظر المشرف إلى الورقة.
مر بإصبعه على الأسماء حتى وجد ما يبحث عنه.
"كايل."
"نعم."
تابع السطر.
"بعد يومين."
ثبت آدم مكانه لحظة.
كان يعرف أنها اقتربت.
لكن سماع الموعد جعل الأمر مختلفًا.
بعد يومين.
"هل هناك مشكلة؟"
"لا."
"إذن لا تقف أمامي."
ابتعد آدم.
لم يفكر في الإجازة باعتبارها يوم راحة.
كان هناك مكان واحد يريد الذهاب إليه.
يلمار.
مر اليومان أسرع مما توقع.
وفي صباح إجازته، استيقظ آدم قبل أن يوقظه أحد.
بقي مستلقيًا قليلًا وهو ينظر إلى السقف الخشبي.
هذه المرة لم يكن عليه أن يتبع مجموعة من الخدم.
ولم يكن هناك صندوق ينتظره، أو مخزن يُرسل إليه، أو عربة عليه تفريغها.
نهض.
ارتدى ملابسه، وأخذ ما يحتاجه للطريق.
وعندما خرج إلى الساحة، كانت القلعة قد بدأت تستيقظ.
واصل سيره حتى ظهرت البوابة الرئيسية أمامه.
عرفها فورًا.
كانت البوابة نفسها التي وقف عندها في أيامه الأولى.
يومها رأى الطريق خلفها وفكر في شيء واحد.
الخروج.
ثم جاءت ذكرى الرجل الذي حاول الهرب.
والعقوبة.
فتراجع.
هذه المرة لم يتراجع.
مر بجانب الحراس.
نظر أحدهم إليه، ثم تركه يعبر.
خطوة واحدة فصلته عن القلعة.
ثم أخرى.
لم يناده أحد.
لم يمسكه أحد.
لم يكن يهرب.
كان في إجازة.
تابع السير.
امتد الطريق الترابي أمامه بين الأشجار. كان الهواء مختلفًا بعيدًا عن الساحات والجدران، ورائحة الغابة أقوى كلما ابتعد.
بعد مسافة، التفت آدم إلى الخلف.
بقيت القلعة ظاهرة بين الأشجار.
منذ استيقظ في هذا العالم، كانت الجدران تحيط بكل يوم عاشه تقريبًا.
والآن أصبح خارجها.
أعاد نظره إلى الطريق.
يلمار لم تكن قريبة بما يكفي ليراها بعد.
لكنه عرف الاتجاه.
ليس لأن خريطة واضحة ظهرت في رأسه، ولا لأن ذكريات كايل أعطته الطريق خطوة بخطوة.
بعض المنعطفات بدت مألوفة فحسب.
عند تفرع الطريق، اتجه إلى المسار الأيسر قبل أن يفكر طويلًا.
وبعد عدة دقائق، مر بجانب صخرة كبيرة قرب الأشجار وشعر بأنه رآها من قبل.
واصل السير.
الغابة أمامه.
والقرية في نهايتها.
وفي مكان هناك، كان ليو يعيش حياته وهو ينتظر عودة أخيه.
أما الرجل الذي يسير نحوه الآن...
فلم يكن كايل.