السرير الفارغ
قبل أن تبدأ القراءة، عطّر لسانك بالصلاة على النبي محمد ﷺ.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد.
‐--------------—------————--------
الفصل الحادي عشر: السرير الفارغ
استيقظ آدم على صوت أحدهم ينادي:
"هارم."
فتح عينيه ببطء.
كان المهجع لا يزال مظلمًا إلا من ضوء خافت قرب المدخل. بدأ الخدم يستيقظون كعادتهم؛ وقع أقدام، سعال متقطع، احتكاك الملابس، ورجل في الجهة الأخرى يشتكي من البرد.
"هارم."
جاء الاسم مرة أخرى.
لم يهتم آدم في البداية. جلس على سريره وفرك وجهه.
كان جسده يؤلمه.
ليس ألمًا شديدًا. مجرد ذلك الثقل الذي صار مألوفًا بعد أيام العمل الطويلة. كتفاه متيبستان قليلًا، وساقاه لم تستعيدا راحتهما بالكامل من عمل الأمس.
"هارم، استيقظ."
رفع آدم رأسه هذه المرة.
على بعد عدة أسرة، وقف أحد الخدم بجانب رجل ما زال مستلقيًا. أمسكه من كتفه وهزه.
"هارم."
لم يرد.
قال رجل آخر وهو يرتدي حذاءه:
"اتركه. إذا تأخر فسيتحمل النتيجة."
"أحاول إيقاظه."
هزه مرة أخرى، بقوة أكبر.
تحرك جسد الرجل مع الهزة.
توقف الخادم.
اقترب قليلًا.
"هارم؟"
بدأت أصوات المهجع تخفت.
اقترب رجل أكبر سنًا ووضع أصابعه عند رقبة هارم. انتظر قليلًا، ثم قرب يده من أنفه.
تغير وجهه.
"نادوا المشرف."
بقي آدم جالسًا على سريره.
لم يحتج إلى أن يخبره أحد.
كان هارم في الثلاثينيات، ربما أكبر بقليل. وجه متعب، لحية قصيرة، وإحدى يديه خارج الغطاء.
لا دم.
لا جرح.
بدا كأي شخص غلبه النوم بعد يوم طويل.
إلا أنه لم يكن يتنفس.
---
وصل المشرف بعد دقائق ومعه رجل آخر.
فحصا هارم، وتبادلا كلمات قليلة لم يسمعها آدم.
قال المشرف:
"خذوه."
دخل رجلان، ولفا الجسد بالغطاء، ثم رفعاه. ابتعد بعض الخدم عن الطريق حتى يمروا.
خرج الرجال بالجسد.
وبقي السرير فارغًا.
انتظر آدم.
ربما توقع أن يتوقف العمل.
أن يبدأ أحد بطرح الأسئلة.
أن يأتي شخص يريد معرفة ما حدث.
لم يحدث شيء.
ظل بعض الخدم صامتين. بقي رجل ينظر إلى الباب الذي خرجت منه الجثة، وتمتم آخر بشيء لم يسمعه آدم.
ثم بدأ الجميع يخرجون للعمل.
اقترب آدم من سامر أثناء خروجهما.
"مات؟"
نظر سامر إليه.
"نعم."
"كيف؟"
هز سامر كتفيه.
"لا أعرف."
"هل كان مريضًا؟"
"ليس على حد علمي."
سكت آدم قليلًا.
"إذن كيف ينام شخص ثم لا يستيقظ؟"
نظر إليه سامر.
"يحدث ذلك."
تباطأت خطوات آدم.
"يحدث؟"
"كان منهكًا منذ فترة."
"كلنا متعبون."
"ليس مثله."
خرجا إلى الساحة، فضرب الهواء البارد وجه آدم.
قال سامر:
"العمل، وقلة النوم، والاستمرار هكذا فترة طويلة... أحيانًا يصل الجسد إلى حد لا يستطيع بعده الاستمرار."
قالها من دون فزع، كمن يتحدث عن شيء رآه من قبل ولا يملك له حلًا.
"هل حدث هذا سابقًا؟"
"نعم."
"كثيرًا؟"
"لا أعرف. ليس كل يوم بالتأكيد."
لم يسأل آدم أكثر.
واصل السير.
بعد عدة خطوات، شعر بثقل ساقيه من جديد.
هذه المرة انتبه إليه.
لم يكن أقوى مما كان عليه بالأمس.
لكنه لم يستطع تجاهله بالسهولة نفسها.
تذكر كيف استيقظ في هذا الجسد.
الألم.
الإرهاق.
ثقل الأطراف.
والرغبة في إغلاق عينيه التي لم تكن تخصه.
ثم مرت في ذهنه صورة قصيرة، لم يعرف إن كانت ذكرى كاملة أم مجرد جزء منها.
سرير.
جسد كايل مستلقٍ عليه.
عينان تثقلان.
ثم انقطاع.
عاد آدم إلى صوت خطوات الخدم من حوله.
خفض نظره إلى يديه.
لم يحاول إكمال الفكرة.
لم يكن لديه ما يكفي ليكملها.
لكن التعب الذي حمله هذا الجسد منذ استيقاظه لم يعد يبدو مجرد إزعاج سيختفي وحده.
---
في حياته السابقة، كان يستيقظ، يذهب إلى الجامعة، يجلس في المحاضرات، ثم يعود إلى شقته.
كان يستطيع أن يكره يومًا كاملًا بسبب محاضرة مملة أو واجب لم ينهه.
وقد يعود مرهقًا، يرمي حقيبته، ويؤجل كل شيء إلى الغد.
لكنه لم يكن ينظر إلى ذلك التعب ويتساءل إن كان جسده قادرًا على تحمل يوم آخر.
الموت كان بعيدًا عن تفاصيل أيامه العادية.
حتى اليوم الذي مات فيه لم يبدأ كيوم مختلف.
استيقظ متأخرًا.
ذهب إلى الجامعة.
عاد.
قرر الذهاب إلى النادي.
ثم انتهت حياته في الطريق.
أعاد انتباهه إلى الصندوق الذي يحمله.
كان متوسط الحجم، لكنه صار أثقل مع المسافة.
في الأيام السابقة كان سيشد ذراعيه ويكمل حتى يصل.
هذه المرة راقب الألم.
ذراعاه متعبتان.
كتفاه تؤلمانه.
تنفسه أسرع، لكنه منتظم.
لا دوار.
لا ضعف غريب.
مجرد تعب.
وصل إلى المخزن ووضع الصندوق.
بقي واقفًا لحظات قبل أن يعود.
لم يكن يعرف شيئًا عن الطب، ولم يكن ينوي تحويل كل ألم إلى علامة على موت وشيك.
لكن تجاهل جسده تمامًا لم يعد يبدو ذكيًا أيضًا.
---
لم يتوقف العمل بسبب موت هارم.
بعد ساعات، مر آدم قرب المخازن.
رجال يحملون الأكياس.
عربات تدخل وتخرج.
الطعام يخرج من المطابخ.
موظفون يحملون الأوراق.
حراس في مواقعهم.
كل شيء يعمل.
كان هارم نائمًا بينهم هذا الصباح.
والآن لم يعد موجودًا.
رأى رجلًا عرفه يلتزم الصمت معظم الصباح، وآخر يسأل إلى أين أخذوا جسده.
لم يكن الأمر أن أحدًا لم يهتم.
لكن القلعة لم تتوقف.
أكثر من ستمئة خادم، بحسب تقديره.
إذا غاب واحد، انتقلت المهمة إلى آخر.
خفض آدم نظره.
هو واحد منهم.
---
في فترة الراحة، أخرج قطعة الورق التي كان يتدرب عليها.
قرأ السطر الأول.
ثم الثاني.
وعادت إلى ذهنه يد هارم الخارجة من الغطاء.
طوى الورقة.
ليس اليوم.
ظل ممسكًا بها.
كان يستطيع أن يتركها.
وللمرة الأولى منذ بدأ يتعلم مع سامر، كان يملك سببًا حقيقيًا لذلك.
فتحها من جديد.
قرأ سطرًا آخر.
أخطأ في كلمة، فعاد إليها.
قرأها بشكل صحيح في المرة الثانية.
وبعد خمس دقائق أغلق الورقة.
لم يستطع التركيز أكثر.
وهذه المرة لم يزعجه ذلك.
---
جاء الصوت بعد الظهر من إحدى الساحات الجانبية.
كان آدم يحمل بعض الأدوات مع خادمين عندما رأى مجموعة من الناس متوقفة في طرف الساحة.
سمع رجلًا يصرخ:
"لم أكن أعرف!"
ثم جاء صوت ضربة.
التفت آدم.
كان شاب في العشرينيات تقريبًا واقفًا في منتصف الساحة، يمسك به حارسان، ويداه مربوطتان خلف ظهره.
وقف أمامه رجل لم يعرفه آدم.
"دخلت أم لم تدخل؟"
"...دخلت، لكنني لم أكن أعرف أن..."
ضربته العصا على ظهره.
انحنى جسده، لكن الحارسين أبقياه واقفًا.
توقفت خطوات آدم دون أن ينتبه.
قال الخادم الذي يسير معه:
"لا تتوقف."
عاد آدم للمشي.
"ماذا فعل؟"
خفض الرجل صوته.
"دخل مكانًا داخليًا ممنوعًا."
"أين؟"
"خلف المخازن الشمالية."
عرف آدم المنطقة معرفة سطحية. مر بالقرب منها من قبل، ولاحظ أن بعض الممرات هناك لا يستخدمها الخدم العاديون.
"ولماذا يمنع الدخول؟"
نظر الرجل إليه.
"لأنه ممنوع."
كاد آدم يسأله ما فائدة هذه الإجابة.
جاءت ضربة أخرى خلفه.
"أخطأت! لم أكن أعرف!"
قال شخص من الواقفين:
"كان عليك أن تعرف."
واصل آدم السير.
وبقي صوت العصا يصل إليه لبعض الوقت.
---
مر بالساحة نفسها لاحقًا.
اختفى الرجل والحارسان والمتفرجون.
بقيت بقعة صغيرة من الدم على الأرض.
نظر إليها وهو يمر.
قبل أيام، كان فضوله تجاه الممرات المغلقة بسيطًا.
ماذا يوجد هناك؟
لماذا يمنع الخدم من الدخول؟
كيف يمكنه الوصول إليها؟
توقفت عيناه لحظة على بقعة الدم.
لن يدخل ليرى بنفسه.
لم يختف فضوله.
يمكنه أن يسأل.
أن يستمع.
أن يقرأ عندما تصبح قراءته جيدة بما يكفي.
وأن يراقب.
أما فتح باب ممنوع لمجرد أنه يريد معرفة ما خلفه...
فتابع سيره.
---
في المساء رأى إريك قرب أحد الممرات يتحدث مع رجل أكبر منه.
لم يهتم آدم بما يقولانه حتى وصلت إليه كلمة:
"الحرس."
خفف خطواته دون أن يتوقف.
قال الرجل:
"أما زلت مصرًا؟"
"بالتأكيد."
"كون عمك رئيس الخدم لن..."
قاطعه إريك:
"أعرف."
"الحرس مختلفون."
"قلت إنني أعرف."
مر آدم بجانبهما دون أن يلتفت.
إريك يريد أن يصبح حارسًا.
هو أيضًا.
عاد إلى ذهنه كايل.
كان يريد الحراسة لأنها أفضل من حياته السابقة. راتب أعلى، وضع أفضل، وفرصة للخروج من حياة الخادم العام التي دخلها مضطرًا.
أما إريك، فهو ابن أخ رئيس الخدم.
وضعه بين الخدم أفضل من كثيرين أصلًا.
ومع ذلك يريد الحرس.
تذكر آدم الساحة.
الخادم مربوط.
الحارسان يمسكان بذراعيه.
لم يكونا من قرر العقوبة.
لكنهما كانا جزءًا من تنفيذها.
رفع عينيه نحو حارس يقف قرب باب جانبي.
سيف عند خصره.
ملابس أفضل.
ولا أحد يطلب منه حمل صندوق أو تنظيف مخزن.
المسافة بين الخادم والحارس لم تكن في الراتب وحده.
كانت في الموقع.
---
مر اليوم التالي دون شيء استثنائي.
وكان آدم ممتنًا لذلك.
عمل.
أكل.
قرأ قليلًا مع سامر.
تعلم ثلاث كلمات جديدة، وكتب إحداها بصورة سيئة مرتين قبل أن تصبح مقبولة في الثالثة.
وأثناء العمل، واصل الانتباه إلى جسده.
لم يفعل ذلك طوال الوقت.
لكنه عندما بدأ الألم في أسفل ظهره بعد حمل الأكياس، انتبه.
وعندما شعر في الصباح أن ذراعيه لم تستعيدا قوتهما بالكامل، انتبه.
وعندما استيقظ بعد ليلة نوم وشعر أن ساقيه أخف من اليوم السابق، انتبه إلى ذلك أيضًا.
لم يكن يبحث عن مرض.
كان يحاول فقط أن يعرف الجسد الذي يعيش فيه.
كايل عاش فيه سبعة عشر عامًا.
أما آدم فلم يمض فيه إلا أيامًا.
حتى الآن، كان اعتماده على حقيقة بسيطة:
الجسد يتحرك، إذن هو بخير.
لم تعد هذه الحقيقة تكفيه تمامًا.
---
بعد يوم آخر، عاد آدم إلى المهجع في المساء.
توجه نحو سريره.
وقبل أن يصل، وقع نظره على مكان قريب.
سرير هارم.
فارغ.
لم يضعوا أحدًا فيه بعد.
اختفى الغطاء والوسادة، ولم يبقَ إلا الخشب.
توقف آدم.
للحظة ظن أن هارم مات هذا الصباح.
ثم أدرك أن يومين مرّا.
غريب.
جلس على سريره.
استمرت الحياة حوله.
رجل يضحك.
اثنان يتحدثان بصوت منخفض.
شخص يأكل قطعة خبز احتفظ بها من العشاء.
وسامر جالس قرب الضوء يقرأ.
نظر آدم إلى السرير الفارغ.
قبل يومين كان هناك رجل ينام عليه.
يستيقظ منه.
يذهب إلى العمل.
يعود إليه.
وربما كان يظن أنه سيفعل الشيء نفسه في اليوم التالي.
انتقلت عينا آدم إلى سريره هو.
مر في رأسه مشهد آخر.
جسد منهك.
رأس يستقر على الفراش.
عينان تغلقان.
لم يتذكر ما جاء بعد ذلك.
رفع يده ونظر إليها.
فتح أصابعه وأغلقها.
شعر بالتعب فيها، لكنه لم يكن التعب نفسه الذي استيقظ به أول مرة.
أو ربما كان يتخيل الفرق.
لم يعرف.
ولم يحتج إلى أن يقرر.
في حياته السابقة، احتاج الأمر إلى سيارة مسرعة كي ينتهي يوم عادي بطريقة لم يتوقعها.
أما هنا، فقد رأى رجلًا يذهب إلى النوم ولا يقوم منه، ورجلًا آخر يُربط ويُضرب لأنه دخل مكانًا لم يكن يعرف أنه ممنوع.
لم يشرح له أحد هذا العالم قبل أن يستيقظ فيه.
ولم يكن العالم مهتمًا بأن ينتظر حتى يفهمه.
استلقى آدم.
كان السرير الفارغ لا يزال داخل مجال رؤيته.
لم يعد ينظر إلى التعب بالطريقة نفسها.