الفصل5
كان الصباح باردًا حين فتح تانغ شين عينيه داخل المبنى المهجور.
لم يكن لديه فراش حقيقي، بل مجموعة من الأقمشة القديمة التي جمعها على مدى أيام. أما الطعام، فلم يكن يملك منه شيئًا، ولذلك نهض سريعًا، ونفض الغبار عن ملابسه، ثم خرج قبل أن تزدحم طرق القرية بالناس.
كان عليه أن يصل إلى مخزن البضائع في الوقت المحدد.
لم يكن العمل شاقًا إلى درجة تعجزه، لكنه لم يكن سهلًا أيضًا. فالصناديق تحتاج إلى نقل، والأرض تحتاج إلى تنظيف، والبضائع يجب أن تُرتب بحسب أنواعها. وكلما أخطأ في ترتيب شيء، اضطر إلى إعادته إلى مكانه.
ومع ذلك، لم يتذمر.
كان يعرف أن الرجل الذي يشغّله لا يدفع المال مقابل أفكاره أو ظروفه، بل مقابل العمل الذي ينجزه. وإذا أراد أن يحصل على أجره، فعليه أن يكون مفيدًا.
عند منتصف النهار، انتهى من تنظيف أحد الأركان، فجلس قرب الباب ليلتقط أنفاسه. أخرج صاحب المخزن قطعة خبز ووعاءً صغيرًا من الطعام، ووضعهما أمامه.
قال الرجل:
«كُلْ، ثم عُد إلى ترتيب الصناديق الموجودة في الخلف.»
أومأ تانغ شين شاكرًا، وبدأ يأكل ببطء.
لم تكن الوجبة كبيرة، لكنها كانت أفضل من العودة إلى المبنى المهجور بمعدة فارغة.
وبينما كان يأكل، دخل رجل يحمل كيسًا من القماش، وتحدث مع صاحب المخزن عن بضاعة ستصل خلال الأيام المقبلة. لم يهتم تانغ شين في البداية بحديثهما، حتى سمع الرجل يقول:
«ارتفعت أسعار الأخشاب مرة أخرى. حتى الحطب العادي أصبح أغلى من السابق.»
أجابه صاحب المخزن بضيق:
«الطرق ليست آمنة كما كانت، والتجار يرفعون الأسعار كلما تأخرت القوافل. لا أحد يريد تحمل الخسارة.»
توقفت يد تانغ شين لحظة.
كانت هذه أول مرة ينتبه فيها إلى أن الأسعار لا ترتفع دائمًا بسبب نقص البضاعة وحده. فالطرق، والتجار، وتكاليف النقل، وحتى المخاطر التي يتعرض لها الناس، كلها تؤثر في ما يستطيع الفقير شراءه.
لم يكن ذلك درسًا في فنون القتال، لكنه كان درسًا يحتاج إليه أيضًا.
فإذا أراد أن يتعلم، فلا بد أن يحصل على المال. وإذا أراد المال، فعليه أن يفهم كيف يعيش الناس وكيف يكسبون أرزاقهم.
أنهى وجبته، ثم عاد إلى عمله.
عندما اقترب المساء، دفع صاحب المخزن إلى تانغ شين عددًا قليلًا من القطع النقدية.
«هذا أجرك عن اليومين اللذين عملت فيهما. إذا حضرت غدًا في الموعد نفسه، فستحصل على أجرك بعد انتهاء العمل.»
أخذ تانغ شين النقود وعدّها بعناية.
لم يكن المبلغ كبيرًا، لكنه كان أول مال يكسبه بجهده منذ أن بدأ يبحث عن عمل. والأهم أنه أصبح يملك شيئًا يستطيع الادخار منه بدل الاعتماد على وجبة يمنحها له الآخرون.
وضع النقود داخل جيب مخفي في ملابسه، ثم انحنى قليلًا للرجل وغادر.
لم يتجه مباشرة إلى المبنى المهجور.
بدلًا من ذلك، مرّ بالساحة التي شاهد فيها الصبية يتدربون في اليوم السابق.
كان التدريب قد انتهى، ولم يبقَ في الساحة سوى الرجل الذي أشرف عليهم. كان يجمع بعض الأدوات الخشبية ويضعها قرب الجدار.
تردد تانغ شين لحظة، ثم تقدم نحوه.
«أيها السيد، هل يمكنني أن أسألك شيئًا؟»
رفع الرجل رأسه ونظر إليه.
«اسأل.»
أشار تانغ شين إلى الساحة.
«رأيت الصبية يتدربون هنا أمس. هل يمكن لأي شخص أن يتعلم هذه الحركات؟»
نظر الرجل إلى ملابسه القديمة، ثم إلى جسده النحيل.
«يمكن لأي شخص أن يتعلم بعض الأساسيات، لكن التعلم شيء، وإتقان فنون القتال شيء آخر.»
لم يُظهر تانغ شين خيبة أمله، بل تابع:
«وما الذي يحتاج إليه المرء ليبدأ؟»
أجاب الرجل:
«الوقت، والانضباط، وشخص يصحح أخطاءه. أما إذا أردت تعلم فن قتالي حقيقي، فستحتاج إلى أكثر من ذلك.»
«مثل ماذا؟»
«رسوم التدريب، ووسائل مناسبة، وربما كتب أو تعليمات لا يعطيها المدرب لكل عابر سبيل. بعض الحركات يمكنك تعلمها بالمشاهدة، لكنك لن تفهم دائمًا سبب أدائها أو حدودها.»
صمت تانغ شين قليلًا.
لقد جرّب تقليد الوقفة بنفسه في الليلة الماضية، ولم يستطع معرفة ما إذا كان يؤديها بطريقة صحيحة. وحتى لو نجح في تقليد الحركة، فكيف سيعرف متى يستخدمها؟ وكيف سيعرف الخطأ الذي قد يفسد توازنه؟
قال الرجل، وقد لاحظ صمته:
«لماذا تسأل؟ هل تريد أن تتعلم؟»
أجاب تانغ شين بصراحة:
«نعم، لكنني لا أملك المال الكافي.»
لم يسخر الرجل منه، ولم يَعِده بتعليمه مجانًا.
قال فقط:
«إذن لا تتعجل. اكسب ما تستطيع، وحافظ على صحتك، ولا تقلد حركات لا تفهمها. الجسد الذي لم يتدرب من قبل لا يصبح أقوى لمجرد أن صاحبه يكرر حركة صعبة.»
انحنى تانغ شين احترامًا.
«شكرًا لك، سأتذكر ذلك.»
ثم ابتعد عن الساحة.
لم يحصل على طريقة مختصرة للتقدم، لكنه عرف شيئًا لم يكن واضحًا له من قبل: المشاهدة قد تمنحه فكرة عن الحركة، أما المعرفة الصحيحة فتمنحه القدرة على فهمها وتصحيحها.
وهذا الفرق هو ما كان ينقصه.
عاد تانغ شين إلى المبنى المهجور بعد حلول الظلام.
كان المكان ساكنًا، والهواء يتسلل من الشقوق الموجودة في الجدران. وضع ما تبقى معه من طعام جانبًا، ثم جلس قرب الجدار ومد ساقيه أمامه.
تذكر كلام الرجل في الساحة.
الوقت، والانضباط، وشخص يصحح الأخطاء.
لم يكن يملك المال الكافي للتدرب تحت إشراف مدرب، لكنه لم يكن مضطرًا إلى إنفاق كل ما يكسبه فورًا. يمكنه أن يدخر، وأن يراقب ما يستطيع مراقبته، وأن يتعلم بالتدريج.
ومع ذلك، بقيت أمامه مشكلة أخرى.
لم يكن يعرف كيف يميز بين التدريب المفيد والتقليد الأعمى.
تنهد، ثم وقعت عيناه على الحجر الرمادي الموجود قرب الجدار.
كان الحجر في المكان نفسه الذي تركه فيه سابقًا؛ سطحه خشن ولونه باهت، ولا يبدو مختلفًا عن أي حجر عادي يمكن العثور عليه قرب الطريق.
مد تانغ شين يده والتقطه.
قلبه بين أصابعه، ثم مسح عنه بعض الغبار.
«إنه مجرد حجر...»
قالها بصوت منخفض، ثم وضعه على ركبته.
لم يكن يعرف لماذا احتفظ به حتى الآن. ربما لأنه وجده في المبنى، وربما لأنه لم يكن يملك أشياء كثيرة يستطيع اعتبارها ملكًا له.
ضغط بإبهامه على سطحه، فشعر بخشونته المعتادة.
لم يحدث شيء.
ابتسم ابتسامة باهتة، وكأنه يسخر من نفسه لأنه انتظر من حجر صامت أن يمنحه جوابًا عن مشكلاته، ثم أعاده إلى جواره.
لم يكن أمامه سوى مواصلة العمل.
في صباح اليوم التالي، عاد تانغ شين إلى المخزن.
عمل حتى الظهيرة، ثم ساعد في نقل مجموعة من الصناديق الصغيرة. وعندما انتهى، طلب من صاحب المخزن الإذن بالمغادرة مبكرًا قليلًا.
نظر إليه الرجل باستغراب.
«هل حدث شيء؟»
«لا. أريد فقط أن أبحث عن كتاب رخيص أستطيع قراءته.»
ضحك صاحب المخزن بخفة.
«كتاب؟ ظننت أنك تبحث عن الطعام والمال.»
أجاب تانغ شين بهدوء:
«ما زلت أبحث عنهما. لكنني إذا بقيت أعمل من دون أن أتعلم شيئًا جديدًا، فلن يتغير وضعي كثيرًا.»
تأمل الرجل إجابته لحظة، ثم أشار بيده.
«اذهب. لكن لا تتأخر غدًا.»
شكره تانغ شين وغادر.
لم يكن يعرف إن كان سيجد كتابًا مفيدًا بثمن يستطيع دفعه، لكنه قرر أن يبدأ بالبحث. فقد أدرك أن طريقه لن يعتمد على القوة وحدها؛ بل سيحتاج إلى المال والمعرفة والصبر، وكل واحد منها سيأخذ وقتًا ليجمعه.
أما فنون القتال، فلم تعد في نظره مجرد حركات يؤديها الصبية في الساحة.
لقد أصبحت طريقًا يريد أن يسلكه، حتى لو اضطر إلى قطع خطواته الأولى ببطء شديد.