الفصل 30
مرّت ثلاثة أيام منذ أن قدّم تانغ شين طلبه للالتحاق بجيش إمبراطورية تشين.
خلال تلك الأيام، لم يتوقف عن البحث عن عمل، ولم يهمل تدريبه اليومي. كان يذهب إلى السوق في الصباح، ويسأل أصحاب المخازن عن الأعمال المتاحة، ثم يعود إلى مأواه عند المساء ليتدرب على الحركات التي تعلمها من كتاب فنون القتال.
لم يكن العمل متوفرًا كل يوم، لكنّه استطاع الحصول على بعض المهام الصغيرة التي وفرت له ما يكفي من الطعام. ومع ذلك، ظل دخله غير ثابت، وظل احتمال أن يقضي يومًا كاملًا دون عمل يثير قلقه.
أما طلب التجنيد، فلم يكن قد تلقى بشأنه أي جواب.
وفي صباح اليوم الرابع، بينما كان يستعد للخروج، سمع طرقًا على الباب الخشبي لمأواه.
فتح الباب، فوجد رجلًا يرتدي زيًّا عسكريًّا بسيطًا، ويحمل لوحًا خشبيًّا صغيرًا عليه قائمة من الأسماء.
نظر الرجل إلى الورقة، ثم رفع عينيه إلى تانغ شين.
«أأنت تانغ شين؟»
أجاب الفتى:
«نعم، أنا هو.»
«لقد تمت الموافقة على طلبك للالتحاق بالجيش. عليك الحضور إلى مكتب التجنيد قبل انتصاف النهار لإتمام الإجراءات، ثم التوجه إلى معسكر التدريب مع بقية المقبولين.»
لم يُظهر تانغ شين دهشة كبيرة، لكنه شعر بشيء من الارتياح. فقد كان ينتظر هذا الجواب منذ أيام، والآن أصبح أمامه طريق واضح، ولو لم يعرف بعد ما الذي ينتظره في نهايته.
انحنى للرجل باحترام.
«فهمت. سأحضر في الموعد المحدد.»
أومأ الجندي، ثم غادر ليبلغ بقية المقبولين.
أغلق تانغ شين الباب، وجمع أغراضه القليلة. وضع كتاب فنون القتال في حقيبته، وأخذ نقوده، ثم تفقد المكان الذي أقام فيه خلال الأيام الماضية.
لم يكن يملك الكثير حتى يحتاج إلى وقت طويل لترتيب أمتعته.
وقبل أن يغادر، وقف لحظة يتأمل المأوى الصغير.
لم يكن مكانًا مريحًا، لكنه كان سقفًا يحميه من المطر، وموضعًا يستطيع فيه النوم والتدرب بعيدًا عن أعين الناس.
والآن، كان عليه أن يتركه وراءه.
لم يشعر بالحزن على المكان نفسه، لكنه أدرك أن حياته ستتغير من هذه اللحظة. ففي السابق، كان يستطيع أن يختار أين يعمل، ومتى يستريح، وكيف يقضي يومه. أما بعد التحاقه بالجيش، فسيصبح جزءًا من نظام لا يستطيع مخالفته لمجرد أن رغباته مختلفة.
أخذ نفسًا هادئًا، ثم خرج وأغلق الباب خلفه.
---
حين وصل تانغ شين إلى مكتب التجنيد، وجد عددًا من الشبان ينتظرون في الساحة.
كان بعضهم أكبر منه بعدة سنوات، وكانت أجساد كثير منهم أقوى من جسده. ارتدى بعضهم ملابس بسيطة تدل على أنهم جاءوا من القرى، بينما حمل آخرون أكياسًا صغيرة فيها ما استطاعوا إحضاره من متاع.
لم يكن بينهم من بدا كقائد عسكري أو مقاتل متمرس. كانوا في معظمهم شبانًا عاديين، جاؤوا لأسباب مختلفة، لكنهم اجتمعوا الآن في المكان نفسه.
اقترب أحد الموظفين، وبدأ ينادي الأسماء واحدًا تلو الآخر.
وحين وصل إلى اسم تانغ شين، تقدم الفتى.
أعطاه الموظف وثيقة صغيرة تحمل بياناته، ثم قال:
«احتفظ بهذه الوثيقة. ستحتاج إليها عند دخول المعسكر، ولا تفقدها. ستُراجع بياناتك مرة أخرى هناك، ثم تُوزع على مجموعة التدريب المناسبة.»
أخذ تانغ شين الوثيقة بكلتا يديه.
«أفهم.»
تابع الموظف:
«تذكر أن قبولك لا يعني أنك أصبحت جنديًّا متمرسًا. ستبدأ من الأساس، مثل بقية المجندين. عليك الالتزام بالأوامر، والمحافظة على معداتك، وعدم مغادرة المعسكر دون إذن.»
«سألتزم بذلك.»
أشار الموظف إلى بقية الشبان.
«اصطفوا في مجموعات. ستنطلقون بعد قليل.»
تحرك المجندون إلى الأماكن المحددة لهم، ووقف تانغ شين في نهاية إحدى المجموعات.
لم يكن يعرف أحدًا منهم، ولم يحاول أن يفرض نفسه على الآخرين. اكتفى بمراقبة ما يجري، محاولًا فهم النظام الذي سيدخل إليه.
بعد وقت قصير، ظهر ضابط يرتدي درعًا معدنيًّا خفيفًا، وعلى كتفه علامة تدل على رتبته العسكرية.
توقف أمام المجندين، ثم نظر إليهم واحدًا تلو الآخر.
«من اليوم، ستخضعون لنظام الجيش. لا يهم من أين جئتم، ولا مقدار المال الذي تملكه عائلاتكم، ولا ما إذا كنتم تعرفون أحدًا من أصحاب النفوذ. داخل المعسكر، سيُنظر إلى التزامكم وقدرتكم على أداء واجباتكم.»
سكت لحظة، ثم تابع:
«لن تصبحوا مقاتلين بمجرد ارتداء الزي العسكري. التدريب هو الذي سيكشف ما تستطيعون فعله، والوقت وحده سيبين من منكم قادر على الاستمرار.»
لم تكن كلماته طويلة، لكنها كانت واضحة.
لم يعد أمام المجندين سوى الاستماع والالتزام بما يُطلب منهم.
رفع الضابط يده، فأشار أحد الجنود إلى الطريق المؤدي إلى خارج المدينة.
«تحركوا!»
بدأت المجموعة بالسير نحو المعسكر.
---
كان معسكر التدريب يقع خارج مدينة السهول البيضاء، بالقرب من طريق واسع تستخدمه العربات العسكرية لنقل المؤن والمعدات.
لم يكن حصنًا عظيمًا تحيط به أبراج شاهقة، لكنه كان أكبر بكثير مما اعتاد تانغ شين رؤيته. امتدت خلف أسواره الخشبية ساحات واسعة، وصفوف من المباني البسيطة، ومخازن لحفظ الطعام والأسلحة والدروع.
وفي الساحة الخارجية، كانت مجموعات من الجنود تتدرب تحت إشراف ضباطها. سُمعت أصوات الأوامر في أرجاء المكان، وتتابعت أصوات الأقدام وهي تضرب الأرض في إيقاع منتظم.
توقف تانغ شين لحظة لينظر إلى المشهد.
كان قد تدرب وحده في مأواه، معتمدًا على كتابه، وكان يكرر الحركات الأساسية في مساحة ضيقة. أما هنا، فقد رأى عشرات الرجال يتحركون معًا، ويستجيبون للأوامر في الوقت نفسه.
لم يكن التدريب مجرد مجموعة من الحركات الفردية، بل كان يتطلب الانضباط والقدرة على العمل ضمن مجموعة.
قال أحد الجنود المرافقين للمجندين:
«لا تتوقفوا في الطريق. ستتاح لكم فرصة النظر بعد أن تُسجل أسماؤكم.»
أعاد تانغ شين نظره إلى الأمام، وتابع السير.
وصلوا إلى ساحة التسجيل، حيث وقف عدد من الجنود خلف طاولات خشبية. بدأوا بمراجعة وثائق المجندين، والتأكد من أسمائهم وأعمارهم والبيانات التي سجلت عند تقديم الطلبات.
وحين جاء دور تانغ شين، أخذ الموظف وثيقته وقارنها بالسجل.
«تانغ شين، من دون ولي أمر مسجل، ولا خبرة عسكرية سابقة.»
رفع الموظف رأسه.
«هل سبق لك أن خدمت في أي وحدة عسكرية؟»
«لم يسبق لي ذلك.»
«وهل تلقيت تدريبًا قتاليًّا من قبل؟»
أجاب تانغ شين بعد لحظة:
«تعلمت بعض الحركات الأساسية، لكنني لم أتلقَّ تدريبًا عسكريًّا.»
دوّن الموظف ملاحظته.
«حسنًا. ستبدأ مع المجندين الذين لا يملكون خبرة سابقة. لا تحاول تقليد أصحاب الخبرة قبل أن تفهم التعليمات التي تتلقاها.»
أعاد إليه الوثيقة، ثم أشار إلى مبنى قريب.
«اذهب إلى هناك. ستتسلم ملابسك ومعداتك الأساسية، ثم تُحدد لك أماكن الإقامة.»
شكره تانغ شين، واتجه إلى المبنى.
---
كانت الملابس العسكرية التي تسلمها بسيطة، وكذلك المعدات التي وُضعت تحت تصرفه. لم تكن مصنوعة لتجعله يبدو مميزًا بين الآخرين، بل لتؤدي الغرض الذي أُعدت له.
تسلم ثوبًا عسكريًّا، وحزامًا، وزوجًا من الأحذية المناسبة للسير، ثم وقّع على سجل استلام المعدات.
وحين وصل إلى مكان الإقامة، وجد صفوفًا من الأسرّة الخشبية داخل قاعة واسعة. كان بعض المجندين قد وصلوا قبله، وبدأوا بوضع أغراضهم في الأماكن المحددة.
اختار تانغ شين سريرًا في طرف القاعة، ووضع حقيبته تحته، ثم جلس قليلًا.
لم يكن المكان مريحًا، لكنه كان نظيفًا ومنظمًا، وكانت هناك وجبات محددة للمجندين. وهذا وحده خفف عنه بعض القلق بشأن الطعام والمأوى.
أخرج كتاب فنون القتال من حقيبته، ثم نظر إليه قبل أن يعيده إلى مكانه.
لم يكن يعرف إن كان سيُسمح له بقراءته خلال التدريب العسكري، لكنه قرر الاحتفاظ به بعناية. فهذا الكتاب هو ما اعتمد عليه في تعلم الحركات الأساسية، ولم يكن يريد التخلي عنه لمجرد أنه دخل الجيش.
وقبل أن يتمكن من التفكير أكثر، سمع صوتًا قويًّا من خارج القاعة.
«على جميع المجندين الجدد التجمع في ساحة التدريب!»
نهض تانغ شين فورًا.
كان هذا أول أمر يصدر إليه داخل المعسكر، ولم يكن يريد أن يبدأ حياته العسكرية بالتأخر عن بقية المجندين.
خرج مع الآخرين، ثم اصطفوا في الساحة.
---
وقف أمامهم رجل عريض الكتفين، يحمل آثار سنوات من التدريب والعمل العسكري. لم يكن يرتدي درعًا فاخرًا، ولم تكن ملابسه مزينة بعلامات كثيرة، لكن وقفته وحدها أظهرت أنه معتاد على قيادة الرجال.
قال الضابط المرافق للمجندين:
«هذا هو الرقيب المسؤول عن تدريب مجموعتكم. ستنفذون أوامره خلال فترة التدريب، وعليكم الرجوع إليه إذا واجهتم مشكلة تتعلق بواجباتكم.»
تقدم الرقيب خطوة.
«اسمي هان مو. سأشرف على تدريبكم الأساسي.»
توقفت عيناه عند صف المجندين، ثم قال:
«بعضكم جاء طلبًا للأجر، وبعضكم يريد أن يجد مكانًا في الجيش، وربما يظن بعضكم أن ارتداء الدرع سيجعله رجلًا قويًّا. لا يهمني ما الذي دفعكم إلى المجيء. ما يهمني هو أن تتعلموا كيف تقفون، وكيف تتحركون، وكيف تنفذون الأوامر دون أن تعرضوا أنفسكم أو رفاقكم للخطر.»
لم يرفع صوته كثيرًا، لكنه تحدث بنبرة جعلت الجميع يصغون إليه.
تابع:
«لن أطلب منكم اليوم أن تقاتلوا أحدًا. ستبدأون بتعلم النظام الأساسي، والوقوف في الصفوف، والسير مع المجموعة، والاستجابة للأوامر. من لا يستطيع الالتزام بهذه الأمور البسيطة، فلن يستطيع الاعتماد على نفسه في موقف أصعب.»
ثم أشار إلى أحد الجنود.
«ابدأ بتعليمهم الوقوف الصحيح.»
تقدم الجندي، ووقف أمام المجندين، ثم شرح لهم كيف يضعون أقدامهم، وكيف يحافظون على استقامة أجسادهم دون تصلب، وكيف يتركون مسافة مناسبة بينهم وبين من يقف بجانبهم.
حاول تانغ شين تنفيذ التعليمات، لكنه أخطأ في موضع قدميه في المحاولة الأولى.
اقترب الجندي وصحح وقفته.
«اجعل المسافة بين قدميك مناسبة. لا تضمهما كثيرًا، ولا تباعد بينهما أكثر مما ينبغي. يجب أن تستطيع الوقوف بثبات دون أن تتعب سريعًا.»
أعاد تانغ شين الوقفة، ثم ثبت مكانه.
لم يكن الأمر صعبًا في ظاهره، لكنه أدرك أن الوقوف ضمن صف واحد يختلف عن التدريب منفردًا. كان عليه أن يحافظ على موضعه، وأن ينتبه إلى حركة من حوله، وألا يتقدم أو يتأخر عن بقية المجموعة.
بعد ذلك، بدأوا التدريب على السير.
أصدر الجندي أمرًا بالتقدم، فتحرك الصف الأول، ثم تبعته بقية الصفوف. وفي المحاولة الأولى، تحرك بعض المجندين بسرعة أكبر من غيرهم، بينما تأخر آخرون.
توقفت المجموعة.
قال هان مو:
«أعيدوا التمرين.»
لم يصرخ، ولم يعاقب أحدًا، لكنه لم يسمح لهم بالانتقال إلى الخطوة التالية قبل أن ينفذوا الأولى بصورة مقبولة.
أعاد المجندون السير مرة أخرى.
هذه المرة، تحسنت الحركة قليلًا، لكن الصف لم يكن منتظمًا تمامًا.
أمرهم هان مو بإعادة التمرين للمرة الثالثة.
بدأ التعب يظهر على بعض الوجوه، غير أن تانغ شين فهم أن الغرض ليس إرهاقهم، بل تعليمهم كيفية التحرك معًا.
فإذا تحرك كل جندي وفق رغبته، فلن تبقى المجموعة مجموعة، ولن يستطيع قائدها توجيهها عند الحاجة.
استمر التدريب حتى اقترب وقت الظهيرة.
وعندما أُعلن انتهاء الحصة الأولى، شعر تانغ شين بالتعب في ساقيه، لكنه لم يكن منهكًا إلى درجة تمنعه من الحركة.
كان قد تعلم شيئًا جديدًا، وإن لم يكن حركة قتالية.
لقد تعلم أن الانضباط نفسه يحتاج إلى تدريب.
---
بعد تناول الوجبة، عاد المجندون إلى القاعة للاستراحة مدة قصيرة.
جلس تانغ شين على سريره، وأخرج دفتره الصغير. كتب فيه ما تعلمه خلال الصباح، ثم أضاف ملاحظة عن ضرورة المحافظة على توازنه أثناء السير، وعدم الاعتماد على الحركة الفردية وحدها.
لم يكن يريد أن ينسى ما تعلمه، لكنه لم يكن يظن أن كتابة الملاحظات ستجعله أفضل من الآخرين على الفور. فما زال عليه أن يطبق ما تعلمه مرارًا حتى يصبح قادرًا على أدائه دون تفكير طويل.
وبينما كان يكتب، جلس أحد المجندين على السرير المقابل.
كان شابًّا أكبر من تانغ شين بعدة سنوات، قوي البنية، وعلى وجهه آثار تعب واضح.
قال الشاب:
«أأنت جديد في هذا المجال أيضًا؟»
أجاب تانغ شين:
«نعم. لم أسبق لي أن خدمت في الجيش.»
«يبدو أنك كنت تتعلم شيئًا قبل أن تأتي إلى هنا.»
نظر تانغ شين إليه.
«تعلمت بعض الحركات من كتاب، لكنني ما زلت مبتدئًا.»
أومأ الشاب.
«أنا اسمي تشن لي. عملت في نقل الأخشاب قبل أن أتقدم للتجنيد. لم أتعلم القتال إلا قليلًا.»
«اسمي تانغ شين.»
تبادلا بضع كلمات عن العمل الذي كان كل منهما يقوم به قبل الالتحاق بالجيش. لم يتحدثا طويلًا، ولم تنشأ بينهما صداقة عميقة خلال دقائق، لكن تانغ شين عرف أن تشن لي جاء بحثًا عن دخل أكثر استقرارًا، كما فعل هو.
وبعد قليل، سمعا صوت الجندي ينادي المجندين للعودة إلى التدريب.
نهض الاثنان، وخرجا مع بقية المجموعة.
---
في الحصة التالية، لم يطلب هان مو منهم تعلم حركات قتالية جديدة. بل بدأ بشرح القواعد الأساسية للتعامل مع المعدات والمحافظة عليها.
أوضح لهم كيفية فحص الأحزمة والأحذية، وكيفية التأكد من أن المعدات مثبتة على نحو لا يعيق الحركة. كما حذرهم من إهمال الأدوات أو استخدامها بطريقة خاطئة.
قال:
«قد تبدو هذه الأمور صغيرة، لكنها ليست كذلك. الجندي الذي يهمل معداته قد يجد نفسه في مأزق عندما يحتاج إليها. اعتنوا بما يُسلَّم إليكم، وأبلغوا المسؤول إذا تلف شيء بدلًا من إخفاء الأمر.»
تفقد تانغ شين حزامه وحذاءه، وتأكد من أن كل شيء ثابت في موضعه.
ثم انتقلوا إلى ساحة أخرى، حيث رأوا بعض الجنود يتدربون على استخدام الدروع الخفيفة والسيوف التدريبية. لم يُسمح للمجندين الجدد بالمشاركة في ذلك التدريب، لكن هان مو طلب منهم الوقوف ومراقبة الحركات الأساسية.
لم يكن الغرض أن يتعلموا استخدام السلاح بمجرد المشاهدة، بل أن يعرفوا مقدار الانتباه الذي يحتاج إليه التدريب.
راقب تانغ شين أحد الجنود وهو يرفع درعه، ثم يتقدم خطوة قصيرة ويحافظ على توازنه. وبعد ذلك تراجع إلى الخلف دون أن يترك جانبه مكشوفًا.
تذكر الحركات التي قرأ عنها في كتابه، لكنه لم يفترض أن ما يراه مطابق تمامًا لما قرأه. فبعض الحركات قد تتشابه في شكلها، لكن طريقة استخدامها تتغير بحسب السلاح والهدف والظروف.
حفظ ما استطاع من المشهد في ذهنه، ثم عاد إلى صفه عندما صدر الأمر.
في نهاية اليوم، جمع هان مو المجندين أمامه.
قال:
«لقد كان هذا يومكم الأول. لا أريد منكم أن تظنوا أنكم تعلمتم كل شيء، ولا أن تحكموا على أنفسكم بالفشل لأنكم أخطأتم. التدريب يحتاج إلى وقت، لكن عليكم أن تنتبهوا إلى أخطائكم، وأن تحاولوا تصحيحها بدلًا من تكرارها بلا فهم.»
ثم أضاف:
«ستبدأون غدًا بتدريب أكثر انتظامًا. احصلوا على قسط كافٍ من الراحة، واحضروا في الموعد المحدد.»
انحنى المجندون احترامًا، ثم عادوا إلى أماكن إقامتهم.
---
حين حل المساء، جلس تانغ شين على سريره، وقد شعر بثقل في ساقيه وكتفيه.
لم يكن اليوم شاقًّا بسبب القتال، فلم يخض أي معركة، ولم يتعلم تقنية قتالية جديدة. لكن كثرة الوقوف والسير والانتباه إلى الأوامر جعلته يدرك أن الحياة العسكرية تختلف كثيرًا عن العمل الذي اعتاد عليه.
أخرج كتاب فنون القتال، وقرأ بضع صفحات قبل أن يبدأ التدريب.
نفذ الوقفة الأساسية، ثم الضربة المستقيمة، ثم التراجع الدفاعي. حاول أن يحافظ على توازنه كما فعل في الصباح، لكنه لاحظ أن التعب جعل حركاته أقل دقة.
توقف بعد عدة محاولات.
لم يكن يريد أن يكرر الأخطاء حتى يعتادها. فقد تعلم من تجربته أن التقدم لا يأتي من كثرة التكرار وحدها، بل من الانتباه إلى الطريقة التي ينفذ بها الحركة.
أعاد الكتاب إلى حقيبته، ثم استلقى على فراشه.
كان قد دخل الجيش، لكن ذلك لم يجعله مقاتلًا متمرسًا. وما زال أمامه طريق طويل قبل أن يبلغ مرتبة الفنان القتالي الثالث، فضلًا عن المراتب الأعلى.
أما ترقيته العسكرية، فلم يكن يفكر فيها الآن. فهو لم يثبت نفسه بعد، ولم يؤدِّ أي مهمة تتجاوز التدريب الأساسي.
كان عليه أن يتعلم أولًا كيف يكون جنديًّا يعتمد عليه، ثم يترك لأدائه أن يحدد ما يستحقه.
وفي مكان آخر من المعسكر، كان الجنود يواصلون نقل المؤن وفحص المعدات، بينما ازدادت الحركة حول المخازن العسكرية مع وصول عربات جديدة.
لم يعرف تانغ شين ما الذي تخطط له السلطات العليا، ولم يكن يعلم إن كانت الاستعدادات ستقود إلى حرب قريبة أم أنها مجرد احتياط لظروف لم تتضح بعد.
لكنه عرف أن الجيش يستعد لأمر أكبر من تدريب مجموعة جديدة من المجندين.
ولم يكن أمامه سوى أن يواصل التعلم، ويحافظ على جسده، وينتظر ما ستكشفه الأيام المقبلة.
أغمض عينيه، واستعد للنوم.
فقد انتهى يومه الأول في الجيش، وبدأت مرحلة جديدة من حياته.