الفصل 29
استيقظ تانغ شين في الصباح الباكر، وجلس على فراشه يفكر في حاله.
منذ وصوله إلى مدينة السهول البيضاء، كان يعتمد على الأعمال المؤقتة لتأمين طعامه ومكان إقامته. لكن اضطراب الطرق وتأخر وصول البضائع جعلا العثور على عمل أكثر صعوبة.
وفي اليوم السابق، ذهب إلى مكتب التجنيد وعرف بعض شروط الالتحاق بالجيش. لم يكن قد اتخذ قراره حينها، فقد أراد أن يفكر في الأمر جيدًا قبل أن يربط نفسه بخدمة طويلة.
أما الآن، فقد قرر العودة إلى المكتب ومعرفة ما إذا كان يستطيع الالتحاق بالجيش فعلًا.
لم يكن يحلم بأن يصبح قائدًا عظيمًا، ولم يكن يظن أن دخول الجيش سيجعله قويًا في وقت قصير. كان يريد عملًا يضمن له الطعام والأجر، ويمنحه فرصة لمواصلة تدريب جسده وتعلم فنون القتال.
نهض، وغسل وجهه، ثم تفقد نقوده القليلة. وضع كتاب فنون القتال في حقيبته، وخرج من مأواه.
لكنه لم يتجه إلى مكتب التجنيد مباشرة. أراد أولًا أن يبحث عن عمل، فقد يجد فرصة جديدة تغنيه عن اتخاذ قرار لا يعرف جميع عواقبه.
---
وصل إلى أحد المخازن القريبة من السوق، حيث عمل في نقل البضائع قبل أيام.
كان المسؤول واقفًا عند المدخل يراجع سجلًا، فاقترب منه تانغ شين وانحنى باحترام.
«سيدي، هل تحتاجون إلى عامل اليوم؟»
رفع الرجل رأسه ونظر إليه.
«ليس الآن. لم تصل البضائع التي ننتظرها، ولا أعرف متى ستصل. عد في يوم آخر إن كنت لا تزال تبحث عن عمل.»
شكره تانغ شين وغادر.
انتقل إلى مخزن آخر، ثم إلى متجر كبير للحبوب، لكن الجواب كان متشابهًا في كل مكان. لم يكن أصحاب الأعمال يريدون إنفاق المال قبل أن يعرفوا متى ستصل بضائعهم، كما أن العمال المتاحين كانوا أكثر من الأعمال الموجودة.
بعد جولة طويلة، أدرك تانغ شين أنه لن يجد عملًا مناسبًا في ذلك الصباح.
لم يضيع مزيدًا من الوقت، واتجه نحو مكتب التجنيد.
---
كان المكتب يقع بالقرب من أحد المباني الإدارية في المدينة. وقف جنديان عند المدخل، بينما انتظر عدد من الشبان في الساحة لإتمام إجراءاتهم.
دخل تانغ شين، وتوجه إلى الموظف الذي قابله في اليوم السابق.
رفع الموظف رأسه وسأله:
«هل عدت لتقديم طلب التجنيد؟»
أجاب تانغ شين:
«نعم، لكنني أريد التأكد من بعض الأمور قبل أن أسجل اسمي.»
أشار الموظف إلى مقعد أمامه.
«اجلس، واسأل عما تريد معرفته.»
جلس تانغ شين، ثم بدأ بأسئلته.
«ما الذي يحصل عليه الجندي خلال خدمته؟»
أجاب الموظف:
«يوفر الجيش للمجند المقبول الطعام ومكان الإقامة، ويصرف له أجرًا وفق الوحدة التي يخدم فيها ورتبته العسكرية. كما يتلقى التدريب اللازم لأداء واجباته.»
فكر تانغ شين قليلًا، ثم سأل:
«وهل أحتاج إلى خبرة سابقة في فنون القتال؟»
«ليس بالضرورة. فبعض المجندين يدخلون الجيش دون أن يتعلموا القتال من قبل، ويتلقون التدريب الأساسي بعد قبولهم. لكن يجب أن يكون المتقدم قادرًا على أداء التمارين، وأن يلتزم بالأوامر.»
أومأ تانغ شين.
كان قد تعلم بعض الحركات الأساسية من كتابه، لكنه لم يعتبر نفسه مقاتلًا حقيقيًا. فما زال يحتاج إلى وقت طويل حتى يقوى جسده، ويتعلم استخدام الحركات بصورة صحيحة.
ثم سأل:
«كم تستمر الخدمة؟»
أخبره الموظف بمدة الخدمة المحددة للوحدة التي يجري التجنيد لها، وأوضح له أن المجند لا يستطيع ترك الجيش متى أراد.
وأضاف:
«بعد قبولك وتسجيلك رسميًا، تصبح ملزمًا بمدة الخدمة. ويجب عليك تنفيذ أوامر رؤسائك، والالتزام بقوانين الجيش. أما من يغادر وحدته دون إذن، فقد يتعرض للعقوبة.»
لم يتفاجأ تانغ شين بهذا الأمر، لكنه أدرك أن عليه التفكير فيه جيدًا.
فالعمل في المخازن يسمح له بالمغادرة بعد انتهاء مهمته، أما الجيش فيفرض عليه التزامات لا يستطيع التخلص منها لمجرد أنه غير رأيه.
قال تانغ شين:
«وماذا عن الأخطار التي قد يواجهها الجندي؟»
أجابه الموظف بوضوح:
«يختلف الأمر بحسب الوحدة والمهمة. قد يقضي الجندي وقتًا طويلًا في التدريب والحراسة ونقل الإمدادات، وقد يُرسل إلى مواضع أكثر خطورة إذا اقتضت الأوامر ذلك. لا أحد يستطيع أن يضمن لك أن الخدمة ستكون سهلة.»
لم يحاول الموظف إقناعه بالالتحاق، ولم يخفِ عنه صعوبة الأمر.
وهذا ما أراده تانغ شين؛ أن يعرف حقيقة الطريق قبل أن يسلكه.
---
بعد أن انتهى من أسئلته، سأل تانغ شين عن سبب زيادة عدد المتقدمين في الأيام الأخيرة.
نظر الموظف إلى السجلات الموجودة أمامه، ثم قال:
«أصدرت السلطات في إمبراطورية تشين أوامر بتوسيع الاستعدادات العسكرية، ولذلك فُتحت طلبات إضافية للتجنيد. أما أسباب هذه الأوامر وتفاصيلها، فلا تدخل ضمن عملي.»
لم يطرح تانغ شين أسئلة أخرى.
كان قد سمع في السوق أحاديث عن اضطراب الطرق وتأخر البضائع، وها هو يسمع أن الإمبراطورية توسع استعداداتها العسكرية. لكنه لم يعرف إن كانت الأمور مرتبطة بعضها ببعض، ولم يكن لديه ما يكفي من المعلومات ليستنتج السبب.
لم يكن يريد أن يبني قراراته على شائعات لا يعرف صحتها.
قال الموظف:
«إذا أردت الالتحاق، فسيتعين عليك تقديم طلبك، ثم اجتياز الفحص الأولي. وبعد ذلك تُراجع بياناتك، ويقرر المسؤول المختص ما إذا كنت مؤهلًا للخدمة.»
أومأ تانغ شين، ثم شكره وغادر المكتب.
كان يعرف الآن ما الذي قد يحصل عليه من الجيش، وما الذي سيُطلب منه في المقابل. بقي أن يقرر إن كان مستعدًا لقبول هذه الشروط.
---
جلس تانغ شين في مكان هادئ قرب الطريق، وأخرج دفتره الصغير.
كتب في الصفحة الأولى:
العمل المؤقت:
يمنحني حرية اختيار العمل ومكانه.
لا يضمن لي أجرًا ثابتًا.
عليّ تدبير طعامي ومكان إقامتي بنفسي.
أستطيع البحث عن عمل آخر متى انتهت المهمة.
ثم كتب في الصفحة الثانية:
الخدمة العسكرية:
يوفر الجيش الطعام ومكان الإقامة أثناء الخدمة.
أتقاضى أجرًا وفق نظام الوحدة.
يجب أن ألتزم بالأوامر والقوانين العسكرية.
لا أستطيع ترك الخدمة متى شئت.
قد أواجه أخطارًا أثناء أداء واجبي.
تأمل ما كتبه.
لم يكن الجيش خيارًا خاليًا من المشكلات، لكنه قد يمنحه استقرارًا لم يجده في أعماله المؤقتة. وفي المقابل، سيضطر إلى التخلي عن جزء كبير من حريته، وقد يجد نفسه في ظروف لم يسبق له أن عاشها.
أما تعلم فنون القتال، فسيواصل طريقه فيه سواء التحق بالجيش أم لم يلتحق. لن يصبح قويًا لمجرد أنه ارتدى درعًا، ولن تغنيه الأدوات الجيدة عن التدريب المتواصل.
كان عليه أن يختار طريقًا يستطيع الاستمرار فيه.
رفع رأسه، فرأى عربة محملة بالصناديق تمر بالقرب منه. توقف سائقها عند نقطة التفتيش، وبدأ أحد الحراس بمراجعة أوراقها قبل السماح لها بالمرور.
تذكر تانغ شين كيف تغيرت حركة التجارة في المدينة خلال الأيام الماضية. فقد أصبح العثور على عمل مرتبطًا بوصول البضائع ومواعيد مرور العربات، وهي أمور لا يملك السيطرة عليها.
أما الجيش، فقد يوفر له دخلًا أكثر انتظامًا، لكنه سيطالبه بالالتزام والانضباط، وربما يرسله بعيدًا عن المدينة.
لم يكن يعرف أي الطريقين سيمنحه مستقبلًا أفضل.
لكنه لم يعد يريد أن يترك ظروفه تقرر كل شيء نيابة عنه.
أعاد الدفتر إلى حقيبته، ونهض متجهًا نحو مكتب التجنيد للمرة الثالثة.
---
كان الموظف لا يزال يستقبل المتقدمين حين عاد تانغ شين.
وقف أمامه وقال:
«لقد فكرت في الأمر، وأريد تقديم طلب الالتحاق.»
نظر الموظف إليه وسأله:
«هل فهمت شروط الخدمة؟»
أجاب تانغ شين:
«نعم. أعرف أنني سأخضع للتدريب، وألتزم بالأوامر، وأبقى في الخدمة طوال المدة المحددة. وأعرف أيضًا أن الجيش لا يضمن لي حياة سهلة.»
«وهل ما زلت ترغب في التقدم؟»
«نعم.»
أخرج الموظف سجل المتقدمين، ثم بدأ بتدوين بياناته. سأله عن عمره، ومكان إقامته، ووضعه العائلي، فأجابه تانغ شين بما يعرفه عن نفسه دون أن يضيف معلومات غير صحيحة.
وحين علم الموظف أنه لا يملك ولي أمر، توقف قليلًا لمراجعة الشروط التي تنطبق على حالته.
قال بعد أن انتهى من مراجعة الأوراق:
«سيخضع طلبك لمراجعة خاصة بسبب صغر سنك. لا أستطيع أن أعدك بالقبول قبل أن يراجعه المسؤول المختص.»
أجاب تانغ شين:
«أفهم ذلك.»
ثم أُرسل إلى غرفة الفحص الأولي.
كان هناك رجل مسؤول عن فحص المتقدمين، طلب منه الوقوف مستقيمًا، ثم سأله عن صحته وقدرته على العمل. وبعد ذلك، طلب منه المشي وأداء بعض الحركات البسيطة ليتأكد من قدرته على الحركة دون صعوبة ظاهرة.
لم يكن الفحص اختبارًا لفنون القتال، ولم يُطلب من تانغ شين أن يثبت أنه مقاتل ماهر.
كان جسده لا يزال ضعيفًا مقارنة بأجساد بعض الشبان، لكنه استطاع إتمام المطلوب.
راجع الرجل ملاحظاته، ثم قال:
«يمكنك الانتقال إلى المرحلة التالية من التقييم.»
لم يكن ذلك قبولًا نهائيًا، بل اجتيازًا للفحص الأولي فحسب.
عاد تانغ شين إلى الموظف، فأخبره أن طلبه سيُراجع، وأن عليه متابعة الإعلانات لمعرفة موعد استدعاء المقبولين.
قال الموظف:
«إذا تمت الموافقة على طلبك، فستُستدعى إلى معسكر التدريب خلال الأيام المقبلة. وهناك ستُشرح لك واجباتك بالتفصيل قبل إتمام الإجراءات النهائية.»
انحنى تانغ شين باحترام.
«شكرًا لك، سيدي.»
ثم غادر المكتب.
---
عاد تانغ شين إلى مأواه مع اقتراب المساء.
وضع حقيبته قرب الجدار، وأخرج كتاب فنون القتال الذي كان يعتمد عليه في تدريبه. قرأ بضع صفحات، ثم وقف ليكرر الحركات الأساسية التي تعلمها: اتخاذ الوقفة الصحيحة، والضربة المستقيمة، والتراجع الدفاعي.
لم تكن حركاته سريعة، لكنه كان يحاول تنفيذها بدقة أكبر من السابق.
بعد عدة محاولات، شعر بالتعب، فتوقف وجلس ليستريح.
كان يعرف أن عليه أن يعتني بجسده، وأن التدريب المفرط لن يجعله قويًا في يوم واحد. فإذا أراد أن يتقدم في فنون القتال، فعليه أن يتعلم الأساسيات جيدًا، ثم يبني عليها خطوة بعد خطوة.
أعاد الكتاب إلى حقيبته، وجمع أغراضه القليلة في مكان واحد.
لقد تقدم بطلب الالتحاق بالجيش، واجتاز الفحص الأولي، لكنه لم يُقبل نهائيًا بعد. وكان عليه انتظار قرار المسؤولين قبل أن يعرف ما إذا كان سيبدأ حياة جديدة في معسكر التدريب.
لم يكن يعلم ما الذي ينتظره هناك، ولا إلى أي وحدة سيُلحق إن قُبل. كما لم يكن يعرف سبب توسع الاستعدادات العسكرية في الإمبراطورية، أو ما الذي يجري خلف أبواب الحكم.
كل ما عرفه أنه اتخذ قراره بعد أن درس ما استطاع دراسته، ولم يعتمد على وعود فارغة أو أحلام بعيدة.
في الخارج، استمرت مدينة السهول البيضاء في مواجهة اضطراب الطرق وتأخر البضائع، بينما ازداد عدد الشبان الذين يتقدمون للخدمة العسكرية.
أما تانغ شين، فاستلقى على فراشه وأغمض عينيه.
كان ينتظر جوابًا سيحدد خطوته التالية.
لم يكن يعلم إن كان الجيش سيمنحه الفرصة التي يبحث عنها، لكنه كان مستعدًا لقبول النتيجة، أيًّا كانت، ثم التفكير في الطريق الذي يليها.