الفصل 27
لم يكن الصباح مختلفًا كثيرًا عن الأيام السابقة في مدينة السهول البيضاء، لكن الحركة في الشوارع التجارية بدت أبطأ مما اعتاد تانغ شين رؤيته.
كانت العربات تتجمع قرب الطرق المؤدية إلى المخازن، ويتوقف بعضها عند نقاط المراجعة مدة أطول من المعتاد. أما العمال، فكانوا ينتظرون تعليمات التجار قبل أن يبدؤوا بإنزال البضائع أو نقلها إلى أماكن التخزين.
لم يعرف تانغ شين سبب هذا التغير بالتحديد، لكنه تذكر ما سمعه في الأيام الماضية عن الإجراءات الجديدة لتنظيم مرور العربات.
كان من المفترض أن تساعد تلك التعليمات على تقليل الازدحام وتوحيد عملية المراجعة. غير أن تطبيقها لم يكن يسير بالسهولة التي توقعها بعض الناس؛ فالعربات التي لم تكتمل سجلاتها كانت تضطر إلى الانتظار، وأي تأخير في نقطة واحدة قد يؤثر في حركة البضائع التي تنتظر خلفها.
وقف تانغ شين قرب أحد المخازن، يراقب العمال وهم ينقلون الصناديق من عربة وصلت متأخرة.
قال رجل يقف إلى جانبه:
«يبدو أن الأمور ستزداد سوءًا قبل أن تتحسن.»
التفت تانغ شين إليه.
«هل تأخرت شحناتك أيضًا؟»
هز الرجل رأسه.
«لست تاجرًا كبيرًا، لكنني أعمل في نقل البضائع. عندما تتأخر العربات، يتأخر عملنا معها. وقد ننتظر نصف يوم ثم نكتشف أن صاحب البضاعة قرر تأجيل النقل إلى يوم آخر.»
لم يعلق تانغ شين مباشرة. كان يعرف أن الرجل يتحدث عن تجربته الشخصية، لا عن حقيقة تنطبق على جميع التجار والعمال.
ومع ذلك، كانت كلماته متوافقة مع ما رآه بنفسه خلال الأيام الماضية.
فالتعليمات الجديدة لم توقف حركة التجارة، لكنها جعلت مواعيد بعض الأعمال أقل استقرارًا. ولم يكن العمال الذين يعتمدون على الأجر اليومي قادرين على تجاهل هذا التغير؛ إذ إن ساعات الانتظار التي لا يحصلون خلالها على عمل قد تعني وجبة أقل أو اضطرارهم إلى البحث عن فرصة أخرى.
شكره تانغ شين على المعلومات، ثم تابع طريقه نحو المخازن.
كان عليه أن يجد عملًا لذلك اليوم، ولم يكن يملك ما يسمح له بإضاعة الوقت في انتظار فرصة غير مضمونة.
---
قرب منتصف الصباح، وجد تانغ شين مسؤولًا عن أحد المخازن يبحث عن عمال إضافيين.
تقدم منه وسأله إن كان يحتاج إلى من يساعد في ترتيب البضائع.
نظر المسؤول إلى جسده، ثم إلى مجموعة العمال الذين كانوا يقفون قرب الباب.
«هل عملت في المخازن من قبل؟»
أجاب تانغ شين:
«ساعدت في نقل الصناديق والأكياس، وأستطيع ترتيبها وفق العلامات الموجودة عليها.»
لم يبدُ المسؤول مقتنعًا تمامًا، لكنه كان يحتاج إلى أيدٍ إضافية لإنهاء العمل المتراكم.
«حسنًا. ستعمل حتى منتصف النهار. انقل الأكياس إلى القسم المحدد، وضع الصناديق التي تحمل العلامة نفسها معًا. لا تفتح أي صندوق، ولا تغيّر مكان شيء قبل أن تتأكد من العلامة المكتوبة عليه.»
أومأ تانغ شين.
«فهمت.»
أشار المسؤول إلى كومة من الأكياس قرب المدخل.
«ابدأ من هنا.»
لم يكن العمل معقدًا، لكنه احتاج إلى الانتباه. فقد كانت بعض الأكياس متشابهة في الحجم، بينما اختلفت العلامات التي تحدد الجهة التي ستُرسل إليها. وكان عليه أن يقرأ العلامة قبل أن يحمل كل كيس، ثم ينقله إلى المكان الصحيح دون أن يخلط بين مجموعتين.
في البداية، تحرك ببطء حتى يتأكد من فهمه للتعليمات. وبعد أن أنجز عددًا من الأكياس دون أخطاء، بدأ ينجز العمل بوتيرة أفضل.
وخلال ذلك، لاحظ أن العمال يتحدثون كثيرًا عن تأخر العربات.
قال أحدهم وهو يضع صندوقًا على عربة صغيرة:
«كان من المفترض أن تصل هذه البضاعة بالأمس. والآن لا نعرف متى ستصل الشحنة التالية.»
أجابه عامل آخر:
«سمعت أن بعض العربات عادت إلى أصحابها لأن سجلاتها لم تكن مكتملة.»
تدخل عامل ثالث:
«ليس كل تأخير بسبب السجلات. أحيانًا تصل العربة متأخرة أصلًا، وأحيانًا ينتظر السائق في الطريق قبل أن يصل إلى المدينة.»
لم يتوقف الحديث عند ذلك. فقد ذكر كل واحد منهم ما سمعه أو ما مر به، لكن رواياتهم لم تتطابق في جميع التفاصيل.
ظل تانغ شين منشغلًا بعمله، ولم يحاول جمع الأحاديث المتفرقة في تفسير واحد. لم يكن يعرف ما حدث لكل عربة، ولا يستطيع التأكد من أن أسباب التأخير واحدة.
كان من الأفضل أن يميز بين ما شاهده بنفسه وما سمعه من الآخرين.
وعندما انتهى من ترتيب المجموعة الأولى، انتقل إلى الصناديق الموجودة في القسم الخلفي. كانت بعض العلامات باهتة بسبب الاستخدام، فاضطر إلى الاقتراب منها وقراءتها بعناية قبل تحديد مكانها.
وفي إحدى المرات، كاد أن يضع صندوقًا مع مجموعة أخرى، لكنه لاحظ اختلاف العلامة في اللحظة الأخيرة، فأعاده إلى موضعه الصحيح.
لم يكن الخطأ كبيرًا، لكنه ذكّره بأن التشابه في المظهر لا يعني تطابق المحتوى أو الوجهة.
واصل العمل حتى أعلن المسؤول انتهاء فترة العمل المؤقتة.
دفع له أجر نصف يوم، ثم قال:
«أديت عملك بصورة مقبولة. قد أحتاج إلى عمال مرة أخرى، لكنني لا أستطيع أن أعدك بشيء غدًا. الأمر يعتمد على وصول الشحنات وحجم العمل.»
أخذ تانغ شين أجره وشكره.
لم يكن المبلغ كبيرًا، لكنه سيساعده على تغطية نفقات الطعام والإقامة. والأهم أنه لم يضطر إلى قضاء اليوم كله في البحث عن عمل دون أن يحصل على شيء.
غادر المخزن، وهو يفكر في كيفية توزيع ما كسبه.
لم يكن يستطيع إنفاق المال لمجرد أنه حصل عليه؛ فقد يحتاج إلى الطعام في اليوم التالي، وربما يضطر إلى الانتظار مدة أطول قبل أن يجد عملًا آخر. كما لم يكن يريد أن يستهلك كل وقته في البحث عن الأجر، فيتوقف عن التدريب الذي بدأه اعتمادًا على الكتاب الذي حصل عليه.
كان عليه أن يوازن بين حاجاته الحالية وما يريد تحقيقه على المدى البعيد.
---
في طريقه إلى السوق، مر تانغ شين قرب مكتب صغير تابع لإدارة المدينة. كان عدد من الناس يقفون أمام لوحة الإعلانات، يقرؤون ورقة جديدة عُلقت إلى جانب التعليمات السابقة.
اقترب منهم وقرأ الإعلان.
كان صادرًا عن مكتب إدارة المدينة، ويتضمن توضيحًا لنقاط مراجعة العربات التجارية، ويؤكد ضرورة اكتمال السجلات قبل دخول مناطق التخزين المحددة. كما أوضح أن ترتيب المرور سيأخذ في الحسبان مواعيد التسليم وطبيعة بعض الحمولات، حتى لا تتسبب العربة المتأخرة أو غير المستعدة في تعطيل بقية الحركة.
وأشار الإعلان إلى أن الهدف من الإجراءات هو تقليل الازدحام، وتوحيد عملية المراجعة، وتسهيل متابعة الشحنات.
قرأ تانغ شين الإعلان مرة أخرى، محاولًا فهم ما يعنيه بالنسبة إلى العمال الذين يبحثون عن عمل يومي.
من الواضح أن الإدارة تريد جعل مرور البضائع أكثر تنظيمًا. لكن الإعلان لم يذكر متى ستنتهي التأخيرات، ولم يقدم ضمانًا بأن جميع الشحنات ستصل في موعدها.
كما لم يوضح ما إذا كانت المشكلات التي ظهرت خلال الأيام الماضية ستختفي بعد تطبيق التعليمات الجديدة.
ابتعد تانغ شين عن اللوحة، بينما استمر بعض الواقفين في مناقشة محتواها.
قال أحد التجار:
«إذا طُبقت التعليمات كما ينبغي، فقد تصبح مواعيد التسليم أوضح.»
رد عليه رجل آخر:
«وإذا زادت المراجعات عن قدرة الموظفين، فقد نقضي وقتًا أطول في الانتظار.»
لم يتدخل تانغ شين في الحديث. كان كلا الرأيين احتمالًا معقولًا، لكنه لم يكن يملك خبرة كافية في إدارة التجارة ليعرف أيهما سيحدث.
تابع سيره إلى السوق، ومر بعدد من المحال التي تعرض الحبوب والخضروات والأدوات اليومية. لاحظ أن بعض التجار كانوا يسألون عن مواعيد وصول بضائعهم، بينما انشغل آخرون ببيع ما لديهم من مخزون.
لم يكن السوق خاليًا، ولم تتوقف التجارة تمامًا. لكن آثار التأخير كانت تظهر في تفاصيل صغيرة: عامل ينتظر عربة لم تصل، وتاجر يؤجل تسليم طلبية، ومسؤول مخزن يحاول إعادة ترتيب العمل وفق البضائع المتاحة.
لم يستطع تانغ شين معرفة مدى استمرار هذه الحالة، لكنه أدرك أن اضطراب الطرق لا يؤثر في أصحاب العربات وحدهم. فكل من يعتمد على وصول البضائع أو نقلها قد يشعر بنتائجه، ولو بصورة غير مباشرة.
ومع ذلك، لم يكن من الحكمة أن يفترض أن كل ارتفاع في السعر أو كل تأخير في العمل ناتج عن السبب نفسه.
فالسوق يتأثر بعوامل كثيرة، ولم يكن لديه ما يكفي من المعلومات لتمييز أثر كل عامل على حدة.
---
عندما اقترب وقت الظهيرة، اشترى تانغ شين وجبة بسيطة، ثم جلس في مكان هادئ بعيدًا عن حركة العربات.
أخرج ما تبقى معه من نقود، وعدّها، ثم فصل المبلغ الذي يحتاج إليه للطعام والإقامة عن الجزء الذي يستطيع الاحتفاظ به.
لم يكن لديه دخل ثابت، ولذلك قرر ألا يعتمد على احتمال حصوله على عمل في اليوم التالي.
إذا وجد فرصة جديدة، فسيكون ذلك أفضل. أما إذا لم يجد، فعليه أن يملك ما يكفيه حتى يعثر على عمل آخر.
بعد أن انتهى من الطعام، أخرج الكتاب الذي يعتمد عليه في تعلم فنون القتال.
لم يكن يريد أن يتدرب طويلًا بعد العمل، خصوصًا أن جسده ما زال يحتاج إلى الوقت حتى يعتاد الجهد المتكرر. لكنه لم يرغب أيضًا في ترك ما تعلمه يضيع بسبب انشغاله بالبحث عن المال.
اختار جزءًا بسيطًا من التدريب، وراجع الوقفة والتوازن والحركة التي تعلمها سابقًا. لم يحاول تنفيذ الحركات بسرعة، بل ركز على التأكد من أن قدميه ثابتتان، وأن انتقاله من وضع إلى آخر لا يجعله يفقد توازنه.
عندما شعر بالتعب، توقف.
لم يكن هدفه أن ينهي أكبر عدد من التكرارات، بل أن يحافظ على قدرته على التدريب في الأيام التالية. فقد تعلم أن الإرهاق قد يجعله يكرر الأخطاء، وأن الاستمرار دون انتباه لا يعني بالضرورة إحراز تقدم.
أعاد الكتاب إلى مكانه، ثم وقف قليلًا يتأمل الطريق الممتد أمامه.
كان يريد أن يتقدم في فنون القتال، لكنه لا يستطيع تجاهل حاجاته اليومية. وكان يرغب في فهم العالم الذي يعيش فيه، لكنه لا يملك الوقت أو الموارد الكافية للبحث في كل مسألة يسمع عنها.
عليه أن يختار ما يستطيع فعله الآن، وأن يترك الأسئلة التي لا يملك أدلة كافية للإجابة عنها.
---
في المساء، عاد تانغ شين إلى مكان إقامته، ووضع نقوده في موضع آمن، ثم أخرج ما سجله خلال اليوم.
كتب مقدار الأجر الذي حصل عليه، وما أنفقه على الطعام، وما بقي لديه. وبعد ذلك دوّن ملاحظات قصيرة عن العمل في المخزن.
تأخر وصول بعض الشحنات.
احتاج العمال إلى إعادة ترتيب البضائع وفق العلامات والسجلات.
الإعلان الجديد يحدد نقاط المراجعة ومتطلبات المرور.
لم تكن هذه الملاحظات كافية لفهم ما يجري في المدينة، لكنها كانت حقائق لاحظها بنفسه أو قرأها في إعلان رسمي.
أما الكلام الذي سمعه عن العربات التي عادت إلى أصحابها، أو عن أسباب التأخير خارج المدينة، فقد تركه في ذهنه بوصفه معلومات غير مؤكدة.
لم يكن يريد أن ينسى ما سمعه، لكنه لم يكن يريد أيضًا أن يعامله كما لو أنه شاهد كل شيء بعينيه.
أغلق دفتره، ثم تناول الكتاب مرة أخرى وراجع ما قرأه في وقت سابق. وبعد مدة قصيرة، أعاده إلى جانبه واستعد للنوم.
لم يعرف إن كانت الإجراءات الجديدة ستساعد على استقرار حركة التجارة، أم أنها ستضيف مزيدًا من التأخير قبل أن تتحسن الأمور. ولم يعرف إن كانت المشكلات التي واجهها العمال والتجار مؤقتة، أم أنها ستستمر مدة أطول.
كما لم يكن يملك دليلًا يربط اضطراب الطرق بجهة معينة، ولم تظهر أمامه معلومات تسمح له بفهم دوافع أي طرف.
كل ما عرفه أن حياته اليومية بدأت تتأثر بتغيرات تتجاوز قدرته على التحكم فيها، وأن عليه أن يكون أكثر حذرًا في تدبير المال والبحث عن العمل.
لم يكن تانغ شين يملك نفوذًا يستطيع به تغيير تعليمات المدينة، ولا معرفة تسمح له بفهم جميع أسبابها. لكنه كان يستطيع أن يراقب ما يحدث، وأن يتجنب التسرع في الحكم، وأن يستعد لاحتمال ألا يجد عملًا في اليوم التالي.
وفي الوقت الحالي، كان ذلك كافيًا.
أطفأ الضوء واستلقى، بينما بقيت أصوات العربات البعيدة تتردد في شوارع المدينة.
استمرت التجارة، واستمرت الإجراءات الجديدة، لكن الطريق أمامه لم يصبح أوضح بعد.