الفصل 26
استيقظ تانغ شين في الصباح على صوت رجلين يتحدثان قرب النافذة.
لم يكن الحديث مرتفعًا، لكن الغرفة المشتركة في النزل كانت صغيرة بما يكفي ليصل إليه معظم الكلام. فتح عينيه، وبقي مستلقيًا لحظات، محاولًا تمييز ما يقوله الرجلان وسط أصوات الحركة في الخارج.
«يقولون إنهم سيغيرون إجراءات دخول العربات ابتداءً من اليوم.»
«أي إجراءات؟ لقد دخلت المدينة أمس دون مشكلة.»
«أنا أتحدث عن العربات التجارية. سمعت أن مكتب إدارة المدينة أصدر تعليمات جديدة بشأن تسجيل الحمولات ومواعيد الدخول إلى المنطقة التجارية.»
أطلق الرجل الآخر ضحكة قصيرة.
«تعليمات جديدة؟ كأننا لا نملك ما يكفي من الأوراق بالفعل.»
«لا أعرف التفاصيل. كل ما سمعته أن بعض العربات ستُوجَّه إلى نقاط مراجعة محددة بدلًا من السماح لها بالمرور مباشرة إلى المخازن.»
جلس تانغ شين على سريره.
كانت هذه أول مرة يسمع فيها عن تغيير رسمي في إجراءات المرور داخل مدينة السهول البيضاء. لكنه لم يكن يعرف إن كانت التعليمات قد صدرت فعلًا، أم أن الرجلين ينقلان خبرًا لم يتأكدا منه.
نهض، وارتدى ملابسه، ثم جمع أغراضه القليلة. لم يكن لديه سبب يدعوه إلى التدخل في حديث لا يعرف تفاصيله، ولذلك اكتفى بالاستعداد للخروج.
وقبل أن يغادر الغرفة، سمع أحد الرجلين يقول:
«على أي حال، إذا كان الأمر صحيحًا، فسنرى أثره عندما تصل العربات إلى البوابة.»
لم يعلق تانغ شين.
فهذا هو المكان الذي ينبغي أن يبدأ منه إذا أراد معرفة ما يحدث: ما يراه بنفسه، لا ما يسمعه من أشخاص لا يعرف مدى دقة معلوماتهم.
---
خرج إلى الشارع بعد أن دفع ثمن إقامته وما استهلكه من طعام.
كانت مدينة السهول البيضاء قد بدأت يومها بالفعل. تحركت العربات في الطرقات، وفتح أصحاب المتاجر أبواب محالهم، بينما سار العمال نحو المخازن حاملين الأدوات والأكياس الفارغة.
اتجه تانغ شين إلى المنطقة التجارية، حيث رأى بالأمس حركة البضائع وتفريغ الشحنات.
كان يأمل أن يجد عملًا يوميًا في أحد المخازن، حتى لو اقتصر على نقل الصناديق أو ترتيب البضائع. لم يكن يبحث عن وظيفة ذات مكانة، بل عن عمل يستطيع الاعتماد عليه في الأيام المقبلة.
وحين وصل إلى الشارع المؤدي إلى مجموعة من المخازن الكبيرة، لاحظ أن حركة العربات لم تكن تسير بالطريقة نفسها التي رآها في اليوم السابق.
لم يكن هناك إغلاق للطريق، ولم يكن الحراس يمنعون العربات من المرور تمامًا. لكن بعض العربات توقفت في صفوف جانبية، بينما كان موظفون يحملون سجلات ويتحققون من بيانات الشحنات قبل السماح لها بالمتابعة إلى المناطق المخصصة للتفريغ.
اقترب تانغ شين من أحد العمال الذين كانوا يقفون قرب المدخل.
«هل هناك مشكلة في الطريق؟»
أشار العامل إلى الصف الممتد أمامهم.
«لا توجد مشكلة واحدة بعينها. صدرت تعليمات جديدة لتنظيم دخول العربات التجارية، وعلينا الآن التأكد من أن كل شحنة مسجلة في النقطة المناسبة قبل أن تدخل إلى منطقة المخازن.»
«وهل سيستمر هذا طوال اليوم؟»
هز العامل كتفيه.
«لا أعرف. قال المسؤول إننا سنتبع التعليمات حتى تصلنا توجيهات أخرى.»
لم يكن في إجابته ما يكشف عن أمر أكبر.
عاد تانغ شين إلى مراقبة الحركة.
كانت بعض العربات تنهي مراجعتها خلال وقت قصير، بينما احتاجت أخرى إلى الانتظار حتى يتأكد الموظفون من بياناتها. لم يكن التأخير متساويًا، ولم يستطع تانغ شين معرفة جميع أسبابه.
لكنه لاحظ أن العمال الذين كانوا ينتظرون وصول البضائع بدأوا يتجمعون قرب المخازن، يتحدثون مع المسؤولين عن مواعيد التفريغ.
اقترب أحد أصحاب المخازن من موظف يحمل سجلًا.
«لدينا عمال ينتظرون منذ الصباح. إذا استمر دخول العربات بهذا البطء، فسيتأخر تفريغ الشحنات المقررة لهذا اليوم.»
أجابه الموظف:
«أفهم ذلك، لكنني لا أستطيع تجاوز إجراءات المراجعة. إذا كانت أوراق الشحنة مكتملة، فستدخل بمجرد انتهاء دورها.»
لم يكن الرجل غاضبًا من الموظف نفسه، بل من الوقت الذي بدأ يضيع.
أما تانغ شين، فقد فهم أن تغييرًا إداريًا بسيطًا في ظاهره يمكن أن يؤثر في أعمال كثيرة. فإذا تأخرت العربات، انتظر العمال. وإذا انتظر العمال، تأخر تفريغ البضائع. وإذا تأخر التفريغ، فقد تتغير مواعيد التسليم التي اتفق عليها التجار.
لم يكن ذلك دليلًا على أن القرار خاطئ، لكنه كان يوضح أن لكل إجراء نتائج عملية.
---
بعد أن أمضى بعض الوقت في مراقبة حركة المخازن، دخل تانغ شين إلى أحد المتاجر الصغيرة واشترى قطعة خبز وبعض الطعام الرخيص.
جلس في مكان جانبي، وأخذ يفكر في وضعه.
كان قد حصل على أجر الرحلة السابقة، لكنه لم يكن يملك دخلًا ثابتًا. وإذا أراد البقاء في المدينة مدة أطول، فعليه العثور على عمل قبل أن تنفد مدخراته.
لكن البحث عن العمل لم يكن أمرًا منفصلًا عن حركة التجارة. فإذا كان المخزن الذي يعمل فيه يستقبل البضائع بانتظام، فقد يجد عملًا يوميًا. أما إذا تأخرت الشحنات، فقد يقل احتياج أصحاب المخازن إلى العمال، أو يضطرون إلى تغيير مواعيد العمل.
لم يكن يعرف أي الاحتمالين سيحدث، ولذلك قرر ألا يربط نفسه بمكان واحد.
أنهى طعامه، ثم اتجه إلى مخزن آخر في شارع مجاور.
كان هذا المخزن أصغر من الأول، ويبدو أنه يتعامل مع بضائع محلية إلى جانب الشحنات القادمة من خارج المدينة. وجد عند المدخل رجلًا يشرف على ترتيب الأكياس والصناديق.
تقدم تانغ شين وسأله:
«هل تحتاجون إلى عامل مؤقت؟ أستطيع نقل الصناديق وترتيبها، كما أستطيع مراجعة الأعداد المكتوبة في السجلات إذا احتجتم إلى ذلك.»
نظر الرجل إليه من رأسه حتى قدميه.
«هل عملت في المخازن من قبل؟»
«ساعدت في نقل البضائع ومراجعة سجلات الحمولة خلال رحلة تجارية. لا أملك خبرة كبيرة، لكنني أستطيع اتباع التعليمات.»
لم يمنح الرجل إجابة فورية.
نظر إلى العمال الموجودين في الداخل، ثم إلى بعض الأكياس التي لم تُنقل بعد.
«نحتاج إلى شخص يساعدنا في ترتيب هذه البضائع، لكن العمل ليس مضمونًا بعد اليوم. إذا كنت تريد أجرًا ثابتًا طوال الشهر، فلن أستطيع وعدك بذلك.»
أجاب تانغ شين:
«أفهم. أستطيع العمل بالمهمة أو باليوم، وفق ما نتفق عليه.»
أومأ الرجل.
«حسنًا. ابدأ بنقل هذه الأكياس إلى الجهة المحددة. لا تفتح أي كيس، ولا تنقل شيئًا إلى مكان آخر دون أن تسأل.»
لم يكن العمل مختلفًا كثيرًا عن الأعمال التي اعتادها، لكنه كان فرصة حقيقية للحصول على دخل جديد.
وضع تانغ شين كيسه جانبًا، وبدأ العمل.
---
استمر في نقل الأكياس وترتيب الصناديق حتى اقترب وقت الظهيرة.
لم يكن العمل صعبًا من الناحية الفنية، لكنه احتاج إلى الانتباه. فقد كانت بعض البضائع مخصصة للتسليم في وقت محدد، بينما كان بعضها الآخر سيبقى في المخزن حتى تصل شحنة إضافية.
وكان المسؤول يطلب من العمال التأكد من العلامات الموجودة على الأكياس قبل نقلها، حتى لا تختلط البضائع التي تتشابه في الشكل.
تذكر تانغ شين ما حدث في محطة الطريق، حين أدى اختلاف في وصف مجموعة من الصناديق إلى تأخير مراجعة الحمولة.
لم يكن يريد أن يتكرر خطأ مشابه بسببه.
لذلك كان يقرأ العلامة، ثم يتأكد من المكان المخصص للبضاعة، قبل أن ينقلها. وإذا لم تكن العلامة واضحة، فإنه يسأل المسؤول بدلًا من اتخاذ قرار من تلقاء نفسه.
لاحظ الرجل المشرف عليه ذلك بعد فترة.
قال له:
«أنت لا تتحرك بسرعة كبيرة، لكنك لا تخلط بين المجموعات أيضًا.»
أجاب تانغ شين:
«أفضل أن أتحقق قبل النقل على أن أضطر إلى إعادة العمل.»
ابتسم الرجل ابتسامة صغيرة.
«هذا صحيح، ما دمت لا تجعل كل صندوق يحتاج إلى مراجعة طويلة. عليك أن تتعلم متى تكون المراجعة ضرورية ومتى تكفي العلامة الواضحة.»
لم يكن ذلك توبيخًا، بل ملاحظة عملية.
أومأ تانغ شين، ثم واصل عمله.
كان يعرف أنه لا يزال قليل الخبرة، وأن الانتباه وحده لا يجعله عاملًا محترفًا. لكنه بدأ يتعلم كيف يوازن بين الدقة والوقت، وهي مهارة قد تفيده في أعمال أخرى أيضًا.
وعندما انتهى من ترتيب المجموعة الأخيرة، دفع إليه المسؤول أجر نصف يوم.
لم يكن المبلغ كبيرًا، لكنه كان كافيًا لتغطية جزء من مصروفه اليومي.
قال الرجل:
«إذا احتجنا إلى عامل غدًا، فسأخبرك. لكن لا تأتِ على أساس أن العمل مضمون.»
شكره تانغ شين، وأخذ أجره.
لم يعتبر ذلك وعدًا بوظيفة دائمة، بل فرصة قد تتكرر أو تنتهي وفق احتياجات المخزن.
---
في طريق عودته إلى النزل، مر تانغ شين بالقرب من الساحة الواقعة في وسط المنطقة التجارية.
كان هناك عدد من الناس مجتمعين حول لوحة إعلانات مثبتة قرب أحد المباني الإدارية. لم يكن الحشد كبيرًا، لكن بعض التجار توقفوا لقراءة ورقة جديدة عُلقت على اللوحة.
اقترب تانغ شين بالقدر الذي يسمح له بقراءة النص دون أن يضطر إلى دفع الآخرين.
كانت الورقة تحمل ختم مكتب إدارة المدينة، وتوضح أن حركة العربات التجارية ستُنظم مؤقتًا عبر نقاط مراجعة محددة، وأن على أصحاب الشحنات التأكد من اكتمال السجلات قبل دخول مناطق التفريغ.
كما تضمنت تعليمات بشأن ترتيب أولوية المرور وفق مواعيد التسليم المسجلة وطبيعة بعض الحمولات، مع توجيه العربات التي لم تكتمل أوراقها إلى جانب الطريق حتى تُراجع.
لم يذكر الإعلان أن جميع الطرق ستُغلق، ولم يفرض منعًا عامًا على التجارة. كان الهدف المعلن هو تقليل الازدحام، وتوحيد إجراءات المراجعة، والحد من الاختلافات التي تؤدي إلى تعطيل حركة البضائع.
قرأ تانغ شين الإعلان مرتين.
لم يكن فيه ما يوضح سبب اختيار هذا التوقيت بالذات، ولا ما إذا كانت هناك اعتبارات أخرى وراء القرار.
لكنه فهم أن التعليمات رسمية وليست مجرد شائعة سمعها في النزل صباحًا.
وقف أحد التجار قرب اللوحة وقال لرجل بجانبه:
«إذا التزموا بهذه الإجراءات كما كُتبت، فقد تقل الأخطاء في السجلات.»
أجابه الآخر:
«وربما يزداد وقت الانتظار أيضًا. كل شيء يعتمد على سرعة الموظفين وعدد العربات.»
لم يختلفا طويلًا.
فقد كان لكل منهما مصلحة مختلفة؛ أحدهما يهتم بدقة السجلات، والآخر يريد أن تصل بضاعته إلى وجهتها دون تأخير.
أما تانغ شين، فلم يرَ في الإعلان ما يسمح له بالحكم على القرار كله.
قد يساعد التنظيم الجديد على تقليل بعض المشكلات، لكنه قد يضيف وقتًا إلى عملية دخول العربات، خصوصًا في الأيام المزدحمة.
والنتيجة النهائية ستعتمد على طريقة تطبيقه.
ابتعد عن اللوحة، ومضى في طريقه.
---
عندما وصل إلى النزل، جلس في مكان هادئ وأخرج كيس النقود.
عدّ ما بقي معه، ثم أضاف إليه الأجر الذي حصل عليه من عمل المخزن.
لم تكن مدخراته كبيرة، لكنها لم تعد تعتمد على أجر رحلة واحدة فقط. وإذا استطاع العثور على عمل في الأيام القادمة، فقد يتمكن من البقاء في المدينة مدة أطول دون أن يضطر إلى العودة سريعًا إلى مدينة النهر الهادئ.
ومع ذلك، لم يكن يريد أن يطمئن أكثر مما ينبغي.
فالعمل المؤقت قد يتوقف في أي وقت، وأسعار الطعام والإقامة تستهلك جزءًا من دخله، كما أن استمرار اضطراب حركة البضائع قد يؤثر في فرص العمل المتاحة.
وكتب على لوح خشبي:
«العمل اليومي: غير مضمون.»
ثم كتب تحتها:
«الإقامة والطعام: مصروف ثابت.»
وتوقف لحظة قبل أن يضيف:
«لا أعتمد على مصدر دخل واحد إن استطعت.»
تأمل الكلمات، ثم أعاد الفحم إلى مكانه.
لم تكن هذه خطة عظيمة، لكنها كانت محاولة لتجنب مشكلة وقع فيها كثير من الفقراء: الاعتماد على فرصة واحدة، ثم فقدان كل شيء عندما تنتهي.
بعد ذلك، تناول طعامه، وتهيأ للراحة.
كان يستطيع استغلال المساء في بعض التمارين الخفيفة التي اعتادها، لكنه لم يكن يريد إرهاق جسده بعد يوم من العمل. اختار أن يكتفي بمراجعة الحركات الأساسية ذهنيًا، وأن يمنح نفسه وقتًا كافيًا للنوم.
فهو لم ينسَ هدفه في تطوير فنونه القتالية، لكنه يعرف أن التدريب يحتاج إلى جسد قادر على الاستمرار، وأن إهمال الطعام والراحة قد يجعل تقدمه أبطأ بدلًا من أن يسرعه.
---
في صباح اليوم التالي، عاد تانغ شين إلى المخزن الذي عمل فيه.
لم يكن يعرف إن كان المسؤول سيحتاج إليه، لكنه فضّل السؤال بدلًا من افتراض أن العمل قد انتهى.
وجده الرجل يتحدث مع أحد التجار بشأن موعد وصول شحنة جديدة.
انتظر تانغ شين حتى انتهى الحديث، ثم سأله:
«هل تحتاجون إلى عامل اليوم؟»
أجاب المسؤول:
«لدينا بعض البضائع التي يجب ترتيبها، لكن الشحنة التي كنا ننتظرها لم تصل بعد. يمكنك العمل معنا حتى ننتهي من الموجود، أما ما بعد ذلك فلا أستطيع ضمانه.»
وافق تانغ شين، وبدأ العمل.
وبينما كان ينقل الصناديق، سمع العاملين يتحدثون عن أن بعض التجار غيروا مواعيد تسليمهم بعد صدور التعليمات الجديدة. لم يكن ذلك يحدث في كل المخازن، لكنه كان كافيًا لإرباك بعض الأعمال التي تعتمد على وصول البضائع في أوقات محددة.
لم يستطع تانغ شين معرفة ما إذا كانت هذه المشكلات ستستمر أيامًا أو أسابيع.
لكنه بدأ يفهم أن القرار الإداري، حتى لو كان محدودًا ومبررًا في ظاهره، لا يبقى حبيس المكاتب. فحين يتغير نظام المرور، تتغير معه مواعيد السائقين، وخطط التجار، ووقت انتظار العمال، وقدرة المخازن على الوفاء بالتزاماتها.
وهكذا، وجد نفسه يتعامل مع نتائج قرار لم يكن طرفًا في اتخاذه، ولم يكن يعرف جميع الأسباب التي أدت إليه.
لم يشعر أن ذلك يمنحه معرفة خاصة بالعالم.
بل جعله يدرك فقط أن حياته اليومية تتأثر أحيانًا بقرارات تصدر بعيدًا عن المكان الذي يقف فيه.
ومع ذلك، لم يكن مستعدًا للتوقف عن البحث عن العمل أو التدريب بسبب أمر لم يفهمه بالكامل.
كان عليه أن يتعامل مع الواقع كما هو، وأن يغير خطته عندما تظهر معلومات جديدة.
أما ما إذا كانت هذه الإجراءات ستنهي مشكلات الطرق، أم ستؤدي إلى تأخيرات إضافية، فلم يكن يعرف.
كل ما استطاع فعله هو مراقبة ما يحدث، والعمل بما هو متاح، والاحتفاظ بما يكسبه بدلًا من إنفاقه دون حساب.