الفصل 2
في مملكة تشيان، التابعة لإمبراطورية تشين، كانت قرية ضباب القمر واحدة من القرى الصغيرة الواقعة بعيدًا عن المدن الكبرى.
لم تكن القرية غنية، ولم تكن لها شهرة تستحق الذكر. أحاطت بها الأراضي الزراعية من جهات عدة، وامتدت خلفها تلال منخفضة تكسوها الأشجار. وكان الضباب يهبط عليها في الصباح الباكر، فيغطي أسطح المنازل المتواضعة ويجعل الطرق الترابية تبدو كأنها تختفي في بياض لا نهاية له.
عاش أهل القرية على الزراعة وتربية الحيوانات وبعض الأعمال البسيطة. وكان معظمهم يقضون حياتهم في العمل، فلا يملكون من الوقت أو المال ما يسمح لهم بالسفر بعيدًا عن موطنهم.
ومع ذلك، لم تكن القرية معزولة تمامًا عن العالم الخارجي.
ففي كل عام، كانت أخبار الطوائف تصل إليها، حاملة معها شيئًا يختلف عن أخبار المحاصيل والأسعار ومواسم الأمطار.
كان ذلك هو موعد اختبار المؤهلات.
اختبار يتيح للأطفال الذين لم يبلغوا السادسة عشرة فرصة إظهار استعدادهم للسير في طريق الزراعة الروحية. وبالنسبة إلى عائلات القرية، لم يكن الأمر مجرد اختبار عادي؛ فقد يكون نجاح طفل واحد كافيًا لتغيير حياة أسرته بأكملها.
أما الفشل، فكان يعني العودة إلى الحياة المعتادة، حيث لا يبقى أمام معظم الأطفال سوى العمل الذي عاش عليه آباؤهم وأجدادهم.
في ذلك الصباح، اجتمع أهل قرية ضباب القمر في الساحة الواقعة أمام المبنى الإداري.
اصطف الأطفال في جانب من الساحة، بينما تجمع الآباء والأمهات خلفهم. وقف بعض الأطفال بثقة واضحة، وتحدث آخرون بحماس عن الطائفة التي سيذهبون إليها إن نجحوا. أما الذين عرفوا مسبقًا ضعف أسرهم وقلة إمكانياتهم، فكانوا أكثر هدوءًا.
وفي طرف الساحة، وقف فتى نحيل يرتدي ملابس قديمة لا تكاد تستر آثار الاستعمال الطويل.
كان شعره غير مرتب، ووجهه شاحبًا، وجسده أضعف من أجساد معظم الأطفال المحيطين به.
اسمه تانغ شين.
لم يكن يقف مع أسرة أو مجموعة من الأقارب، ولم يكن هناك من جاء خصيصًا لتشجيعه. وقف بعيدًا قليلًا عن التجمع، يراقب الساحة بعينين هادئتين.
لم يكن جائعًا في تلك اللحظة فحسب، بل كان الفقر قد ترك أثره في تفاصيل حياته كلها. ملابسه، ومظهره، وحتى الطريقة التي وقف بها، كانت تكشف أنه لم يحصل على ما اعتاد الآخرون اعتباره أمرًا طبيعيًا.
ومع ذلك، لم ينشغل تانغ شين كثيرًا بنظرات الناس.
كان يريد أن يعرف ما الذي سيحدث.
فقد سمع عن اختبار المؤهلات من قبل، لكنه لم يكن يملك معلومات كافية عن حقيقته. وكل ما عرفه هو أن مبعوثًا من إحدى الطوائف سيأتي إلى القرية، وأن الأطفال سيُختبرون واحدًا تلو الآخر.
أما ما سيحدث بعد ذلك، فلم يكن واضحًا له.
وفجأة، ارتفعت الأصوات عند مدخل الساحة.
«وصل مبعوث الطائفة!»
توجهت الأنظار جميعها نحو الطريق المؤدي إلى القرية.
ظهر رجل يرتدي ثيابًا داكنة ذات حواف مطرزة، ويتبعه رجلان يحملان صندوقًا خشبيًا طويلًا. لم تكن ثيابه فاخرة على نحو مبالغ فيه، لكنها بدت مختلفة بوضوح عن ملابس أهل القرية.
تقدم رئيس القرية لاستقباله، وانحنى باحترام.
«مرحبًا بكم في قرية ضباب القمر، أيها السيد غيون. لقد أعددنا كل شيء وفق التعليمات التي وصلت إلينا.»
أومأ الرجل إيماءة خفيفة.
«جيد. لن نضيّع الوقت. اجمعوا الأطفال الذين تنطبق عليهم شروط الاختبار.»
لم يرفع صوته، ولم يحتج إلى ذلك. كانت نبرته وحدها كافية لجعل رئيس القرية يتحرك بسرعة.
وضع الرجلان الصندوق الخشبي على طاولة أُعدت وسط الساحة، ثم فتحاه بحذر.
أخرج السيد غيون حجرًا أسود بحجم رأس طفل تقريبًا. كان سطحه أملس، لا يحمل نقوشًا واضحة، ولم يصدر عنه أي ضوء.
وضعه على حامل خشبي، ثم التفت إلى الحاضرين.
«هذا حجر اختبار المؤهلات. سيضع كل طفل يده عليه، وسنرى النتيجة. لا تحاولوا التأثير في الاختبار، ولا تتدخلوا في عملي.»
ساد الصمت للحظات.
ثم تابع موضحًا:
«عدد الحلقات التي تظهر على الحجر يحدد نتيجة الاختبار. من تظهر له حلقة واحدة إلى ثلاث حلقات يُعد شبه مقبول، ويمكنه دخول الطائفة بصفة خادم. ومن تظهر له أربع إلى ست حلقات يُقبل تلميذًا خارجيًا، أما من تظهر له سبع إلى تسع حلقات فيُقبل تلميذًا داخليًا.»
توقف قليلًا، ثم أضاف:
«أما إذا أضاء الحجر بالكامل، فستكون النتيجة مختلفة، وسننظر في الحالة وفق ما يظهره الاختبار.»
لم يشرح أكثر من ذلك.
كان معظم الحاضرين يعرفون ما تعنيه هذه التصنيفات، لكن بعض الأطفال لم يفهموا الفروق بينها تمامًا.
رفع أحدهم يده وسأل:
«أيها السيد، هل يعني هذا أن الخادم لا يستطيع أن يصبح تلميذًا داخليًا؟»
نظر إليه غيون.
«لم أقل ذلك. نتيجة الاختبار تحدد نقطة البداية، لا كل ما يمكن أن يحققه الإنسان في حياته. لكن لا تظنوا أن التقدم أمر سهل، فالموارد والوقت والموهبة كلها تؤثر في الطريق الذي يسلكه المرء.»
انخفضت يد الطفل.
لم يكن الجواب مشجعًا كما أراد، لكنه كان كافيًا لفهم أن القبول ليس نهاية الطريق.
بدأ الاختبار.
تقدم الطفل الأول، ووضع يده على الحجر.
لم يحدث شيء في البداية، ثم ظهرت حلقة واحدة على سطحه.
«حلقة واحدة. شبه مقبول.»
تقدم الطفل التالي.
ظهرت حلقتان.
ثم ثلاثة.
تعالت أصوات الفرح عند بعض النتائج، بينما بدا القلق على وجوه عائلات الأطفال الذين لم يظهر الحجر لهم أي استجابة.
استمر الاختبار، وبدأت الساحة تمتلئ بأحاديث متباينة. كان بعض الآباء يحاولون إخفاء توترهم، في حين راح آخرون يتحدثون عن الطوائف التي يأملون أن يلتحق بها أبناؤهم.
ومن بين الأطفال الذين انتظروا دورهم، كان هناك فتى يرتدي ثيابًا أفضل من ثياب معظم أبناء القرية.
كان لو مي، حفيد رئيس القرية.
وقف أقاربه بالقرب منه، وبدا على وجوههم أنهم يتوقعون نتيجة جيدة.
عندما نودي اسمه، تقدم بخطوات واثقة ووضع يده على الحجر.
ظهرت حلقة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
توقفت الحلقات عند هذا العدد.
«ثلاث حلقات. شبه مقبول.»
لم تكن النتيجة سيئة وفق معايير القرية، لكنها لم تكن كما تمنى بعض أفراد أسرته. ومع ذلك، لم يوبخوه، بل اكتفى رئيس القرية بإيماءة توحي بأن الباب لم يُغلق أمام حفيده.
أما لو مي، فظل ينظر إلى الحجر قليلًا قبل أن يعود إلى مكانه.
لم يكن راضيًا تمامًا، لكنه لم يكن قادرًا على تغيير النتيجة بمجرد رغبته.
تواصل الاختبار.
مرّ الأطفال واحدًا تلو الآخر، وظهرت نتائج مختلفة. حصل بعضهم على أربع حلقات، وحصل آخرون على خمس أو ست، بينما نال عدد قليل سبع حلقات أو أكثر.
ومع مرور الوقت، بدأ عدد الأطفال الذين لم يُظهر الحجر لهم أي استجابة يتضح.
كان بعضهم يحاول لمس الحجر مرة ثانية، لكن السيد غيون كان يرفض ذلك ما إن ينتهي الاختبار.
«النتيجة واضحة. التالي.»
لم يكن مهتمًا بتبرير كل حالة، ولم يكن يرى أن من واجبه مواساة من لم ينجحوا.
وبالنسبة إليه، كان هذا مجرد اختبار سنوي يؤديه وفق تعليمات الطائفة.
بعد فترة، بقي عدد قليل من الأطفال.
وكان تانغ شين بينهم.
لم يتقدم أحد لتشجيعه، ولم يكن لديه قريب يسأله عن فرصه. وعندما سمع اسمه، تحرك نحو الطاولة بهدوء.
وقعت عليه بعض النظرات.
تعرف عدد من أهل القرية إلى الفتى الفقير الذي لم يكن يملك بيتًا مستقرًا أو أسرة معروفة ترعاه. ولم يتوقع كثيرون أن تكون له نتيجة مختلفة عن حاله المعتادة.
لكن تانغ شين لم ينظر إليهم.
وقف أمام الحجر الأسود.
بدت له مادته غريبة بعض الشيء، إلا أنه لم يستطع تحديد سبب ذلك. لم يكن يعرف شيئًا عن كيفية عمله، ولم يكن لديه ما يسمح له بالحكم على حقيقته.
قال السيد غيون بفتور:
«ضع يدك عليه.»
فعل تانغ شين ما طُلب منه.
انتظر.
مرت لحظة.
ثم أخرى.
لم تظهر أي حلقة.
لم يتغير لون الحجر، ولم يصدر عنه ضوء، ولم يشعر تانغ شين بأي استجابة يمكنه ملاحظتها.
ظل يضع يده عليه حتى قال السيد غيون:
«ارفع يدك.»
رفعها.
نظر المبعوث إلى الحجر، ثم إلى الفتى.
«لا توجد مؤهلات ظاهرة للزراعة الروحية.»
لم يكن في صوته غضب أو دهشة. قالها كما لو كان يقرأ نتيجة يعرفها مسبقًا.
تراجع تانغ شين خطوة.
لم يسأل إن كان من الممكن إعادة الاختبار، ولم يتوسل للحصول على فرصة أخرى. لم يكن يعرف ما إذا كانت هناك طريقة لتغيير النتيجة، ولم يكن يملك سببًا يجعله يعتقد أن الاعتراض سيغير شيئًا.
اكتفى بالنظر إلى الحجر الأسود مرة أخيرة.
ثم استدار.
خلفه، عاد الاختبار إلى مساره، بينما بدأ بعض الحاضرين يتحدثون عن الأطفال الذين لم يُظهر الحجر لهم أي مؤهلات.
لم يهتم تانغ شين بما قيل عنه.
لم تكن لديه عائلة تنتظر منه أن يعود بخبر نجاح، ولم يكن هناك أحد يعتمد عليه ليصبح مزارعًا روحيًا ويغير حياة الأسرة.
ومع ذلك، لم يكن الفشل خبرًا يسهل تجاهله.
كان قد جاء ليعرف ما إذا كان بإمكانه دخول طريق جديد، وعاد بإجابة واضحة: وفق نتيجة هذا الاختبار، لم يكن مؤهلًا لذلك.
لم يعرف إن كان الحجر قد كشف كل شيء عنه، أم أنه لم يكن يملك ما يكفي لفهم الاختبار أصلًا.
لم تكن لديه المعرفة اللازمة ليحكم على الأمر.
كل ما عرفه أنه لا يستطيع الاعتماد على طريق الزراعة الروحية في الوقت الحالي.
وعندما ابتعد عن الساحة، بدأ يفكر في المشكلة الأكثر إلحاحًا في حياته.
الطعام.
كان عليه أن يجد ما يأكله، وأن يحصل على مكان يبيت فيه، وأن يواصل الحياة في عالم لم يكن يهتم كثيرًا بمن لا يملكون شيئًا.
أما الطريق الذي أُغلق أمامه في ذلك الصباح، فلم يكن لديه ما يسمح له بفتحه.
على الأقل، ليس الآن.
وفي الساحة، واصل السيد غيون عمله حتى انتهى الاختبار. جُمعت أسماء الأطفال المقبولين، وسُجلت النتائج، وبدأ رئيس القرية يتحدث مع المبعوث عن الترتيبات اللازمة لمغادرة الأطفال الذين وقع عليهم الاختيار.
لم يلتفت أحد إلى الفتى الذي غادر مبكرًا.
لم تكن نتيجة تانغ شين استثنائية، ولم يكن فشله حدثًا يستحق أن يبقى في ذاكرة القرية طويلًا.
ومع غروب الشمس، عادت قرية ضباب القمر إلى حياتها المعتادة.
عاد المزارعون إلى بيوتهم، وانشغل الأطفال بأحاديثهم عن الاختبار، وبدأت العائلات التي نال أبناؤها القبول تفكر في المستقبل.
أما تانغ شين، فكان يسير بعيدًا عن الساحة، يبحث عن مكان يقضي فيه ليلته.
لم يكن يعرف ما الذي سيحدث له بعد ذلك.
لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا: لم يكن أمامه طريق سهل يستطيع أن يسلكه دون ثمن.
وكان عليه أن يجد طريقه بنفسه.