بدية الوجود
في البداية، لم يكن هناك شيء.
لا سماء، ولا أرض، ولا زمن يمكن قياسه، ولا مكان يمكن أن يحتوي الوجود. لم تكن هناك حياة أو موت، ولم يكن هناك نور أو ظلام، بل لم تكن هذه المفاهيم قد وُجدت أصلًا حتى يمكن التمييز بينها.
لم يكن هناك صوت، ولا حركة، ولا حدود يمكن أن تفصل شيئًا عن شيء آخر. لم يكن الفراغ واسعًا أو ضيقًا، لأن المسافة نفسها لم تكن موجودة، ولم يكن هناك ما يسمح بوجودها.
كان الوجود غائبًا عن كل ما يمكن للعقل أن يتصوره.
ثم حدث أمر لم يكن له سبب معروف.
ظهر صوت.
لم يأتِ من جهة، ولم ينتقل عبر مسافة، ولم يكن صادرًا عن كائن يمكن رؤيته أو إدراكه. ومع ذلك، كان وجوده حقيقة لا يمكن إنكارها.
قال الصوت:
«تولد الفوضى».
لم تكن الكلمات مجرد صوت عابر، بل بدت كأنها أمر لم يكن الوجود قادرًا على رفضه.
وفي اللحظة التالية، حدث التغير الأول.
ظهرت الفوضى.
لم تكن الفوضى نارًا تلتهم الأشياء، ولا عاصفة تحطم ما يقف في طريقها. كانت حالة أقدم من كل وصف، لم تستقر فيها القوانين، ولم تتحدد فيها الحدود، ولم تكن الاحتمالات قد اتخذت أشكالها بعد.
تداخلت إمكانيات لا حصر لها؛ بعضها يمكن أن يؤدي إلى وجود، وبعضها يمكن أن ينتهي إلى العدم، وبعضها لم يكن من الممكن تصوره حتى بعد ظهور الفوضى.
لم تكن هناك أرض تحمل تلك الاحتمالات، ولا سماء تحيط بها، ولا قانون يحدد ما يجوز وما يستحيل.
كانت الفوضى وحدها.
ومع مرور ما لا يمكن تسميته بالزمن، بدأ شيء مختلف يظهر في أعماقها.
نقطة ضوء صغيرة.
لم تكن أكبر من ذرة، ومع ذلك لم تكن ذرة؛ فالذرات لم تكن قد وُجدت. ولم يكن نورها شبيهًا بالنور الذي ستعرفه العوالم في المستقبل، بل كان أقرب إلى بذرة تحمل داخلها إمكانيات نظام لم يولد بعد.
لم تتسع النقطة بسرعة، ولم تنفجر، ولم تبتلع الفوضى.
بل بدأت تتغير بهدوء.
كلما تغيرت، ظهرت حولها آثار دقيقة من النظام. احتمالات كانت تتداخل بلا حدود بدأت تنفصل عن بعضها، وأشكال كانت مستحيلة قبل لحظات أصبحت ممكنة.
للمرة الأولى، لم تعد كل الأشياء متساوية في احتمال وجودها.
وبعد ذلك، عاد الصوت.
«تُنشأ السماوات ، وتُقسَّم الأرض إلى عليا ودنيا، وتُولد إرادة السماء».
لم يكن الأمر الثاني أقل غرابة من الأول.
اهتزت الفوضى، وانطلقت منها تغيرات لم يكن لها مثيل. أخذت المساحات التي لم تكن موجودة تتحدد، وانفصلت الاحتمالات عن بعضها، وظهرت حدود بين عوالم لم تكن قد وُلدت من قبل.
تشكّلت السماوات .
لم تكن طبقات متراكمة فوق بعضها، ولم تكن سبع قارات يمكن الانتقال بينها بالسفر العادي. كانت عوالم كونية منفصلة، لكل منها وجوده وقوانينه الخاصة، ولكل منها مجال لا يمكن قياسه بمقاييس عالم آخر.
ثم ظهر مستويان عظيمان للأرض: الأرض العليا والأرض الدنيا.
لم يكونا مجرد مكانين يختلفان في الارتفاع، بل مستويين منفصلين من الوجود، تتباين فيهما طبيعة العالم والظروف التي تسمح للحياة بالنشوء والتطور.
لم يكن سكان الأرض الدنيا، حين سيظهرون في المستقبل، قادرين على إدراك حقيقة ما يفصلهم عن الأرض العليا بمجرد النظر إلى السماء. ولم يكن سكان الأرض العليا قادرين على اختزال حقيقة المستويين في مسافة يمكن عبورها بخطوات أو رحلة عادية.
كانت الحدود بينهما أعمق من ذلك.
ومع ظهور العوالم، بدأت القوانين تستقر.
أصبح للتغير اتجاه، وللأحداث ترتيب، وللأشياء حدود يمكن أن تتشكل داخلها. لم تختفِ الفوضى، لكنها لم تعد الحالة الوحيدة التي تحكم كل احتمال.
ثم وُلدت إرادة السماء.
لم تظهر في هيئة كائن ذي جسد، ولم تجلس على عرش فوق السماوات . كانت إرادة نشأت مع استقرار النظام الكوني، وبدأت تدرك التغيرات التي تقع ضمن نطاقها، وتستجيب لها وفق القوانين المرتبطة بوجودها.
كانت قادرة على التأثير في مسارات كثيرة، لكنها لم تكن مطلقة القدرة.
فالفوضى أقدم من النظام الذي نشأ منها، وما بقي من آثارها لم يكن خاضعًا بالضرورة لكل ما تستطيع إرادة السماء فهمه أو التحكم فيه.
ولهذا، لم يكن استقرار العالم يعني انتهاء كل مجهول.
كانت هناك أشياء لا تزال بلا تفسير، واحتمالات لم تُختبر، وحدود لم تُكتشف حقيقتها.
ومع ذلك، استمر الوجود في التوسع.
ظهرت النجوم في بعض العوالم، وتكوّنت الكواكب في عوالم أخرى، وامتدت البحار والجبال والسهول، وبدأت ظروف مختلفة تسمح بظهور أشكال متعددة من الحياة.
لم تولد الحياة في كل مكان بالطريقة نفسها، ولم تتطور جميع الكائنات بالسرعة ذاتها. ففي بعض العوالم احتاج ظهور الحياة إلى مدد هائلة، بينما ظهرت في عوالم أخرى ظروف سمحت لها بالنشوء على نحو مختلف.
ومع اتساع الوجود، بدأت الكائنات الحية تظهر وتختفي، وتتكاثر وتتكيف مع بيئاتها. تعاقبت أجيال لا يعرف بعضها شيئًا عن الأجيال التي سبقته، ونشأت حضارات في أماكن لم تكن حضارات أخرى قد اكتشفت وجودها أصلًا.
لم يكن كل عالم يعرف حقيقة العوالم الأخرى، ولم يكن كل من امتلك القوة قادرًا على فهم النظام الذي أتاح له الوصول إليها.
ومع ذلك، لم تكن كل الأسرار بعيدة عن الاكتشاف إلى الأبد.
ففي عوالم مختلفة، ظهر البشر.
كانوا في بداياتهم محدودي المعرفة، يعتمد بقاؤهم على ما يستطيعون جمعه وصناعته، وعلى قدرتهم على التكيف مع الطبيعة المحيطة بهم.
لم يعرفوا حقيقة السماوات ، ولم يدركوا أصل القوانين التي تحكم حياتهم. عاشوا داخل حدود عوالمهم، وبنوا تجمعاتهم الصغيرة، وتعلموا من أخطائهم، ثم نقلوا ما عرفوه إلى أبنائهم.
ومع مرور الأجيال، اتسعت معرفتهم.
اكتشفوا أن العالم يحتوي على ظواهر لا يمكن تفسيرها بالملاحظة السطحية وحدها، وأن بعض موارده تحمل خصائص تتجاوز ما يظهر منها للعين. وبدأت المعرفة تتراكم جيلًا بعد جيل، حتى صار بعض البشر قادرين على إدراك جوانب من القوانين التي تحيط بهم.
لكن المعرفة لم تكن متساوية بين الجميع.
فمنهم من أمضى حياته في البحث عن أسرار الطبيعة، ومنهم من سعى إلى فهم القوى التي تحكم العالم، ومنهم من اكتفى بما يضمن له البقاء.
وهكذا، اتسعت الفجوة بين ما يعرفه البشر وما لا يزال مجهولًا لهم.
وفي بعض العوالم، اكتشف البشر وجود طاقة روحية يمكنهم الاستفادة منها عبر طرق خاصة. لم يكن فهمها متاحًا للجميع، ولم يكن امتلاك القدرة على استخدامها أمرًا مضمونًا لكل من حاول تعلمها.
احتاج الأمر إلى أجيال من التجربة والتوارث والتعلم، حتى ظهرت طرق مختلفة تسمح للبشر بالسير في مسارات تتجاوز حدود حياتهم المعتادة.
لكن هذه المعرفة لم تنتشر بالتساوي بين العوالم، ولم يكن سكان كل كوكب يعرفون ما يعرفه سكان الكواكب الأخرى.
كان لكل عالم تاريخه الخاص، ولكل حضارة مسارها، ولكل شعب أسئلته التي لم يجد لها إجابة.
وفي عالم من تلك العوالم، وُجد كوكب أزرق صغير.
لم يكن مختلفًا في مظهره عن كثير من الكواكب التي احتضنت الحياة. غطت المياه أجزاء واسعة منه، وامتدت القارات تحت سمائه، وعاشت فوق أرضه كائنات لا تعرف إلا العالم الذي وُلدت فيه.
لم يكن سكانه يدركون حقيقة موقع كوكبهم في الوجود، ولم تكن حياتهم اليومية تتطلب منهم معرفة ما وراء حدود عالمهم.
كانت لهم مدنهم وقراهم، وأحلامهم الصغيرة، ومشكلاتهم التي تبدو كبيرة في أعينهم.
لم يكن كل من وُلد على ذلك الكوكب ابن عائلة عظيمة، ولم يكن كل من عاش فيه يحمل موهبة نادرة أو إرثًا مجهولًا.
كانت الغالبية العظمى من البشر تعيش حياتها دون أن تترك أثرًا يتجاوز محيطها القريب.
ومن بين هؤلاء البشر، كان هناك فتى عادي.
لم يكن معروفًا لدى أصحاب السلطة، ولم تكن خلفه عائلة عظيمة، ولم يكن يحمل ميراثًا يعرفه الناس. لم تعلن السماء عن ولادته، ولم تتوقف قوانين العالم لتشير إلى وجوده.
كان مجرد فتى يعيش داخل عالمه، لا يعرف ما ينتظره، ولا يدرك أن حياته ستأخذه إلى طريق لم يكن قادرًا على تصوره.
اسمه تانغ شين.
لم يكن يعلم أن الطريق الذي ينتظره لن يكون سهلًا، ولا أن فهم ما سيواجهه سيحتاج إلى وقت وتجارب وأخطاء.
لكنه، مثل غيره من البشر، كان يقف عند بداية لا يعرف نهايتها.
وكان الوجود، على اتساعه، لا يزال يخفي أسرارًا لم تُكشف بعد