الفصل 17
لم يعد تانغ شين غريبًا تمامًا عن شوارع مدينة النهر الهادئ.
فبعد أن أمضى عدة أسابيع بين المخازن والأسواق ومدرسة السور الشرقي، أصبح يعرف الأماكن التي يستطيع أن يجد فيها عملًا مؤقتًا، والشوارع التي تزدحم بالتجار في الصباح، والأوقات التي تقل فيها الحركة ويصبح البحث عن عمل أقل فائدة.
لكن معرفته بالمدينة لم تجعل الحياة سهلة.
فالأعمال التي يحصل عليها لم تكن منتظمة، وما يجمعه في يوم قد يضطر إلى إنفاق جزء منه في اليوم التالي. أما التدريب، فظل يعتمد على كتيبه المستعمل وملاحظاته لما يشاهده في مدرسة السور الشرقي.
كان يعرف أنه يحتاج إلى معلم، لكنه لم يكن مستعدًا لدفع رسوم مدرسة لا يستطيع ضمان الاستمرار فيها.
ولهذا، بدأ يبحث عن فرصة مختلفة.
لم يعد يسأل فقط عن الأعمال المتاحة، بل صار يسأل أصحاب المتاجر إن كانوا يعرفون أماكن تحتاج إلى عامل يستطيع الالتزام بمواعيد محددة، حتى لو كان الأجر متواضعًا.
وفي صباح أحد الأيام، قاده هذا البحث إلى مخزن يقع خلف مجموعة من متاجر الأدوات المعدنية.
كان المخزن تابعًا لتاجر يزود عددًا من مدارس فنون القتال بالأدوات الخشبية والمواد المستخدمة في صيانة معدات التدريب. وقد احتاج صاحبه إلى عامل يساعده على فرز البضائع وتسجيل ما يدخل إلى المخزن وما يخرج منه.
لم يكن العمل يتطلب قوة استثنائية، لكنه احتاج إلى الدقة والالتزام.
استمع تانغ شين إلى الشروط، ثم وافق.
قال التاجر:
«سأعطيك أجرًا محددًا مقابل كل يوم تعمل فيه، لكنني لا أريد منك أن تأتي يومًا وتغيب ثلاثة أيام دون أن تخبرني. إذا اتفقنا على موعد، فعليك الالتزام به.»
أجاب تانغ شين:
«إذا اتفقت معك على يوم، فسأحضر في موعدي.»
لم يكن قادرًا على ضمان حصوله على العمل كل يوم، لكنه استطاع الالتزام بالمواعيد التي يتفق عليها.
وبعد أن اختبره التاجر في ترتيب مجموعة من الصناديق، وافق على تشغيله في الأيام التي تصل فيها البضائع.
لم يصبح تانغ شين غنيًا، ولم يحصل على وظيفة ثابتة، لكنه امتلك مصدرًا إضافيًا للدخل يمكنه التخطيط على أساسه.
وكان ذلك أفضل من الاعتماد على المصادفة وحدها.
---
في نهاية يوم العمل، مر تانغ شين بمدرسة السور الشرقي.
كان قد وعد نفسه بألا يترك التدريب حتى لو ازدادت ساعات عمله، ولذلك أراد أن يستفيد من الوقت المتبقي قبل العودة إلى النُزل.
وجد تشو هان في المخزن، يفحص بعض الأدوات التي أعيدت من الساحة.
حيّاه تانغ شين، ثم سأله إن كانت هناك مهمة يستطيع المساعدة فيها.
نظر إليه تشو هان، ثم أشار إلى مجموعة من الأدوات الخشبية.
«رتب هذه في الرفوف، وبعدها يمكنك الانصراف.»
بدأ تانغ شين العمل.
كان يعرف ترتيب المخزن الآن، ولذلك لم يحتج إلى السؤال عن كل قطعة. ومع ذلك، ظل حذرًا في التعامل مع الأدوات التي لم يعرف وظيفتها، ولم يحاول وضعها في مكان غير مخصص لها.
وعندما انتهى، دفع إليه تشو هان أجره.
كان تانغ شين يستعد للمغادرة حين سأله الرجل:
«هل ما زلت تتدرب من ذلك الكتيب؟»
أومأ تانغ شين.
«نعم. أحاول إتقان الوقفة والتوازن واللكمة المستقيمة والتراجع الدفاعي.»
«وهل تستطيع الآن تنفيذها بصورة صحيحة؟»
تردد تانغ شين قبل أن يجيب:
«أستطيع تنفيذها بصورة أفضل مما كنت أفعل في البداية، لكنني لا أعرف إن كانت جميع تفاصيلها صحيحة.»
هز تشو هان رأسه.
«هذه إجابة أفضل من أن تقول إنك أتقنتها.»
لم يفهم تانغ شين إن كان الرجل يمدحه أم ينتقده، لكنه انتظر أن يكمل.
قال تشو هان:
«إذا كنت تريد أن تتعلم، فلا يكفي أن تكرر الحركة حتى تحفظها. عليك أن تعرف لماذا تؤديها بهذه الطريقة، وما الذي يجعلها نافعة، ومتى تصبح غير مناسبة. لكن لا تتسرع في البحث عن إجابات لكل شيء دفعة واحدة.»
سأل تانغ شين:
«كيف أبدأ؟»
أشار تشو هان إلى مساحة خالية قرب المخزن.
«أرني الوقفة التي تتدرب عليها.»
وقف تانغ شين وضبط قدميه، ثم ثنى ركبتيه قليلًا، محاولًا الحفاظ على استقامة جذعه.
نظر تشو هان إلى وضعه لثوانٍ، ثم قال:
«قدماك متباعدتان أكثر مما تحتاج إليه في هذه الوقفة، وأنت تشد كتفيك دون سبب. حاول مرة أخرى.»
عدل تانغ شين وضعه.
«هكذا؟»
«أفضل. أرخِ كتفيك، ولا تجعل ثباتك يعتمد على شد عضلاتك كلها. إذا بقيت متصلبًا، فسوف تتعب بسرعة ويصبح الانتقال إلى الحركة التالية أصعب.»
نفذ تانغ شين التعليمات.
لم تكن التعديلات كبيرة، لكنه شعر أن الوقفة أصبحت أقل إجهادًا.
قال تشو هان:
«ابقَ على هذا الوضع لحظات، ثم تحرك ببطء إلى الأمام وعد إلى موضعك.»
نفذ تانغ شين الحركة، لكنه نقل وزنه بسرعة أكبر مما ينبغي، فاختل توازنه قليلًا.
أوقفه تشو هان.
«لا تستعجل. أنت لا تتعلم كيف تصل إلى الموضع التالي فقط، بل كيف تصل إليه دون أن تفقد السيطرة على جسدك.»
أعاد تانغ شين الحركة، وهذه المرة ببطء أكبر.
راقبه تشو هان، ثم أومأ.
«أفضل. لا يعني ذلك أنك أتقنت الحركة، لكنك بدأت تفهم ما ينبغي أن تراقبه.»
كان هذا أول تصحيح مباشر يتلقاه تانغ شين منذ بدأ التدريب.
لم يكن درسًا طويلًا، ولم يتعلم خلاله تقنية جديدة، لكنه حصل على شيء لم يستطع الكتيب أن يمنحه إياه: شخص رأى الخطأ في حركته وأخبره كيف يصححه.
شعر تانغ شين بقيمة تلك الدقائق.
لكنه لم يطلب من تشو هان مواصلة الدرس، ولم يتصرف وكأن الرجل أصبح معلمه الخاص.
انحنى قليلًا وقال:
«شكرًا لك. سأراجع ما تعلمته.»
أجاب تشو هان:
«راجع الوقفة أولًا. لا تنتقل إلى حركات أخرى حتى تستطيع الحفاظ على توازنك دون أن تفكر في كل تفصيل صغير.»
ثم عاد إلى ترتيب الأدوات.
فهم تانغ شين أن الوقت انتهى، فحمل حقيبته وغادر المدرسة.
---
في الطريق إلى النُزل، ظل يفكر في التصحيح الذي تلقاه.
كان قد أمضى أيامًا يكرر الوقفة نفسها، معتقدًا أن الثبات يتطلب شد عضلاته باستمرار. لكنه اكتشف أن ذلك يجعله يتعب بسرعة، ويصعّب عليه التحرك بسلاسة.
لم تكن المشكلة في نقص الجهد، بل في الطريقة التي يستخدم بها جهده.
وعندما وصل إلى غرفته، أخرج الحجر الرمادي ووضعه أمامه.
قال:
«صحح تشو هان وقفة جسدي في بضع دقائق، واكتشفت أنني كنت أكرر خطأ لم أنتبه إليه طوال الأيام الماضية.»
أجاب الحجر:
«هذا ما يحدث عندما تملك معرفة ناقصة.»
«أعرف. لكنني أريد أن أفهم شيئًا. إذا استطعت الحصول على كتاب آخر يشرح فنون القتال بصورة أفضل، فهل سيساعدني ذلك على تطوير الكتيب الذي أملكه؟»
صمت الحجر قليلًا قبل أن يجيب:
«لا أستطيع الجزم بذلك. لا بد أن تعرف أولًا ما الذي تستطيع فعله بقدرتك، وما الذي يحتاج إليه الشيء الذي تريد تطويره.»
تأمل تانغ شين الكتيب.
كان قد بدأ يفكر في تطويره منذ عدة أيام، لكنه لم يختبر القدرة على الكتب أو المعرفة بعد. ولم يكن يريد أن يستهلك ما يملك من موارد في محاولة لا يفهم شروطها.
قال:
«إذن، سأحتاج إلى معرفة أكثر قبل أن أجرب.»
«هذا أفضل من أن تبدأ تجربة لا تعرف ما الذي تتوقعه منها.»
لم يكن الحجر يملك وصفة جاهزة، لكنه ساعد تانغ شين على تذكر أمر مهم: امتلاك القدرة لا يعني أنه يعرف كيفية استخدامها في كل حالة.
أعاد الكتيب إلى حقيبته، ثم وقف في المساحة الضيقة قرب السرير.
بدأ بالوقفة التي صححها له تشو هان.
أرخى كتفيه، وضبط المسافة بين قدميه، ثم حافظ على توازنه دون أن يشد جسده كله. وبعد ذلك، تحرك خطوة إلى الأمام وعاد إلى موضعه، مركزًا على ألا يفقد ثباته.
كرر الحركة عدة مرات.
كلما شعر بالتعب، توقف قليلًا قبل أن يستأنف التدريب.
لم يحاول زيادة عدد التمارين، ولم ينتقل إلى اللكمة المستقيمة قبل أن ينهي مراجعة الوقفة. فقد فهم أن بناء الأساس يحتاج إلى صبر، وأن التقدم لا يقاس بعدد الحركات التي يستطيع تذكرها، بل بمدى قدرته على تنفيذها بصورة صحيحة.
---
في الأيام التالية، بدأ تانغ شين يوازن بين عمله الجديد والأعمال المؤقتة الأخرى.
كان يذهب إلى المخزن التجاري في الأيام التي يحتاج فيها التاجر إلى مساعدته، ويعود إلى متجر معدات التدريب أو مدرسة السور الشرقي عندما تتوفر أعمال إضافية. أما في الأيام التي لا يجد فيها عملًا، فكان يستغل وقته في البحث عن فرص جديدة أو مراجعة تدريبه.
لم يكن الأمر سهلًا، لكنه صار أكثر تنظيمًا.
وبمرور الوقت، بدأ يدخر جزءًا أكبر من دخله، وإن ظل بعيدًا عن الرسوم التي تحتاج إليها المدارس الأفضل.
كما استمر في العودة إلى مدرسة السور الشرقي كلما احتاجوا إلى عامل. ولم يحصل على دروس منتظمة من تشو هان، لكن الرجل كان يصحح له أحيانًا خطأ يلاحظه أثناء العمل، أو يجيبه عن سؤال محدد عندما يسمح الوقت بذلك.
كانت العلاقة بينهما بسيطة وواضحة.
تانغ شين عامل مؤقت يؤدي عمله مقابل أجر، وتشـو هان رجل يشرف على بعض الأعمال في المدرسة. أما ما يحصل عليه الفتى من نصائح، فلم يكن اتفاقًا رسميًا على تدريبه، ولا دليلًا على أنه أصبح تلميذًا لدى الرجل.
ومع ذلك، استفاد تانغ شين من هذه الفرصة الصغيرة.
فقد صار يعرف أن الوقفة ليست مجرد شكل، وأن التراجع الدفاعي لا ينتهي بمجرد الابتعاد، وأن اللكمة المستقيمة تحتاج إلى توازن يسمح له باستعادة وضعه بعد تنفيذها.
كانت معلومات أولية، لكنها بدأت ترتبط في ذهنه بدل أن تبقى كلمات منفصلة في كتاب.
---
في إحدى الأمسيات، جلس تانغ شين يعد نقوده بعد أن عاد من العمل.
كان المبلغ الذي جمعه يتزايد ببطء، لكنه صار قادرًا على تقدير ما يحتاج إليه للطعام والمبيت، وما يمكنه ادخاره دون أن يعرض نفسه للجوع أو يضطر إلى ترك العمل بحثًا عن المال في اللحظة الأخيرة.
وضع النقود في كيسه، ثم أخرج الكتيب.
تأمل صفحاته المتواضعة، وتذكر كيف كان في البداية يظن أن مجرد امتلاك كتاب عن فنون القتال سيجعله قادرًا على تعلمها وحده.
لم يعد ينظر إليه بالطريقة نفسها.
لقد منحه الكتاب بداية، لكنه لم يكن بديلًا عن المعلم أو التدريب المنظم. وربما استطاع أن يحصل على كتب أفضل مستقبلًا، لكن ذلك لن يعفيه من ضرورة فهم ما يقرأه وتطبيقه.
أغلق الكتيب، ثم وضعه بجانب الحجر الرمادي.
قال بصوت هادئ:
«أظن أنني بدأت أفهم ثمن الطريق.»
جاءه صوت الحجر:
«وما هو؟»
أجاب تانغ شين بعد لحظة تفكير:
«ليس المال وحده. إنه الوقت، والمعرفة، والقدرة على الاستمرار دون أن أبدد ما أملكه.»
لم يرد الحجر فورًا.
ثم قال:
«إذا كنت قد فهمت ذلك، فلا تجعل الصعوبة تدفعك إلى الاستعجال.»
أومأ تانغ شين، وإن كان الحجر لا يستطيع رؤيته.
لم يكن قد أصبح أقوى بما يكفي لمواجهة مقاتل مدرب، ولم يصل إلى رتبة الفنان القتالي الثالث، ولم يجد بعد طريقة تضمن له الالتحاق بمدرسة فنون القتال.
لكن للمرة الأولى منذ وصوله إلى المدينة، شعر أن جهوده بدأت تتصل بعضها ببعض.
فالعمل يمنحه المال، والمال يفتح له فرصًا أفضل، والمشاهدة تمنحه معرفة إضافية، والتدريب يساعده على اختبار ما يتعلمه.
لم تكن هذه دائرة سريعة، لكنها كانت دائرة يستطيع مواصلتها.
وفي صباح اليوم التالي، سيعود إلى العمل كعادته.
أما عندما يجد فرصة أخرى للتدرب تحت إشراف تشو هان، فسوف يستفيد منها دون أن يتجاوز حدودها.
لم يكن يعرف متى ستأتي خطوته التالية، لكنه لم يعد يعتقد أن عليه انتظار معجزة حتى يبدأ التقدم.
فبعض الأبواب لا تُفتح دفعة واحدة.
وأحيانًا، يكفي أن يجد المرء ثغرة صغيرة في الباب المغلق، ثم يتعلم كيف يوسعها بجهده وصبره.