الفصل 16
لم يكن تانغ شين قد وجد بعد العمل الذي يبحث عنه، لكنه توقف عن التنقل بين المتاجر دون خطة واضحة.
فخلال الأيام الماضية، أدرك أن الأعمال المؤقتة تساعده على توفير نفقات المعيشة، لكنها لا تمنحه دخلًا ثابتًا، كما أنها تستهلك وقتًا كان يحتاج إليه للتدريب. وإذا استمر على هذا النحو، فقد يقضي أشهرًا في جمع المال دون أن يقترب كثيرًا من هدفه.
لذلك، قرر أن يبحث عن عمل يمكنه الاستمرار فيه، حتى لو كان أجره أقل قليلًا من بعض الأعمال المؤقتة.
بدأ من السوق، حيث سأل أصحاب المخازن عن حاجتهم إلى عمال دائمين، ثم انتقل إلى المتاجر القريبة من مدارس فنون القتال. لم يكن يطلب الالتحاق بأي مدرسة، بل كان يبحث عن فرصة تسمح له بالعمل والتعلم تدريجيًا.
لكن معظم الإجابات لم تختلف عما سمعه من قبل.
بعض المتاجر لم تكن تحتاج إلى عمال، وبعضها أراد شخصًا لديه خبرة في التعامل مع المعدات، بينما عرض آخرون أعمالًا لا تناسبه بسبب ساعاتها الطويلة وأجورها المحدودة.
ومع اقتراب الظهيرة، بدأ يشعر بأنه يهدر وقته.
توقف عند بائع يبيع الخبز، واشترى قطعة صغيرة، ثم جلس في ظل أحد المباني ليتناولها.
كان يستطيع العودة إلى المخزن الذي عمل فيه سابقًا، لكنه لم يرد أن يكرر البحث نفسه في كل يوم دون أن يغير شيئًا في طريقته.
وبينما كان يفكر، تذكر مدرسة السور الشرقي.
لم يكن قد عاد إليها منذ آخر مرة ساعد فيها في ترتيب المعدات. وربما لم تكن تحتاج إلى عمال بصورة دائمة، لكنه عرف أن المدرسة تستخدم المعدات باستمرار، وأن أعمال الصيانة والترتيب لا تنتهي تمامًا.
نهض، واتجه نحوها.
---
عندما وصل إلى مدرسة السور الشرقي، وجد رجلًا يحمل صندوقًا خشبيًا أمام البوابة. كان الصندوق أكبر من أن يحمله شخص واحد بسهولة، وقد وضعه الرجل على الأرض ليلتقط أنفاسه.
تقدم تانغ شين وسأله:
«هل تحتاج إلى مساعدة؟»
نظر إليه الرجل، ثم أشار إلى الصندوق.
«ساعدني في نقله إلى المخزن الداخلي.»
أمسك تانغ شين بأحد طرفيه، وانتظر حتى اتفقا على طريقة الرفع، ثم حملاه معًا إلى الداخل.
لم يكن الصندوق ثقيلًا إلى درجة تعجزه، لكنه احتاج إلى الانتباه حتى لا يختل توازنه أثناء الحركة.
بعد أن وضعاه في مكانه، شكره الرجل، ثم سأله:
«ألم تعمل هنا من قبل؟»
«نعم، ساعدت في ترتيب بعض المعدات قبل عدة أيام.»
أومأ الرجل.
«أذكر أنك كنت تعمل بهدوء ولم تتسبب في فوضى. هل تبحث عن عمل؟»
أجاب تانغ شين:
«نعم. أريد عملًا أستطيع الاستمرار فيه، إن كانت لديكم حاجة إلى ذلك.»
فكر الرجل قليلًا، ثم قال:
«أنا مسؤول عن بعض شؤون المخزن والصيانة. لا أستطيع أن أعدك بعمل دائم، لكن لدينا أعمال تتكرر، وقد نحتاج إلى شخص يساعدنا في الأيام التي تكثر فيها المهام. سأخبر تشو هان عندما أراه.»
لم يكن هذا العرض كافيًا ليحل مشكلته، لكنه كان أفضل من الرفض المباشر.
شكره تانغ شين، ثم سأله إن كان يستطيع العودة في اليوم التالي لمعرفة ما إذا كانت هناك مهمة متاحة.
وافق الرجل.
غادر تانغ شين المدرسة وهو يشعر أن بحثه بدأ يعطي نتيجة صغيرة، وإن لم تكن النتيجة التي يريدها بعد.
---
في اليوم التالي، عاد في الوقت الذي حدده له الرجل.
وجد تشو هان قرب المخزن، يتفحص بعض الأدوات الخشبية التي تحتاج إلى إصلاح. كان الرجل الآخر قد أخبره بوصول تانغ شين، ولذلك لم يحتج الفتى إلى شرح طويل.
قال تشو هان:
«لدينا اليوم عمل يكفي شخصًا إضافيًا. ستساعد في نقل المعدات التي لا نحتاج إليها في الساحة، ثم ترتب الأدوات السليمة في المخزن. أما الأشياء المتضررة، فلا تحاول إصلاحها بنفسك.»
وافق تانغ شين، وبدأ العمل.
كانت المهمة هذه المرة أطول من المهام السابقة. احتاج إلى نقل عدد من الصناديق، وتنظيف الرفوف، وفرز الأدوات بحسب حالتها. لكنه كان يعرف أن العمل المنظم يوفر الوقت، ولذلك لم يندفع إلى حمل كل شيء دفعة واحدة.
وفي أثناء الترتيب، وجد عصًا خشبية طويلة ذات سطح خشن، وبجوارها عدة قطع أقصر متشابهة الشكل.
أمسك بإحداها ليتفحصها، ثم سمع صوت تشو هان خلفه:
«ضعها في ذلك الرف. هذه الأدوات ليست مخصصة للبيع، بل نستخدمها في بعض التمارين.»
وضعها تانغ شين في مكانها كما طُلب منه.
كان يريد أن يسأل عن كيفية استخدامها، لكنه تراجع عن ذلك. لم يكن يريد أن يحول كل مهمة عمل إلى درس، خصوصًا أنه لم ينهِ مهمته بعد.
وعندما انتهى من ترتيب الأدوات، جاء تشو هان ليفحص العمل.
تأكد من أن المعدات السليمة وُضعت في أماكنها، وأن القطع المتضررة جُمعت جانبًا، ثم قال:
«عمل جيد. يمكنك الحصول على أجرك من المسؤول عن المخزن.»
تردد تانغ شين قليلًا قبل أن يسأل:
«هل تتكرر مثل هذه الأعمال كثيرًا؟»
أجاب تشو هان:
«بحسب الحاجة. ليست لدينا مهمة كل يوم، لكن إذا استمررت في أداء عملك بهذه الطريقة، فقد نطلب منك المساعدة مرة أخرى.»
لم يكن وعدًا بوظيفة ثابتة، لكنه كان احتمالًا حقيقيًا.
قال تانغ شين:
«سأكون مستعدًا إذا احتجتم إليّ.»
ثم غادر بعد أن قبض أجره.
---
لم يذهب إلى النُزل مباشرة.
فقد كان قد وعد نفسه بأن يستفيد من أي فرصة لمشاهدة التدريب بعد إنهاء عمله، ما دام ذلك لا يتعارض مع قواعد المدرسة.
سأل المسؤول عن الزوار، فسمح له بالوقوف في المكان المخصص للمشاهدة لفترة قصيرة.
في الساحة، كان تشو هان يشرف على مجموعة من المتدربين الذين يتعلمون كيفية تثبيت أجسادهم أثناء الحركة. لم تكن التمارين معقدة، لكنها تطلبت تكرارًا مستمرًا.
كان أحد المتدربين ينجح في تنفيذ الحركة عندما يؤديها ببطء، لكنه يفقد توازنه كلما زاد سرعته.
اقترب منه تشو هان وقال:
«لا ترفع السرعة قبل أن تستطيع الحفاظ على وضعك. السرعة التي تجعلك تفقد السيطرة ليست تقدمًا.»
أعاد المتدرب الحركة ببطء، ثم كررها مرة أخرى.
راقب تانغ شين المشهد وهو يتذكر محاولاته السابقة. لقد كان في بعض الأحيان يزيد سرعة الحركة لأنه يظن أن البطء علامة على الضعف، مع أن جسده لم يكن قد اعتاد عليها بعد.
أدرك أن التدريب الجيد لا يقوم على بذل الجهد وحده، بل على اختيار مقدار الجهد الذي يستطيع المرء الاستفادة منه.
ظل يتابع حتى انتهت الفترة المسموح بها، ثم غادر الساحة.
لم يتحدث إلى تشو هان عن التدريب، ولم يطلب منه درسًا إضافيًا. كان قد حصل على فرصة للعمل والمشاهدة، ولم يكن يريد أن يثقل على من سمح له بذلك.
---
في المساء، عاد تانغ شين إلى النُزل، وأخرج الحجر الرمادي.
قال:
«وجدت فرصة أخرى للعمل في مدرسة السور الشرقي. لا أستطيع الاعتماد عليها كل يوم، لكنها قد تتكرر.»
أجاب الحجر:
«وهل ستكفيك؟»
«ليس وحدها. لكنني سأستمر في البحث عن عمل آخر، وإذا استطعت الجمع بينهما فسأحصل على دخل أفضل.»
ثم أخرج كتيبه المستعمل.
«كما أنني بدأت أفهم بعض أخطائي أثناء التدريب. عندما أزيد السرعة قبل أن أتمكن من الحفاظ على توازني، تصبح الحركة أسوأ بدل أن تصبح أفضل.»
قال الحجر:
«إذن، تعلمت شيئًا من مشاهدة الآخرين.»
«تعلمت أنني لا أعرف بقدر ما كنت أظن.»
لم يرد الحجر على الفور.
ثم قال:
«معرفة حدود معرفتك أفضل من أن تظن أنك أتقنت ما لا تفهمه.»
أومأ تانغ شين، ووضع الكتيب أمامه.
كان يريد أن يصبح أقوى، لكنه بدأ يدرك أن الرغبة وحدها لا تختصر الطريق. فكل خطوة تحتاج إلى أساس، وكل أساس يحتاج إلى وقت حتى يستقر.
فتح الصفحة التي تشرح الوقفة، وبدأ التدريب.
ثبت قدميه أولًا، ثم تحرك ببطء، محافظًا على توازنه. بعد ذلك، نفذ اللكمة المستقيمة، وأعاد قبضته إلى موضعها دون أن يميل بجذعه. وأخيرًا، تدرب على التراجع الدفاعي، ثم توقف ليتأكد من قدرته على الحركة مرة أخرى.
لم تكن هناك زيادة مفاجئة في قوته، ولم يشعر بأن جسده أصبح مختلفًا بعد بضعة تمارين.
لكنه بدأ يلاحظ أن بعض الحركات التي كانت تربكه سابقًا أصبحت أسهل في الفهم، وأنه صار قادرًا على اكتشاف بعض الأخطاء قبل أن يكررها مرات كثيرة.
كان هذا تقدمًا بطيئًا، لكنه حقيقي.
---
في الأيام التالية، عاد تانغ شين إلى مدرسة السور الشرقي كلما أُخبر بوجود عمل. وفي الأيام التي لم يجد فيها مهمة، كان يبحث في السوق والمخازن عن فرص أخرى.
لم يصبح عاملًا دائمًا في المدرسة، ولم يُسمح له بالمشاركة في التدريب الرسمي. لكنه استطاع أن يحافظ على علاقة عمل بسيطة مع المسؤولين، وأصبح اسمه معروفًا لديهم بوصفه عاملًا يؤدي مهمته دون إهمال.
وكان ذلك مهمًا في مدينة لا يعرف فيها أحدًا.
فالثقة لا تأتي بمجرد طلبها، بل تتكون من تكرار التصرفات الصغيرة التي تثبت أن المرء جدير بالاعتماد عليه.
وفي أحد الأيام، بينما كان ينقل بعض المعدات إلى المخزن، سمع متدربين يتحدثان عن الرسوم المطلوبة للالتحاق بالمدرسة.
ذكر أحدهما أن التدريب المنتظم يستهلك وقتًا طويلًا، وأن بعض المتدربين يضطرون إلى التخلي عن أعمالهم السابقة حتى يستطيعوا الالتزام بالمواعيد.
أما الآخر فقال إن المدرسة توفر للمتدربين برنامجًا منظمًا، لكن من لا يملك المال الكافي قد يجد صعوبة في الاستمرار.
لم يتدخل تانغ شين في حديثهما، لكنه حفظ الكلمات في ذهنه.
كان هذا يؤكد ما عرفه من قبل: حتى لو جمع رسوم البداية، فلا بد أن يضمن قدرته على دفع نفقات المعيشة ومواصلة التدريب.
لم يكن يريد أن يدخل مدرسة ثم يضطر إلى تركها بعد فترة قصيرة لأنه لم يعد يملك ما يأكله.
لذلك، قرر أن يواصل الادخار، وأن يتعلم ما يستطيع في الوقت الحالي، حتى تصبح لديه فرصة أفضل للالتحاق بتدريب منتظم.
---
في نهاية أحد الأيام، جلس تانغ شين في غرفته الصغيرة، وأخرج النقود التي جمعها خلال الفترة الماضية.
رتبها أمامه، وعدها مرتين، ثم أعادها إلى كيسه.
لم يكن المبلغ كافيًا للرسوم التي طلبتها المدرسة الأولى، لكنه كان أكبر مما امتلكه عندما غادر قرية ضباب القمر.
وضع الكيس جانبًا، ثم نظر إلى الحجر الرمادي.
«لم أصل إلى ما أريده بعد، لكنني على الأقل لم أعد أبدأ من الصفر كل يوم.»
قال الحجر:
«هذا لأنك بدأت تبني شيئًا يمكن أن يستمر.»
فكر تانغ شين في العبارة قليلًا.
كان صحيحًا أن دخله لا يزال غير ثابت، وأن تدريبه محدود، وأنه لم يقترب من بلوغ رتبة الفنان القتالي الثالث. ومع ذلك، صار يملك بعض النقود، وكتابًا يتعلم منه، وأماكن يمكنه أن يبحث فيها عن العمل، وفرصة متواضعة لمشاهدة التدريب.
لم تكن هذه الأشياء كافية لتجعله قويًا، لكنها جعلت طريقه أوضح.
قال:
«سأستمر حتى أجد فرصة أفضل.»
لم يقدم الحجر وعدًا، ولم يخبره أن النجاح ينتظره في نهاية الطريق.
اكتفى بالصمت.
أعاد تانغ شين الحجر إلى حقيبته، ثم تمدد على سريره الخشبي ليستريح قبل يوم جديد.
كان يعرف أن الغد قد يحمل عملًا أو رفضًا، وأن بعض الأيام ستنتهي دون أن يحقق فيها شيئًا مهمًا.
لكنه لم يعد ينظر إلى كل يوم خالٍ من النتائج باعتباره نهاية الطريق.
فما دام يستطيع الحفاظ على ما تعلمه، وجمع بعض المال، والبحث عن فرص جديدة، فإنه يملك سببًا للاستمرار.
وفي مدينة النهر الهادئ، حيث تتنافس المدارس والمتاجر والعمال على الوقت والموارد، لم يكن تانغ شين يملك امتيازًا يمنحه مكانًا بين الأقوياء.
كان عليه أن يصنع مكانه خطوة بعد خطوة.
ولم تكن الخطوة التالية قد ظهرت بعد، لكن هذه المرة كان مستعدًا للبحث عنها بدل انتظارها.