الفصل 18
لم يبدأ تانغ شين يومه التالي بالتوجه إلى مدرسة السور الشرقي.
كان قد تعلم خلال الأيام الماضية أن الاعتماد على فرصة واحدة لا يكفي لتأمين الطعام والمبيت، وأن الوقت الذي يقضيه في انتظار عمل جديد قد يساوي أجر يوم كامل إذا أحسن استغلاله.
لذلك، قرر أن يبدأ من المكان الذي عرفه جيدًا خلال عمله الأخير: مخزن التاجر الذي يزود مدارس فنون القتال ببعض مستلزماتها.
وصل إلى المخزن مع بداية الصباح، حين كان العمال يفتحون الأبواب الخشبية الكبيرة، وتدخل العربات المحملة بالبضائع تباعًا. كانت رائحة الخشب والزيوت والغبار تملأ المكان، بينما ارتفعت أصوات العمال وهم يتبادلون التعليمات حول تفريغ الحمولة وترتيب الصناديق.
تقدم تانغ شين نحو المشرف الذي سبق أن عمل تحت إمرته.
كان الرجل يقف بجوار دفتر الحسابات، يقلب صفحاته بملل ظاهر، قبل أن يرفع عينيه نحو الفتى.
«أنت مجددًا؟»
أومأ تانغ شين.
«إذا كانت لديكم أعمال اليوم، فأنا مستعد.»
نظر المشرف إليه لحظة، ثم أشار إلى مجموعة من الصناديق المكدسة قرب الجدار.
«كان من المفترض أن تصل شحنة من أدوات التدريب هذا الصباح، لكن العربة تأخرت. لدينا بدلًا منها بضائع وصلت ليلًا ولم تُرتب بعد. ساعد في فرزها، وسأحسب لك أجر نصف يوم إذا أنهيت المطلوب قبل الظهيرة.»
لم يعترض تانغ شين على قلة الأجر.
كان نصف يوم من العمل أفضل من قضاء الصباح كله في البحث عن فرصة قد لا تأتي.
خلع سترته الخارجية ووضعها جانبًا، ثم بدأ العمل.
لم تكن الصناديق متشابهة. بعضها يحتوي على عصي خشبية للتدريب، وبعضها على ألواح تستخدم في تمارين التوازن، بينما ضمت صناديق أخرى أحزمة قماشية ولفائف لتثبيت المعصمين والكاحلين أثناء التدريب.
كان عليه أن يفتح كل صندوق، ويتحقق من محتوياته، ثم يضعه في القسم المناسب وفق العلامات المكتوبة على جوانبه.
عمل بهدوء، مستفيدًا من خبرته السابقة في ترتيب البضائع. لكنه لاحظ بعد فترة أن عددًا من الصناديق يحمل العلامة نفسها، مع أن أحجامها ومحتوياتها مختلفة.
في البداية، ظن أن الأمر مجرد اختلاف في طريقة التغليف.
إلا أنه حين فتح صندوقًا يحمل علامة أدوات التوازن، وجد داخله عصيًا خشبية قصيرة بدلًا من الألواح التي يفترض أن يحتويها.
توقف لحظة، ثم راجع العلامة المكتوبة على الصندوق المجاور.
كانت مختلفة.
أعاد النظر إلى الصندوق الأول، وتأكد من أنه لم يخلط بين الرموز.
لم يكن الخطأ كبيرًا في ذاته، لكنه قد يسبب مشكلة إذا وصلت البضائع إلى وجهتها دون مراجعة. فمدرسة تنتظر ألواح التوازن لن تستفيد من تسلم مجموعة من العصي بدلًا منها، حتى لو كانت قيمة البضائع متقاربة.
استدعى المشرف.
«سيدي، أظن أن هناك خطأ في تصنيف بعض الصناديق.»
اقترب الرجل، وانحنى ليفحص العلامات.
«ما الذي تقصده؟»
شرح تانغ شين ما وجده، ثم أشار إلى الصندوقين.
فتح المشرف كليهما، وتغير تعبيره قليلًا.
«أكمل الفرز، لكن لا تنقل هذين الصندوقين إلى قسم التسليم. سأراجع بقية الحمولة بنفسي.»
ثم استدار نحو أحد العمال وناداه بصوت مرتفع:
«أحضر دفتر الشحنة الأخيرة!»
عاد تانغ شين إلى عمله، لكنه لم يستطع تجاهل ما حدث تمامًا.
لم يكن من عادته التدخل في شؤون لا تخصه، ولا يملك خبرة تسمح له بالحكم على طبيعة الخطأ. ومع ذلك، فقد بدا له أن المشكلة تستحق المراجعة، خصوصًا أن الصناديق لم تكن قد وصلت إلى أصحابها بعد.
واصل العمل حتى انتهى من ترتيب القسم الأول.
وبعد قليل، وصل رجل يرتدي ثيابًا أنيقة نسبيًا، يتبعه عامل يحمل دفترًا جلديًا. لم يكن الرجل يبدو كأحد عمال المخزن، فقد كانت ملابسه نظيفة، وعلى خصره كيس صغير لحفظ النقود.
توجه مباشرة إلى المشرف.
«هل انتهيتم من تجهيز شحنة مدرسة السور الشرقي؟»
أجابه المشرف بحذر:
«ليس بعد. ظهرت مشكلة في تصنيف بعض الصناديق، ونحن نراجعها الآن.»
قطب الرجل حاجبيه.
«أي مشكلة؟ لقد اتفقنا على تسليم الشحنة كاملة قبل الظهيرة.»
«هناك بضائع لا تتطابق علاماتها مع محتوياتها.»
فتح الرجل فمه ليرد، لكنه توقف حين وقعت عيناه على الصناديق المفتوحة.
«هذا غير مقبول. إذا تأخر التسليم، فستتحملون مسؤولية التأخير.»
لم يبدُ المشرف سعيدًا بكلامه، لكنه لم يرد بالمثل.
«لن نسلّم بضائع غير مطابقة للطلب. نحتاج إلى معرفة مصدر الخطأ أولًا.»
أخذ الرجل نفسًا عميقًا، ثم التفت إلى العامل المرافق له.
«راجع أرقام الصناديق في الدفتر.»
بدأ العامل يقارن العلامات المكتوبة على الصناديق بما ورد في السجلات. وبعد دقائق، اكتشف أن المشكلة لم تقتصر على صندوقين، بل ظهرت اختلافات في عدة صناديق أخرى.
أصبح النقاش أكثر جدية.
لم يكن أحد يعرف بعد ما إذا كان الخطأ قد وقع أثناء التعبئة، أم خلال نقل البضائع، أم عند تسجيلها في الدفتر. لكن الأمر المؤكد أن الشحنة لن تُسلّم كما هي.
وقف تانغ شين على مسافة مناسبة، يواصل عمله دون أن يتدخل في الحديث.
لم يكن لديه سبب ليضع نفسه في مواجهة رجل يملك سلطة على الصفقة، كما أن مهمته كانت ترتيب البضائع لا التحقيق في مصدر الأخطاء.
ومع ذلك، لاحظ شيئًا آخر.
كانت الصناديق التي ظهرت فيها الاختلافات متباعدة في المخزن، لكنها تحمل أرقامًا متقاربة. أما الصناديق التي وصلت في الدفعة نفسها ولم يظهر فيها خطأ، فكانت أرقامها مختلفة.
لم يستطع استنتاج شيء مؤكد من ذلك وحده.
فقد تكون الأرقام قد سُجلت بترتيب مختلف، أو ربما جُمعت البضائع من أكثر من جهة قبل وصولها إلى المخزن.
لم يكن يعرف نظام الشحن بما يكفي ليحكم على الأمر.
لكنه احتفظ بالملاحظة في ذهنه.
---
قرب الظهيرة، انتهى المشرف من مراجعة السجلات الأولية.
تبين أن جزءًا من الشحنة لا يطابق قائمة التسليم، ولذلك تقرر عزل الصناديق المشكوك فيها إلى حين مراجعة الدفاتر الأصلية والتواصل مع الجهة التي أرسلتها.
لم يتهم أحد العمال بالسرقة أو التلاعب.
فالمعلومات المتاحة لم تكن كافية لتحديد المسؤولية، وكان إطلاق الاتهامات قبل التحقق منها سيزيد المشكلة تعقيدًا.
أما الرجل الذي جاء لمتابعة التسليم، فلم يكن راضيًا عن التأخير، لكنه اضطر إلى قبول تأجيل التسليم حتى تُحسم المسألة.
وقبل أن يغادر، قال للمشرف:
«أريد جوابًا واضحًا قبل نهاية اليوم. إذا كان الخطأ من عندكم، فلن نقبل أن تتحمل المدرسة خسارته.»
أجابه المشرف:
«سنراجع الأمر، وسنقدم لك ما تثبته السجلات.»
غادر الرجل، وبقي العمال يتبادلون النظرات.
لم يكن تأخير شحنة واحدة كافيًا لإحداث أزمة كبيرة، لكنه كان يعني أن عليهم مراجعة عدد من الأعمال التي ظنوا أنها انتهت بالفعل.
اقترب المشرف من تانغ شين، الذي كان يعيد الأغطية إلى الصناديق السليمة.
«أنت من لاحظ الاختلاف أولًا، أليس كذلك؟»
«نعم. وجدت أن محتويات بعض الصناديق لا تتوافق مع العلامات المكتوبة عليها.»
«هل فتحت غيرها قبل أن تخبرني؟»
«فتحت الصناديق التي كُلّفت بفرزها فقط. عندما وجدت الاختلاف، توقفت عن نقلها إلى قسم التسليم.»
أومأ المشرف ببطء.
«تصرفت على نحو صحيح. لو أنك نقلتها إلى الخارج، لكان من الصعب معرفة أين وقع الخطأ.»
ثم أخرج بعض العملات ووضعها في يد تانغ شين.
«هذا أجرك عن الصباح.»
عدّ تانغ شين العملات بسرعة، وتأكد من المبلغ قبل أن يحفظه في كيسه.
كان الأجر متواضعًا، لكنه سيغطي طعامه ومبيته، وربما يبقى منه شيء قليل.
استدار ليغادر، إلا أن المشرف ناداه مرة أخرى.
«انتظر. إذا كنت متفرغًا غدًا، فقد أحتاج إلى من يساعدني في مراجعة البضائع قبل إرسالها. لا أستطيع أن أعدك بعمل يومي، لكنني سأخبرك إن احتجت إليك.»
لم يظهر تانغ شين حماسة مبالغًا فيها.
«سأمر من هنا صباحًا.»
كان يعرف أن عرضًا كهذا لا يعني حصوله على وظيفة ثابتة. ربما احتاج إليه المشرف يومًا واحدًا، وربما لم يحتج إليه مجددًا. ومع ذلك، كانت هذه أول مرة يحصل فيها على فرصة إضافية بسبب شيء فعله أثناء العمل، لا لمجرد قدرته على حمل الصناديق.
غادر المخزن وهو يفكر في الأمر.
لقد اكتشف أن قيمة العامل لا تقتصر على القوة التي يستطيع بذلها في العمل، بل قد تظهر أيضًا في الانتباه إلى التفاصيل، والالتزام بالمهمة، وعدم التسرع في اتخاذ قرار لا يملك معلومات كافية عنه.
كانت تلك أمورًا بسيطة، لكنها قد تمنحه فرصًا أفضل مع مرور الوقت.
ولم يكن ذلك بعيدًا عن طريقه في فنون القتال.
ففي التدريب، لا تكفي القوة وحدها. قد يؤدي شد العضلات أكثر من اللازم إلى إفساد الحركة، وقد يؤدي التسرع إلى فقدان التوازن، وقد تجعل الملاحظة الصغيرة الفرق بين حركة مستقرة وأخرى لا يستطيع الممارس التحكم فيها.
لم يكن قد أتقن حتى الأساسيات، لكنه بدأ يفهم أن التقدم لا يعتمد دائمًا على بذل جهد أكبر، بل على معرفة الموضع الذي ينبغي أن يبذل فيه الجهد.
---
بعد أن تناول وجبة بسيطة في أحد الأكشاك، اتجه تانغ شين إلى مدرسة السور الشرقي.
لم يكن يتوقع أن يتلقى تدريبًا جديدًا، لكنه أراد أن يستغل ما تبقى من النهار في ممارسة الحركات التي تعلمها.
وصل إلى المدرسة فوجد عددًا من المتدربين في الساحة، بينما كان بعضهم ينقلون أدوات التدريب إلى الداخل. لم تكن هناك حصة مفتوحة للزوار في تلك الساعة، لذلك اكتفى تانغ شين بأداء العمل الصغير الذي اتفق عليه مع أحد العاملين، ثم وقف في المكان المخصص للمشاهدة حين سنحت له الفرصة.
كان تشو هان يشرف على مجموعة من المتدربين.
أحدهم كان يكرر اللكمة المستقيمة، لكنه يرفع كتفه بقوة كلما مد ذراعه. أوقفه تشو هان، وطلب منه أن يعيد الحركة ببطء.
«لا تجعل كتفك يقود الحركة وحده. ثبّت وقفتك أولًا، ثم دع الذراع تتحرك ضمن التوازن الذي صنعته. إذا فقدت استقرارك عند كل لكمة، فلن ينفعك أن تكون أسرع من خصمك بنصف لحظة.»
أعاد المتدرب الحركة، فبدت أكثر اتزانًا، وإن لم تكن مثالية.
راقب تانغ شين التفاصيل التي أشار إليها المدرب، ثم انتظر حتى انتهت المجموعة من التدريب قبل أن يذهب إلى جانب الساحة.
بدأ بوقفة التدريب.
ثبت قدميه، وأرخى كتفيه، وحاول ألا يشد عضلات جسده كلها كما كان يفعل في الأيام الأولى. ثم نقل وزنه قليلًا إلى الأمام، وعاد إلى وضعه السابق دون أن يرفع قدمه عن الأرض إلا بالقدر الضروري.
كرر الحركة مرات عدة.
في المحاولات الأولى، كان يميل بجذعه أكثر مما ينبغي. وحين حاول تصحيح ذلك، بالغ في إرجاع كتفيه إلى الخلف، فشعر بأن توازنه أصبح أسوأ.
توقف، وأعاد الوقفة من البداية.
لم يحاول إكمال عدد محدد من التكرارات بأي ثمن. كان يدرك أن تكرار حركة خاطئة قد يجعل تصحيحها أصعب لاحقًا، حتى لو شعر بأنه بذل جهدًا أكبر.
انتقل بعد ذلك إلى اللكمة المستقيمة.
لم يضرب بقوة، بل ركز على ترتيب الحركة: ثبات القدمين، واستقرار الجذع، ثم امتداد الذراع وعودتها إلى موضعها.
كانت اللكمة بطيئة، ولم يكن لها تأثير يذكر لو وُجهت إلى خصم حقيقي. لكنه لم يكن يتدرب على الفوز في معركة بعد؛ كان يحاول أن يجعل جسده يفهم حركة بسيطة يستطيع تكرارها دون أن يفقد توازنه.
وبعد عدة محاولات، سمع صوتًا من خلفه.
«أنت تراقب كتفك أكثر مما تراقب وقفتك.»
التفت، فوجد تشو هان واقفًا على مسافة قصيرة.
اعتدل تانغ شين فورًا.
«كنت أحاول ألا أرفعه أكثر من اللازم.»
«وهذا جيد، لكنك جعلت انتباهك كله منصبًا على كتفك. الحركة لا تتكون من جزء واحد. إذا أصلحت موضعًا وأهملت بقية جسدك، فقد تنشأ مشكلة أخرى.»
أشار تشو هان إلى قدميه.
«ابدأ من هنا. اجعل قدميك ثابتتين بما يكفي، دون أن تحبسهما في الأرض. ثم حرّك ذراعك مع المحافظة على استقرار الجذع. لا تحاول أن تجعل كل جزء مثاليًا وحده؛ ابحث عن حركة تستطيع فيها الأجزاء أن تعمل معًا.»
أومأ تانغ شين، ثم أعاد الوقفة.
راقبه تشو هان لحظات، قبل أن يشير إلى تعديل بسيط في موضع قدمه الخلفية.
«جرّب الآن.»
نفذ تانغ شين الحركة مرة أخرى.
لم تتحول اللكمة فجأة إلى حركة قوية، لكنه شعر بأن جسده لم يعد يميل بالقدر نفسه عند امتداد الذراع.
«أفضل قليلًا»، قال تشو هان. «لكن لا تخلط بين فهم التصحيح وإتقانه. ستحتاج إلى تكراره حتى تستطيع الحفاظ على الوضع الصحيح عندما تتعب.»
ثم ابتعد ليواصل الإشراف على المتدربين.
لم يطلب من تانغ شين البقاء، ولم يعطه موعدًا لتدريب خاص، ولم يتعامل معه بوصفه تلميذًا. كانت مجرد ملاحظة عابرة قدمها لشخص رآه يحاول تصحيح خطئه.
لكن تانغ شين لم يعتبرها أمرًا تافهًا.
فالمعلومة الصغيرة التي يعرف كيف يستخدمها أفضل من مجموعة من النصائح التي لا يستطيع تطبيقها.
واصل التدريب مدة قصيرة، ثم انتقل إلى التراجع الدفاعي. خطوة إلى الخلف، مع الحفاظ على توازن الجسد ورفع الذراعين في وضع يسمح له بحماية الجزء العلوي من جسمه.
كان يخطئ أحيانًا فيعيد قدميه إلى موضع غير مناسب، فيضطر إلى تصحيح وقفته قبل أن يبدأ من جديد.
ولم يحاول تحويل الحركة إلى استعراض سريع.
كان يعرف أن ما يتعلمه الآن لا يجعله فنانًا قتاليًا، ولا يمنحه قدرة على مواجهة المتدربين الذين أمضوا سنوات في المدارس. إنه لا يزال فتى يتعلم كيف يقف ويتحرك، ويحتاج إلى الكثير من التدريب قبل أن يصبح قادرًا على استخدام هذه الأساسيات تحت الضغط.
وعندما انتهى، كانت الشمس قد مالت نحو الغرب.
جمع أغراضه، وغادر المدرسة عائدًا إلى النزل.
---
في غرفته الصغيرة، أخرج تانغ شين العملات التي كسبها خلال اليوم، ووضعها فوق الطاولة الخشبية.
لم يكن المبلغ كبيرًا، لكنه لم يعد صفرًا.
أعاد حساب نفقات الطعام والمبيت، ثم خصص جزءًا صغيرًا لما قد يحتاج إليه من مستلزمات التدريب. لم يكن يستطيع شراء أدوات جيدة، ولا دفع رسوم مدرسة، لكنه بدأ يدرك أن عليه تقسيم ماله وفق أولوياته بدلًا من إنفاقه كلما سنحت له فرصة.
بعد ذلك، أخرج كتيب فنون القتال المستعمل الذي اشتراه من قبل.
كانت صفحاته قديمة، وبعض الرسوم غير واضحة، لكنه لم يكن يملك بديلًا أفضل. فتح الصفحة التي تتناول الوقفة الأساسية، وقارن الرسم بما تدرب عليه في الساحة.
لم تكن كل التفاصيل مشروحة، كما أن الكتيب لم يوضح كيفية تصحيح الأخطاء الشائعة. ومع ذلك، استطاع أن يربط بين بعض الكلمات والحركات التي شاهدها في المدرسة.
توقف عند فقرة قصيرة تتحدث عن التوازن، ثم قرأها مرة أخرى.
كان يعرف أن قراءة الكلمات وحدها لن تمنحه المهارة. لكنه إذا استطاع فهم ما يقرأه، ومقارنته بما يفعله جسده، فقد يتمكن من استخراج فائدة أكبر من هذا الكتيب البسيط.
أغلق الكتاب، ثم نظر إلى الحجر الرمادي الموضوع قرب وسادته.
«مرحبًا أيها الحجر.»
جاءه الرد بعد لحظات:
«مرحبًا.»
فكر تانغ شين قليلًا، ثم قال:
«هل تستطيع معرفة سبب اختلاف محتويات الصناديق عن العلامات المكتوبة عليها؟»
ساد الصمت لبرهة.
ثم أجاب الحجر:
«لا أستطيع معرفة ما حدث في مكان لم أره، ولا أملك معلومات عن تلك الشحنة. يمكنني مساعدتك في فهم ما تخبرني به، لكنني لا أستطيع تحويل الاحتمالات إلى حقائق.»
لم يتفاجأ تانغ شين.
كان قد سأل لأنه أراد التأكد من حدود ما يمكن للحجر معرفته، لا لأنه توقع أن يكشف له سرًا خفيًا.
«إذًا، لا تستطيع معرفة ما إذا كان الخطأ مقصودًا؟»
«ليس من المعلومات التي ذكرتها وحدها.»
أخذ تانغ شين الحجر ووضعه بين كفيه.
لم يكن الأمر يحتاج إلى معرفة خارقة حتى يفهمه. فوجود اختلاف في البضائع قد يكون نتيجة خطأ في التعبئة، أو نقل غير دقيق، أو تسجيل خاطئ، أو فعل متعمد. لكن اختيار احتمال واحد دون دليل لن يجعله حقيقة.
قال في نفسه إن عليه أن يتذكر ذلك إذا واجه مشكلة مشابهة مرة أخرى.
ثم أعاد الحجر إلى الطاولة، وفتح الكتيب من جديد.
كانت هناك أمور كثيرة لا يعرفها: كيف يتعلم فنون القتال بطريقة صحيحة، وكيف يكسب ما يكفي لدفع رسوم التدريب، وكيف يحصل على كتب أفضل، وكيف يستطيع الانتقال من مجرد تقليد الحركات إلى فهمها وإتقانها.
لم يكن لديه جواب جاهز لأي من هذه الأسئلة.
لكنه لم يعد يرى ذلك سببًا للتوقف.
ففي الصباح، سيعود إلى المخزن ليرى إن كان المشرف سيحتاج إليه. وبعد ذلك، سيحاول تخصيص وقت للتدريب، ولو كان قصيرًا.
أما مشكلة الشحنة، فستظل شأنًا يخص التجار والمخزن حتى تظهر معلومات جديدة.
لم يكن تانغ شين يملك القوة أو المكانة التي تسمح له بحل مشكلات الآخرين، ولم يكن يريد أن يتدخل في أمر لا يفهمه.
كان هدفه أبسط من ذلك بكثير.
أن يكسب رزقه، وأن يتعلم ما يستطيع تعلمه، وأن يجعل يومه التالي أفضل قليلًا من اليوم الذي سبقه.
وفي مدينة النهر الهادئ، حيث تتقاطع مصالح التجار والمدارس وأصحاب الأعمال الصغيرة، كانت مشكلة واحدة في مخزن كافية لتذكير من يعملون فيه بأن الأخطاء البسيطة قد تنتقل من يد إلى أخرى، حتى تصبح خسارتها أكبر مما توقعه أحد.
لكن تانغ شين لم يكن يعرف بعد ما إذا كانت مشكلة الشحنة ستنتهي عند هذا الحد.
ولم يكن لديه سبب ليفترض أنها ستتحول إلى شيء أكبر.
أطفأ المصباح، واستلقى على فراشه الضيق.
غدًا، سيبدأ يومًا جديدًا.
وكان عليه أن يكون مستعدًا له، لا أن ينتظر أن يصبح العالم مستعدًا لمنحه فرصة.