الفصل 14
مرّت عدة أيام منذ بدأ تانغ شين العمل في مخازن مدينة النهر الهادئ ومتجر معدات التدريب، ولم يتغير شيء جوهري في حياته.
كان يستيقظ مبكرًا، ويبحث عن عمل، ثم يستغل ما تبقى من وقته لمراجعة أساسيات فنون القتال. أما النقود التي جمعها، فكان يحتفظ بمعظمها بعد دفع نفقات الطعام والمبيت.
لم يكن المبلغ كبيرًا، لكنه كان يعرف أن إنفاقه على رسوم مدرسة لا يستطيع إكمال التدريب فيها سيكون أسوأ من الانتظار قليلًا.
ومع مرور الأيام، بدأ يلاحظ أمرًا آخر.
لم تكن جميع الأعمال المؤقتة متساوية في فائدتها. فبعضها يستهلك يومه كاملًا مقابل أجر قليل، وبعضها يمنحه وقتًا قصيرًا يمكنه استغلاله في التدريب. وإذا أراد الاستمرار في الطريق الذي اختاره، فعليه ألا يبحث عن المال وحده، بل عن عمل يسمح له بالحفاظ على جزء من وقته أيضًا.
كان ذلك أسهل في التفكير منه في التنفيذ.
ففي صباح ذلك اليوم، ذهب إلى المخزن الذي اعتاد العمل فيه، لكنه وجد صاحبه يخبر العمال بأن البضائع لن تصل قبل الظهيرة. لم يكن هناك عمل متاح في الساعات الأولى، ولم يكن صاحب المخزن مستعدًا لدفع أجر مقابل الانتظار.
خرج تانغ شين دون اعتراض.
بدلًا من العودة إلى النُزل، قرر أن يمر على متجر معدات التدريب. ربما احتاج صاحبه إلى مساعد، وربما استطاع أن يجد عملًا آخر في الشارع نفسه.
لكن عندما وصل، وجد المتجر مزدحمًا بعدد من الزبائن، وكان صاحبه مشغولًا بحساب البضائع وتسليم الطلبات. انتظر تانغ شين قليلًا، ثم عرض مساعدته.
نظر الرجل إليه، وتذكر عمله السابق.
«أستطيع أن أعطيك بعض الأعمال، لكن ليس اليوم. لدي ما يكفيني من العمال حتى المساء.»
شكره تانغ شين، وكان على وشك المغادرة حين سمع أحد الزبائن يقول:
«إذا كنت تبحث عن عامل إضافي، فاسأل مدرسة السور الشرقي. سمعت أنهم يعيدون ترتيب مخازنهم، وقد يحتاجون إلى من ينقل المعدات القديمة.»
رفع صاحب المتجر رأسه.
«مدرسة السور الشرقي؟ أظن أنهم يبحثون بالفعل عن عمال مؤقتين.»
التفت تانغ شين إليهما.
«هل تعرفان مكانها؟»
أشار صاحب المتجر إلى نهاية الشارع، ثم أوضح له الطريق.
لم يسأل تانغ شين عن طبيعة المدرسة أو مستوى المتدربين فيها. كل ما عرفه أنها قد توفر له عملًا، وأن العمل ربما يسمح له بالتعرف إلى بيئة التدريب من الداخل.
وهذا كان كافيًا ليذهب ويستفسر.
---
لم تكن مدرسة السور الشرقي بعيدة عن السوق، لكنها لم تكن مثل المدرسة التي زارها تانغ شين في الأيام السابقة.
كان سورها أقل ارتفاعًا، وبوابتها أضيق، ولم تحمل واجهتها زخارف كثيرة. ومع ذلك، بدا المكان منظمًا؛ فقد خُصص جانب من المبنى للتدريب، وآخر لتخزين المعدات، بينما امتدت في الداخل ساحة واسعة تتسع لعدد من المتدربين.
وقف تانغ شين أمام البوابة، ثم تحدث إلى الرجل المسؤول عن استقبال الزوار.
«سمعت أنكم تحتاجون إلى عمال لنقل المعدات. هل ما زال العمل متاحًا؟»
تفحصه الرجل سريعًا.
«من أخبرك بذلك؟»
«صاحب متجر معدات التدريب في الشارع القريب.»
أومأ الرجل.
«نعم، نحتاج إلى عاملين أو ثلاثة لترتيب المخزن. لكن العمل مؤقت، والأجر يُحسب بحسب المهمة. هل سبق لك نقل البضائع؟»
«عملت في مخازن تجارية، ورتبت أنواعًا مختلفة من الصناديق.»
«حسنًا. انتظر هنا.»
دخل الرجل إلى المبنى، وترك تانغ شين واقفًا عند البوابة.
لم يحاول الفتى التسلل إلى الداخل أو التطلع إلى ما وراء الجدران. كان يعلم أن المدرسة مكان خاص، وأن وجوده هناك لا يمنحه حق التجول فيها.
بعد قليل، عاد الرجل برفقة شخص في منتصف العمر يرتدي ثيابًا بسيطة. كانت خطواته ثابتة، وبدت يداه معتادتين على العمل، لكن تانغ شين لم يستطع أن يحدد إن كان مقاتلًا قويًا أم مجرد موظف في المدرسة.
قال الرجل:
«هذا تشو هان، وهو يشرف على بعض الأعمال اليومية هنا. سيحدد لك المهمة إن اتفقتم.»
رفع تانغ شين عينيه نحو الرجل.
كان هذا أول لقاء مباشر بينهما.
نظر تشو هان إلى الفتى، ثم سأله:
«كم عمرك؟»
«نحو خمسة عشر عامًا.»
«وهل عملت من قبل في نقل المعدات الثقيلة؟»
«نقلت الصناديق والبضائع، لكنني لم أعمل في مدرسة فنون قتالية.»
لم يبدُ تشو هان منزعجًا من صراحته.
«لا مشكلة. ستنقل ما تستطيع حمله، ولن تلمس الأدوات التي لا تعرف كيفية التعامل معها حتى تسأل عنها. إذا أتلفت شيئًا بسبب الإهمال، فلن تحصل على أجر المهمة كاملة.»
وافق تانغ شين.
أشار تشو هان إلى المخزن الداخلي.
«تعال، سأريك ما نحتاج إلى ترتيبه.»
---
كان المخزن أكبر مما توقع تانغ شين، وممتلئًا بأدوات خشبية ومعدنية وصناديق تحتوي على معدات مختلفة.
لم تكن جميع الأشياء مخصصة للتدريب المباشر؛ بعضها أدوات لصيانة الساحة، وبعضها معدات تستخدم في التمارين، وبعضها مواد احتياطية لم يعرف تانغ شين وظيفتها.
شرح تشو هان المطلوب بوضوح.
كان عليه أن يفصل الأدوات الخشبية عن المعدنية، وأن يضع المعدات السليمة في أماكنها، ويترك الأشياء المتضررة جانبًا حتى يفحصها المسؤول عنها. أما القطع الثقيلة، فكان ممنوعًا عليه نقلها وحده.
بدأ تانغ شين العمل.
لم يكن سريعًا بصورة لافتة، لكنه كان حذرًا ومنظمًا. فحص العلامات الموجودة على الصناديق، وسأل قبل أن ينقل الأشياء التي لم يعرف وجهتها، ولم يحاول إثبات قوته بحمل ما يفوق قدرته.
لاحظ تشو هان ذلك، لكنه لم يمدحه.
كان الرجل قد رأى كثيرًا من العمال الذين يتعجلون العمل فيتسببون في الفوضى، ولذلك كان يفضل أن ينهي العامل مهمته دون أخطاء على أن ينهيها بسرعة ثم يضطر إلى إصلاح ما أفسده.
وبعد ساعة تقريبًا، سمع تانغ شين أصواتًا قادمة من الساحة المجاورة.
كانت أصوات أقدام تتحرك بتناغم، تتبعها أوامر قصيرة.
لم يستطع منع نفسه من النظر نحو الباب المفتوح.
في الساحة، كان عدد من المتدربين يقفون في صفوف. يشرف عليهم مدرب يطلب منهم تكرار حركة بسيطة، ثم يصحح مواضع أقدام بعضهم. لم تكن هناك ضربات مبهرة أو قفزات عالية؛ كان التدريب يدور حول التوازن، وثبات الجسد، والتحرك دون فقدان السيطرة.
عرف تانغ شين بعض الحركات التي شاهدها من قبل، لكنه لاحظ أيضًا اختلافات لم يفهم سببها.
كان أحد المتدربين يثني ركبتيه قليلًا، بينما يقف آخر بجواره بزاوية مختلفة. وكلما أخطأ أحدهم، طلب منه المدرب إعادة الحركة بدل الانتقال إلى حركة جديدة.
ظل تانغ شين ينظر لثوانٍ، حتى جاءه صوت تشو هان:
«هل انتهيت من الصندوق الذي بين يديك؟»
عاد تانغ شين إلى عمله فورًا.
«ليس بعد. سأكمله الآن.»
لم يوبخه تشو هان، لكنه قال:
«إذا أردت مشاهدة التدريب، فافعل ذلك بعد إنهاء مهمتك. لكل مكان نظامه، ولا يمكنك ترك عملك كلما سمعت صوتًا يعجبك.»
خفض تانغ شين رأسه قليلًا.
«أفهم ذلك.»
وأكمل ترتيب الصندوق.
لم يكن يريد أن يخسر فرصة العمل بسبب تصرف غير مسؤول. كما أن تشو هان لم يمنعه من مشاهدة التدريب إلى الأبد؛ بل طلب منه أن يؤدي ما اتفقا عليه أولًا.
كان هذا شرطًا عادلًا.
---
عندما انتهى تانغ شين من ترتيب الجزء المخصص له، فحص تشو هان العمل، ثم دفع إليه أجره.
كان المبلغ متواضعًا، لكنه قريب مما يحصل عليه في المخزن التجاري، مع فارق مهم: لقد عمل هذه المرة داخل مدرسة فنون قتالية.
جمع تانغ شين شجاعته وسأل:
«هل يمكنني أن أسألك شيئًا؟»
أشار تشو هان إليه أن يتحدث.
«أنا أتعلم أساسيات فنون القتال من كتيب مستعمل، لكنني لا أملك ما يكفي لدفع رسوم مدرسة. هل توجد طريقة أستطيع بها التعلم دون أن أترك العمل؟»
لم يبدُ على تشو هان أنه تفاجأ بالسؤال.
«لماذا تريد تعلم فنون القتال؟»
تردد تانغ شين قليلًا، ثم أجاب:
«لأنني لا أريد أن أبقى عاجزًا عن حماية نفسي، ولأنني أريد أن أرى إلى أي مدى أستطيع الوصول إذا تعلمت بصورة صحيحة.»
لم يذكر له الحجر الرمادي، ولم يتحدث عن قدرته. لم يكن هناك سبب يجعله يكشف أمرًا لا يفهمه هو نفسه بعد.
تأمل تشو هان إجابته، ثم قال:
«العمل في مدرسة لا يعني أنك أصبحت متدربًا فيها. وقد تسمح لك بعض المدارس بمشاهدة جزء من التدريب، لكن ذلك يختلف من مكان إلى آخر. أما تعليمك بصورة منتظمة، فله شروطه.»
«هل يمكنني أن أعمل هنا مرة أخرى؟»
«إذا احتجنا إلى عمال، يمكنك العودة. لكن لا تعتمد على ذلك باعتباره عملًا ثابتًا.»
صمت لحظة، ثم تابع:
«أما إذا أردت تعلم الأساسيات، فابدأ بما تستطيع فعله. تعلم الوقفة والتوازن، واضبط طريقة تحركك، ولا تتعجل في تقليد الحركات التي لا تفهمها. والأهم أن تعرف حدودك. لا تدخل في قتال لمجرد أنك تعلمت بعض الحركات من كتاب.»
استمع تانغ شين بانتباه.
كانت النصيحة قريبة مما سمعه سابقًا، لكنها جاءت هذه المرة من شخص يعمل داخل مدرسة فنون قتالية، ولذلك أخذها بجدية أكبر.
سأل:
«هل يمكن أن أتعلم هذه الأساسيات بنفسي؟»
أجاب تشو هان:
«يمكنك أن تتعلم بعض الأمور، لكنك لن تعرف دائمًا إن كنت تنفذها بصورة صحيحة. ولهذا السبب يوجد المدربون. إذا أردت أن تتقدم فعلًا، فستحتاج في وقت ما إلى شخص يصحح لك أخطاءك.»
لم يحاول تشو هان إقناعه بالالتحاق بالمدرسة، ولم يعده بقبوله متدربًا مقابل العمل. اكتفى بتوضيح ما يعرفه.
شكره تانغ شين، ثم استأذن في الانصراف.
وقبل أن يغادر، قال تشو هان:
«إذا عدت للعمل هنا، فأنهِ مهمتك أولًا. وإذا وجدت وقتًا مناسبًا بعد ذلك، يمكنك الوقوف في المكان المخصص للزوار ومشاهدة جزء من التدريب. لكن لا تدخل الساحة دون إذن.»
أومأ تانغ شين.
لم يكن ذلك قبولًا له بوصفه متدربًا، لكنه كان فرصة صغيرة لمراقبة التدريب عن قرب.
وكانت الفرص الصغيرة أفضل من الأبواب التي لا يستطيع الاقتراب منها.
---
في طريق عودته إلى النُزل، أخذ تانغ شين يفكر في كلام تشو هان.
لم يحصل على تقنية جديدة، ولم يتعلم حركة لم يعرفها من قبل، لكنه خرج بفهم أوضح للمشكلة التي تواجهه.
كان بإمكانه أن يواصل التدريب من الكتيب، إلا أن ذلك سيجعله معرضًا لتكرار الأخطاء. وكان بإمكانه دفع رسوم مدرسة، لكن ذلك سيستهلك معظم ما جمعه، وربما يمنعه من دفع نفقات حياته إذا لم يستطع إيجاد عمل مستمر.
أما العمل في المدرسة، فلم يكن مضمونًا، ولم يكن بديلًا كاملًا عن التدريب.
إذن، كان عليه أن يجمع بين عدة أمور: المحافظة على دخله، والاستفادة من فرص مشاهدة التدريب حين تتاح، ومواصلة تعلم الأساسيات دون أن يخدع نفسه بأنه أصبح مقاتلًا.
لم يكن هذا طريقًا سريعًا، لكنه كان الطريق الوحيد المتاح له في الوقت الحالي.
وعندما وصل إلى النُزل، أخرج الحجر الرمادي ووضعه أمامه.
قال:
«وجدت مدرسة تسمح لي بالعمل داخل مخزنها عندما تحتاج إلى عمال. وقد أتمكن من مشاهدة بعض التدريبات بعد إنهاء عملي.»
أجاب الحجر:
«وهل ستصبح أقوى بمجرد المشاهدة؟»
هز تانغ شين رأسه.
«لا. لكنني سأستطيع مقارنة ما أراه بما أتعلمه من الكتاب. وربما أفهم بعض التفاصيل التي لا يشرحها.»
«هذا أكثر فائدة من الوقوف أمام البوابة والتمني.»
لم يعجبه أسلوب الحجر، لكنه لم يجد ردًا مناسبًا.
فتح كتيبه، ووضعه بجانب الحجر.
«أريد أن أتعلم بطريقة صحيحة، حتى لو استغرق الأمر وقتًا طويلًا.»
قال الحجر:
«إذن لا تجعل رغبتك في التقدم تجعلك تتجاوز ما لم تتقنه بعد.»
تأمل تانغ شين الصفحة الأولى من الكتيب.
كان لا يزال بعيدًا عن بلوغ مرحلة الفنان القتالي الثالث، ولم يكن جسده قد خضع لتدريب منظم طويل. لكنه لم يعد يعتقد أن مجرد الحصول على تقنية قوية سيحل مشكلته.
فحتى أفضل التقنيات لن تكون نافعة لشخص لا يستطيع تنفيذ أساسياتها.
نهض، ووقف في المساحة الضيقة قرب السرير، ثم ضبط قدميه.
بدأ بالتوازن، وانتقل إلى حركة بسيطة، ثم عاد إلى وضعه الأول.
كررها مرة أخرى.
لم يرفع سرعته، ولم يحاول زيادة القوة، بل ركز على ألا يفقد ثباته عند الانتقال بين الوضعين.
وبعد عدة محاولات، توقف قليلًا، ثم أعاد الحركة من البداية.
لم يكن هناك تصفيق، ولا مدرب يعلن نجاحه، ولا علامة تدل على أنه اقترب من رتبة جديدة.
كان هناك فتى فقير يتعلم حركة واحدة، ويحاول أن يؤديها بصورة أفضل من اليوم السابق.
وهذا، في تلك المرحلة من حياته، كان تقدمًا حقيقيًا.
في صباح الغد، سيعود إلى العمل.
وإذا احتاجت مدرسة السور الشرقي إلى عامل مرة أخرى، فسوف يعود إليها أيضًا.
لم يكن يملك طريقًا مختصرًا، لكنه بدأ يجد موطئ قدم له خلف الأبواب التي ظن في البداية أنها مغلقة تمامًا.