الفصل 13
لم تكن مدينة النهر الهادئ ترحب بالفقراء أكثر مما فعلت قرية ضباب القمر، لكنها منحت تانغ شين شيئًا لم يجده في قريته: خيارات أكثر، حتى وإن كان الوصول إلى أفضلها يتطلب ثمنًا لا يستطيع دفعه بعد.
منذ وصوله، صار يومه مقسمًا إلى ثلاث فترات واضحة؛ يبحث عن العمل في الصباح، ويقضي معظم النهار في أداء ما يُطلب منه، ثم يخصص ما تبقى من وقته للتدرب على الأساسيات التي تعلمها من كتيبه المستعمل.
لم يكن هذا النظام مريحًا.
فعندما يعود إلى النُزل، تكون ذراعاه متعبتين من حمل الصناديق، وقدماه تؤلمانه من الوقوف الطويل، ويصبح التركيز في قراءة الكلمات أصعب مما كان عليه في بداية اليوم. ومع ذلك، كان يعرف أن ترك العمل سيعني استهلاك نقوده دون تعويضها، وأن التخلي عن التدريب سيعيده إلى نقطة البداية.
لذلك، لم يكن يسمح لنفسه بالتوقف تمامًا.
في صباح اليوم الثالث بعد وصوله إلى المدينة، توجه إلى المخزن الذي عمل فيه سابقًا. وجد صاحبه واقفًا أمام كومة من الصناديق، يتفحص البضائع التي وصلت خلال الليل.
ما إن رآه حتى أشار إليه.
«أنت! هل تستطيع العمل اليوم أيضًا؟»
أجاب تانغ شين بسرعة:
«نعم. ما المطلوب؟»
«وصلت بضائع أكثر مما توقعت. أريد ترتيب الصناديق بحسب العلامات الموجودة عليها، ونقل بعضها إلى القسم الخلفي. لا تخلط بين البضائع، ولا تفتح أي صندوق دون إذن.»
كانت المهمة واضحة، فوافق عليها.
بدأ العمل فورًا، متفحصًا العلامات التي تدل على نوع البضائع ووجهتها. لم يكن العمل معقدًا، لكنه احتاج إلى الانتباه؛ فوضع صندوق واحد في المكان الخطأ قد يتسبب في تأخير تحميل عربة كاملة.
وبينما كان ينقل صندوقًا خشبيًا متوسط الحجم، لاحظ عاملًا آخر يرفع صندوقًا أثقل منه باستخدام طريقة مختلفة. لم يكن الرجل يرفع بظهره وحده، بل يثبت قدميه، ويقرب الحمل من جسده، ثم ينهض بحذر.
راقبه تانغ شين للحظة.
كانت الحركة بسيطة، لكنها بدت أكثر كفاءة من الطريقة التي اعتاد عليها.
حين انتهت استراحة قصيرة، جرب تطبيق ما لاحظه على أحد الصناديق. ثبت قدميه، وأمسك الحمل بإحكام، ثم رفعه دون أن يندفع إلى الأمام.
لم يجعل ذلك الصندوق أخف، لكنه شعر بأن جسده أصبح أكثر استقرارًا.
أعاد الصندوق إلى مكانه، ثم واصل العمل.
لم يكن يريد تحويل كل ما يراه إلى سر قتالي. ففي نظره، كان تعلم كيفية استخدام الجسد بطريقة صحيحة جزءًا من بناء الأساس الذي يحتاج إليه، سواء في العمل أم في التدريب.
---
مع اقتراب منتصف النهار، انتهى من ترتيب القسم الأول من البضائع.
جلس قرب الجدار ليلتقط أنفاسه، وأخرج قطعة خبز اشتراها في الصباح. وبينما كان يأكل، أخرج كتيب فنون القتال من حقيبته الصغيرة، وفتح الصفحة التي تتحدث عن الوقفة.
تأمل الرسم المرافق للشرح.
كانت المسافة بين القدمين محددة تقريبًا، والركبتان مثنيتين قليلًا، والجذع مستقيمًا دون تصلب. لكن الكلمات لم تشرح كل التفاصيل، ولم يستطع الرسم الثابت أن يبين كيفية الانتقال من وضع إلى آخر.
قال في نفسه:
«أستطيع أن أفهم ما تقوله الصفحة، لكنني لا أستطيع التأكد من أنني أنفذه كما ينبغي.»
أغلق الكتيب ووضعه جانبًا.
لم تكن هذه أول مرة يواجه فيها المشكلة، لكنها أصبحت أوضح كلما حاول التدريب. فالكتاب يستطيع أن يمنحه معرفة أولية، لكنه لا يستطيع أن يوقفه في اللحظة التي يخطئ فيها، ولا أن يخبره إن كان توازنه قد اختل قبل أن يشعر بذلك بنفسه.
كان بحاجة إلى شخص يراقب حركاته.
غير أن العثور على مدرب يقبل تعليم شخص لا يملك المال لم يكن أمرًا سهلًا.
نهض عندما سمع صاحب المخزن يناديه، وأكمل عمله حتى المساء.
وعند انتهاء اليوم، أعطاه الرجل أجره المتفق عليه.
تأكد تانغ شين من المبلغ، ثم وضع النقود في كيس صغير وأخفاه بعناية. لم يكن يريد أن ينفقها لمجرد أنه استطاع جمعها؛ فكل قطعة نقدية قد تقربه من فرصة تدريب حقيقية.
---
في اليوم التالي، قرر أن يبحث عن عمل في متجر معدات التدريب الذي سمع عنه من أحد العمال.
كان المتجر يقع في شارع قريب من مجموعة من مدارس فنون القتال. عُرضت أمام بابه عصي خشبية، وأكياس تدريب، وأدوات معدنية بسيطة، إلى جانب بعض المعدات التي لم يعرف تانغ شين الغرض الدقيق منها.
دخل وسأل صاحب المتجر عن حاجته إلى عامل.
كان الرجل منشغلًا بفحص مجموعة من الأدوات، لكنه رفع رأسه عندما سمع السؤال.
«هل سبق لك العمل في متجر؟»
«لا، لكنني عملت في مخزن بضائع، وأستطيع حمل الأشياء وترتيبها. كما أنني أتعلم بسرعة.»
تأمله صاحب المتجر قليلًا، ثم أشار إلى مجموعة من الصناديق.
«هذه البضائع وصلت صباحًا. رتبها بحسب نوعها، وضع الأدوات الخشبية في الرفوف الخلفية، ولا تخلط بينها وبين الأدوات المعدنية. إذا أنهيت العمل دون إتلاف شيء، فسأدفع لك أجرك.»
لم يسأله تانغ شين عن مقدار الأجر قبل أن يبدأ، لكنه اتفق معه على المبلغ بعد أن أوضح الرجل أن العمل مؤقت.
كانت المهمة مناسبة له.
بدأ بفرز الأدوات الخشبية، ثم انتقل إلى الصناديق التي تحتوي على معدات معدنية. لم يسمح لنفسه بلمس شيء لا يعرف كيفية حمله قبل أن يتأكد من طريقة التعامل معه، وحافظ على ترتيب البضائع كما طلب صاحب المتجر.
وفي أثناء العمل، دخل عدد من المتدربين لشراء أدوات بسيطة. كان بعضهم يرتدي ملابس عملية تدل على أنه يتدرب بانتظام، بينما جاء آخرون برفقة رجال أكبر سنًا يناقشون الأسعار ومتانة المعدات.
لم يتدخل تانغ شين في أحاديثهم، لكنه استمع بقدر ما سمحت له مهمته.
أدرك أن التدريب لا يقتصر على دفع رسوم المدرسة. فهناك ملابس مناسبة، وأدوات يحتاج إليها المتدرب بحسب ما يتعلمه، ووقت يقضيه في التدريب بدل العمل، وربما نفقات أخرى لا يعرفها بعد.
لم يكن كل متدرب بحاجة إلى شراء جميع هذه الأشياء، لكن الطريق لم يكن مجانيًا كما تخيله في البداية.
وعندما انتهى من ترتيب البضائع، فحص صاحب المتجر عمله، ثم دفع له الأجر.
قال الرجل:
«يمكنك العودة إذا احتجت إلى عمل آخر، لكنني لا أستطيع أن أعدك بوجود عمل كل يوم.»
أجاب تانغ شين:
«هذا يكفيني. شكرًا لك.»
غادر المتجر وهو يفكر في أن الاحتفاظ بأكثر من مصدر محتمل للعمل أفضل من الاعتماد على مكان واحد.
---
في المساء، عاد إلى النُزل، وغسل يديه ووجهه، ثم جلس على الأرض قرب السرير.
أخرج الحجر الرمادي ووضعه أمامه.
كان قد اعتاد أن يتحدث إليه عندما يحتاج إلى ترتيب أفكاره، لا لأنه يتوقع منه دائمًا إجابات مفيدة، بل لأن الحوار يجبره أحيانًا على صياغة المشكلة بوضوح.
قال:
«بدأت أفهم لماذا يصعب على الفقراء تعلم فنون القتال.»
جاءه صوت الحجر:
«لأنهم لا يملكون المال؟»
«المال جزء من المشكلة. لكن حتى إذا امتلكت رسوم المدرسة، فسأحتاج إلى وقت للتدريب. وإذا عملت طوال اليوم، فلن أستطيع التدريب بما يكفي. وإذا تركت العمل، فلن أستطيع دفع نفقات حياتي.»
سكت لحظة، ثم تابع:
«وإذا اكتفيت بالكتاب، فقد أكرر الأخطاء دون أن أعرفها.»
أجاب الحجر:
«إذن، ليست لديك مشكلة واحدة، بل عدة مشكلات مترابطة.»
عبس تانغ شين.
«كنت أعرف ذلك. لا حاجة إلى أن تخبرني.»
«أنت من بدأ الحديث.»
تنهد تانغ شين، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة رغمًا عنه.
كان الحجر محقًا، وإن لم يكن أسلوبه في الإجابة مريحًا دائمًا.
أمسك تانغ شين بالكتيب، ورفعه أمامه.
«أريد أن أسألك عن شيء آخر. هل يمكن أن أطور هذا الكتاب؟»
ساد الصمت قليلًا.
ثم قال الحجر:
«ماذا تقصد بتطويره؟»
«أن يصبح أفضل مما هو عليه الآن. أن يقدم شرحًا أوضح، أو يساعدني على فهم الحركات بطريقة أكثر فائدة.»
لم يجب الحجر فورًا.
أعاد تانغ شين السؤال بصيغة أخرى، موضحًا أنه لا يريد مجرد نسخة جديدة من الكتاب، بل يريد معرفة إن كان من الممكن أن تتغير جودة المعرفة التي يحتوي عليها.
وأخيرًا، أجاب الحجر:
«لا أستطيع إعطاءك جوابًا مؤكدًا اعتمادًا على ما أعرفه الآن. تطوير شيء يعتمد على طبيعته، وعلى ما يحتاج إليه، وعلى الموارد المناسبة له. ولا يكفي أن ترغب في النتيجة.»
نظر تانغ شين إلى الكتيب من جديد.
«إذن، عليّ أن أجد طريقة لفهم شروط تطويره أولًا.»
«إذا كنت تريد تطويره، فعليك أن تعرف ما الذي ينقصه، وما الذي يمكن أن يمده بما ينقصه.»
لم يذكر الحجر وصفة محددة، ولم يزعم أنه يعرف الطريقة التي ستنجح مع هذا الكتاب. لكنه أعطى تانغ شين اتجاهًا يمكن التفكير فيه.
وضع الفتى الكتيب إلى جانبه، ثم نظر إلى الحجر الرمادي.
«هل تستطيع أنت معرفة هذه الشروط؟»
«قد أتمكن من معرفة بعض الأمور إذا كانت ضمن ما أستطيع إدراكه، لكن لا تفترض أنني أعرف كل شيء عن كل شيء.»
تذكر تانغ شين كيف فشل الحجر في إخباره عن الغصن الذي تحدث إليه سابقًا، فهز رأسه.
«حسنًا. لن أعتمد على التخمين.»
أعاد الحجر إلى مكانه، واحتفظ بالكتيب قريبًا منه.
لم يكن مستعدًا لتجربة تطويره بعد. فما زال يحتاج إلى المال، وإلى معرفة أفضل بطبيعة قدرته، وإلى موارد قد لا يستطيع توفيرها في الوقت الحالي.
لكنه للمرة الأولى بدأ يفكر في الكتاب باعتباره أكثر من مجرد مجموعة من الصفحات التي تساعده على التدريب.
ربما كان ما يتعلمه من الكتب جزءًا من الطريق الذي يبحث عنه، وربما كان فهم المعرفة نفسها سيصبح مهمًا له بقدر أهمية تقوية جسده.
لم يصل إلى نتيجة نهائية، ولم يكتشف سرًا جديدًا عن قدرته.
لكنه عرف أن عليه ألا يقفز من فكرة إلى أخرى لمجرد أن إحداها تبدو مغرية.
---
في اليوم التالي، استيقظ قبل شروق الشمس بقليل.
كان جسده متعبًا من العمل المتواصل، ولذلك لم يبدأ التدريب بحركات سريعة أو قوية. وقف في المساحة الضيقة قرب سريره، وضبط موضع قدميه، ثم راجع وضع ركبتيه وجذعه.
بقي ثابتًا للحظات، قبل أن ينقل وزنه ببطء من قدم إلى أخرى.
كرر الحركة مرات عدة، محاولًا الحفاظ على توازنه دون أن يشد عضلاته أكثر من اللازم.
بعد ذلك، تدرب على اللكمة المستقيمة.
لم يكن هدفه أن يضرب بقوة، بل أن يتعلم الحركة دون أن يفقد ثباته. بدأ ببطء، ثم أعاد قبضته إلى موضعها، وتأكد من أن قدميه لا تتحركان عشوائيًا أثناء التنفيذ.
وحين شعر بأن كتفه بدأ يتصلب، توقف قليلًا وأرخى عضلاته.
انتقل بعد ذلك إلى التراجع الدفاعي، خطوة واحدة في كل مرة. كان عليه أن يحافظ على توازنه أثناء الابتعاد، وأن يعود إلى وضع يسمح له بالتحرك مجددًا دون تأخير طويل.
لم تكن الحركات مثيرة للإعجاب، ولم يكن هناك أحد يشاهده ليحكم على تقدمه.
ومع ذلك، فقد أدرك فرقًا صغيرًا بين التدريب الحالي ومحاولاته الأولى في القرية.
في السابق، كان يقلد ما يراه، ثم يكرر الحركة دون أن يعرف ما الذي يريد تحقيقه منها. أما الآن، فقد صار يفكر في وظيفة كل حركة، وفي الخطأ الذي قد يجعلها غير نافعة.
لم يكن هذا يعني أنه أصبح مقاتلًا، لكنه بدأ يتعلم كيف يتدرب.
وحين انتهى، طوى الكتيب بعناية، ووضعه في حقيبته.
كان عليه أن يذهب إلى العمل قبل أن يتأخر.
---
مرت الأيام التالية على هذا النحو.
عمل تانغ شين في المخازن كلما وجد فرصة، وساعد في متجر معدات التدريب عندما احتاج صاحبه إلى عامل إضافي. كان دخله غير ثابت، لكن تنقله بين المكانين منحه فرصة أفضل لجمع المال من انتظار عمل دائم في مكان واحد.
ولم يكن ينفق إلا على ما يحتاج إليه فعلًا؛ الطعام، والمبيت، وبعض الضروريات. أما شراء كتاب آخر أو دفع رسوم مدرسة، فقد تركهما هدفين مؤجلين حتى يجمع ما يكفي.
وفي أوقات فراغه، واصل التدريب على الوقفة والتوازن واللكمة المستقيمة والتراجع الدفاعي.
لم يحاول زيادة عدد الحركات التي يتعلمها لمجرد أن ذلك سيجعله يشعر بأنه يتقدم. كان يعرف أن إضافة حركات جديدة إلى أساس ضعيف لن تحل المشكلة.
كما أنه لم يعد ينظر إلى مدارس فنون القتال من الخارج باعتبارها أبوابًا مغلقة إلى الأبد. كانت الرسوم مرتفعة، لكنه بدأ يفكر في طرق واقعية لجمعها، وفي إمكانية العثور على شخص يستطيع تصحيح أخطائه مقابل أجر أقل أو عمل يؤديه بنفسه.
لم يكن لديه ضمان بأن ينجح أي من هذه الخيارات.
لكنه لم يعد ينتظر أن تظهر فرصة كاملة أمامه دون أن يفعل شيئًا.
وفي إحدى الأمسيات، بعد انتهاء عمله، مر مرة أخرى بالشارع الذي توجد فيه مدرسة فنون القتال التي زارها سابقًا. سمع أصوات المتدربين تتردد خلف الجدار، فتوقف للحظة، ثم تابع طريقه.
لم يطرق الباب هذه المرة.
لم يكن قد جمع المال الكافي، ولم يكن يريد أن يكرر السؤال نفسه دون أن يملك شيئًا جديدًا يقدمه.
واصل السير حتى ابتعدت الأصوات، ثم نظر إلى يديه المتعبتين.
كان الطريق طويلًا، وربما احتاج إلى شهور قبل أن يتمكن من دخول مدرسة مناسبة. وربما اكتشف خلال تلك الفترة أن هناك عقبات لم يفكر فيها بعد.
لكن تلك العقبات لن تختفي إذا تجاهلها.
عاد إلى النُزل، ووضع نقوده في كيسه الصغير، ثم أخرج الحجر الرمادي للحظات قبل أن يعيده إلى مكانه.
لم يكن قد حقق تقدمًا كبيرًا، ولم يحصل على تقنية قوية، ولم يقترب بعد من بلوغ رتبة الفنان القتالي الثالث.
كل ما فعله أنه وجد عملًا، وبدأ يفهم جسده قليلًا، وتعلم أن المعرفة وحدها لا تكفي إذا لم يستطع تطبيقها بصورة صحيحة.
ومع ذلك، كان هذا كافيًا ليواصل.
ففي مدينة النهر الهادئ، لم يكن الطريق إلى القوة يبدأ دائمًا بمدرب مشهور أو تقنية نادرة.
أحيانًا، كان يبدأ بأجر صغير، وكتاب مستعمل، وخطوة صحيحة يكررها صاحبه حتى يتعلمها حقًا.