الفصل 12
لم يكن قرار مغادرة قرية ضباب القمر كافيًا وحده لفتح الطريق أمام تانغ شين.
فبعد أن أمضى أيامًا يفكر في كيفية الوصول إلى مدينة النهر الهادئ، أدرك أن السفر يحتاج إلى أكثر من الرغبة. كان عليه أن يجد وسيلة لا تستنزف ما جمعه من نقود، وأن يضمن لنفسه فرصة للعمل بمجرد وصوله، وإلا فقد يجد نفسه في مدينة لا يعرف فيها أحدًا، ولا يملك فيها حتى ثمن وجبة.
لذلك لم يتعجل الرحيل.
استمر في عمله المعتاد في مخزن البضائع، وسأل بعض العمال عن القوافل التي تتجه إلى المدينة. لم يكن يسأل عن الطريق فحسب، بل عن أجرة السفر، ومدة الرحلة، والأعمال التي يمكن أن يجدها الفقير في مكان أكبر من قريته.
وفي صباح أحد الأيام، حصل أخيرًا على فرصة مناسبة.
كان تاجر ينقل الأقمشة والأدوات المنزلية إلى مدينة النهر الهادئ، ويبحث عن شخص يساعد في تحميل البضائع وترتيبها خلال الرحلة. لم يكن الأجر كبيرًا، لكنه سيغطي طعام تانغ شين، ويوفر له وسيلة للوصول إلى المدينة دون دفع أجرة كاملة.
وافق دون تردد طويل.
في اليوم التالي، غادر القرية مع القافلة.
كانت الرحلة أطول مما تخيل.
تحركت العربات على طريق ترابي يمتد بين الحقول والتلال المنخفضة، وتعاقبت على جانبيه القرى الصغيرة ومناطق الاستراحة التي يتوقف عندها التجار لتناول الطعام وسقي الدواب. لم تكن الطريق خالية من المشقة؛ فقد اضطر تانغ شين إلى السير بجانب العربات حين ارتفعت الأرض أو ضاق المسار، كما ساعد في تثبيت الأحمال كلما توقفت القافلة.
لكن التعب لم يكن الشيء الوحيد الذي شغل تفكيره.
كان يراقب الناس.
رأى تجارًا يتفاوضون على أسعار البضائع، وعمالًا يتنافسون على الأعمال المؤقتة، ومسافرين يحملون أسلحة بسيطة، ورجالًا يرتدون ملابس أفضل من ملابس عامة الناس. ولم يكن قادرًا على معرفة خلفياتهم من مظهرهم وحده، لكنه بدأ يفهم أن الطريق نفسه عالم صغير، له مصالحه وقواعده غير المكتوبة.
وفي إحدى الاستراحات، جلس بالقرب من عربة البضائع، وأخرج كتيب الفنون القتالية الذي اشتراه من القرية.
فتح الصفحة التي تتحدث عن الوقفة والتوازن، ثم وضع قدميه كما تعلم، محاولًا تثبيت جسده دون أن يرهق عضلاته أكثر من اللازم.
لم يكن المكان مناسبًا للتدريب الطويل، لكنه لم يرد أن يترك ما تعلمه يضيع بسبب السفر.
مر أحد عمال القافلة بجانبه، وألقى نظرة على وقفته قبل أن يقول:
«أتتعلم فنون القتال؟»
رفع تانغ شين رأسه.
«أحاول تعلم الأساسيات.»
نظر الرجل إلى قدميه، ثم هز رأسه قليلًا.
«على الأقل أنت لا تتظاهر بأنك خبير. لكن قراءة الكتب وحدها لا تكفي. قد تفهم الكلمات، ومع ذلك تنفذ الحركة بطريقة خاطئة.»
لم يجادله تانغ شين.
كان يعرف ذلك بالفعل، وإن لم يكن يعرف إلى أي مدى قد تؤثر الأخطاء الصغيرة في تدريبه.
قال الرجل قبل أن يغادر:
«إذا أردت أن تتعلم حقًا، فابحث عن شخص يصحح لك حركاتك. الوقفة الخاطئة قد تصبح عادة يصعب التخلص منها.»
عاد تانغ شين إلى الكتيب، لكنه لم يستأنف التدريب فورًا. أعاد ترتيب قدميه ببطء، وتفحص توازنه، ثم جرب الوقوف مرة أخرى.
لم يتحول إلى خبير بسبب نصيحة واحدة، إلا أن كلمات الرجل جعلته أكثر حذرًا في تطبيق ما يقرأه.
بعد عدة أيام من السفر، ظهرت أسوار مدينة النهر الهادئ في الأفق.
توقف تانغ شين للحظة وهو ينظر إليها من بعيد.
كانت الأسوار أعلى وأطول من أي بناء رآه في قرية ضباب القمر. امتدت على مساحة واسعة، وارتفعت فوقها أبراج مراقبة يمكن رؤية الحراس عليها من الطريق. وعند البوابة الرئيسية، تحركت العربات والمسافرون في صفوف متفاوتة الطول، بينما كان الحراس ينظمون الدخول ويفحصون بعض البضائع.
لم تكن المدينة مجرد قرية أكبر.
كان حجمها وحده كافيًا ليجعله يدرك أن ما يعرفه عن العالم لا يتجاوز جزءًا صغيرًا منه.
اقتربت القافلة من البوابة، وقدم التاجر ما يلزم من أوراق البضائع. وبعد فحص الحمولة، سمح الحراس للعربات بالدخول.
عبر تانغ شين البوابة خلفهم.
في اللحظة التي دخل فيها، امتدت أمامه شوارع مزدحمة، تصطف على جانبيها المتاجر والمخازن وورش الحرفيين. تعالت أصوات الباعة، واختلطت رائحة الطعام برائحة الخشب والمعادن والجلود. وكانت العربات تتحرك بحذر وسط المارة، بينما ينادي أصحاب المتاجر على بضائعهم لجذب الزبائن.
رأى متاجر تبيع الأقمشة، وأخرى تعرض الأدوات الزراعية، وثالثة تبيع السكاكين والأدوات المعدنية. كما لمح مباني أكبر تفصلها عن الشوارع العادية ساحات مسوّرة، وعلى بعض بواباتها لافتات تشير إلى مدارس لتعليم فنون القتال.
ثبت نظره على إحداها لثوانٍ.
ثم أعاده إلى الطريق.
لم يكن قد جاء إلى المدينة ليقف أمام الأبواب ويتخيل ما وراءها. كان عليه أولًا أن يجد مكانًا ينام فيه، وعملًا يستطيع من خلاله إعالة نفسه.
ساعد التاجر في إيصال البضائع إلى أحد المخازن، ثم استأذنه في الانصراف بعد أن انتهى من عمله.
أعطاه التاجر أجره المتفق عليه، وأضاف إليه بعض النقود مقابل مساعدته في ترتيب الحمولة عند الوصول.
لم يكن المبلغ كبيرًا، لكنه كان مالًا كسبه بجهده، ولم يكن مضطرًا إلى إنفاقه كله على الطريق.
شكره تانغ شين، ثم غادر المخزن.
قضى بقية النهار في التعرف إلى الشوارع القريبة من السوق.
لم يحاول زيارة كل مكان، ولم يندفع إلى المناطق التي لا يعرفها. اكتفى بحفظ معالم الطريق بين السوق والمخازن، وسأل أصحاب المتاجر عن الأماكن التي يستطيع العامل الفقير أن يجد فيها مأوى رخيصًا.
وجد في النهاية نُزلًا بسيطًا يستقبل العمال والمسافرين بأجر يومي. كانت غرفه ضيقة، وأثاثه قديمًا، لكنه كان أنظف وأكثر أمانًا من المبنى المهجور الذي عاش فيه في القرية.
دفع أجر ليلة واحدة، واحتفظ ببقية نقوده.
بعد أن وضع أغراضه القليلة في الغرفة، خرج مرة أخرى قبل حلول المساء.
لم يكن بعيدًا عن الشارع الذي توجد فيه مدارس فنون القتال، ولذلك قرر أن يلقي نظرة عليها من الخارج.
كانت أول مدرسة زارها محاطة بجدار مرتفع، ولها بوابة خشبية عريضة. سمع من داخلها أصوات الأقدام وهي تضرب الأرض، تتبعها نداءات مدرب يصحح حركات المتدربين. ومن فتحة في البوابة، استطاع أن يرى عددًا من الصبية والشبان يقفون في صفوف، ويكررون حركات متشابهة تحت إشراف رجل يرتدي ثيابًا عملية.
لم تكن حركاتهم كلها متقنة، لكنهم كانوا يتدربون بطريقة منظمة، ويعرف كل واحد منهم أين يقف ومتى يتحرك.
وقف تانغ شين قليلًا، محاولًا فهم ما يراه.
كان ذلك مختلفًا عن تقليد الحركات التي شاهدها في القرية. هنا، لم يكن التدريب مجرد تكرار عشوائي؛ كانت هناك تعليمات، وتصحيح للأخطاء، وترتيب واضح لما يتعلمه المتدربون.
اقترب من البوابة حين خرج رجل من الداخل، ثم سأله بأدب:
«هل تقبل المدرسة متدربين جددًا؟»
نظر الرجل إليه من رأسه إلى قدميه، ولاحظ ملابسه البسيطة.
«نعم. لكن الالتحاق يتطلب دفع الرسوم، كما أن التدريب يحتاج إلى التزام. لا نستطيع تعليم كل من يأتي دون مقابل.»
سأل تانغ شين عن الرسوم.
ذكر الرجل مبلغًا جعله يصمت للحظات.
لم يكن المبلغ مستحيلًا على جميع الفقراء، لكنه كان أكبر بكثير مما يستطيع تانغ شين دفعه في الوقت الحالي، خصوصًا إذا أراد الاحتفاظ بنقود تكفيه للطعام والمبيت.
حاول أن يسأل عن إمكانية العمل مقابل جزء من الرسوم، إلا أن الرجل أوضح أن المدرسة لا تقدم هذا النوع من الترتيبات في الوقت الراهن.
شكره تانغ شين، ثم ابتعد دون أن يلح.
لم يشعر بالغضب من الرجل، ولم يعتبر المدرسة ظالمة لمجرد أنها تطلب المال. كان هناك مدربون ومبانٍ ومرافق تحتاج إلى نفقات، وإن لم يكن يعرف تفاصيلها كلها.
لكن النتيجة بقيت واضحة.
حتى بعد وصوله إلى المدينة، لم يصبح طريق تعلم فنون القتال مفتوحًا أمامه.
مع اقتراب الليل، عاد تانغ شين إلى النُزل.
جلس على طرف السرير الخشبي، وأخرج الحجر الرمادي من بين أغراضه. وضعه في راحة يده، وتأمل سطحه الذي بدا عاديًا لمن لا يعرف قصته.
لم يكن الحجر يملك مظهرًا يلفت الانتباه، ولم يكن تانغ شين قادرًا على تحديد مقدار ما تغير فيه بمجرد النظر إليه.
قال بصوت منخفض:
«لقد وصلت إلى المدينة، لكن تعلم فنون القتال ما زال أصعب مما توقعت.»
ظل الحجر صامتًا للحظات.
ثم جاءه صوته المعتاد:
«هل كنت تتوقع أن يتغير كل شيء بمجرد انتقالك إلى مكان أكبر؟»
تنهد تانغ شين.
«لا. لكنني كنت آمل أن أجد فرصًا أكثر.»
«الفرص موجودة في أماكن كثيرة. أما قدرتك على الاستفادة منها، فهذا أمر آخر.»
لم تعجبه الإجابة كثيرًا، لكنه لم يستطع إنكارها.
قلب الحجر بين أصابعه، ثم قال:
«رأيت مدرسة لتعليم فنون القتال. لديها مدربون ومتدربون وساحة خاصة. لكن رسومها مرتفعة بالنسبة إليّ.»
أجاب الحجر:
«وجود المدرب يوفر عليك بعض الأخطاء، لكنه لا يمنحك القوة من دون تدريب. وحتى لو دخلت المدرسة، فلن تتقدم لمجرد أنك دفعت الرسوم.»
«أعرف ذلك. المشكلة أنني لا أستطيع دفعها أصلًا.»
«إذن فأنت تحتاج إلى المال، وإلى معرفة أفضل، وإلى وقت تستطيع تخصيصه للتدريب.»
نظر تانغ شين إليه.
«هذا ما أعرفه بالفعل. كنت أريد أن أعرف إن كان لديك حل آخر.»
«ليس لدي حل يجعل المال يظهر في يدك.»
خرجت من تانغ شين ضحكة قصيرة، سرعان ما خفتت.
كان يتمنى أحيانًا أن يعرف الحجر إجابة لكل سؤال، لكنه بدأ يدرك أن معرفته محدودة، وأنه لا يستطيع الاعتماد عليه لحل كل مشكلة تواجهه.
ومع ذلك، لم تكن المحادثة بلا فائدة.
فقد أعادت ترتيب الأمور في ذهنه. لم يكن عليه أن يختار بين العمل والتدريب اختيارًا مطلقًا؛ بل كان عليه أن يجد طريقة تسمح له بالجمع بينهما، ولو ببطء.
قال:
«سأبحث عن عمل غدًا. وإذا استطعت أن أجد عملًا قريبًا من مدرسة لتعليم فنون القتال، فقد أتمكن من مشاهدة بعض التدريبات أو التعلم ممن يقبل تعليمي.»
لم يرد الحجر مباشرة.
وبعد لحظات، قال:
«يمكنك أن تجرب. لكن لا تخلط بين مشاهدة الحركة وفهمها.»
أعاد تانغ شين الحجر إلى مكانه.
«لن أفعل.»
لم يكن واثقًا تمامًا من قدرته على الوفاء بذلك، لكنه على الأقل صار يعرف أن عليه اختبار ما يتعلمه، لا الاكتفاء بتقليد ما يراه.
في صباح اليوم التالي، خرج مبكرًا إلى السوق.
بدأ بالمخازن، ثم انتقل إلى المتاجر التي تبيع الأدوات المنزلية ومعدات التدريب. سأل عن الأعمال المؤقتة، وقدم نفسه لكل من احتاج إلى عامل إضافي. لم تكن جميع الإجابات إيجابية؛ بعض المتاجر لم تكن تحتاج إلى عمال، وبعض أصحابها طلبوا خبرة لا يملكها.
ومع ذلك، لم يعد إلى النُزل خالي اليدين.
وجد فرصة مؤقتة لمساعدة أحد أصحاب المخازن في ترتيب البضائع ونقل الصناديق. لم يكن العمل مضمونًا لأيام طويلة، لكن صاحبه وافق على أن يدفع له مقابل ما ينجزه، على أن يثبت جدارته أولًا.
قبل تانغ شين العرض.
كان العمل شاقًا، لكنه مألوف بالنسبة إليه. حمل الصناديق، ورتب البضائع، ونظف الممرات، وحرص على ألا يتسبب في تلف شيء. وفي أثناء استراحته القصيرة، لمح عاملًا آخر ينقل صناديق خشبية إلى متجر قريب يبيع أدوات التدريب.
تبادل معه بعض الكلمات، فعرف أن المتجر يتعامل مع مدارس فنون القتال، ويبيع أشياء يحتاج إليها المتدربون، من أدوات بسيطة إلى معدات أثقل.
لم تكن هذه المعرفة كافية لفتح باب جديد أمامه، لكنها أضافت مكانًا آخر إلى قائمة الأماكن التي يمكن أن يبحث فيها عن عمل.
وعندما انتهى يومه، قبض أجره، ثم جلس في زاوية هادئة قرب المخزن ليعيد مراجعة ما تعلمه من الكتيب.
وقف أولًا، وضبط قدميه، ثم تدرب على نقل وزنه من جانب إلى آخر دون أن يفقد توازنه. بعد ذلك، جرب اللكمة المستقيمة ببطء، متوقفًا بين كل محاولة وأخرى ليتأكد من أن جسده لا يميل أكثر مما ينبغي.
لم تكن ضرباته قوية، ولم يكن يعرف إن كانت حركته صحيحة تمامًا. لكنه استطاع أن يلاحظ بعض الأخطاء التي لم يكن ينتبه إليها في السابق، مثل رفع كتفه أكثر من اللازم أو ترك قدميه في وضع لا يساعده على استعادة توازنه.
صحح ما استطاع، ثم كرر التدريب.
كان يتعلم ببطء، ويخطئ كثيرًا، لكن هذه المرة لم يكن ينتظر أن تنقلب حياته في يوم واحد.
لقد وصل إلى مدينة النهر الهادئ، وعرف أن الطريق إلى فنون القتال ليس أقصر مما تخيل، بل أكثر تعقيدًا. فالمال يفتح بعض الأبواب، والمعرفة تساعده على تجنب الأخطاء، والمدرب يستطيع أن يرى ما لا يراه المبتدئ في حركاته.
أما هو، فلم يكن يملك في الوقت الحالي سوى جسد يحتاج إلى التدريب، وكتيب مستعمل، وبعض النقود التي ينبغي أن يحافظ عليها.
وفي نهاية النهار، عاد إلى النُزل وهو يفكر في الخطوة التالية.
لم يعد هدفه مجرد العثور على مدرسة يستطيع دخولها، بل أن يبني لنفسه أساسًا يسمح له بالاستفادة منها حين تتاح له الفرصة.
فخلف أسوار مدينة النهر الهادئ، كانت هناك طرق كثيرة لم يكتشفها بعد.
ولم يكن يعرف أيها سيقوده إلى ما يبحث عنه.
لكنه قرر أن يبدأ من أقرب طريق يستطيع الوصول إليه.