الفصل 11
لم ينم تانغ شين جيدًا في تلك الليلة.
لم يكن السبب جوعًا شديدًا أو ألمًا في جسده من العمل، بل العبارة التي سمعها من الغصن اليابس.
«أنا لست عصًا!»
كلما تذكرها، عاد السؤال نفسه إلى ذهنه: كيف استطاع غصن يابس أن يتحدث إليه؟
لم يكن الأمر شبيهًا بما حدث مع الحجر الرمادي تمامًا. فالحجر أخبره ببعض المعلومات عن رتبته ومتطلبات تطوره، أما الغصن فلم يمنحه سوى اعتراض قصير، ثم عاد إلى الصمت.
ومع ذلك، كان هناك أمر واضح: لم يكن تانغ شين قد سمع الصوت قبل أن يخاطب الغصن.
نهض من مكانه، وأخرج الغصن من بين أغراضه، ثم جلس أمامه.
«مرحبًا يا عصا».
انتظر قليلًا.
لم يحدث شيء.
تأمل الغصن، ثم قال:
«مرحبًا أيها الغصن».
ظل المكان صامتًا.
لم يشعر بالغضب، ولم يكرر التحية مرات لا تنتهي. لقد بدأ يفهم أن التجربة التي لا يستطيع تفسيرها تحتاج إلى ملاحظة أدق، لا إلى تخمينات أكثر.
في الليلة السابقة، رد الغصن حين خاطبه بتلك العبارة تحديدًا. أما الآن، فلم يستجب. لم يكن يعرف إن كان قد اكتسب وعيًا بالفعل، أو إن كان يستطيع الرد متى شاء، أو إن كانت هناك أمور أخرى لم يكتشفها بعد.
وضع الغصن جانبًا.
«سأعود إلى هذا لاحقًا».
لم يكن يستطيع قضاء أيامه كلها في الجلوس أمام غصن ينتظر منه الكلام. كان عليه أن يعمل، وأن يتعلم، وأن يجد طريقًا للخروج من الوضع الذي يعيش فيه.
أخذ الكتيب المستعمل الذي اشتراه، وبدأ يومه.
---
مرّت الأيام التالية بإيقاع متشابه.
في الصباح، كان تانغ شين يذهب إلى مخزن البضائع، فيساعد على نقل الصناديق وترتيبها وتنظيف المكان. وفي المساء، كان يراجع ما يستطيع من صفحات الكتيب، ثم يتدرب على الوقفة الأساسية والتوازن والتراجع الدفاعي.
لم يكن تقدمه سريعًا.
أحيانًا ينجح في الحفاظ على توازنه مدة أطول، وأحيانًا يكتشف أنه يكرر الخطأ نفسه. وكان يشعر بالتعب بعد التدريب، خصوصًا عندما يحاول أداء الحركة بدقة بدلًا من الإسراع فيها.
لكنه بدأ يلاحظ الفرق بين التدريب المنظم والتقليد العشوائي.
في السابق، كان يرى المتدربين يثبتون أقدامهم ثم يتحركون، فيظن أن الأمر لا يحتاج إلى أكثر من تقليد مواضعهم. أما الآن، فقد صار يفهم أن الحركة تبدأ قبل أن يتحرك الجسد، وأن التوازن الذي يفقده في خطوة واحدة قد يجعل الخطوة التالية أصعب.
لم يجعله ذلك مقاتلًا، لكنه جعله أكثر انتباهًا إلى ما يفعله.
وفي إحدى فترات الراحة، رأى رجلًا مسنًا يجلس قرب مدخل المخزن، يتبادل الحديث مع صاحب المكان. كان الرجل قد جاء لبيع بعض الأدوات الزراعية، وانتهى من معاملته قبل أن يغادر.
وبينما كان تانغ شين يحمل صندوقًا فارغًا، سمع الرجل يقول:
«لن أعود إلى مدينة النهر الهادئ قريبًا. الطريق إليها صار أطول مما يحتمله رجل في مثل عمري».
رفع تانغ شين رأسه.
كانت مدينة النهر الهادئ أقرب مدينة كبيرة إلى قرية ضباب القمر، لكنه لم يزرها قط. كل ما يعرفه عنها جاء من أحاديث التجار والمسافرين، ومن القصص التي يتبادلها أهل القرية عن المدارس والأسواق والعائلات ذات النفوذ.
انتظر حتى انتهى الرجل من الحديث، ثم اقترب منه.
«عمي، هل جئت من مدينة النهر الهادئ؟»
نظر الرجل إليه.
«مررت بها قبل أيام. لماذا تسأل؟»
«أريد أن أعرف المزيد عنها. هل هي بعيدة جدًا عن هنا؟»
ضحك الرجل ضحكة خفيفة.
«المسافة ليست المشكلة الوحيدة. الطريق يحتاج إلى وقت، وقد تحتاج إلى المال للطعام والمبيت إن لم تكن تسافر مع قافلة. أما إذا كنت تقصد الذهاب إليها بحثًا عن عمل، فالأمر ممكن، لكن لا تتوقع أن تجد المال ملقى على الأرض».
لم يخفِ تانغ شين اهتمامه.
«وهل توجد فيها مدارس لتعليم فنون القتال؟»
تأمل الرجل مظهره البسيط قبل أن يجيب.
«توجد مدارس عدة، لكن لكل مدرسة شروطها ورسومها. بعضها يقبل من يستطيع دفع المال واجتياز الاختبار، وبعضها لا يفتح أبوابه للجميع. لا تظن أن دخول المدينة يعني أنك ستجد من يعلمك مجانًا».
كانت الإجابة قريبة مما توقعه تانغ شين، لكنها جعلت المسألة أكثر وضوحًا.
لم يكن يكفي أن يصل إلى المدينة؛ كان عليه أن يجد عملًا يستطيع من خلاله إعالة نفسه، ثم يبحث عن مدرسة تناسب قدرته المالية.
شكره على المعلومات، وعاد إلى عمله.
لكن اسم المدينة بقي في ذهنه.
---
لم تكن قرية ضباب القمر مكانًا كبيرًا، ولم يكن لها سور عظيم أو سوق يضم بضائع نادرة. كانت قرية يعيش أهلها من الزراعة والأعمال اليدوية والتجارة المحدودة، ويأتي إليها بعض التجار لشراء المحاصيل أو بيع الأدوات والملابس والحاجات اليومية.
وكان موقعها ضمن مقاطعة السهول الشرقية في مملكة تشيان، التابعة لإمبراطورية تشين، جزءًا من عالم أوسع بكثير مما يراه أهل القرية كل يوم.
لم يكن معظم سكانها بحاجة إلى معرفة تفاصيل الحكم الإمبراطوري كي يعيشوا حياتهم. كانوا يهتمون بالمحاصيل، والأسعار، والضرائب، وأمان الطرق، وما إذا كان التجار سيأتون في موعدهم أم لا.
ومع ذلك، كانت القرية مرتبطة بذلك النظام الكبير، حتى لو لم يشعر أهلها بذلك دائمًا.
فمملكة تشيان لم تكن دولة مستقلة عن الإمبراطورية، بل كانت إحدى الممالك التابعة لإمبراطورية تشين. وكانت لها سلطتها وحكامها وشؤونها المحلية، لكنها بقيت خاضعة للسلطة الإمبراطورية الأعلى.
أما إمبراطورية تشين، فلم تكن سوى واحدة من ست إمبراطوريات كبرى في قارة تانغي باي، وهي تيان وتشين وهوان وتيانيو وبانيتنا وغين.
كانت هذه أسماء يعرفها بعض التجار والمسافرين، لكنها بالنسبة إلى معظم أهل القرية لم تكن سوى أسماء بعيدة، لا تغيّر كثيرًا من تفاصيل يومهم.
لم يكن تانغ شين يعرف من هذه الأمور إلا القليل، ولم يكن لديه سبب يجعله يتعمق فيها من قبل. لكن بعد أن بدأ يفكر في مغادرة القرية، أدرك أن جهله بالعالم قد يكون عائقًا آخر أمامه.
فمن يريد السفر لا يحتاج إلى المال وحده؛ يحتاج أيضًا إلى معرفة الطريق، والأماكن التي يستطيع الوصول إليها، والقوانين التي تحكمها، والجهات التي يمكن أن يلجأ إليها إذا وقع في مشكلة.
---
في أحد الأيام، انتهى تانغ شين من ترتيب البضائع مبكرًا، فسمح له صاحب المخزن بالانصراف بعد أن أكمل عمله المطلوب.
لم يذهب مباشرة إلى مكان إقامته، بل اتجه إلى السوق الصغير في القرية.
كان السوق يضم عددًا محدودًا من الباعة، يعرضون الخضروات والحبوب والأقمشة والأدوات المنزلية. وفي أحد أطرافه، كان رجل يبيع كتبًا مستعملة، معظمها كتيبات للحساب والكتابة وبعض السجلات القديمة.
توقف تانغ شين أمامه، وأخذ يتفحص العناوين.
لم يكن يبحث عن كتاب ثمين؛ فقد أراد شيئًا يستطيع شراءه دون أن ينفق ما يحتاج إليه للطعام. وكان يعتقد أن الكتب قد تمنحه معلومات لا يستطيع الحصول عليها من العمل اليومي وحده.
سأل البائع:
«هل لديك كتاب بسيط عن تاريخ مملكة تشيان أو المقاطعات التابعة لها؟»
رفع البائع رأسه، ثم بدأ يقلب بعض الكتب الموضوعة خلفه.
«لدي سجل قديم عن الطرق والأسواق، وبعض الأوراق التي تتناول تاريخ المملكة. لكنها ليست كتبًا مخصصة للتعليم، وقد تجد فيها معلومات ناقصة».
أخرج كتيبًا رقيقًا، ووضعه أمام تانغ شين.
لم يكن الكتاب جديدًا، وكانت بعض صفحاته باهتة، لكنه احتوى على معلومات عامة عن المملكة والمقاطعات والطرق التجارية الرئيسية.
قلب تانغ شين صفحاته، ثم سأل عن ثمنه.
كان السعر أعلى قليلًا مما أراد دفعه، فتردد. وبعد نقاش قصير، اتفق مع البائع على ثمن أقل، ثم دفع النقود وأخذ الكتاب.
لم يبق معه الكثير، لكنه لم يندم على الشراء.
لقد بدأ يفهم أن المعرفة قد تكون نوعًا من الاستثمار أيضًا، شرط ألا ينفق عليها ما يحتاج إليه للبقاء.
عاد إلى مكانه، ووضع الكتيب الجديد إلى جانب كتاب فنون القتال.
كان الأول يشرح له بعض الحركات التي يحتاج إليها جسده، والثاني يساعده على فهم العالم الذي يعيش فيه.
وللمرة الأولى، شعر أن طريقه لا ينبغي أن يقتصر على البحث عن القوة وحدها. فإذا أراد أن يخرج من القرية يومًا ما، فعليه أن يعرف إلى أين يذهب، وكيف يعيش هناك، وما الذي ينتظره خلف الطريق.
---
في المساء، أخرج الحجر الرمادي ووضعه أمامه.
«مرحبًا أيها الحجر الرمادي».
لم ينتظر طويلًا حتى جاءه الصوت الذي اعتاد سماعه.
«ماذا تريد هذه المرة؟»
نظر تانغ شين إلى الحجر، ثم قال:
«أريد أن أعرف شيئًا. هل كل شيء يمكن أن يصبح واعيًا إذا خاطبته؟»
لم يأتِ الرد فورًا.
ثم قال الحجر:
«لا أستطيع أن أؤكد لك ذلك. معرفتي ليست كاملة، وما أعرفه عن نفسي لا يعني أنني أعرف طبيعة كل شيء آخر».
لم يتفاجأ تانغ شين. كان قد بدأ يدرك أن الحجر لا يملك إجابة لكل سؤال.
فكر قليلًا، ثم قال:
«إذن، لا تعرف لماذا تحدث الغصن إليّ؟»
«أي غصن؟»
وصف له تانغ شين الغصن اليابس والعبارة التي سمعها منه، من دون أن يضيف شيئًا لم يتأكد منه.
استمع الحجر، ثم أجاب:
«لا أستطيع أن أحكم على ما حدث من وصفك وحده».
ساد الصمت قليلًا.
لم يحصل تانغ شين على التفسير الذي كان يأمله، لكنه لم يشعر بأن الحديث ضاع هباءً. فقد تأكد مرة أخرى أن عليه أن يكتشف بعض الأمور بنفسه.
لم يكن يستطيع الاعتماد على الحجر في كل خطوة، كما لم يكن يستطيع الاعتماد على قدرته قبل أن يفهم كيفية استخدامها.
أعاد الحجر إلى مكانه، ثم فتح كتاب تاريخ المملكة.
قرأ عن الطرق التي تربط القرى بالمدن، وعن أهمية الأسواق في انتقال البضائع، وعن ارتباط المقاطعات بسلطة المملكة. كانت المعلومات عامة، لكنها ساعدته على ترتيب ما يعرفه في ذهنه.
وقبل أن يغلق الكتاب، توقف عند فقرة تتناول الطرق التجارية التي يستخدمها التجار لنقل المحاصيل والأدوات بين التجمعات السكانية.
لم تكن الفقرة كافية لتحديد كل تفاصيل رحلته، لكنها جعلته يفكر في احتمال لم يكن قد أخذه بجدية من قبل.
إذا أراد الوصول إلى مدينة النهر الهادئ، فقد لا يحتاج إلى السفر وحده. ربما يستطيع العثور على تاجر يحتاج إلى عامل يساعده في حمل البضائع مقابل الطعام أو أجر بسيط.
لم تكن الفكرة مضمونة، لكنها بدت أكثر واقعية من الانطلاق في الطريق دون مال أو معرفة.
أغلق الكتاب ووضعه إلى جانبه.
---
في الأيام التالية، واصل تانغ شين العمل والتدرب والقراءة. لم يترك الغصن اليابس بعيدًا عن نظره، لكنه لم يعد يحاول استنطاقه كل ليلة. كان ينتظر فرصة مناسبة لإعادة التجربة، ويحرص على ألا يخلط بين ما يعرفه وما يتوقعه.
أما في فنون القتال، فظل يكرر الوقفة الأساسية والتراجع الدفاعي. لم تكن حركاته جميلة، ولم يكن قادرًا على أداء سلسلة من الحركات المتتابعة دون أن يختل توازنه، لكنه بدأ يلاحظ أخطاءه أسرع من السابق.
لم يحقق قفزة كبيرة، ولم تتغير حياته فجأة.
لكنه أصبح يعرف أن الوصول إلى هدفه يحتاج إلى أكثر من الرغبة: يحتاج إلى مال، ومعرفة، ووقت، وطريق يمكنه سلوكه دون أن يعرّض نفسه لخطر لا يستطيع التعامل معه.
وفي إحدى الليالي، جمع نقوده وعدّها، ثم نظر إلى الكتابين الموضوعين أمامه.
لم يكن المبلغ كافيًا لبدء حياة جديدة في المدينة، لكنه كان بداية.
قال لنفسه بهدوء:
«سأبحث عن قافلة، أو تاجر يحتاج إلى عامل. إذا استطعت الوصول إلى المدينة والعمل فيها، فسأجد فرصة أفضل للتعلم».
لم يكن يعرف متى ستتاح له تلك الفرصة، ولا ما إذا كانت ستسير الأمور كما يتمنى.
لكنه لم يعد ينتظر أن يتغير وضعه من تلقاء نفسه.
في الخارج، ظلّت قرية ضباب القمر هادئة كما كانت دائمًا، وظلت طرقها الترابية تمتد بين الحقول والمنازل البسيطة. أما تانغ شين، فقد بدأ ينظر إلى تلك الطرق بوصفها بداية لعالم لم يره بعد.