الهجوم على جناح العلوم (1)
كان جناح العلوم عبارةً عن مبنى واحد.
وكان جسرٌ علويّ يربطه بالمبنى المجاور، لكن المبنى بأكمله كان يُعدّ جناح العلوم. بل إن بعض الناس كانوا يسمّونه جناح الأبحاث. كان الردهة في الطابق الأول، ومقهى سينابي في الطابق الثاني، أمّا المختبرات ومكاتب العلماء فكانت تمتدّ من الطابق الثالث فما فوق.
ومن أكبر مكتبٍ هناك اندفع المخلوق إلى الخارج.
أطلق هيروشي صرخةً مخنوقة بينما ترنّح إلى الخلف.
"أوااااغ!"
اقترب المخلوق منه بسرعةٍ تفوق ما تستطيع قدماه مجاراتها.
وانطلقت مخالب حادّة كالشفرات نحو وجهه.
تحوّلت المخالب إلى نقطة واحدة ملأت مجال رؤيته—
زززت-طقطقة!
"أواغ!"
[تم تفعيل الدرع.]
تردّد صوت مارتن.
[تم تفعيل الدرع.]
"أوقفوه!"
سقط هيروشي على مؤخرته. فقد ظهر درع أزرق شفاف أمامه، وكان الدرع يشطر المختبر إلى قسمين.
أطلق مارتن الدرع من العينين المستديرتين في جهازه. كان الذكاء الاصطناعي، الذي اعتاد التحرك على طول القضبان المثبّتة في السقف، معلّقًا الآن بأسلاك، ويطفو على ارتفاع مترين عن الأرض.
أحاط الدرع الأزرق بمصفوفة النقل المكاني.
ركضت كيت متجاوزةً الدرع، وشقّت طريقها عبر المختبر.
"أوقفوا تشغيل جناح العلوم بأكمله، باستثناء الجسر العلوي!"
"مهلًا! عندها لن نتمكّن من الخروج!"
"إذا خرجت تلك الأشياء إلى الخارج، فسيتشتّت دعم الغرير الأسود أيضًا!"
كانت الدموع تنهمر بلا توقّف على وجه كيت بينما اندفعت راكضةً نحو الزر الأحمر بجانب باب المختبر.
"سأغلق جميع النوافذ!"
"مهلًا!"
صرخ أحدهم، وهو يركض حافي القدمين، حتى كاد صوته يتمزّق.
"لحظة واحدة فقط!"
طَرااانغ!
صفعت الزر بيدها.
فتحت كيت الغطاء الشفاف، وبدأت تضرب الزر بكل ما أوتيت من قوة.
أطلق بعض الأشخاص صرخات مذعورة، لكنها لم تسمعهم.
ركض بعضهم إلى الممر، بينما اندفع آخرون نحو مكتب يون.
[جارٍ بدء الإغلاق.[
تردّد صوت أنثوي واضح في أرجاء المبنى.
[جارٍ بدء الإغلاق.]
"سأفعّل النواة المصغّرة!"
صرخ شون بينما اندفع مسرعًا نحو مكتب يون.
"الجميع، تجمّعوا هنا!"
تجمّع العلماء حول مكتب يون.
جرّ بعضهم هيروشي المترهّل من قفا رقبته. وبعد أن وصلوا إلى المكتب، تشبّثوا بيأس بالجهاز الذي أخرجه شون.
مولّد نواة مصغّرة.
آلة طوارئ اشتراها يون من ماله الخاص، وكانت باهظة الثمن للغاية.
[مستوى تضرّر الدرع 10٪]
دويّ!
ارتطم أحد المخلوقات بالدرع.
كانت المخلوقات التي تتدفّق من المصفوفة المكانية قد ملأت الآن الحيّز داخل الدرع بالكامل.
ومن خلال الحاجز شبه الشفّاف، احتشدت أشكال حياة لا تُحصى، متعدّدة الألوان، وضغطت عليه.
هاجم كلٌّ منها الدرع بطريقته الخاصة.
[مستوى تضرّر الدرع 15٪]
زززت-طقطقة!
كوااانغ!
"إنها كثيرة جدًا..."
همس أحدهم برعب بينما ظلّ عددها يتزايد.
"لماذا لا يزال العدد في ازدياد؟"
[مستوى تضرّر الدرع 23٪. تضرّر الدرع 30٪. تضرّر الدرع 35٪.]
"هيييك!"
"ركّبوه! أسرعوا! أسرعوا! أسرعوا!"
"انتهينا! ليلتصق الجميع بالمكتب!"
"مارتن! اصمد!"
ووووونغ—
بدأ مولّد النواة المصغّرة بالعمل، مطلقًا صوته المميّز.
انكمش العلماء تحت مكتب يون. وجلسوا متقاربين بجوار المولّد، يحدّقون بقلق في النواة التي كانت تتشكّل من الأسفل إلى الأعلى.
إذا اكتمل توليدها في الوقت المناسب، فستظلّ مستقرة حتى وصول الغرير الأسود.
لكن توليد نواة كان يستغرق وقتًا...
[مستوى تضرّر الدرع 57٪]
"تبًا!"
"بهذا المعدّل، سنموت! ألا ينبغي لنا الهرب إلى القاعة الآن؟"
"كم دقيقة بقيت؟ شون! كم دقيقة؟!"
"لماذا لم يصل الغرير الأسود بعد؟"
بكى العالم ذو الشعر المجعّد.
"لقد تذكّرتم أننا لم نوقف تشغيل الجسر العلوي، أليس كذلك؟"
كوااا-آانغ!
[مستوى تضرّر الدرع 65٪]
"أواغ! أواغ!"
"مارتن! أنشئ درعًا آخر!"
"حوّلوا كل الطاقة إلى مارتن!"
مدّ أحد العلماء عنقه ليلقي نظرة.
"مارتن! استخدم طاقة المبنى بأكمله!"
طَقّة.
غرق كل شيء في الظلام.
وبينما كان العلماء يصرخون رعبًا، توهّج الدرع الأزرق وسط العتمة.
وكذلك جهاز النواة، الذي ظلّ يطنّ بينما واصل توليد النواة.
[مستوى تضرّر الدرع 70٪. التضرّر 76٪. التضرّر 82٪.]
"لقد انتهى أمرنا."
"لن تكتمل النواة قبل أن يتحطّم الدرع. علينا الهرب."
"ألم يصل الغرير الأسود بعد؟"
أطلق أحدهم شهقةً مرتجفة، محاولًا كتم بكائه.
"لماذا لا يأتون؟"
واصلت النواة المصغّرة تشكّلها ببطء شديد.
مسح العلماء دموعهم، ونظروا نحو مدخل المختبر.
في الظلام، كان مفتاح الإغلاق الأحمر يتوهّج توهّجًا خافتًا.
همست كيت بصوت متوتّر مرتجف:
"عندما يتجاوز مستوى الضرر 90٪، سنركض نحو القاعة."
لم يعترض أحد.
"إذا ركضنا جميعًا في الاتجاه نفسه، فسيقضون علينا، لذا انقسموا إلى مجموعتين، واحدة إلى اليمين والأخرى إلى اليسار—"
[تضرّر الدرع 85٪]
[التضرّر 87٪. التضرّر 90٪]
في تلك اللحظة، رأى العلماء زوجًا من العيون.
عينان صفراوان تتوهّجان كعيني قطّ.
تجمّد الذين كانوا ينهضون على أقدامهم في أماكنهم.
في الفراغ الحالك السواد، كان هناك ضوءان أصفران يطفوان.
تحرّكت العينان المحدّقتان إلى الأمام قليلًا.
"هيلد؟"
[تضرّر الدرع 93٪.]
ارتسمت ابتسامة هلالية الشكل بين العينين.
[تضرّر الدرع 97٪]
"آسف على التأخّر."
دخل صاحب العينين إلى الداخل.
[تضرّر الدرع 99٪]
"ابقوا في أماكنكم."
تحدّث هيلد.
"لا تتحرّكوا."
[تضرّر الدرع 100٪]
[بزز-ززت— تشوّش-ززت— انهيار]
تحطّم!
كوااااانغ!
اجتاحت هبّة رياح عاتية المختبر.
رأى العلماء الدرع يتحطّم؛ ورأوا موجة بيضاء تشقّ الغرفة في اللحظة نفسها التي انكسر فيها الدرع؛ ورأوها تمزّق المخلوقات المتدفّقة إلى الخارج؛ ورأوا الشظايا تتناثر كالحطام.
طَقّة.
عادت الأضواء إلى العمل.
"ابقوا متجمّعين في مكان واحد."
ابتسم هيلد ابتسامة خفيفة، ورفع سيفه في وضعية الاستعداد.
كان عليهم سدّ الثغرة، فذلك هو الحلّ الحقيقي الوحيد.
وبينما كان هيلد يذبح المخلوقات المتدفّقة إلى الخارج، انعقد حاجباه قليلًا.
كان العلماء متكدّسين تحت مكتب يون. وبدا أنهم يحاولون توليد نواة؛ وبصراحة، كان البقاء هناك يبدو أكثر أمانًا من محاولة الهرب إلى الخارج.
شَطْر!
شقّ مخلوقًا قفز من فوقه إلى نصفين.
وتناثر جسده المشطور على بلاط الممر.
تحرّكت يداه بسرعة. وراح يدفع المخلوقات التي تندفع من كل اتجاه إلى الخلف، دافعًا إياها، وموجّهًا إليها الضربات، وشاطرًا إياها إلى نصفين.
لم تكن المشكلة أنه عاجز عن إيقافها، بل كان قادرًا على ذلك. لكنّه لم يستطع مواصلة هذا إلى الأبد. كانت المخلوقات تنبثق في كل مكان، إلى الأعلى وإلى الجانبين، كالسرب.
كان الوضع خطيرًا.
دفع مخلوقًا مندفعًا نحوه إلى الخلف بضربة واحدة خاطفة، ثم صرخ:
"مارتن! هل تستطيع إعادة بناء الدرع؟"
[جارٍ الاستعادة.]
أجاب صوتٌ تتخلّله طقطقة ناتجة عن تشوّش غير مستقر.
[جارٍ الاستعادة.]
"كم بقي من الوقت حتى يكتمل جهاز النواة؟"
دويّ!
ضرب مخلوقًا كان يطير باتجاه نصله، فأطاح به جانبًا.
صرخ شون:
"عشر دقائق متبقية!"
وقت طويل للغاية.
"هل لا يزال هناك أحد آخر في المختبر؟"
لم يستطع رؤية أحد.
ربما كان هناك من يختبئ تحت المكاتب المقلوبة، لكن لم يكن لديه متّسع من التركيز ليتفقّد الآخرين بينما كان يصدّ المخلوقات.
فالبشر، على أي حال، لم يكونوا يصدرون إشارات يمكن رصدها.
"يبدو أنه لا أحد..."
"جون!"
ماذا؟
"جون مفقود!"
"هاه؟ الآن بعد أن ذكرت ذلك—!"
"لا يُعقل أنه عاد إلى المنزل..."
" تبًا. أهو غير موجود هنا حقًا؟"
عاد الذعر إلى العلماء الذين كانوا قد بدأوا لتوّهم بالهدوء.
"كان يُفترض أن يكون عند المكتب المجاور لمكتبنا. أين هو؟"
نبًا.
بالتأكيد لم يكن قد عاد إلى المنزل. لا بدّ أنه لا يزال في مكان ما داخل جناح الأبحاث. ضيّق هيلد عينيه بينما كان يدفع كتلة من المخلوقات المندفعة نحوه إلى الخلف.
الحمّام؟ طابق آخر؟
ماذا لو ظهر فجأةً من مكان غير متوقّع...؟
"لم يكن هنا منذ البداية!"
"ربما يكون في طابق آخر؟"
"سأبحث عنه!"
نهض هيروشي فجأةً من مكانه.
استدار هيلد نحوه بسرعة، وصاح بحدّة:
"اجلس!"
تجمّد هيروشي في مكانه من شدّة الرعب.
شطر هيلد مخلوقًا كثيف الفرو كان متشبّثًا بالسقف، ثم أصدر أمره:
"لا تتحرّك من مكانك."
عاد هيروشي إلى الأرض وجلس.
أشار هيلد بذقنه، ثم أرجح سيفه.
كواااانغ!
انفجرت عدة مخلوقات وتمزّقت إلى أشلاء.
كانت ملابسه مبلّلة تمامًا بالدماء. والتصقت أحشاء المخلوقات بكتفيه وذراعيه، بينما تدحرجت مقل العيون على الأرض.
كانت أرضية المختبر متناثرةً بأحشاء المخلوقات المكشوفة التي خلّفتها ضرباته.
كيف أسدّ هذه الثغرة اللعي*نة...؟
طارد مخلوقًا كاد يفرّ من خلفه، وقضى عليه، ثم رفع نظره.
"مارتن؟"
[جارٍ الاستعادة.]
دار مارتن ببطء في الهواء، مجيبًا إياه.
[جارٍ الاستعا...]
"غيااااغ!"
صرخ أحدهم فجأةً.
استدار هيلد برأسه بسرعة، رغم أنه لم يكن بحاجة إلى ذلك.
"جون!"
"سنيور مولن!"
"هيلد! هناك! هناك!!"
استدار بجسده نحو مصدر الصراخ.
وهناك، في عمق المختبر، عند الطرف الأيمن البعيد قطريًا من موقعه، كان باب المنطقة الخاضعة للرقابة قد انفتح.
المنطقة التي كان يون يحتفظ فيها برؤوس أفراد فصيلته.
بابٌ كان مغلقًا بإحكام في العادة.
ومن الداخل، خرج شيء طويل ونحيل.
تجمّد هيلد في مكانه، محلّلًا الموقف.
استمرّت المخلوقات في التدفق إلى الخارج بلا نهاية.
كان هناك أكثر من عشرة علماء منكمشين خلفه. ولم تكن النواة المصغّرة قد اكتملت بعد. وكانت المخلوقات الهائجة التي تتحرّك يمينًا ويسارًا ستتسلّل عبر الثغرات في النواة غير المكتملة.
وستمزّق جلد البشر بأشواكها الشبيهة بالإبر.
وكان جميع العلماء مجرد بشر عاديين.
أمّا جون مولن، فكان من أصحاب الأجساد المُعزَّزة.
كان مخلوقان شبيهان بالأخطبوط يقفزان نحوه بالفعل، لكن لو أرجح هيلد سيفه ليقطّعهما، فلن يتمكّن من صدّ المخلوقات التي كانت تطير باتجاه العلماء—
"جون!"
صرخ هيلد بيأس.
"تفادَّها!"
ربما كانت صرخة لا جدوى منها.
"أو اركض إلى هنا! الآن!"
رمش العالم العبقري بعينيه.
وتجمّد القوام الطويل والنحيل في مكانه.
أتمزح معي؟!
"على الأقل، انحنِ!"
سيُمسكون بك!
بانغ!
بانغ! بانغ! بانغ!
تحوّلت المخلوقات التي كانت تقفز نحو جون مولن إلى أشلاء.
أُسقطت أربعة مخلوقات كانت في الهواء من السماء بالرصاص. وانفجرت مقلة عين أقربها، فسقطت على كتف مولن. أمّا البقية، فقُذفت إلى الخلف، وتدحرجت عبر الأرض.
توالت طلقات الرصاص بعد ذلك.
كانت الرصاصات تنهمر من موضعين مختلفين.
استدار هيلد نحو مطلقي النار، وكان كلاهما يتمتّع بمهارة استثنائية في التصويب.
"ابقَ مكانك."
كانا سونغهيوون ويون.
"أنت لستَ معافًى حتى."
ومع أنهما قالا ذلك، فقد كانت مساعدتهما ضرورية للغاية.
كان قلقًا عليهما، لكن—
اقتربا من اتجاهين مختلفين، وقد شحب وجهاهما.
كانت حالتهما سيئة إلى درجة أنهما لم ينتبها حتى إلى وجود أحدهما الآخر وهما يتقدّمان نحوه.
تحدّث الرجلان اللذان يحملان السلاح في الوقت نفسه:
"أقِم حاجزًا."
"أقِم حاجزًا. لقد استُنزفت طاقة مارتن."
عندها فقط، استدارا برأسيهما ورأى كلٌّ منهما الآخر.
حتى بينما كان هيلد يلوّح بسيفه بلا توقّف، استطاع رؤية حاجبي الرجلين وهما ينعقدان بحدّة، وقد ارتسمت على وجهيهما تعابير باردة ومقتضبة.
كان الاشمئزاز المتبادل بينهما ملموسًا بوضوح.
"اللع*نة."
بانغ!
شتم يون، وأطلق سونغهيوون النار بانزعاج على أرضية المختبر البريئة.
أخرج مخزن الذخيرة الفارغ، ثم أدخل مخزنًا جديدًا بحركات أصابع ضجرة .
آه.
لن يكون هذا التعاون سهلًا.
أطلق هيلد تنهيدةً انتُزعت من أعماق أحشائه.
ثم أحكم قبضته على سيفه، وأجاب:
"حسنًا. سأُنشئ الحاجز. غطّيا ظهري."
من المؤكّد أنهما لن يبدآ الشجار في هذا الوقت بالذات، أليس كذلك؟
"لنتصدَّ لهم."
تجاهل هيلد الصمت الذي خيّم خلفه، واندفع راكضًا إلى عمق المختبر.
___________________________
الحمدلله🩷
هيلدا يجذب الثنائيات المتناقضين وبيكرهو بعض ههه اول شي يون وجايون وبعدين يون وسنغهيوون😭
قسم العلوم🫠

