لم الشمل (1)
لم يتحدّث السنيور لبعض الوقت.
لم أُكلّف نفسي عناء كسر الصمت أولًا. كانوا بحاجة إلى بعض الوقت لترتيب المعلومات التي أخبرتهم بها.
خيّم الصمت على الغرفة بأكملها.
بدا الجميع وكأن لديهم ألف شيء يريدون قوله، لكن لم ينطق أحد بكلمة. اتكأتُ على المنصّة، وانتظرتهم حتى يستوعبوا المعلومات.
ومرة أخرى، كان يون هو من بادر بالكلام.
"سيكون ذلك العامل الحاسم في حربك ضد أبناء جنسك."
"نعم. أعتقد أن القيادة تفكّر بالطريقة نفسها."
"هل هناك المزيد من أبناء شجرة العالم؟"
"على حدّ علمي، كان هناك العديد منهم على كلا الجانبين. لكن لا أحد يستطيع البقاء في حالة هياج طويلًا. فلا أحد قادر على السيطرة على جسده لأكثر من خمس ساعات."
لم يُطلق على تلك الحالة اسم الهياج من فراغ.
فما لم يبلغ المرء عالمًا معينًا، لم تكن تلك الحالة سوى فعل انتحاري يحرق فيه المرء جسده حتى الموت.
"إذًا، سيحاولون اصطيادك."
أشار يون إلى ذلك بنبرة شخص يقرأ تقريرًا.
"إذا قتلوك، فلن يبقى أحد قادرًا على كبح جماح كايل. وإذا قرّر ذلك، فبإمكان كايل دخول النواة وإثارة الفوضى فيها وهو في حالة هياج، عبر بوابة الانتقال الآني."
"دخول النواة؟"
استدارت صوفيا نحوه بسرعة.
كانت تلك المرة الأولى التي أراها فيها تتحدث إلى يون مباشرةً. لم تكن صوفيا ويون يطيقان بعضهما، لكنهما كانا محترفين لا يسمحان لمواقفهما الشخصية بالتأثير في المهمات.
حتى شخص مثل يون كانت هناك حدود لا يتجاوزها.
لم ينظر إليها، بل أجاب بصوت محايد.
"بوابة الانتقال الآني التي سقط منها الطفلة وهيلد قبل بضعة أشهر. وبما أنهما انتُشلا من النواة، فلا يوجد ما يضمن عدم قدرة شيء آخر على دخولها."
كانت نقطة منطقية.
ولهذا السبب دخل قسم العلوم في حالة طوارئ. وكانت القيادة على علم بذلك أيضًا. لم يُعلن الأمر في الأخبار قط، لكنني سمعت أن عددًا لا يُحصى من العلماء، بمن فيهم يون، كانوا يعملون بلا توقف على البوابات وأبحاث الأبعاد.
حدّقت صوفيا في يون بوجه يُظهر بوضوح أنها لا تريد تصديق أيٍّ من هذا.
تنقّل ريكاردو بنظراته بين يون وبيني، بتعبير يستحيل فهمه.
ضمّت آمي شفتيها قبل أن تتحدث أخيرًا.
"هيلد، أخبرنا إن كان الأمر يفوق قدرتك. أشعر وكأن جروحك لم تلتئم بعد."
"أنا بخير."
خرجت الإجابة من فمي بشكل تلقائي.
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة.
أصبحت الآن قادر على الابتسام بصورة طبيعية مجددًا.
وبعد أن شعرت بالارتياح لأنني استطعت الابتسام كعادتي، أضفت بلطف:
"شكرًا لاهتمامك بي. لقد تحسّنتُ حقًا كثيرًا."
"أنا أعرف تلك النظرة."
تمتمت آمي بامتعاض.
أيّ نظرة؟
"هيلد، لا بد أنك سمعت ذلك كثيرًا، أليس كذلك؟ أشخاص يقولون لك إن عليك التحدث إذا كنت تعاني. لكنك لم تتحسّن، لذا استسلمت في مرحلة ما، أليس كذلك؟ تلك هي نظرة: «لن أتحسّن على أي حال، لكن عليّ على الأقل أن أشكر الأشخاص الذين يقولون لي إن عليّ المحاولة»."
...ماذا؟
هذه السنيور التي تبدو كأنها أحد صغار السن.
في مرحلة ما، بدأت أعتبرها أختًا صغرى لي. وهذا ما جعل إدراكها لحقيقتي أمرًا أكثر صدمة.
تذمّرت آمي بصوت متبرّم:
"أنت تمامًا مثل ييهيون أوبا."
"آه."
لم أكن أعرف الأعراض التي كان ييهيون يعاني منها.
"هل ييهيون هكذا؟"
"أجل."
كنت أعرف أنه يتناول الأدوية، وأعرف أن الأمور التي كان يتحمّلها ليست من النوع الذي يمكن للمرء ببساطة أن «يتجاوزها». لكنني لم أكن أعرف الصعوبات التي كان يواجهها في حياته اليومية.
عليّ أن أولي الأمر مزيدًا من الاهتمام عندما أعود.
إذا سنحت لي الفرصة، فسأسأله بحذر.
أضافت آمي بهدوء:
"لكنني لا أتعب."
قالتها وكأنها تحدّث نفسها تقريبًا.
"حتى لو لم يحدث أي تحسّن، فسأواصل الاستماع إليك."
جعلني ذلك أضحك مجددًا.
لم تكن ضحكة ساخرة حادّة كتلك التي صدرت عني في وقت سابق، بل ضحكة طبيعية، لأن تمتمتها كانت مضحكة حقًا.
إنها شخص لطيف حقًا.
وسّعت آمي عينيها، إذ بدا واضحًا أنها لم تتوقّع أن أضحك هذه المرة.
ابتسمت لها برفق.
"شكرًا لكِ. سأحاول."
بعد ذلك، قدّمت التوضيحات اللازمة وأنهيت الأمر. بدا على الجميع أن لديهم المزيد ليقولوه، لكنهم امتنعوا عن ذلك.
قدّرتُ مراعاتهم لمشاعري، وقدّمت التقرير إلى القيادة. وقد رافقني يون بتذمّره الفظّ وتوبيخه طوال العملية. وما إن انتهيت من التقرير حتى جرّني تريفور بعيدًا. وانتهى بي الأمر إلى القيام بأعمال متفرقة معه حتى انقضى اليوم بأكمله.
كان من المقرّر أن نغادر في صباح اليوم التالي.
"سنيور، رأيت شيئًا يشبه وجهًا على السقف، هل تعرف ما كان ذلك؟"
في ذلك المساء، تناولنا لحم الضأن.
سألتُ بينما كنت أمضغ أحد أضلاع لحم الضأن، في حين كان تريفور يقلّب الفحم بفتور.
"إنه شبح يظهر في هذه المنطقة أحيانًا."
"ماذا؟!"
أسقطت آمي قطعة لحم الضأن التي كانت على وشك التقاطها.
"شبح حقيقي؟!"
هذا مثير للاهتمام.
لكن إن كان يظهر كثيرًا، فغالبًا لم يكن هناك ما يدعو للقلق. اكتفيتُ بالقول بهدوء: "فهمت"، وواصلت تناول الطعام.
راحت آمي تنظر بالتناوب بين تريفور وبيني، وكأنها لا تستطيع تصديق ردود أفعالنا.
"شبح حقيقي؟! حقًا؟!"
"ألم يكن أشبه بقناع غريب بدلًا من وجه؟"
"بلى، بلى. كان شاحبًا ومبتسمًا."
"ذلك الشيء موجود هنا منذ ما قبل الحرب. وقد رأيته بنفسي بضع مرات."
"لماذا أنتما هادئان إلى هذا الحد؟! وهيلد، لقد قلت إنك لم ترى شبحًا من قبل!"
حسنًا، أشك في أن أيًّا من أفراد فرقتنا سيُفاجأ بظهور شبح. فربما كانوا سيتصرفون بهدوء مثلي تمامًا.
ألم تبدأ آمي بتوجيه اللكمات فور رؤيتها أحد الكشّافين؟
لعل تريفور كان يفكّر بالطريقة نفسها، إذ لم يُجبها. تمتم متذمّرًا بأن الماء قد نفد، ثم نهض واقفًا.
اختفى عن الأنظار وهو يحمل قِربة الماء.
ألقيتُ عظام الأضلاع في سلة المهملات، وأجبتُ ببساطة:
"الموت هو النهاية في نهاية المطاف."
لحم الضأن هذا لذيذ.
"أنا لا أؤمن بالأشباح. أعتقد أن الوجه الملتصق بالسقف لم يكن سوى مخلوق ما سقط من بُعد آخر. لكن إن مات شخص يحمل ضغينة حقيقية وتحول إلى شبح... فلا أعتقد أن ذلك سيكون مخيفًا إلى هذه الدرجة أيضًا."
مددتُ يدي لأتناول ضلعًا آخر من لحم الضأن.
وبينما كنت أنقله إلى طبقي، لاحظتُ الصمت المفاجئ الذي خيّم من حولي.
ماذا؟
هل أكلتُ عددًا كبيرًا من الأضلاع دون أن أنتبه؟
رفعتُ رأسي بحذر، فرأيت السنيور يحدّقون بي.
"لماذا؟"
سألت آمي.
رمشتُ بعينيّ.
"ماذا تقصدين؟"
"هل السبب أنك لا تخاف لأنهم ماتوا بالفعل؟ أم لأنك تستطيع تقطيع ذلك الشبح الأسود أيضًا؟"
"السبب الأول."
ضحكتُ بهدوء.
"ولم يأتِ أيٌّ ممن قضيتُ عليهم يومًا للبحث عني."
"ذلك لأنك امتصصت خطاياهم بالكامل، لدرجة أنه لم تبقَ حتى أرواح تطاردك."
"ليسوا وحدهم."
حين ضحك يون وأضاف ذلك، أجبته بابتسامة خفيفة:
"سواء في عالمي الأصلي أم على الأرض، تسببتُ في سفك ما يكفي من الدماء لملء نهر. ومع ذلك، لم يظهر أي شيء قط. ولم يعد أيٌّ ممن رحلوا من قبل لزيارتي."
رمشت آمي بعينيها.
وضع ريكاردو ملعقته جانبًا. وبعد أن أصبحت يداه حرتين، ضيّق عينيه وأخذ يتأملني، لكنني لم أستطع تخمين ما يدور في ذهنه.
وضيّق كارل عينيه هو الآخر.
شعرتُ بالحرج، فوضعتُ ضلعًا من لحم الضأن في طبق كارل.
أطلق السنيور ذو العينين الزرقاوين ضحكة خافتة.
"لم أكن ألمّح إلى شيء."
إذًا، هذا مطمئن...
"هل قتلت البشر أيضًا؟"
كنت على وشك أن أطلب من كارل الاستمتاع بالطعام، لكن صوفيا كسرت الصمت.
استدار كلٌّ من كارل وأنا نحوها.
في الجهة المقابلة لي، ثبّتت عينيها السوداوين الباردتين عليّ مباشرةً.
"هل قتلت بشرًا على الأرض أيضًا؟"
كانت نظراتها حادّة دائمًا إلى درجة أنها تكاد تخترق المرء.
نظرتُ إلى وجهها الشاحب دون أن أغيّر تعابير وجهي.
ثم ابتسمتُ ابتسامة خفيفة.
"نعم."
انفرج فم آمي من شدة الدهشة.
"لن أكذب بشأن ذلك."
لكن آمي وحدها هي التي تفاجأت. لم يرفع يون عينيه حتى عن طبقه. أما ريكاردو، فظلّ يراقبني بعينيه، لكنه استأنف تناول الطعام.
بقي كارل ساكنًا، وعيناه مثبتتان على صوفيا.
سأل السنيور ذو النظرة الزرقاء الثاقبة:
"هل كان هناك إنسان ظننت أنه قد يعود حتى بعد موته؟"
"كان هناك."
المرأة التي قالت لي: "نحن جميعًا نعيش تحت نصل داموقليس النووي. وأنت لست استثناءً."
امرأة يُرجّح أن دمها كان سيتدفّق أزرق لو طُعنت، صاحبة أعلى سلطة في عصرها.
المرأة التي لم يستطع حتى كولتون إخضاعها قط.
إمبراطورة الجليد.
"لكنها لم تظهر هي الأخرى."
"فهمت."
أجابت صوفيا بهدوء، وأعادت عينيها إلى طبقها.
"إذًا، فالأشباح لا وجود لها حقًا."
"أو ربما أنا فقط لا أستطيع رؤيتها."
"كان من الجميل لو عاد شبح واحد على الأقل، حتى لو كان مشوّهًا."
خفضت عينيها وتمتمت:
"إذًا، في النهاية حقًا... عندما تموت، تكون تلك هي النهاية فحسب."
آه.
هذا سيئ.
أطبقتُ شفتيّ.
طعنت صوفيا قطعة اللحم بشوكتها، وظلّت تعابير وجهها خالية من المشاعر كعادتها.
وبينما كنت أراقبها وهي تأكل بصمت، غرقتُ في دوامة من القلق.
هل ينبغي أن أقول شيئًا مثل: "لكنني لا أملك سحرًا ولا قدرة على استشعار الأرواح، لذا لا يمكنني التأكد" حتى الآن؟
وبينما كنت أتململ في مكاني، نكزني كارل بمرفقه.
"أكمل طعامك."
"حاضر، سيدي."
"وتناول ضلعًا آخر."
وضع الرجل ذو العينين الزرقاوين ضلعًا آخر في طبقي.
أنا ممتنّ لذلك...
تأثرتُ بلطف السنيور، فأكملت وجبتي باجتهاد.
وكل ذلك بينما ظلّ ريكاردو صامتًا، وأخذت آمي تحدّق بي بعينين واسعتين من شدة الدهشة.
***
في اليوم التالي، غادرنا البرج المستدير.
عبرنا الجبل ووصلنا إلى المنطقة C. لم يكن عبور الجبل صعبًا، فقد حصلنا على قسط وافر من الراحة. تناولنا لحم ضأن شهيًا، ونمنا بما يكفي، وشربنا الماء، واغتسلنا، وأصبحنا مستعدين تمامًا لإتمام المهمة.
كان تسلّق جبل في الشتاء مُرهقًا، لكن لم يكن هناك تنين الرعد رابضًا فوق القمة.
سارت المهمة بسلاسة.
حتى وصلنا إلى النقطة المستهدفة.
حتى بينما كان كارل ويون يثبتان جهاز البوابة ببراعة، سارت الأمور على ما يرام.
لكن الأمور تنهار دائمًا في لحظة واحدة.
"—سعال."
"أوبا!"
صرخة آمي التي امتلأت بالرعب.
كارل يُعمّر سلاحه على عجل.
صوفيا تصرخ بأنها ستتولى تغطيتنا.
رائحة الدم.
انسكب سائل أحمر دافئ في يدي. وبالقرب من أذني، سمعتُ أنفاس معلّمي المتقطعة.
أمسكتُ به بينما كان ينهار، وينخفض ببطء على إحدى ركبتيه.
بالكاد استطعتُ إخراج صوتي.
"يون."
ركض ريكاردو نحونا على الفور وجثا على ركبتيه.
أخذ يتحسّس بحثًا عن عاصبة لإيقاف النزيف، لكنني لم أستطع حتى إجبار نفسي على مساعدته، بل اكتفيتُ بمناداة اسمه مرة أخرى.
"يون."
"...أنا..."
أسند جبهته إلى كتفي وسعل دمًا.
ثم قال بصوت متقطع وأجشّ، تتخلله صفير أنفاسه:
"أنا... قلتُ... لك... سعال... أن تقتل ذلك الشيء..."
هيكات.
العدو الذي ظهر من بين الضباب.
الرفيق الذي عفوتُ عنه بغرور في الماضي، حين كنت أفتقر إلى العزيمة.
وفالديز.
ذراع كايل اليسرى.
الساحر الذي كان يعتزّ به.
_________________________
سبحان الله🩷