القبول(2)
لم تكن نظرتها تجاهي تحمل سوى الاشمئزاز، منذ البداية وحتى اللحظة التي واجهنا فيها كايروس.
أردت أن أسألها مجددًا، لكنني لم أستطع أن أجد الجرأة على ذلك.
فتحت فمي، ثم أغلقته، وكررت الأمر مرارًا.
لم تكترث سينيور ذات الشعر القصير لردة فعلي.
"لقد فكرت كثيرًا في الأمر. خصوصًا بعد أن التقيت ببلاك جاك."
"جاك؟"
"قلت إنكم انقسمتم إلى أطراف متفرقة وخضتم القتال أيضًا. وهذا يعني أنك فقدت شخصًا عزيزًا على يد أبناء عشيرتك."
كانت صوفيا تسند إحدى ذراعيها إلى ركبتها التي رفعتها أمامها.
لم تحوّل عينيها عني.
وقد اخترقتني نظرتها الحادة، التي كانت تشبه نظرات الكراهية التي اعتادت أن توجّهها إليّ.
"إذًا، من الناحية النظرية، أنت محارب مخضرم. وقد كنت أفكر في الأمر، ربما كنت أكرهك لمجرد أنك مخلوق. رغم أنه ربما لا يوجد أحد يرغب في إيقاف الحرب أكثر منك."
"أهذا من فراغ؟"
"لا. لقد توصلت إلى ذلك بمجرد مراقبتك."
شرحت كلامها بهدوء.
"أنت شخص طيب أكثر مما ينبغي لكي أكرهك."
ما هذا بحق خالق الجحيم؟
لقد شعرت بالخوف.
انتفضت وتراجعت إلى الخلف.
وبينما كنت أبذل قصارى جهدي للزحف إلى الوراء وإيجاد مسافة تفصلني عنها، قالت آمي، التي كانت تقف تراقبنا:
"اليرقة تتحرك."
تجاهلتها وفررت بكل ما أوتيت من قوة.
وفجأة، اصطدمت بشيء ما.
ارتطم ظهري بجذع شجرة ساقطة.
ولما عجزت عن الابتعاد أكثر، نظرت إلى سينيور، التي كان واضحًا أنها ليست على طبيعتها.
أهذه صوفيا حقًا؟
أليست جايون متنكرة في هيئة صوفيا؟
كان ذلك شكًّا منطقيًا إلى حدٍّ ما، لكن بينما كنت أتراجع إلى الخلف، تكلّمت سينيور أخيرًا، بعدما ظلت تحدّق بي دون أن ترمش ولو مرة واحدة.
"ما زلت أكرهك أحيانًا."
"آه."
إذًا، إنها هي فعلًا.
أطلقت تنهيدة ارتياح عفوية، لكنها تابعت كلامها بعد ذلك.
"لكنني أحاول تقبّل أنك بذلت قصارى جهدك، لذا توقّف عن تلقّي الضربات كالأحمق."
رفعت رأسي والتقت عيناي بعينيها.
كانتا عينين سوداويين. والآن، لم أعد قادرًا على قراءة المشاعر في تلك العينين الحادتين. كان من السهل جدًا قراءتهما في السابق. فخلف رموشها الطويلة، لم يكن هناك سوى الكراهية والحزن، وإحساس بالخسارة لا قاع له.
أما الآن، فقد امتزجت فيهما مشاعر لم أتعرف إليها، تخفي ما يدور في ذهنها.
لم يكن يملأ المكان سوى طقطقة نار المخيم وصوت صوفيا.
أطلقت صوفيا زفيرًا طويلًا.
"لقد بدأت أفكر في أن عليّ أخيرًا أن أتجاوز هذا الشعور بالخسارة."
خفضت عينيها وتمتمت، وكأنها تحدث نفسها تقريبًا.
"لن يكون الأمر بالسهولة التي يبدو عليها حين أقوله، لكن... ينبغي أن أحاول..."
هذه المرة، لم أستطع أن أحوّل نظري عنها.
لأنني كنت أعرف جيدًا ماهية ذلك اليأس. أن تسقط في هاوية من الغضب والشعور بالخسارة، وتفقد حياتك اليومية التي اعتدتها.
أردت مساعدتها على الخروج من ذلك الألم، ولو قليلًا. كنت أعرف كم يمكن أن يكون الشعور بالخسارة التي لا تستطيع فهمها بالكامل مؤلمًا.
لا تختفي الخسارة أبدًا، لكن يمكنك على الأقل أن تعتاد على الفراغ الذي تتركه.
لو استطعت مساعدتها بأي طريقة...
"لذا، توقّف عن تلقّي الضربات باستمرار."
فجأة، وجّهت صوفيا إليّ نظرة ثاقبة.
"لا تتقبّل الكراهية الظالمة وكأنها أمر طبيعي. افعل ذلك من أجل أبناء عشيرتك الذين اتبعوك، ومن أجلي أنا أيضًا، أنا التي أحاول المضي قدمًا بفضلك."
(فراشااااتت🥹)
"...نعم."
أجبت ببطء.
"سأفعل."
حدّقت صوفيا في وجهي.
ثم نهضت وسارت نحو المكان الذي وضعت فيه كيس نومها.
اتجهت أنظار الجميع نحوها، لكنها لم ترمش بعينيها ولو مرة واحدة. وبعد أن وصلت إلى كيس نومها، بدأت تستعد للتخييم وكأن شيئًا لم يحدث.
وعاد يون وآمي وريكاردو أيضًا إلى أعمالهم بهدوء.
أما أنا، فظللت واقفًا في مكاني شارد الذهن لبعض الوقت، عاجزًا عن استجماع قواي، إلى أن اقترب مني كارل وانحنى حتى صار في مستواي.
"هيلد."
ناداني سينيور بصوته الأجش الخشن المعتاد.
"نعم، سيدي."
"لقد استُثنيت من نوبة الحراسة الليلية اليوم، لذا من الأفضل أن تغيّر مكان نومك."
"استُثنيت؟"
لماذا؟ أنا قائد الفرقة.
ولا أتذكر أنني وافقت على ذلك.
متى تقرر هذا أصلًا؟
رمشت بعينيّ في حيرة، بينما كنت أطرح السؤال مجددًا، فالتفت سينيور الآخرون نحوي بسرعة.
وبشكل أدق، نظر إليّ آمي وريكاردو ويون، وسرعان ما بدت عليهم علامات الانزعاج.
"هذا الوغد... إذا كنت تريد نوبة الحراسة الليلية، فكان ينبغي ألّا تدعهم يبرحونك ضربًا~!"
"هل تنوي التمرّد يا هيلد؟ تمرّد قائد الفرقة!"
"أتريدني أن أصفع مؤخرة رقبتك وأساعدك على النوم؟"
"لا."
تراجعت مذعورًا من ردود أفعالهم المنفجرة، وأملت الجزء العلوي من جسدي إلى الخلف.
أردت أن أرفع كفّيّ، لكن ذراعيّ كانتا محشورتين داخل كيس النوم، فلم أستطع.
لم يكن أمامي خيار سوى أن أرمش بعينيّ مرارًا للتعبير عن مشاعري.
"لم أقل إنني أريد القيام بذلك، كنت أسأل فقط متى تقرر الأمر..."
لم يصدقني أحد.
أنهى أفراد الفرقة المتمرّسون تجهيز المخيم بسرعة. تجاهلوا استيائي، ورتّبوا فيما بينهم جدول نوبات الحراسة الليلية. وبعد أن حددوا ترتيب النوبات، اختاروا أماكن نومهم، ثم جرّوني إلى وسط الدائرة التي شكّلتها أكياس نومهم.
تلوّيت وقاومت، لكن دون جدوى.
تصرّف سينيور كما يحلو لهم، بغض النظر عن رأيي.
وسرعان ما بدأ الجميع يستعدون للنوم. جلس كارل، الذي سيتولى نوبة الحراسة الأولى، مستندًا إلى الشجرة التي كنت أتكئ عليها في وقت سابق، بينما استلقى سينيور الآخرون داخل أكياس نومهم.
وخفتت حفيفات الحركة تدريجيًا حتى ساد الهدوء.
حدّقت في السماء الشتوية، حيث القمر الجميل، وتمتمت لنفسي:
"أنا بالتأكيد قائد الفرقة..."
"دعنا ننام."
"هيلد، اصمتتتت!"
انهال عليّ الشقيقان تشوي بالتوبيخ على الفور.
لن يفيدني التذمّر أكثر من ذلك.
أغلقت فمي واستلقيت في الوسط بحزن.
ريكاردو... متى سيعيد إليّ خاتم الزواج؟
احتفظت بالسؤال في قلبي، عاجزًا عن البوح به.
****
أيقظني كارل.
"هيلد."
انتفضت جالسًا.
"لقد أصبح الصباح."
يا إلهي!
رمشت بعينيّ وأنا أحدّق في ضوء الشمس الشتوي الذي كان يذيب الصقيع.
متى نمت بهذا العمق؟
حاولت استيعاب الموقف بقلق. لقد نمت الليلة الماضية كنائمٍ كالميت، لا يشعر حتى لو حمله أحد من مكانه.
لم أكن على هذه الحال عادةً.
فأنا أنام دائمًا نومًا خفيفًا. وبّخت نفسي لأنني نمت بهذه الدرجة من انعدام الحذر في مكان مكشوف، ثم سارعت إلى الخروج من كيس نومي.
كان سينيور ينهون تنظيف موقع المخيم. أوشكوا على الانتهاء، وكانت الاستعدادات للمغادرة قد شارفت على الاكتمال. ومن الواضح أنهم تركوني أنام لأطول وقت ممكن.
وداعًا لهيبة قائد الفرقة!
كتمت تنهيدة، وأسرعت إلى ترتيب المكان الذي نمت فيه.
كانت أنفاس الآخرين تتصاعد بيضاء في الهواء البارد بينما يتحركون بصمت.
وعندما انتهيت من الاستعداد، اقتربت مني آمي.
"عاد ريك للتو من فرقة تشين."
"حقًا؟ كان بإمكانك إيقاظي."
"بالكاد ناموا هناك. أخذوا دراجتين ناريتين صالحتين للعمل، وقطعوا بهما أكبر مسافة ممكنة حتى عادت الاتصالات، لكي يتمكنوا من العودة بسرعة."
آه.
"لقد تلقوا أوامر. طُلب من فرقة تشين العودة. لدينا ثلاث دراجات نارية صالحة للعمل، بما فيها دراجتنا، لذا علينا العودة على متنها وانتظار قطار العودة. هناك قطار إمدادات واحد متجه إلى الخلف."
"إذًا، هناك قطار متجه إلى المنطقة المركزية. جيد."
"أجل. ستبقى فرقتنا هنا بانتظار وصول تريفور."
"تريفور؟"
لقد سمعت هذا الاسم بالأمس.
استرجعتُ الحديث الذي دار في القطار، والذي بدا الآن وكأنه حدث منذ زمن بعيد.
"إنه الشخصية غير القابلة للعب من البرج الدائري، أليس كذلك؟"
"أجل. سيحضر مركبة لاصطحابنا."
والآن بعد أن فكرت في الأمر، تذكرت أن البرج الدائري يقع في المنطقة E.
كانت المنطقة E شاسعة، لذا سيستغرق وصوله إلى هنا بعض الوقت.
على أي حال، كان الشعور بوجود أوامر واضحة أمرًا منعشًا. كما أنها كانت منطقية. إذا كنت أتذكر جيدًا، فقد كُلّفت فرقة تشين بتأمين الإمدادات، لكن الإمدادات فسدت جميعها الآن، ولم يعد لديها شيء آخر تفعله.
أما نحن، فكان من المفترض أن نستريح في الملجأ بالمنطقة E، ثم نتوجه إلى المنطقة C.
لم يُصب أحد بجروح خطيرة، ولم يكن هناك أي سبب لإلغاء المهمة.
ولم أكن أنوي العودة بسبب أمر كهذا.
"أظن أننا سنأخذ معظم الإمدادات الموجودة في القطار."
"أجل."
تفقدت آمي حذاءها المشحون بالكامل، ثم أومأت برأسها.
"الأوامر تقضي أيضًا بتسليم إمدادات فرقة تشين إلينا."
اتجهنا نحو الجسر.
لم يكن موقع المخيم بعيدًا. وبعد أن سرنا فوق الثلج، ظهرت أمامنا قريبًا كومة جثث المخلوقات الهائلة والقطار المحطّم. كما وقع بصرنا على سينيور، الذين كانوا قد اجتمعوا واستعدوا بالفعل.
كان كارل من بين المنتظرين، والدراجة النارية على ظهره.
وكان هناك تشين، ورو، وديفيد وجون، الذين انضموا إلينا لاحقًا بسلام.
وجوناثان كودو أيضًا.
كان يدير ظهره إلينا ويشحذ سيفه.
"انتظر هنا قليلًا~..."
مدّ سينيور ذو العينين الخضراوين ذراعه واعترض طريقي.
تجمّدت في مكاني.
"هل أعدت إليه خاتم الزواج؟"
همست بالسؤال بينما كنت أراقب أفراد الفرقة وهم يمرّون بجانبنا.
"إنه يصاب بقلق شديد إذا ظن أنه فقده."
ضيّق ريكاردو عينيه.
ربما لم يكن ينبغي لي أن أقول ذلك.
رفعت نظري إلى سينيور الواقف أمامي. كان يعرف جوناثان أكثر مني بكثير، ويهتم به أكثر مما أفعل بكثير أيضًا. وكان شخصًا دقيقًا يهتم بالتفاصيل، لذا فمن الطبيعي أنه تذكّر إعادة الخاتم إليه.
كنت أتدخل فيما لا يعنيني فحسب.
وبينما كنت أندم على كلامي، كسر ريكاردو الصمت.
"إنه لم يكن يعلم أصلًا أنه اختفى..."
ماذا؟
"الخاتم؟"
"أجل..."
"كودو؟"
كيف يُعقل هذا؟
فهو نفسه الذي فقد صوابه وركض عائدًا إلى مبنى مدمّر لمجرد استعادة الخاتم من يد سارة.
وهو نفسه الذي تصرّف وكأنه لا يرى شيئًا في العالم سوى ذلك الخاتم.
رمشت بعينيّ، محاولًا استيعاب ما كنت أسمعه.
كان أفراد الفرقة الآخرون يتحدثون مع رجال تشين من حولنا. وكانت الرياح الحادة تحمل أصواتهم إلينا. كان رو يمازح آمي، بينما كان تشين يطلب شيئًا من كارل.
وسط تلك الهمهمات الصاخبة، تنهد ريكاردو.
"وأنت... بعد أن تلقيت كل تلك الضربات، ما زلت تقلق بشأن هذا الأمر~؟"
"وكيف يُفترض بي ألّا أقلق؟"
"ألم تتعلم شيئًا مما قالته لك صوفيا...؟"
"لا. لن أسمح لهم بضربي بهذه الطريقة مجددًا."
لكن هذا الأمر مختلف عن ذاك.
"لكن كودو ليس وغدًا عديم القلب. أنت تفهم ما أقصده."
"لا أفهم شيئًا..."
كان يفهمني تمامًا، لكنه يتظاهر بأنه لا يفهم.
حدّقت فيه بعبوس، لكن ريكاردو لم يسايرني.
حدّق إليّ بعينين ضيقتين، ثم أدار جسده.
"اذهب واسترح خلف تلك الشجرة~."
اتبعت كلامه وتوجهت نحو فرقة تشين.
وحين شعرت بوجود المخلوقات بالقرب مني، اختبأت خلف الشجرة.
في هذه المرحلة، لم يكن أمامي خيار آخر، لكنني كنت لا أزال أرغب في إخبار جوناثان بهويتي بنفسي، إن أمكن.
جلست مستندًا بظهري إلى الشجرة، وظللت أشحذ سيفي مرارًا وتكرارًا حتى غادرت فرقة تشين.
***
"كما تعلمون، تريفور..."
كنا نجلس تحت الجسر ونتناول شيئًا ما بين الإفطار والغداء، حين تحدثت آمي فجأة.
"إنه معجب جدًا بيون أوبا."
"ماذا؟"
رفعت رأسي عن الطعام المعلّب ورمشت بعينيّ.
"يون؟"
"أجل."
"لماذا؟"
خرج السؤال من فمي دون أن أتمكن من كبحه.
"لماذا قد يُعجب تشوي يون بالذات، من بين جميع الناس؟"
"أليس كذلك؟"
تدخل يون في الحديث دون أن يرفع رأسه عن طعامه المعلّب.
"يا للخسارة. أنا معجب بك أنت، وليس بتريفور. أليس كذلك يا هيلدبرت؟"
...تبًّا.
__________________________
استغرالله العظيم واتوب اليه🩷