مُروض الغربان(1)
سيبا وغدٌ جشع.
هذا يعني أنه لم يكن غبيًا بما يكفي ليتهور ويقتحم المواجهة دون تفكير، لكنه لم يكن حكيمًا بما يكفي ليتراجع أيضًا. كان ينتظر حلول الليل. ينتظر أن يستغل البرد القارس في هذا الجبل المغطى بالثلوج، والذي لن يؤثر فيه إطلاقًا، ليهاجمنا.
لأنه كان يمتلك جسدًا مقاومًا للبرد والظلام.
لو لم نكن قد تشتتنا، فربما كان سيتراجع. لكن بما أن خروج القطار عن السكة قد فرّق قواتنا على نحو ملائم، فلا بد أنه يعتقد أن الوضع أصبح أكثر ملاءمة له.
لم تكن هناك أي وسيلة للاتصال بالقيادة الرئيسية أو بفريق آخر، لذا لن تأتي أي تعزيزات.
لا بد أنه يعتقد أن الوقت قد حان أخيرًا ليكسب بعض الاستحقاق.
حتى لو لم يستطع قتلي، فمن المرجح أنه سيحاول انتزاع شيء مني، كأحد أصابعي أو إحدى مقلتيّ.
"هل تمكنت من التواصل مع الأربعة الآخرين؟"
سألت بينما كنت أفتش عربة قطار محطمة بشدة.
كنا نبحث داخل القطار. كان كل واحد منا يستخرج الأغراض من عربات الركاب المتناثرة في أماكن مختلفة.
كان رو يعبث هنا وهناك، لكن لم يوبخه أحد.
نزعتُ لوحًا من القطار كان ممزقًا كقطعة مناديل ورقية.
"لا." جاءني رد تشين من على بُعد عدة مئات من الأمتار.
"هذا يكفي، ابحثوا عن البنزين أولًا! النهار قصير، وسيشتد البرد بسرعة."
"حسنًا."
نفضت الثلج عن نفسي وبدأت أفتش بين حطام القطار.
ساد الصمت بيننا لبعض الوقت. لم يكن هناك ما يقطع سكون الهواء البارد سوى تمتمات تشين مع نفسه، وصوت شخص يحاول فتح باب إحدى عربات القطار بالقوة، وأصوات إخراج الأغراض من بين حطام العربات المحطمة.
كان فريق يون على مسافة منا، لذا سيستغرق وصولهم بعض الوقت.
كانت تقاريرهم الدورية تطمئنني. وبعد أن أبلغني يون بأنهم سيصلون خلال ثلاثين دقيقة، أجبته ثم أخرجت صندوقًا مليئًا بالإمدادات.
كان هذا الصندوق صالحًا للاستخدام.
"لا ترهق نفسك أكثر من اللازم."
قطّب جوناثان حاجبيه وهو ينظر إلى يدي، فابتسمت ابتسامة خفيفة.
"أرجو ألا تقلق."
جمعنا كل الأغراض التي أمكن إنقاذها ووضعناها بالقرب من موقع التخييم.
استقررنا تحت الجسر الشاهق، الذي كان مرتفعًا لدرجة أنني اضطررت إلى إرجاع رأسي إلى الخلف كي أرى امتداده كاملًا. كان هذا هو المكان الذي اختاره تشين.
لم أعترض.
فالمكان الذي يعلوه سقف يكون جيدًا دائمًا.
كما أعجبني أنه يبعد مسافة لا بأس بها عن القطار المحطم. فلا أحد يعلم متى قد تتسبب شرارة في اشتعال ذلك الشيء وتحوله إلى كتلة من اللهب.
"أوه! هل هذا بنزين؟"
"نعم."
وضعتُ عدة حاويات وقود على الأرض.
"هناك بعض الطعام الذي نجا أيضًا."
وبما أن الثلاثة منا، باستثناء رو، عملوا بسرعة، فقد انتهينا من المهمة بعد وقت قصير.
بينما كنا نعمل، ظل رو يحدّق في الغابة، وفجأة بدأ يطلق النار مرارًا وتكرارًا.
بانغ! تاتاتات! تاتاتاتاتات!
شتم تشين بسبب الطلقات النارية التي دوّت فجأة دون سابق إنذار.
"أخبرنا بشيء قبل أن تطلق النار!"
لم يلتفت رو إلى الخلف.
أما جوناثان، فلم يرمش حتى، وظل مركزًا على العمل. وكل ما فعلته أنا هو أنني كنت أختلس النظر إليه كلما انطلقت رصاصة.
كانت لديه غريزة جيدة إلى حدٍّ ما.
كان رو يطلق النار كلما اقترب أحد المخلوقات التي كانت تختبئ. ولم يكن من المفترض أن يكون اكتشافها بالعين المجردة أمرًا سهلًا. كان سنيور ذو الشعر المجعد يجلس فوق الحطام وينبش أذنه، ثم ما إن يقترب شيء حتى يطلق النار بدقة مخيفة، إما فيقتله أو يجبره على الابتعاد.
كان شخصًا حدسيًا.
وبعد أن أخلينا المكان بهذه الطريقة مرة واحدة، تجمعنا في موقع التخييم، في الوقت الذي كان فيه الشفق ينسلّ خلسةً معلنًا اقتراب المساء.
"على الأقل، لن نموت."
أطلق تشين صفيرًا وهو يتفحص الإمدادات.
"هناك بعض أكياس النوم، والطعام، ودراجة نارية، كما نجا خزان وقود واحد أيضًا. يمكننا المغادرة عند الفجر."
"سأبحث عن الذين لا نستطيع الاتصال بهم."
"سأذهب معك."
قال جوناثان ذلك بسرعة، بعد أن ظل صامتًا حتى تلك اللحظة.
لم يبدُ أن تشين ينوي المغادرة، لذا بدا سعيدًا بردة فعلنا. لم يحاول منعنا، بل قال بدلًا من ذلك: "أوه، حسنًا! اذهبا ثم عودا!"، وناولنا بعض ألواح الطاقة بوجه بشوش.
وضعت ألواح الطاقة في جيبي، ثم بحثت في غابة الصنوبر.
وقد أزعجني الظلام الذي بدأ يهبط، فرفعت صوتي وأنا أنادي السنيور. وخفضت نظري لأتفقد المكان بحثًا عن جثث أو أي آثار ربما تركوها خلفهم.
لكننا لم نعثر على شيء.
هل قُذفوا إلى الجانب الشمالي من الجسر؟
قدّرت أنه ينبغي لنا العودة إلى موقع التخييم، وانتظار وصول فريق يون، ثم البحث في الشمال.
في تلك اللحظة، صدر صوت من جهاز اللاسلكي.
[تقرير: تأخر الوصول.]
كان ذلك صوت يون الهادئ.
[نحن محاصرون. الذخيرة لدينا بدأت تنفد، لذا سيستغرق تطهير المنطقة بعض الوقت.]
"هل تحتاجون إلى دعم؟"
[يبدو أن المخلوقات ستتجمع في جهتكم أيضًا. لا نحتاج إلى الدعم في الوقت الحالي.]
"حسنًا. نحن حاليًا تحت الجسر."
كان توقّع راميي قد أصاب، لذلك لم أندفع بتهور نحو الشمال.
كنت قلق، لكنني وثقت بهم أيضًا. فبوجود يون وآمي وريكاردو معًا، سيكونون بخير ما لم يواجهوا شيئًا استثنائيًا وخطيرًا.
كانت المشكلة في جانبنا نحن.
كنت أشعر بتجمع المخلوقات مع اشتداد الظلام.
لقد بدأ الأمر.
"لنعد، سنيور."
شعر جوناثان أيضًا بالوجود الذي كان يقترب.
أومأ برأسه وبدأ يركض.
كلما اقتربنا من موقع التخييم، ازدادت أصوات إطلاق النار ارتفاعًا.
واندفعنا مباشرة نحو وابل من الطلقات النارية التي كادت تصمّ الآذان.
بانغ! تاتاتاتاتات!
كوااااانغ!
"مهلًا! أسرعا!"
عندما اقتربنا من مصدر الضجيج، صرخ تشين بأعلى صوته، وهو يحمل على كتفه سلاحًا كبيرًا مضادًا للمخلوقات.
"إنهم يتدفقون بأعداد هائلة!"
كان الاثنان يقاتلان المخلوقات مستخدمين حطام القطار درعًا يحتميان خلفه.
كان جياكومو رو يقذف القنابل اليدوية واحدة تلو الأخرى، دون أن يلتفت إلينا حتى. وبجواره، كان تشين كونيغ جالسًا يعيد تعبئة مخزن الذخيرة.
كان ممتلئًا.
ألقيت نظري نحو الغابة، التي كانت الرؤية فيها جيدة إلى حدٍّ معقول بفضل الضوء المنعكس عن الثلج.
كانت كلاب مانزيل ذات العيون الحمراء تتدفق نحونا بأعداد هائلة. وقد سُمّيت بهذا الاسم بسبب الشيء الشبيه بشقائق النعمان المثبت في الموضع الذي يُفترض أن يكون فيه خطمها. كانت تتجول مثل الذئاب وتتغذى على المسافرين.
وكانت هناك أيضًا الآلهة المعكوسة، وهي خنازير أكبر منها بكثير، وثعابين مجنحة، وعلقات ضخمة تسبح في الهواء ضمن أسراب.
سيكون من الأسهل القضاء عليها جميعًا دفعة واحدة.
هاه.
أخرجت زفرة بيضاء، ثم سرت خلف السنيورين.
"سنيور، سأدفعهم جميعًا إلى الخلف بضربة واحدة."
"أوه، أجل!"
لم يرفض تشين.
أما رو، فلم يُبدِ أي رد فعل.
سرت خلف رو وربتُّ على كتفه.
"سنيور."
"همم؟"
"سأصعد إلى ذلك القطار للحظة، لذا أرجو أن تتوقف عن الهجوم قليلًا."
لم أكن أرغب إطلاقًا في أن تصيبني شظايا القنابل اليدوية أو رصاصات رو.
"سأجتاحهم جميعًا بضربة واحدة."
لم يبدُ أنه فهم ما قصدته تمامًا.
نظر إليّ وعلامة استفهام تحوم فوق رأسه، ثم استدار وجلس على الحطام، وكأنه يقول إنه لا بأس بذلك، مهما كان ما أنوي فعله.
"أنت تقول إن عليّ أن أبقى ساكنًا، أليس كذلك؟"
ابتسمت ابتسامة عريضة وأومأت برأسي.
"شكرًا لك."
في اللحظة التي وضع فيها رو سلاحه، دفعت الأرض بقدمي وانطلقت.
ثم قفزت إلى القطار الذي كان يُستخدم درعًا.
انفتح مجال رؤيتي على اتساعه، وظهرت أمامي الغابة المليئة بالمخلوقات دفعة واحدة.
كان عددها هائلًا.
"هيلدبرت!"
صرخ جوناثان بحدة.
تظاهرت بأنني لم أسمعه.
وبدلًا من ذلك، ابتسمت ابتسامة عريضة للوحوش التي كانت تنظر إليّ. وأجلت نظري على المخلوقات التي كانت تقترب، وقد أضاء ضوء القمر المنعكس في عيونها أجسادها.
تجمّع سرب من العلقات في الهواء مثل سرب من أسماك السردين. وكانت كلاب مانزيل تخفض أجسادها وكأنها تستعد للانقضاض.
سأدفعهم جميعًا إلى الخلف.
وقفت عند نهاية القطار، ثم انحنيت في وضعية الاستعداد.
كوا-غوا-غوا-غوا-غواانغ!
الشكل الأول.
أرجحت سيفي بقوة، فدفعت المخلوقات المتجمعة بعيدًا.
تطاير كل ما كان قريبًا مني دون أن يترك أثرًا. أما المخلوقات التي كانت خلفها، فقد قُطعت أجسادها بسلاسة. وانجرف الثلج المتراكم على الأرض معها، مُشكّلًا عاصفة ثلجية هائلة.
"يا إلهي!"
سمعت صوت تشين.
"إن رؤيته على أرض الواقع أكثر رعبًا."
"هذا جنون بحق!"
صرخ رو وقفز على الفور إلى القطار.
"سمِدِه، أنت جيد جدًا، أليس كذلك؟"
لماذا لا ينطق بشكل صحيح إلا الجزء "-دِه"؟
لم أصحح له. اكتفيت بمنحه ابتسامة مستسلمة.
على الأقل، لم يقل "طالبان".
عندما أخرج رو قنبلة يدوية، كنت على وشك القفز من مؤخرة القطار.
مع ضعف قدرتي على التجدد، لم يكن بإمكاني المخاطرة بالتعرض لشظايا القنابل.
لم أكن أرغب حقًا في اللجوء إلى الامتصاص.
لذا مددت إحدى قدميّ استعدادًا للقفز إلى الأسفل، لكن رو صرخ فجأة.
"ما هذا بحق خالق الجحيم؟"
استدرت برأسي.
"أهذا الوغد الذي رأيناه سابقًا؟"
آه.
سيبا.
كان هناك شخص يرتدي عباءة شاحبة اللون يقف عند طرف مجال رؤيتي.
جزء سفلي شاحب من الوجه، وفراء أسود يغطي كل ما فوقه. امتزج الفراء الأسود القاتم بالظلام الذي كان يهبط تدريجيًا. بدا كإنسان شاحب الوجه لا يظهر منه سوى النصف السفلي، واقفًا عند حافة الغابة.
كان يبتسم لنا ابتسامة خافتة.
وكان غراب واحد يجلس على كتفه.
كان منظره وهو يقف في الغابة المظلمة مرعبًا للغاية.
"أوووووه!"
صرخ تشين، الذي أطل برأسه عند سماع كلمات رو.
"لقد عاد ذلك الوغد اللعي*ن!"
"مخلوق شبيه بالبشر؟"
تمتم جوناثان بجوار تشين الذي كان يصرخ، وقد بدا عليه الحيرة.
"...المرحلة التاسعة؟"
بما أنه قطع كل هذه المسافة للوصول إلى هنا، فمن الأفضل أن أحييه بنفسي.
لم أكن سعيدًا بوجود ذلك الكيان المشوّه، لكنني لم أرد أن أراه يُقتل على أيدي البشر.
ومن الناحية الموضوعية، كانت فرصتي في الفوز هي الأعلى.
كنت أعرف جيدًا كيف يقاتل المروّضون. فمروّضو الكيميرا يسيطرون على الوحوش المشوّهة التي يعجز المروّضون العاديون عن التعامل معها.
على سبيل المثال، ذلك الشيء الشبيه بسلندرمان، عديم الوجه وثنائي الساقين، الذي كان يلتوي في الظلام الآن.
أو ذلك الزاهد ذو الرأس البرونزي، الذي كان يُفترض به أن يمشي على ساقين مثل البشر، لكنه كان يزحف على أطرافه الأربعة.
من الأفضل أن أطارده.
خطوت خطوة باتجاهه، لكن صوت جوناثان جاءني.
"قائد الفرقة، هل لديك كاشف للمخلوقات الشبيهة بالبشر؟"
تبًا!
لقد نسيت ذلك تمامًا.
"آه... مهلاً، أنت تولَّ الأمر!"
ألقى تشين الكاشف إلى جوناثان.
التقطه جوناثان بصوت ارتطام مكتوم.
آه.
هذا لن ينفع.
"إذا كان مخلوقًا شبيهًا بالبشر، فعلينا أن نتراجع أولًا ونعيد تجميع صفوفنا مع فريق تشوي يون..."
"؟ ما هذا الهراء؟"
وبينما كنت أشعر بالذعر وأحاول التفوه بأي شيء، قاطعني رو.
"أيها الحمقى، هل يبدو لكم هذا الشيء بشريًا؟"
عقد حاجبيه الكثيفين.
"أليس هذا واضحًا من النظرة الأولى؟ هل عقولكم معطوبة؟"
للحظة، عجز جوناثان وتشين عن الكلام.
تجمّد السنيوران فجأة في مكانيهما.
حدّقا في رو بذهول.
لا بد أن سماع عبارة "هل عقولكم معطوبة؟" من جياكومو رو تحديدًا كان صدمة كبيرة لهما.
انفرج فم تشين، بينما رمش جوناثان بعينيه وهو يمسك بالكاشف.
من كان ليتخيل أن هناك شيئًا يمكنه أن يجعل جوناثان يتخذ مثل ذلك التعبير؟
أطلقت ابتسامة صغيرة امتزج فيها التسلّي بالارتياح.
على أي حال، هذا جيد.
بما أن رو قال ذلك، فمن المرجح أنهما لن يحاولا استخدام الكاشف لبعض الوقت.
عليّ إنهاء القتال قبل أن يقترح أحدهما استخدام الكاشف مجددًا.
أدرت جسدي ونظرت إلى الغابة الممتلئة بالجثث.
أطلق السنيور الذي حال دون انكشاف هويتي دون قصد النار على الأشياء التي كانت تزحف خارجة من الظلام.
"أبيدوهم!"
تاتاتاتاتاتاتاتات!
"اقتلوهم جميعًا!"
كان عليّ التحرك بسرعة.
قفزت وهبطت على الأرض المغطاة بالثلوج.
"مهلًا! إلى أين أنت ذاهب؟"
"هيلدبرت!"
صرخ السنيوران بصدمة.
وناداني رو متأخرًا.
"كومديبرتشوك!"
تجاهلت جميع صيحاتهم، وانطلقت راكضًا عبر الحقل الثلجي المكدّس بالجثث.
"إلى أين أنت ذاهب؟!"
"سأذهب للقبض على الغراب!"
بعد أن صرخت بذلك، أبقيت نظري متجهًا إلى الأمام فحسب.
متجاهلًا الصيحات الحادة، ركضت عبر الثلج المتلألئ تحت جنح الظلام.
كنت أقبض على سيفي بإحكام.
وأرجحته بقوة، قاطعًا شجرة صنوبر خلفي.
فسقطت شجرة الصنوبر، وقطعت الطريق أمام السنيور الذي حاول اللحاق بي.
____________________________
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد🩷