القطار والشبح(3)
رفعتُ جسدي بعد أن ابتسمتُ ابتسامة خافتة.
شعرتُ بألم في صدري ثم اختفى، لكن بخلاف ذلك، لم تكن هناك أي مشكلة تُذكر. لا بد أنني ارتطمتُ بمنطقة صدري عندما سقطتُ.
كانت يدي قد جُرحت، لكن الجرح لم يكن عميقًا جدًا.
كان الثلج الأبيض ممتدًا على الأرض.
“Oh، أنت لست ميت.”
رمش رو، الذي كان جالسًا على صخرة ضخمة قريبة.
“ظننتُ أنك متِّ لأنك لم تنهض.”
“سنيور.”
يبدو أنك بخير.
لم أكلّف نفسي عناء السؤال.
لم يبدُ أنه سيجيب على أي حال.
وبدلًا من التفوه بكلمات عديمة الفائدة، نهضتُ ونظرتُ حولي.
كان بإمكاني الشعور بالمخلوقات وهي تتجمع في كل مكان. كانت عدة مجموعات تدور حولنا كما لو أنها تحاصرنا. كانت جثث المخلوقات التي لا بد أن جوناثان ورو قد تكفّلا بها مكدسة من حولنا. وكان بإمكاني رؤية أجزاء من الثلج وقد تشبعت باللون الأحمر.
لكن سيبا لم يكن قريبًا.
كان في الأعلى، يراقبنا من السماء. ما الذي يخطط له؟
“هل تمكنتَ من التواصل مع الآخرين؟”
لنتعامل مع ما نستطيع. أولًا، علينا تحديد أفراد فرقتنا.
تحسستُ جهاز الراديو الخاص بي ونظرتُ إلى جوناثان.
لم يجب جوناثان؛ بل عقد حاجبيه ومدّ يده.
“عالج يدك أولًا.”
“آه، الجرح ليس عميقًا، لذا أنا بخير.”
“يدك.”
…لا يبدو أنه سيتراجع.
استسلمتُ ومددتُ يدي اليمنى.
أمسك جوناثان بيدي اليمنى على الفور وأخرج ضمادة من جيب زيه القتالي.
وبينما كنت أتلقى علاج السنيور الماهر، سألتُ مرة أخرى.
“هل لديك جهاز راديو، ربما؟ يبدو أن جهازي سقط داخل القطار.”
ومن دون كلمة، ناولني جهاز الراديو الخاص به وعاد إلى لفّ الضمادة.
شغّلتُ جهاز الراديو بيدي اليسرى وبدأتُ أبحث عن إشارات أعضاء الفرقة.
ولحسن الحظ، سرعان ما جاء صوت مألوف.
[هيلد.]
“يون!”
لم أستطع إخفاء ارتياحي.
“هل أنتم بخير؟”
[نعم. أعطِ تقريرًا عن الوضع أولًا.]
كان تقرير يون واضحًا.
كما أن محتواه جعلني أشعر ببعض الارتياح.
قال إنه هو وريكاردو، اللذان ركضا نحو القطار لإيقافه، لم يصابا بأذى على الإطلاق. كان ذلك لأن آمي أمسكتهما بسرعة وسحبتهما من القطار قبل الاصطدام مباشرة.
وبمجرد أن هربوا، أمطرتهم المخلوقات الطائرة بوابل من الهجمات، لذلك قتلت آمي ويون وريكاردو جميع المخلوقات.
آمي، الوحيدة القادرة على الطيران، أنزلت الاثنين وذهبت خلف سيبا.
كانت المشكلة أنه، خلال كل هذا، نفدت طاقة حذاء آمي .
[كان الجو باردًا بالفعل، لذلك كانت مدة الاستخدام قصيرة، والشاحن موجود في القطار!]
تحدثت بصوت مشوب بالحزن.
[لكن معظم العربات سقطت إلى الجانب الجنوبي من الجسر. نحن الآن على الجانب الشمالي.]
كنا على الجانب الجنوبي من الجسر.
زفرتُ نفسًا أبيض وقدّرتُ الوضع.
كان الوقت الحالي الثانية والنصف ظهرًا. لم تكن الهجمات تنهال علينا في الوقت الحالي، لكن الوضع كان من النوع الذي لا نعرف فيه متى ستبدأ، كما أن الفرقة كانت متفرقة.
وكان ثلاثة من أفراد فرقتي على الجانب الشمالي من الجسر. أما الاثنان الآخران، فلم يكن من الممكن الوصول إليهما على ما يبدو. ما يعني أن مصيرهما، سواء كانا على قيد الحياة أم لا، كان مجهولًا.
لم يكن الوضع جيدًا.
قلقتُ أولًا على سلامة الآخرين، بمن فيهم كاي وصوفيا.
عقدتُ حاجبيّ قليلًا وألقيتُ نظري نحو المكان الذي يُفترض أن تكون فيه القضبان والجسر الممتد.
“لنجتمع مجددًا عند الجسر.”
لم أكن متأكدة من مدى بُعدنا عن الجسر.
“سنتوجه نحن أيضًا إلى الجسر.”
[نعممم.]
جاء صوت ريكاردو.
[مفهوم.]
تلاه صوت يون، وانتهت المحادثة.
بعد أن تحققتُ من جهاز الراديو مرة أخرى، أعدتُه إلى السنيور الذي كان ينظر إليّ.
“شكرًا لك، سنيور.”
حدّق جوناثان بي.
كانت تلك نظرة من النوع الذي تلقيها قطة على حشرة عالقة على جدار. كان من النوع الذي ينظر من خلال الناس، لكن مثل هذه النظرة كانت نادرة.
بدا أن لديه شيئًا يريد قوله.
وبابتسامة بدت عليها الحيرة قليلًا، كسرتُ الصمت.
“ما الأمر؟”
“لماذا يُقدّم أفراد الفرقة تقاريرهم إليك؟”
“أعتقد أن السبب هو أنني انفصلتُ عن الجميع بمفردي.”
كنتُ قد توقعتُ أن يسأل.
“هذان الاثنان عادةً ما يمازحانني كثيرًا.”
أجبتُ بلا مبالاة.
أومأ جوناثان ببطء.
رسمتُ ابتسامة على فمي وحوّلتُ نظري إلى رو، الذي كان جالسًا على الصخرة ويمضغ لوح طاقة.
“هل سمعتَ المحادثة للتو، سنيور رو؟”
“هاه؟”
رمش رو وهو ينظر إليّ.
لم يسمعها.
“أي محادثة؟”
“لنعد إلى الجسر.”
ابتسمتُ ابتسامة خافتة دون أن أُظهر دهشتي أو خيبة أملي.
“قررنا أن نلتقي هناك.”
قفز إلى ذهني فجأة تقييم يون لجياكومو رو.
قبل هذه المهمة، نظر إليّ يون وقال بهدوء:
لا شك أن جياكومو وُلد بحظ مذهل. لولا الحظ الاستثنائي، لما تمكن من البقاء على قيد الحياة كل هذه المدة بهذا القدر من الذكاء.
في ذلك الوقت، اكتفيتُ بالرد قائلًا: “حسنًا، بالنسبة لك، معظم البشر أغبياء”، وتركتُ الأمر عند هذا الحد.
عندما أفكر في الأمر الآن، كانت تقييمات يون قاسية، لكنها كانت دائمًا دقيقة….
حتى آمي لم تُصحّح تقييم أخيها الأكبر.
“لا يمكننا البقاء هنا إلى الأبد، أليس كذلك؟”
“أين الجسر؟”
“سأقود الطريق.”
بعد أن أجبتُ، التفتُّ إلى جوناثان، الذي كان يقبض على سيفه ويمسح المناطق المحيطة بنظره.
“سنيور. لنذهب.”
“سأسير في المقدمة.”
أبعد السنيور نظره عن الأشجار الكثيفة وتوجه نحوي.
“تراجع.”
لم ارفض.
كل ما كان عليّ فعله هو مراقبة المؤخرة.
وإذا حدث شيء ما، كنتُ واثق من أنني أستطيع التدخل في اللحظة المناسبة. كنتُ واثق من أنني أستطيع التعامل مع المخلوقات التي تحاصرنا بمفردي. وإذا انضم سيبا إلى القتال، فسيصبح الوضع معقدًا قليلًا، لكن حتى حينها، لم يبدُ أن الأفضلية ستضيع.
من دون أي شكوى، بدأتُ بالمشي.
كان الثلج يغطي الأرض، وكانت أشجار الصنوبر ترتفع شامخة نحو السماء.
سرنا عبر الغابة في صمت. وبينما كنتُ أنا وجوناثان نتقدم، تمتم رو: “إلى أين تذهبان؟” ثم لحق بنا على عجل.
مشيتُ وأنا أستشعر مجموعات المخلوقات التي تحاصر المنطقة.
لم يكن لديّ أي توقع في البداية بأن تشكيلنا سيبقى متماسكًا.
كنتُ أتمنى فقط ألا ينفصل هذا السنيور ذو الشعر المجعد والمندفع، الذي يستحيل قراءة أفكاره، فجأةً في منتصف الطريق….
انفصل رو.
“سنيور.”
“ما هذا.”
مشى رو فجأةً بشكل قطري ونظر إلى شيء ما على الأرض.
تبعتهُ بسرعة من الخلف.
“إلى أين تذهب.”
“هل هو ميت؟”
حرك رو شيئًا بطرف البندقية التي كان يحملها.
ضيّقتُ عينيّ على الصورة الظلية التي بدت وكأنها مجرد بلاستيك أسود.
مخلوق لا أعرفه؟
لكنني لم أشعر بأي وجود.
“إنه لا يتحرك.”
“سنيور. غالبًا لا شيء مهم، فلنذهب فحسب.”
“هيوووك!”
“أوااااه!”
قفز فجأةً الشيء الذي كان عند طرف البندقية.
وعندما أطلق ذلك الشيء صرخة، أطلق رو صرخة بدوره وترنّح إلى الخلف.
تجمدتُ في منتصف الخطوة وفتحتُ عينيّ على اتساعهما.
ماذا.
“تبًا! لماذا يعود شيء ميت إلى الحياة!”
“مهلًا، اخفض فوهة البندقية! لا توجهها نحو قائد فرقتك، أيها الوغد!”
تشين؟
حدّقتُ بذهول في قائد الفرقة الآخر الذي كان ينهض بانزعاج.
رفع الرجل الذي كان مستلقيًا على وجهه في الثلج جسده. وما بدا وكأنه كتلة من القماش الداكن تحوّل إلى رجل طويل ونحيل، عالق الثلج به.
نفض الرجل طويل الأطراف الثلج عن نفسه.
تمتم رو وهو يدير جسده، قائلًا إنه كاد يضغط على الزناد من شدة الصدمة.
إحساسك بالرفاق يكاد يكون معدومًا.
تركني تسلسل الأحداث، الخالي تمامًا من المنطق السليم ومع ذلك تم تقبّله وكأنه أمر طبيعي، في حيرة. وقفتُ عاجزة عن الكلام وأنا أراقب الرجال وهم يعودون نحوي.
يجب ألا أغضب من صوفيا كالاك مجددًا.
وبينما كنتُ أتأمل في الأمر، نظر تشين إليّ وإلى جوناثان، وخفف العبوس عن وجهه.
“هل السيوف هنا؟”
ليس من السهل وصف المبارزين بشيء بهذه الفظاظة.
“على الأقل لن تموت.”
تشين كونيغ.
بطل حرب من الجيل الأول. كان دائمًا ملازمًا لجيسون تريفين، حتى أطلقت عليه آمي لقب “إيجيني”. وفقًا لآمي، “ليس لديه أي خبث خاص ويضحك كثيرًا.”
ووفقًا ليون، “ليس لديه أي شيء في رأسه، ومن دون إذن تريفين لا يستطيع حتى مسح مؤخرته بنفسه.”
وأنا أشاهد السنيور ينفض الثلج عن رأسه، ابتسمتُ ابتسامة خافتة.
“لنذهب إلى الجسر.”
إذا حالفنا الحظ، فقد نعثر على مركبة رباعية الدفع أو دراجة نارية صالحة للعمل، كانت محمّلة في عربات الشحن.
“قررنا أن نلتقي بمن تواصلنا معهم هناك.”
“أوه، حسنًا.”
تجوّل تشين نحونا وتموضع بشكل طبيعي بيني وبين جوناثان.
“فقط دعونا لا نموت~.”
ومع ارتفاع عددنا من ثلاثة إلى أربعة، عاودنا السير عبر غابة الصنوبر البيضاء.
***
ماذا يريد سيبا؟
في البداية، ظننتُ أنه كان يحاول قتلي بحادث القطار.
كانت استراتيجية تليق به. وربما كانت بالفعل استراتيجيته الأساسية.
لكن لو كان الأمر كذلك، والآن بعد أن فشلت الاستراتيجية، لكان عليه أن يغادر فورًا.
لم يعد هناك أي فائدة له.
كان سيبا مروّضًا ماهرًا إلى حدٍّ لا بأس به. لكنه لم يكن بمستوى كايروس، ومن دون أتباعه لم يكن جيدًا بما يكفي في القتال المباشر ليصطدم بنا بنفسه.
لكنه كان مشهورًا باستخدام الأساليب الخبيثة.
كان قد خضع لتجارب غير قانونية باستخدام جسده نفسه، وتحول إلى هجين كانت الإمبراطورية تحظره بشدة.
كان في الفئة نفسها التي تنتمي إليها روز. مجرم هرب من السجن تحت الأرض وقفز إلى البوابة البُعدية الأخيرة المؤدية إلى الأرض.
وكان أيضًا شخصًا يحترق حقدًا بسبب شعوره بالدونية تجاه كايروس، سواء في الإمبراطورية أو على الأرض.
لم يمنحه كايروس سوى الحد الأدنى من المجاملة التي يستحقها مروّض زميل.
“شخص ذو مهارة لا بأس بها. لكن قتاله لن يكون ممتعًا.”
كان ذلك شيئًا قاله كايروس ذات مرة. ورغم أنه كان يبدو لأي شخص مجرد مروّض أحمر الشعر حسن الطبع، إلا أنه كان يصبح باردًا بشكل مخيف أحيانًا هكذا.
حسنًا، كنتُ أتفق مع كايروس.
أتساءل إن كان كايروس يتدرب جيدًا داخل النواة.
“ذلك المخلوق الشبيه بالبشر اختفى الآن، أليس كذلك؟”
خرج صوت تشين القَلِق.
لم أجب، واكتفيتُ بترك آثار أقدام بطيئة في الثلج. كنتُ أمسك سيفي بيدي اليمنى الملفوفة بالضماد.
لم أكن قلق بشأن هجوم سيبا، لكن البرد كان يقلقني.
كان الشتاء، لذا كانت الشمس ستغيب بسرعة، وكنا حاليًا متفرقين في مكان لا توجد فيه نقطة آمنة. كانت قوة الطبيعة طاغية. ومع فقدان الحواس الإضافي بسبب البرد والظلام، سيتدهور الوضع بسرعة.
آه، انتظر.
أعتقد أنني أعرف ما الذي ينتظره سيبا هناك في الأعلى.
إنه ينتظر أن يبتلعنا البرد. سرعان ما سيحل الليل، وستنخفض درجة الحرارة أكثر.
الطبيعة دائمًا عدو قاتل.
“أين أقرب نقطة آمنة، يا ترى.”
تمتمتُ بينما كنا نسير نحو الجسر أمامنا.
“علينا أن نجد مكانًا نصمد فيه طوال الليل قبل أن تغيب الشمس.”
“مهلًا. لا توجد أي طريقة تجعلنا نصل إلى نقطة آمنة اليوم. ابدأ بالاستعداد للتخييم، أيها المبتدئ.”
“قد تكون هناك مركبة صالحة للعمل في عربات الشحن، أليس كذلك؟”
“ليست مسافة يمكنك قطعها بذلك.”
تمتم تشين وحكّ رأسه.
“لا يبدو أن هناك الكثير من المخلوقات حولنا. من الأفضل بكثير أن نُقيم عربتين من عربات القطار الساقطة وننام بداخلهما. ولنحرق نارًا باستخدام وقود الدراجات النارية.”
إذًا، التخييم.
أطلقتُ زفرة صغيرة بسبب هذا التطور المزعج وتابعتُ المشي، ثم توقفتُ عندما وصلتُ إلى حطام القطار.
القطار المدفون تحت الثلج الأبيض.
كانت المؤن متناثرة في كل مكان حوله.
مرّت شفرة باردة من الرياح على خدي.
“تبًا! حتى الشبكة انقطعت!”
تفقد تشين هاتفه المستخدم داخل المنطقة E، وليس جهاز الراديو الخاص به، وشتم.
“تبًا، الشبكة تنقطع دائمًا في الأوقات المهمة!”
لم يكن ذلك من قبيل الصدفة؛ لا بد أن سيبا قد فعل شيئًا.
ليعزلنا تمامًا.
مشيتُ ببطء نحو الحطام، وأنا أزفر سحابة بيضاء من الهواء.
ستكون ليلة طويلة.
____________________
الحمدلله🩷