الحرب (2)
تلاشى وجود أبناء جنسي.
كان كايل وهيكات يتراجعان. لم أكن متأكد كيف كانا يتحركان، لكن بتلك السرعة، لم نكن لنلحق بهما أبدًا.
وبدعمٍ من يون، وقفتُ شارد الذهن، أحدّق إلى جثة سيون.
"سنمنحه دفنًا لائقًا.رغم أن ذلك سيتعيّن أن يتم وحدنا.تحتاج إلى علاج."
نظر يون إليّ وتمتم،
"وإلا ستلحق به قريبًا."
"لا أمانع ذلك."
انزلقت الكلمات من فمي قبل أن أدركها.
ولم أفهم أنني ارتكبتُ خطأً إلا بعد أن قلتها. لا أحد يحب سماع هذا النوع من الكلام.
لأنه عندما يُقال بصدق، يتحول إلى عبءٍ ثقيل على من يسمعه.
لو كانت آمي تقف أمامي، لامتلأت عيناها المستديرتان بالألم والقلق.
ريكاردو كان سينفجر غضبًا بانزعاج. كارل كان سيتنهد.
صوفيا لم تكن لتكترث.
لكن الذي سمعني كان يون، ولم يتفاجأ. بل لم يبدُ عليه حتى أي تأثر.
"أهو كذلك؟"
أجاب بلا مبالاة، ثم رفعني.
ركض السنيور من الخلف نحونا، لكنه لم يلتفت.
"لقد تعاملتُ مع بشر في حالتك مراتٍ لا تُحصى."
هل يمكنك استعادة جثة سيون من أجلي؟
كنت على وشك أن أطلب ذلك، لكن كلمات يون جمّدتني.
ماذا؟
كان من الواضح من يقصد.
"ييهيون؟"
سرت قشعريرة في عمودي الفقري.
"هل حالته سيئة إلى هذا الحد؟ لماذا؟"
"ألم تكون على وشك قول شيء؟"
سأل يون ببرود.
توقف السنيور خلفنا.
لم أستطع التركيز عليهم، لكن في طرف نظري، بدا أنهم جميعًا بخير. جيد. لم تكن لديّ القوة للتحدث معهم على أي حال.
"هل يمكننا استعادة الجثة؟"
سألت بصوتٍ خافت.
"سأتكفّل بكل شيء عندما أتعافى…"
"لا يوجد سبب لعدم ذلك."
لم يعبس يون ولم يبدُ عليه الارتباك.
في تلك اللحظة، شعرت بالارتياح لأن من أجابني كان تشوي يون.
لم يقلق عليّ ولم يتعاطف مع ألمي. لم يشعر بالغضب أو الخيانة بسبب طلبي.
لقد ردّ ببساطة دون أي اضطراب عاطفي،وكان ذلك مريحًا.أدار يون رأسه.
"استعيدوا تلك الجثة."
عندها فقط رأيتُ بوضوح وجوه السنيور—
كان ريكاردو وصوفيا ينظران إليّ مباشرةً. لم أستطع قراءة المشاعر في أعينهما.
كانت آمي وكارل ينظران إلى يون.
كلاهما أومأ برأسه واندفعا نحو جثة سيون.
شعرتُ بالقوة تتلاشى من جسدي.
"شكرًا لك."
"سوردي."
أدار يون نظره نحو ريكاردو.
"اتصل بصموئيل."
أومأ ريكاردو بصمت.
وبينما كنت لا أزال مدعومًا من يون، تم نقلي نحو منطقة البوابة.
كان المكان من حولنا قد أصبح هادئًا فجأة. بعد أن أنهى ريكاردو تقريره، ازداد الصمت عمقًا.
وحلّ بدل الضجيج ذلك العفن المنتشر في كل مكان.
لم يتكلم أحد. حتى صوفيا، التي كانت تسير بصمت خلفنا، لم تقل شيئًا.
شكرًا لكِ على ذلك.
لم يكن لديّ الحق في إثقال كاهل أي شخص أكثر من ذلك.
ومع تلك الفكرة، تلاشى وعيي.
***
"بقي عشر دقائق!"
أيقظتني الصرخة الحادة.
"قليلٌ فقط بعد!"
إذًا استيقظتُ أسرع مما توقعت.
بينما كنت أحدّق في سقف الثكنة، أدركت ذلك—تبقّى عشر دقائق على انتهاء معركة استعادة الأراضي.
لقد استيقظتُ قبل انقضاء الثلاث ساعات.
كان من المدهش أن لا تزال هناك مخلوقات موجودة.
لماذا يهدرون كل هذه القوة؟ تساءلتُ، وأنا أستمع إلى أصوات المعركة المتسرّبة عبر جدران الخيمة. لا بد أن النواة قد اكتملت تقريبًا الآن. السماء العليا مفتوحة جزئيًا، والأرض مغلقة بالكامل.
حتى لو انهار الجدار بالكامل، فلن يتمكن أبناء جنسي من الفوز.
النتيجة قد حُسمت بالفعل—فلماذا يستمرون في إرسال المزيد من المخلوقات؟
وماذا بالضبط نجحوا في تحقيقه؟
بقيت كلمات سيكويا عالقة في ذهني.
رمشتُ مرتين ورفعتُ جذعي الثقيل.
"إلى أين تظن نفسك ذاهبًا، أيها الصغير؟"
وصلني صوت صموئيل الخشن.
آه، إذًا هو هنا.
"لقد أوشكت على الانتهاء. لا داعي لأن تذهب."
"أريد أن أرى النهاية."
"ستذهب حتى لو أوقفتك، أليس كذلك؟"
أفترض أنه قد فهمني بالفعل.
نهض بكسل من كرسيه وسار نحو سريري. ابتسمتُ بخفّة للطبيب ذي الوجه المتعب.
اصطدمت زاوية جهازه اللوحي برأسي.
"آخ!"
"إذًا اذهب ."
كان صوته مبحوحًا على نحوٍ غريب.
لكن لم تكن لديّ طاقة لأتساءل عن السبب.
"تلقّي العلاج فور انتهاء الأمر."
أومأتُ برأسي ونزلتُ من السرير.
خرجتُ من الثكنة.
انفتح المشهد أمامي—وما رأيته كان يفوق توقعاتي.
خطوط دفاع متراصة بإحكام. عدة أقسام من الجدار قد انهارت. العديد من البادجرز شكّلوا صفوفًا أمام الحواجز المكسورة.
حملت الرياح الباردة رائحة المذبحة.
كانت الرائحة وصوت إطلاق النار يخبراني أن المعركة لا تزال مستمرة، لكن الأجواء كانت مختلفة عمّا قبل.
رأيت ابتسامات على وجوه البادجرز الذين يمسكون الخط.
ابتسامات جنود على وشك الانتصار.
"الخط الثالث، انسحبوا خلال خمس دقائق!"
دوّى صوت ييهيون.
كان القائد يقف في المؤخرة، محاطًا بمساعديه.
توقفتُ ونظرت إلى وجهه. وعلى عكس الآخرين، لم يُظهر تعبير ييهيون أي مشاعر قوية.
ومع ذلك، بدا أكثر ارتياحًا قليلًا مقارنةً عندما واجه كايل.
أبعدتُ نظري عن ذلك الوجه الشاحب الأنيق ونظرتُ حولي.
كان السنيور الذين قاتلوا معي ضد أبناء جنسي هناك، يقاتلون إلى جانب بقية البادجرز. لم يكن كارل ويون ظاهرين—ربما ذهب يون لتفقد جهاز النواة أو حالة البوابة.
تعرّفت على معظم وجوه البادجرز: ليهو تشانغ، بوبي وينتر، أسيل فيسكر، جيسون تريفين، ريتشارد غرين، ويليام ووكر، جوناثان كودو، شو دايموند، آكي، أنجيلا، هيش، وتوم.
كانت تعابيرهم أكثر إشراقًا من قبل.
أما الذين لديهم إصابات خطيرة فلا بد أنه قد تم إجلاؤهم بالفعل.
توقفتُ وراقبتُ ساحة المعركة بصمت.
كما قال صموئيل، لم تكن هناك حاجة لأن أنضم.
مرّت خمس دقائق بسرعة.
"الخط الثالث، انسحبوا!"
بأمر ييهيون، انسحبت مجموعة من البادجرز دفعة واحدة.
انسحب المسعفون معهم. خلفي، صرخ صموئيل: "هاي! ارجع إلى هنا!" بينما كان يتحرك نحو منطقة البوابة.
ابتسمتُ للطبيب وأومأت.
لكنني لم أتحرك.
وسرعان ما صرخ ييهيون مجددًا.
"الخط الثاني، انسحبوا!"
انسحبت موجة أخرى من البادجرز.
كان السنيور، محافظين على انضباطهم، يبتسمون ابتسامات ارتياح هادئة. راقبتُ الوحدات وهي تسير نحو منطقة البوابة، ووجوههم مشرقة رغم تلطخها بالدماء والغبار.
لقد كان الأمر يقترب من نهايته أخيرًا.
"الخط الأول، انسحبوا!"
تبقّت دقيقة واحدة.
بدأ جميع البادجرز المتبقين بالانسحاب. تراجع السنيور ببطء، يحمون المؤخرة. دوّت بضع طلقات، لكنها لم تكن بالشراسة السابقة. تكدّست الجثث لتشكّل خنادق طبيعية، ولم يبقَ الكثير من المخلوقات التي تندفع للهجوم.
قاد ريتشارد غرين انسحاب الخط الأول.
راقبتُهم وهم يدخلون منطقة البوابة.
حتى أدار ييهيون رأسه.
"هيلد ."
تم تفعيل البوابة، وعاد البادجرز.
وقف ييهيون فوق الأرض المحمرّة، ينظر إليّ. وكان مساعدوه يراقبون بصمت أيضًا.
لم يسأل لماذا أقف بعيدًا.
تحدّث القائد بصوتٍ منخفض.
"لنعد إلى المنزل."
حرّكت الرياح شعري.
سرتُ نحوهم.
وما إن وصلت إليهم، أمسك سكا بذراعي—لابد أنه لاحظ خطواتي غير المستقرة.
ابتسمتُ بخفة، شاكرًا إياه بنظرة.
حدّق بي لكنه لم يقل شيئًا. كانت بدلته ملطخة بألوان الغروب والدم.
مرّ نسيم المساء عبر الهواء الثقيل.
بدأنا نسير نحو منطقة البوابة.
"هناك شيء يجب أن أبلّغ عنه."
كان صوتي مبحوحًا. أومأ ييهيون.
لكنه لم يرد حتى وصلنا إلى منطقة البوابة. حينها، وبعد أن أطلق النار على مخلوق قفز نحونا، التفت إليّ.
"بعد إدخالك إلى المستشفى."
آه. إذًا الاستشفاء أمر مفروغ منه بالفعل.
"بعد أن تعود إلى المنزل."
المنزل.
ابتسمتُ بمرارة وأومأت.
تجاهل طاقم القيادة تلك المرارة في ابتسامتي.
جرت العادة أن يدخل طاقم القيادة أخيرًا أثناء عمليات الاستعادة—لذا دخلتُ البوابة خطوةً قبل المساعدين.
تبدّل الفضاء.
[2]
[1]
[0]
[اكتمل إنشاء النواة.]
بمجرد وصولي، دوّى الصوت الاصطناعي في أذني.
وفي اللحظة التي استعادت فيها عيناي الرؤية، انفجرت الهتافات.
"واااااه!"
"لقد فزنا!"
"انتهى الأمر!"
"استراحة!"
ضربت ضوضاء الحماس أذنيّ بقوة.
رمشتُ بعينين متسعتين من الدهشة.
منطقة البوابة تحت الأرض.
مساحة هائلة مليئة بعدد لا يُحصى من البادجرز المبتهجين. كان هديرهم أعلى من أي احتفال بنهاية العام.
أشخاص يصرخون، يتعانقون، يقفزون. وفي مكانٍ ما، كانت ومضات الكاميرات تنفجر كالألعاب النارية.
حتى تلك الومضات غمرها دويّ الأصوات.
أولئك الذين يصرخون، الذين يبكون، الذين يضحكون—
ازدادت الهتافات ارتفاعًا أكثر مع ظهور طاقم القيادة.
"شكرًا على جهودكم!"
"عمل رائع!"
"استعادة! الأراااضي!"
"نصـ! ـر! الاستعـ! ـادة!"
"أعطونا إجازة!"
"إجازة! إجازة!"
"حرية! حرية!"
"أيها القائد! أيها المساعدون! خذوا إجازة!"
"وأنتم أيضًا أيها المساعدون! لقد استحققتموها—استريحوا طويلًا!"
"انتهى الأمر!"
"نحن أحرار!"
"يااااه!"
هل جنّوا جميعًا؟
ضحكتُ بخفوت وأنا أشاهد السنيور يفقدون رباطة جأشهم. كان معظمهم ثملين بالنصر، يصرخون كأنهم ممسوسون—رغم أن أحدًا لم يشرب قطرة واحدة.
بعضهم رمى خوذته، وآخرون وقفوا يلتقطون صورًا للصحفيين المحتشدين خارج منطقة البوابة.
بضع فرق راحت ترقص في دوائر، وأذرعهم متشابكة حول بعضهم البعض.
ابتسم طاقم القيادة بهدوء عند هذا المشهد.
حدّق ييهيون في البادجرز المفعمين بالحماس لبرهة طويلة.
ثم، ومع بدء خفوت الضجيج، تكلّم.
"أحسنتم."
صوته الأجش أسكت القاعة الواسعة على الفور.
تجمّد البادجرز الصاخبون، وأعينهم مثبتة على القائد.
ابتلع السكون المفاجئ المكان. حتى الصحفيون، الذين كانوا يدفعون بالميكروفونات ويصرخون طلبًا للمقابلات، صمتوا.
تراجعتُ بضع خطوات وانتظرت كلماته التالية.
"لقد أحسنتم صنعًا. استريحوا الآن."
ابتسم ييهيون بخفة.
"انتهت معركة استعادة الأراضي."
تعمّقت ابتسامته.
"لقد فزنا مرةً أخرى."
زئير.
زئير مدوٍّ يهزّ المبنى.
وقفتُ بلا حراك وسط الهتافات الصاخبة.
إحساس غريب بالألفة. لم يكن من الصعب تحديده. لقد صرختُ هكذا من قبل. بل وقُدتُ مثل هذه الهتافات من قبل.
كانت هذه صرخات المنتصرين.
زئير النصر لأولئك الذين نجوا.
وعندما تتلاشى هذه النشوة، سيحزنون على من سقطوا، ويُعذَّبون بالذنب والفقد. لكن قبل مواجهة تلك الحقيقة، يترك الجنود أنفسهم ينغمسون في نشوة النصر.
فهمتُ لماذا سمح لهم ييهيون بتلك اللحظة.
كنتُ سعيدًا بذلك.
ومع ذلك، استقرّ في داخلي شعورٌ ثقيل بالوحدة.
"هيلد!"
لا بد أنني وقفتُ بلا حراك لوقتٍ طويل.
عدتُ إلى وعيي عندما نادى أحدهم اسمي.
"هيلدبرت! لقد فعلناها! فعلناها حقًا!"
"أنت لست مصابًا، أليس كذلك؟ لماذا تقف هكذا؟"
هيش، الذي لفّ ذراعه حول كتفي، وتوم، الذي نظر إليّ بعينين مليئتين بالقلق.
كان الإرهاق واضحًا عليهما، لكن في أعينهما تألّق فرحٌ نقي.
وعندما رأيتُ ذلك البريق، ابتسمتُ بهدوء.
"أنا بخير."
"لا تبد بخير. أنت مصاب، أليس كذلك؟"
"لا شيء خطير. سأرى صموئيل قريبًا، فلا تقلقا."
ضحكتُ عندما قفز هيش إلى الخلف مذعورًا.
تجمّد توم، الذي كان مستعدًا لسحبي إلى جناح المستشفى، عندما أوقفته بذراعي.
"أنا بخير حقًا. سأذهب الآن—اذهبا واستمتعا قليلًا أكثر."
"لنذهب معًا. سأساعدك على المشي."
"تريديني أن أحملك؟ هل تعتقد أنه خفيف بما يكفي لأحمله؟"
"أستطيع الذهاب وحدي حقًا."
"آه~…"
ذلك الصوت الممطوط—
استدرتُ بسرعة نحوه.
التقت عينان خضراوان بعيني.
كان رجلٌ طويل يقف ويداه في جيبيه.
ابتسم ريكاردو ابتسامة خفيفة.
"سآخذه أنا. أنتما الصغيران اذهبا واستمتعا باللحظة."
"سيدي."
نظر توم إلى ريكاردو بدهشة.
وفي الوقت نفسه، اتسعت عينا هيش عندما لاحظ السنيور الذي جاء معه.
"كارل!"
تجاهل معلم هيش النداء ونظر مباشرةً إليّ.
"هيلد. إنه في الجناح الطبي."
كانت عيناه الزرقاوان ثابتتين.
"لنذهب معًا."
إذًا، لقد أحضرتني إليه.
وقفتُ هناك للحظة.
راقبتني نظرة ريكاردو الخضراء وهو يتقدم ليدعمني. وحتى عندما ركضت آمي وأمسكت بيدي بإحكام، لم أستطع الرد بشكلٍ لائق.
لم أرد أن أواجه ما كان يتصاعد داخلي.
لكن كان عليّ أن أبقى واعيًا.
تمتم زملائي بشيء خلفي؛ وأجابهم السنيور.
اتبعتُ كارل.
وعندما تلاشت هتافات منطقة البوابة خلفنا، تكلّمت أخيرًا.
"شكرًا لك."
نظر إليّ كارل بعينيه الزرقاوين الصافيتين، ثم أومأ بصمت.
_______________________________
وضع هيلدا مأساوي بكل معنى الكلمة. حزنت عليه:(
هيلدا حاسس بعدم الانتماء وأنه غريب عنهم ،وحزين على قتله أحد من بني جنسه T_T
استغفرالله العظيم واتوب إليه 🌸