حرب إستعادة الأراضي (2)
هل كنتُ أبكي؟
عندما مسحتُ عينيّ بأصابعي، خرجت يدي مبللة.
حدّقتُ بفراغ في راحة كفّي، ثم رفعتُ رأسي.
كان صوت المعركة يهتزّ بشكل خافت عبر الجدار المؤقت الذي يحيط بنا.
كنا داخل الحاجز...عدنا إلى السنيور الذين كانوا يقاتلون في حرب استعادة الأراضي.
"أنا آسف."
تمتمتُ، وأنا أمسح الدموع بساعدي.
"لماذا انسحبنا؟"
"لأنني زرعتُ جهاز تعقّب على كايل."
جاء الجواب من ييهيون، الذي كان يقف كالشبح، يستمع إلى تقرير عبر جهاز الاتصال الخاص به.
حتى في حالتي المشوشة، ارتعشتُ بشكل غريزي.
كان يمحو وجوده تمامًا...تمامًا كما كان يفعل لي سيونغهيون.
أبعد ييهيون يده عن جهاز الاتصال.
"كان من المجدي مواجهته مباشرة. وهدفنا الأساسي الآن هو استعادة الأراضي."
كان صوته الأجش خاليًا من أي مشاعر.
"ضرب قائد العدو هدف ثانوي. بينما يستمر القصف، سنعيد تجميع قواتنا ونتحرك نحو النقطة المحددة."
آه.
إنه يحاول استدراج العدو بعيدًا عن أضعف نقطة دفاع.
أومأتُ وأنا أنظر إلى قائدي الشاحب.
ثم وسّعتُ عينيّ لما قيل بعد ذلك.
"هيلد، أنت خارج المهمة."
"ماذا؟"
سألتُ بغباء.
"ألم أكن الطُعم؟"
"اذهب لتلقي العلاج أولًا."
أنا لستُ مصاب حتى.
هكذا ظننت...حتى أنزلتُ نظري على جسدي وتذكرت فجأة أنني أُصبتُ في ذراعي سابقًا، برصاصة طائشة. كانت هناك جروح أصغر أيضًا، لكنها لم تبدُ خطيرة.
يمكنني فقط ربطه بقطعة قماش والعودة إلى الخارج.
ربما قرأ أفكاري—أمسك ريكاردو بذراعي السليمة بخشونة.
وفي الوقت نفسه، ركضت آمي نحوي.
"هيلد."
ألقت بذراعيها حولي وهمست، ووجهها مدفون بين ذراعي.
"أنا آسفة."
"هاه؟"
على ماذا؟
"لا بد أنه كان صعبًا جدًا. أنا آسفة. أنا آسفة جدًا."
شدّ كارل العاصبة بإحكام حول ذراعي.
بينما كان يفعل ذلك، نظرتُ إلى الشخص الذي كان يعانقني. كل ما استطعتُ رؤيته كان قمة رأسها المستديرة—سوداء وصغيرة.
لو لم أذهب لإيقاف هيجان ري، لما دخلت آمي في غيبوبة أبدًا.
لم أستطع حتى أن أتخيل كيف شعر ييهيون ويون الصغيران عندما سمعا ذلك الخبر.
حدّقتُ في أعلى رأسها لبرهة، ثم ابتسمتُ ابتسامة خفيفة.
"آمي، يُسمح لكِ أن تحملي بعض الضغينة تجاهي."
جميع من في الملجأ المؤقت وجّهوا أنظارهم نحوي.
رمشت آمي بعينين واسعتين، ورفعت رأسها.
"هاه؟"
"اخبرتك إنني كنت صديقًا لذلك المخلوق ذو المستوى العاشر. وقلتِ إنكِ نمتِ لمدة عامين بسببه."
لو لم نأتِ إلى هذا العالم، لما حدث ذلك.
بينما كنتُ أنظر إلى السنيورة التي كانت تضغط على صدري بعناقها، ضربتني الحقيقة مجددًا...لأنني تذكرت أخيرًا أن بني جنسي لم يعودوا الضحايا بعد الآن. ومع ذلك، لم أندم على قدومي إلى الأرض. مهما حدث، لم أستطع أن أندم على ذلك.
لكن حقيقة أنني لم أتمكن من إيقاف الحرب كانت تثقل كاهلي بشدة.
تلك الفتاة التي كانت تلعب بمرح، مرتدية ملابس الرياضة تحت زيها المدرسي.
عندما بدأت الحرب الأولى، كانت آمي طالبة في المدرسة الثانوية.
"ولماذا قد أحقد عليك بسبب ذلك؟"
أعادني صوتها الحائر إلى الواقع.
"ألا يجب أن أكون ممتنة لك بدلًا من ذلك؟"
"الحرب حدثت على أي حال. بسبب بني جنسي."
"لكنك بقيت في هذا الجانب طوال الوقت."
تراجعت خطوة إلى الخلف، وما زالت تنظر إليّ.
تحوّل تعبيرها الحائر بسرعة إلى غضب.
"في النهاية، أخترت جانبنا، أليس كذلك؟"
"فشلتُ في إيقاف الحرب. لو أنني تعاملت مع الأمور بشكل صحيح، لما حدث أيٌّ من هذا."
"وكيف كان بإمكانك إيقاف حرب يا هيلد؟"
"لأنني كنتُ القائد ."
شهقت صوفيا بحدة.
تجمدت يدا كارل، اللتان كانتا تفحصان جرحي، في مكانهما. فتح ريكاردو فمه ليقول شيئًا...ثم أغلقه مجددًا.
توقف السنيور الثلاثة جميعًا، مذهولين.
خيّم الصمت على المساحة المقسّمة. في الخارج، كانت أصوات الحرب عالية، لكن في الداخل كان الهدوء مخيفًا.
حتى ييهيون، الذي ما زال يمسك جهاز الاتصال، لم يتحرك.
وحدها آمي عبست بعمق.
"وماذا في ذلك؟"
"ماذا؟"
"قلت إنك كنت قائد الفرسان. لست ملكًا ."
"حسنًا... نعم. هذا صحيح."
إلى ماذا ترمي؟
"أنت لم تمارس السياسة أبدًا، صحيح؟"
"آه، ليس حتى جئتُ إلى الأرض. على الأرض، قابلتُ الكثير من السياسيين رغم ذلك..."
"إذًا كيف يمكن لشخصٍ ليس سياسيًا بالفطرة أن يوقف حربًا!"
لم يكن كلام آمي منطقيًا.
"كيف كان بإمكانك إيقاف حربٍ بمفردك!"
"آه، حسنًا، على الأرض كنتُ أقودهم. لو أنني تعاملتُ مع الأمر بشكل صحيح كقائد....."
"لقد تعاملت معه بشكل صحيح....أخترت جانبنا، وما زلت تقف هنا الآن!"
كانت آمي تصرخ، وقبضتاها ترتجفان، وتبدو وكأنها على وشك أن تضربني.
"لا تشعر بالذنب الغريب بسبب ذلك!"
لوّحت السنيورة الصغيرة بيديها بعشوائية.
ثم فجأة اندفعت نحوي مرة أخرى، ولفّت ذراعيها بإحكام حولي. جعلني الضغط أسعل عدة مرات.
هذا يؤلم فعلًا.
"لو كان هذا يلتهمك إلى هذا الحد، كان يجب أن تخبرنا."
تمتمت وهي مدفونة بين زراعي .
"لهذا السبب كنت تبكي طوال الوقت. لو كنتُ مكانك، لما استطعتُ أبدًا فعل ما فعلته..."
يا لها من إنسانة دافئة.
فكرتُ بذلك وأنا أنظر إليها وهي تشهق باكيةً على صدري.
هي نفسها التي دفعت ري إلى حافة الحياة والموت.
في تلك اللحظة، عادت إليّ الذكرى...الفكرة التي راودتني عندما خرجتُ ذات مرة إلى ساحة المعركة. عندما سلّمتُ سيفي إلى جاييون لإنهاء الحرب، واتخذتُ أولى خطواتي نحو قتل كايل.
العزم الذي عقدتُه بعد رؤية جثث العلماء الساذجين ذوي القلوب الطيبة الذين لم أتمكن من حمايتهم.
يجب أن أحبّ البشرية في النهاية.
لقد كرهتهم بقدر ما أحببتهم. لو كان ذبحهم سينقذ المزيد من بني جنسي، لفعلتُ ذلك دون تردد.
لكن في النهاية، فعلتُ العكس.
وبما أنني اتخذتُ ذلك القرار، فعليّ أن أحبّ البشر أكثر.
ابتسمتُ ابتسامة خفيفة، وربّتُّ على شعر آمي.
"شكرًا لكِ. بما أن النزيف توقف، يمكنني العودة إلى الخارج الآن."
"لا. أذهب إلى صامويل أولًا. عندما يسمح لك، يمكنك العودة. لا يزال أمامنا طريق طويل، فلا تتعجل ."
جاء صوت يهيون باردًا وهو يعطي الأمر.
رفعتُ نظري إلى قائدي.
"اعذرني على السؤال مرة أخرى، سيدي، لكن إذا لم أتصرف كطُعم، فلن نتمكن من استدراج كايل—"
"أوه، هذا الأحمق… لن تعود إلى رشدك إلا بعد أن تنهار، أليس كذلك~؟"
"إذا كنا بحاجة إلى طُعم لهذه الدرجة، فسنسحب جسدك الفاقد للوعي إلى هناك."
ردّ ريكاردو بانزعاج، وتحدث ييهيون بجانبه.
"أقول لك ارتاح لأنك تستطيع ذلك. لا تكون عنيد—أذهب لتلقي العلاج."
الحمد لله.
كنتُ أستطيع أن أرى أن ييهيون يفصل بين العمل والمشاعر بشكل صارم. عند الحاجة، سيستخدمني كورقة دون تردد.
كان ذلك مطمئنًا بشكل غريب.
وبما أنني لستُ مطلوب في العملية الآن، فعليّ اتباع الأوامر وتلقي العلاج.
كنتُ أومئ لنفسي عندما دخل شخصٌ عبر الحاجز.
"أيها القائد."
كان يون.
"أحد المستوى العاشر يهاجم جهاز النفس الرابع عشر."
"الوحدة الأولى؟"
"مجموعة مختلفة."
توترت أعصابي.
إذًا، كايل قد قسّم فرقه.
أولئك الذين يستهدفون جهاز النفس لا بد أنهم غادروا بعده. وبهذه الطريقة، بينما أركّز على كايل، لن ألاحظهم.
هذا يعني أن كايل أصبح طُعمًا لجذب انتباهي وانتباه البشر—تمامًا كما أصبحتُ أنا طُعمًا لجذب بني جنسي.
ركّزتُ حواسي، محاوِلةً تحديد من الذي يهاجم.
وفي الوقت نفسه، نظرتُ إلى القائد.
"أيها القائد."
"يون. خذ هيلد إلى الخيمة الطبية. سنتعامل نحن مع صاحب المستوى العاشر قرب الجهاز."
"نعم، سيدي."
"استرح جيدًا، هيلد!"
ربما قرأت أفكاري، صرخت آمي وهي تبتعد عني.
"لا تجرؤ على الظهور في ساحة المعركة قبل أن تتلقي العلاج بشكل صحيح!"
"أراك لاحقًا."
"التزم الأدب~."
تبع صوت كارل الأجش، ولوّح ريكاردو بيده وهو يبتسم.
جميعهم أوضحوا تمامًا أنهم لن يأخذوني معهم.
حسنًا.
فهمتُ أنني مصاب وأنني عبء، لكن رغم ذلك...كنت بحاجة لتأكيد أيٍّ من بني جنسي قد جاء وإبلاغهم..
كنتُ على وشك التحدث عندما اتسعت عينا آمي.
كانت تنظر إلى شيءٍ خلفي. ارتجف جسدها بالكامل.
"أوبا!"
ركضت إلى الأمام، ويدها ممدودة.
"انتظر!"
ماذا؟
لماذا فجأة؟
*****
عندما فتحتُ عينيّ، رأيتُ سقف الخيمة الطبية.
"استيقظت؟"
واو.
ذلك الصوت—لا يمكن أن أخطئه. لا يوجد سوى رجل واحد بذلك الصوت البارد الخالي من المشاعر.
كنتُ مستلقي على سرير ،وكان مرشدي واقف بجانب السرير.
لا أصدق…
كنتُ مذهولًا لدرجة أنني حدّقتُ في السقف لبرهة قبل أن أقول بصوتٍ مبحوح:
"لقد أفقدتني الوعي وسحبتني إلى هنا، أليس كذلك؟"
"نعم."
كان يون يحدّق في نوعٍ من شاشة جهاز، دون أن ينظر إليّ حتى.
"بدوت وكأنك لن تستمع إلى المنطق."
"هل كان لديك أصلًا أي نية لمجادلتي؟"
"ربما."
أجاب الرجل ببرود، ثم أدار رأسه.
"لو لم تكون تبكي، ربما كنتُ سأفعل."
عينان سوداوان باردتان.
الغرير الأسود بكامل عتاده القتالي، يتفحّص حالة الـ"كور". لم يكن يبدو أنه دخل ساحة المعركة بعد. كانت بدلته نظيفة تمامًا، تمتص كل الضوء.
ربما كان متمركزًا في الخلف لمراقبة جهاز الكور.
وجهتُ له نظرة باهتة.
"لا تكذب."
"يبدو أن ذكاءك لم يتدهور بالكامل."
"لقد تلقيتُ العلاج. سأعود الآن."
تمتمتُ، وأنا أرفع نفسي مستندًا على ذراعي السليمة.
"شكرًا لأنك جررتني إلى هنا."
وووش!
انطلق شيء مباشرة نحو وجهي.
بشكل غريزي، صدَدته بساعدي.
انطلق ألم حاد في ذراعي بينما أبعدتُ ذلك الشيء.
نظرتُ إلى الشيء الفضي الذي ضربته جانبًا، ثم صرختُ في مرشدي الذي كان يبتسم بسخرية ملتوية:
"ما الذي كان ذلك بحق الجحيم!"
"أصبحت أسرع الآن."
سخر يون.
"أفضل من قبل. عندما تنتهي عملية نقل الدم، يمكنك الخروج مجددًا."
"سأغادر الآن. إذا بقيتُ هنا، ستزداد حالتي سوءًا فقط."
"لا تتعجل. ستخرج خارج الحاجز معي قريبًا على أي حال."
"...ماذا؟"
كلماته غير المتوقعة جعلتني أرمش. تعمّقت ابتسامة يون الباردة.
طرقت أصابعه السميكة على حافة السرير—طَق، طَق، طَق.
"القصف يكلّف مالًا. عندما يتوقف، لديك أمر بالذهاب لمقابلة الملك. يهيون سيدخل."
"أوه."
"سأتولى مكانه هناك."
"مفهوم."
"حرب الاستعادة لم تنتهِ بعد. ارتاح جيدًا واستعد ي للجولة التالية."
أومأتُ بطاعة بينما كانت شروحُه الجافة تتوالى.
"إذا استطعت الإمساك بالملك، فأمسك به. وإن لم تستطيع، انسحب عبر البوابة. ثم أستعد ي مرة أخرى للجولة التالية. كرّر ذلك. هذه هي الخطة. لا أسئلة، صحيح؟"
كان لدى يون موهبة في جعل كل شيء يبدو بسيطًا بوحشية.
أومأتُ مجددًا، مندهشًا رغمًا عني من ذلك الإحساس الغريب بالهدوء الذي كان يخلقه.
بعد أن تأكد من ردي، عاد مرشدي إلى عمله.
فركتُ عينيّ الجافتين وشعرتُ بوجودٍ خافت لبني جنسي يقترب.
حتى مجرد الإحساس بهم كان كافيًا ليملأني بالشوق.
________________________________
استغفرالله العظيم واتوب إليه 🌸