الفصل 480
الفصل 480
«يحيط بك الناس دائماً، أليس كذلك؟» طلع الملّاح من جديد بعد غياب طويل.
ماء يترقرق، ومصباح أرجواني، ووجه غائم الملامح.
أغمض الملّاح هذه المرة عيناً واحدة وأبقى الأخرى مفتوحة.
راح إنكريد يتأمل ما قاله الملّاح آنفاً.
أناس؟
بالطبع هناك أناس.
وما غير ذلك؟
أم تراه تلميحاً من نوع ما؟
ثم تسلل إليه خاطر آخر.
هل جاءت كلمة من هذا الملّاح بنفع قط؟
لم يبدُ ذلك.
جلّ ما قدمه من نصح يدور حول الفرار أو الاستسلام.
ترك إنكريد الكلمات تمر من أذنه لا تلبث فيها.
كبح نفسه عن سؤاله إن كان يشكو وحدة تدفعه إلى التجديف بلا انقطاع على الماء.
لم يكن يستحق ذلك أن يُقال.
فليس كل ما يخطر بالبال يُنطق به؛ ومراعاة الخاطر ليست تزييفاً، بل هي من طيب العشرة.
«لست وحدك حقاً، مهما بدا لك»، أعاد الملّاح قوله.
مدّ إنكريد بصره إلى الأفق، متجاوزاً الملّاح إلى الضفة الأخرى.
لا شيء يستحق النظر.
كل ما يمكن تبينه لا يعدو ما يقع في دائرة ضوء المصباح: الملّاح، والقارب الضيق، والمجذاف، وإنكريد نفسه.
لم يكن المشهد بديعاً كتلك الفضاءات الرحبة في الغرب.
كان النهر ماء قاتماً لا ينتهي.
ردّ إنكريد طرفه إلى الملّاح، متسائلاً هل سيبسط حديثه من جديد.
«ستأكلك الوحدة.» وقعت هذه العبارة موقع المألوف.
فقد قال الملّاح ما يشبهها قبلاً.
ظلّت عينه الواحدة مغمضة والتقت عيناه بعيني إنكريد.
رماديتهما غائرتان في زرقة عيني إنكريد.
وبعد هنيهة صمت، نطق إنكريد.
«أهذا رفيق النذير الذي حدثتني عنه؟» فثمة حدّ لا يتمالك عنده أشدّ الناس صبراً عن الكلام.
لم يكن دافع ذلك مراعاة الخاطر، بل شيئاً غريزياً.
فسماع كلام كهذا حرّك لسانه من تلقاء نفسه.
كما ينحرف السيف تلقائياً لصدّ ضربة رديئة التوجيه.
أطبق الملّاح فمه.
بدا متململاً غير أنه لم يزد كلمة.
ثم انتهى الحلم.
فتح إنكريد عينيه.
استقبله سقف الخيمة الذي يألفه.
«أفقت؟» عينان تحدّقان فيه.
في بياضهما عروق بنفسجية، أما القزحيتان فبُنيتان دافئتان عميقتان.
بدا ذلك النظر نديّاً لم تعبث به المشقة.
فوق العينين جبهة ملساء، وتحتهما ملامح متناسقة تركب وجهاً أنيقاً.
صاحبة العينين، جيبا، ستشبّ لتصير آية في الحسن.
«استيقظت مبكراً»، همس إنكريد.
تهلل وجه جيبا.
«أفقت منذ قليل.» لم يدر إنكريد على وجه اليقين ما دوره: طوطم بشري أم تعويذة حماية؟
لكنه أدرك أن حضوره يوهن اللعنة النازلة بهؤلاء القوم.
غيوننارا تستعيد عافيتها، وجيبا تعود إليها المرح مع سائر الأطفال.
قالت هيرا إنهم يحتاجون بضعة أيام أخرى ليستكملوا الشفاء، غير أن غيوننارا أخذت تقول إنها أصبحت قادرة على القتال.
لا على وجه الكمال، لكنها تؤدي الغرض.
أما كبيرة الشامانات فما تزال غائبة عن الوعي.
وهذه مشكلة يعجز إنكريد عن حلها.
ومع ذلك لم يكن الملّاح مخطئاً كل الخطأ، فحوله الآن جمع من الناس.
في البداية لم يكونوا سوى ريم ودونباكيل ولواغارن.
«اجتهادك مفاجئ»، علّق غيوننارا وهو يفرك النعاس عن عينيه.
وإلى جانبه كانت هيرا تحشو الغليون بالتبغ.
تمددت لواغارن، الرفيقة العتيقة، متثائبة، فيما استيقظت دونباكيل متباطئة.
«ما الذي تصنعون؟» وهنا دخل ريم الخيمة.
كان مغطى بالورق والشوك، أثر ما كان يعمل فيه منذ الفجر.
«ما كنت تفعل في الخارج؟» سأله إنكريد وهو يمسح جبهة جيبا بيده.
رفع ريم يده اليسرى.
وبضوء الفجر الخافت بان ما يحمله.
«زهور؟» بيضاء وحمراء، نسقت باقةً أنيقة رُبط أسفلها بما يشبه السيقان.
«لا تتفتح هذه الزهور إلا في هذا الفصل من السنة»، أوضح ريم.
«زهور؟» «آيول تحبها.» لم يعرف ريم خجلاً، واثقاً كما هو دائماً.
أدرك إنكريد عندها لماذا لم يظفر ريم بالعملاق بعد أيام من البحث: كان مشغولاً بقطف الزهور.
«فبدل أن تمضي إليها مباشرة، جئت إلى هنا أولاً؟» جاء صوت آيول من خارج الخيمة.
«مررت في طريقي»، أجاب ريم.
«طبعاً فعلت»، قالت آيول وهي تدخل.
كانت نبرتها حادة، غير أن حدّتها القاتلة من سالف الأيام قد ذهبت.
ولانت عيناها حين وقعتا على الزهور في يديه.
«أراك لاحقاً»، قال ريم مستديراً للمغادرة.
فقبضت آيول على ذراعه قبضاً محكماً.
لم تكن لتتركه يمضي.
راقب إنكريد المشهد وتذكر تحذيرات الملّاح.
ألم يكن يفترض أن تأتي أزمة؟
فآيول وريم يبدوان الآن في أحسن حال.
«هذا الرجل لا يعرف الهم»، علّق غيوننارا ناطقاً بما يجول في خاطر إنكريد.
ومع ذلك كان مشهداً يسرّ الخاطر.
ورجّح إنكريد أن ريم سيبقى.
فقد بدت آيول عازمة على ذلك، ولم يبدُ عليه استياء.
فتكوين أسرة معناه الاستقرار في نهاية المطاف.
«دونباكيل، هيا بنا»، قال إنكريد واقفاً.
أرسلت شمس الصباح أشعتها على المعسكر.
لم يستطع إنكريد أن يحدد ما اعتراه من تغير.
غير أن شيئاً في داخله تحرك.
أستطيع أن أنتصر.
فحتى لو كانوا ثلاثة عمالقة، فهو على أهبة.
جلست لواغارن تستعيد حلماً من الليلة السالفة.
كان الحلم يبعث على القلق.
مضى على ذلك حين طويل.
طلع وجه يعرفه، غير أنها عجزت في اللحظة الأخيرة عن استحضاره.
وأي شيء يعدل الرغبة والشوق عند ضفدعاء؟
فالحب الروحي مثلها الأعلى، وقد يدفعهن أحياناً إلى اختيار البشر رفاقاً.
وهذا ليس بالأمر الشائع؛ فقلّة هن من جمعن الحسن والنبل الباطن حتى يأسرن ضفدعاء.
كان أول حبيب للواغارن زلةً.
فماذا عن الثاني؟
رجل استثنائي.
«لاغا، ماذا ترين وراء ذلك؟» هكذا سألها الحبيب وهو يطالع خريطة القارة.
فأجابت لواغارن بما يليق بضفدعاء.
«وهل يهم ذلك؟» لم يكن هدفها آنذاك الاستكشاف، بل إحكام فنون القتال.
ثم هوت قلبها إلى رجل باهر، يشع بمجرد أن يكون.
«هاها»، ضحك ملء صوته.
«لا يهم»، قال.
لم يكره أحداً على شيء في حياته.
«سأضع خريطة.
خريطة تشمل القارة كلها.» كانت مهمته أن يمضي إلى مواضع لم تطأها قدم، فيدرسها ويستقصي أخبارها.
لم يكن بارعاً في السيف براعة تذكر، لكن كان له من يشاركونه رؤياه.
مرتزقة ولصوص سابقون وجنود مسرّحون، فيهم ضفادع.
وكانوا يزيدون على العشرة.
كلهم، ومنهم لواغارن، يضربون في الأرض لأجل أهدافهم ومكاسبهم.
ينقّبون في الأطلال، ويتلقون المهام، وينتقلون حيث تقتضي الحاجة.
واستمرت تلك المهام.
غير أن استكشاف المجهول، أكان هيّناً؟
فقد كان فيهم من رحل.
«لا بد من الكرونا لتفعل أي شيء.
وما عساك فاعل وأنت في حال المتسول؟» ووجهت انتقادات لاذعة.
وكان النبلاء الذين وعدوا بالدعم ينكصون عن كلامهم.
«لكل الناس نظرتهم، وقيمهم تتباين.
ولا أستطيع إجبار أحد.» كان بوسعه أن يحمل عليهم موجة، لكنه لم يفعل.
فلم يكن يعامل الناس بتلك الطريقة.
ثم وقع ما وقع.
قبل بلوغهم الحدود الشرقية للقارة، انتشر وباء في الجوار.
فتذكرت لواغارن حينها حبيبها الأول، وكان في سن ابن غول.
كان ذلك أيام لم تنضج بعد.
اختارته لمظهره وحده، لكنه كان يتردد على قاعات القمار باسم لواغارن.
وضفدعاء تسنده، فمن يجرؤ على معاملته بسوء؟
كان يكذب كلما فتح فمه.
وبإيجاز، كان أحمق مجنوناً.
فكسرت لواغارن أصابعه العشرة ليعود إلى رشده.
بكى والمخاط يسيل على وجهه، ووعد بالإقلاع عن القمار، لكنه عاد بعد ثلاثة أيام يتسكع أمام القاعة.
ولم تكن أصابعه قد اندملت بعد.
لم تقتله لواغارن.
فلم يكن أهلاً لذلك.
كان مجرد رجل له وجه مقبول.
أما حبيبها الثاني فكان رجلاً كريم الخلق عظيم الأحلام.
لم يستطع أن يمرّ مرور الكرام بمكان يتفشى فيه الوباء.
«هذا غير سليم.» حاول أن يتبيّن مصدر الداء، فإذا بأحد يقف خلفه.
«إن تركناه، مات الناس.» كان فيه حسّ عدل ساذج إلى حد ما، وكانت لواغارن على ثقة.
ثقة طائشة أوحت لها أنها قادرة على حماية رجلها في أي حال تقريباً.
كان عليها أن تمنعه.
«لوا، سامحيني.» هكذا نطق حبيبها وهو يحتضر.
وكانت لواغارن، التي فقدت ذراعها وهي تدافع عنه، لا وقت لديها للدموع.
كان الخصم مهرطقاً.
وكانت مأساة.
«هل سمعت بكلب هوارين؟» فاستحضر عشرات من كلاب الصيد السوداء تلطخها السخام الكثيف.
وفي المكان الذي ابتلع فيه الوباء مدينة بأكملها، ذاقت لواغارن طعم اليأس.
«اطردوا المهرطقين!» فجاء جيش المدينة المقدسة واكتسح المنطقة.
وبفضلهم نجت لواغارن بأعجوبة.
وبعد نجاتها، أمضت زمناً طويلاً في مطاردة المهرطقين.
‘سأستأصل كل أتباع تلك الطائفة من هذه القارة.’ غير أن ذلك لم يكن ليصير غايتها.
فرغبة الضفدعاء لم تكن تدور في فلك الانتقام.
بل نشأ هدف جديد.
‘المجهول يحرك قلب الإنسان.’ وهكذا غيّرت التجربة أهدافها.
وتبعتها الرغبة.
فتلك الهدية من حبيبها الثاني حوّلت وجه رغباتها.
وظل موت حبيبها يتكرر في ذهنها بلا انقطاع.
حتى بعد أن تصحو من الأحلام، يستمر.
كان يوجع.
كان يوجع وجعاً شديداً.
فوضعت يدها على موضع الوجع.
مع أن الدرع الصدري الصلب الذي لم تكن تنزعه ليلاً يحميه حق الحماية، إلا أن…
‘أشعر كأني سأتحطم وأتمزق.’ وفجأة أخذت الأفكار السوداء تتدفق.
حتى خُيّل إليها في النهاية أن كل شيء سيحترق ويزول.
كانت الضفادع شديدة البأس نفسياً، لكن ذلك لا يعني بلوغها الكمال.
فثمة أيام كهذه.
أيام يبدو فيها كل شيء خارجاً عن طوره.
تحوّل ما في ذهن لواغارن إلى شريط مفكك من مشاهد ماضية، يتصل بالحاضر.
«ها!» فصيحة أعادتها إلى الحاضر.
وعاد التركيز إلى عيني الضفدعاء، وقد رجعت إلى اللحظة الراهنة.
أمامها شخص يتصبب عرقاً، أسود الشعر.
إنسان تجاوز رتبة فارس ناقص.
وكان ذلك لغزاً عصيّاً على التفسير.
‘يتجاوز حتى إرادة فارس ناقص؟
كيف؟’ لم تستطع فهم الكيفية.
لم يخطر لها سوى الحظ أو مزحة من مزحات الساميين.
لكنها حين رأت الرجل أمامها، تلاشت حتى تلك الأفكار.
كان إنكريد يلوح بسيفه فحسب.
يعيد ويمرن كل ما تعلمه مراراً.
ولم يبدُ ذلك مملاً عليها قط.
كان الأمر على وتيرة واحدة.
إنكريد الأمس وإنكريد اليوم مختلفان، غير أنه لم يعش على نحو مختلف.
كان يثبت نفسه بالفعل، بالحياة نفسها.
كان يلوح بسيفه فحسب.
ووهي تراقبه، أخذت أفكار لواغارن المتفرقة تتلاشى.
وبعد بضعة أيام، ولسبب لا تعرفه، اعتراها ضيق غريب فالتفتت حولها.
رأت آثار سخام، لكنها لم تتيقن أنها للمهرطقين.
غير أن السكوت عن ذلك أضناها، فتكلمت.
«أظنني رأيت آثار المهرطقين، لكنني لست متأكدة.» فوقف إنكريد عن تحريك سيفه وأدار رأسه.
أنزل آكر وتكلم وظهره إلى الشمس.
«أهكذا.» لم يبدُ عليه أن ذلك يعنيه في شيء.
بل ما شأنه إن كانوا مهرطقين أو آباءهم أو أجدادهم؟
فإن كانوا أعداء، فما عليه إلا أن يقتلهم.
ولهذا كان يلوح بسيفه الآن.
وفي اليوم التالي، تحسن مزاج لواغارن تحسناً ملموساً.
*** بعد يومين، تجمعت جماعة من المحاربين يقودها حامل السيف.
«إنها معركة.» وما إن نطق حتى رفع أحد محاربي القبيلة فأسه عالياً.
«من أجل روح الغرب!» «من أجل روح الغرب!» هتف الجميع رافعين أسلحتهم.
كانت معركة.
ولم يزد عدد المحاربين المتجمعين على المئتين.
بل كان على الأرجح فوق المئة والخمسين بقليل.
وكان فيهم ريم وإنكريد ودونباكيل ولواغارن.
فالجميع ذاهبون إلى القتال، ولم يكن لهم أن يقعدوا مكتوفي الأيدي.
غير أن إنكريد رأى ألا داعي لإطالة أمد القتال.
مع أن الزعيم أخبره أنه يستطيع البقاء في المؤخرة انتظاراً للقوة الرئيسية، تجاوز إنكريد ذلك وانطلق في المقدمة.