الفصل 498 - قدرٌ لا فكاك منه
الفصل الحادي والعشرون
«قدرٌ لا فكاك منه»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
خيمت على أرجاء الحانة رائحة خمر نفاذة وعبق تراب كثيف.
وتكدست بجوار المدخل قوارير خمر وبراميل فارغة، إلى جانب أشلاء دمى ترابية بدت وكأنها كانت في الأصل على هيئة بشر.
وكانت الكومتين كدسهما رجلان كهلان يقبعان في الداخل ويهذين في سكرهما ――
«أوهو؟ هذا السّيد المحترم، أليس يشبه الشّيد الذي رأيته في مكان ما…؟ ما قولك يا ذا الشعر الأحمر! أتعرفه؟ إنه السّيد كتلة الفرو بنفسه!»
غروفي: «من اللعين الذي تنأته بكتلة الفرو! إياك والتفوه بهذا الهراء السّخيف! لقد ظللت أركض طوال الوقت دون طعام أو ماء، وأنا منهك حتى الهلاك…!»
انبری غروفي يزمجر في وجه ذلك الثمل محمر الوجه، الذي دائماً ما يصفع فخذيه وهو يضحك بانشراح.
أما الكهل ذو الشعر الأزرق المربوط خلف رأسه فكان يرد على شكاوى غروفي بزيادة ضحكه المرح وتردد سبباً ما: «لا حيلة في ذلك، لا حيلة في ذلك!».
وبدا جليا أن الخمر قد لعبت برأسه على أسوأ نحو.
أدرك غروفي أنه لا جدوى من مخاطبة الكهل الأزرق، فهلك بصره نحو الآخر ذو الشعر الأحمر؛ وكان يجلس صامتاً فوق كرسيه، حَملّقاً حنقاً في قارورة الخمر التي يقبض عليها.
غروفي: «مهلاً! يا ذا الشعر الأحمر هناك! أأنت من نفس شاكلة هذا الأزرق اللعين أيضاً!»
غروفي: «لا تتجاهلني! إياك وأن تَلزم هذا الصمت اللعين، وتفت…»
وبما أنَّه أكمل قوله «نحوي»، حتى انبثق وميض فضي كتحية رد مباغتة.
يُبقي غروفي مِرْوَى في كرسيه، حين انطلقت منه ضربة سيف أفقية استهدفت عنقاً صلباً غروفي مباشرة؛ وكما كان الحال لحظة اقتحام المكان، كانت تلك الحركة سيف متقنة تصوب بدقة نحو مقتل الخصم.
ولو كان خصمه شخصاً آخر غير غروفي، لكانت تلك الضربة كفيلة بإرده كَقَتيل، غير أن الأمر لم يكن كذلك.
غروفي: «مع من تظن نفسك تفتعل شجاراً، أيها الوغد اللَّعِن!»
تفادى غروفي الضربة بحيث كادت تلامس طرف أنفه، وفي اللحظة التي تقدم فيها خطوة ملصقة المسافة، دوت قبضته المزودة بقفاز مدرَّع لتصدم كفراته الكهل الأحمر، فقذفت به موجة الصدمة ليرتطم بالجدار بعنف.
أطلق الكهل الأحمر أنٍ ألم مكتومة، وتطاير جسده وهو يدور في الهواء ليرتطم بالجدار دون أن يُستطيع امتصاص صدمة السقوط؛ وفي تلك الأثناء، التفت غروفي ليمسك في الهواء قارورة الخمر التي كانت تدور رأسها على عقب.
تجرع
جلس جلسة السيزا «1» بوجه محتقن حمرة وهو يكيل المديح لبأس غروفي، ثم أحنى رأسه بشدة في حركة توحي بانعدام أي نية للمقاومة.
«الكهل الأزرق»: «المعذرة لما سببناه لك من إزعاج يا سيد كتلة الفرو! فنحن لسنا سوى عابري سبيل ضلت بنا الخطى إلى هذه القرية؛ غير أننا حين وصلنا وجدناها كما ترى، قد استولت عليها جحافل كتل الطين تلك، ولم يعد فيها أثر لأي من أهلها!»
غروفي: «…وهكذا، لم تجدا بدا، أنتما أيها الأحمقان، سوى أن تفرغا كل الخمر التي خلفها الموتى وراءهم، أهذا ما تقوله؟»
«الكهل الأزرق»: «يا للحياء، الأمر كما تفضلت تماما! ولم نكتف بذلك، بل بلغ بنا العبث أن تراهنا عما إذا كانت كتلة الطين التالية التي ستعبر الباب ذكرا أم أنثى!»
وهو يبتسم باستهتار، كشف الكهل ذو الشعر الأزرق عن تفاصيل رهان لا يلقي أدنى بال لكون الظرف حالة طوارئ.
ومع أنه رهان سخيف، إلا أنه طالما كان ما يراهنان عليه هو خمر لا صاحب لها وحياتهما الشخصية، فليس لدى غروفي ما يعترض عليه؛ فأينما عاش هذان الرجلان أو ماتا، فذلك شأنهما وحدهما.
غير أنه――
غروفي: «――هذا لا يروق لي بتاتا.»
الكهل الأزرق: «هيه، وما الذي لا يعجبك يا ترى؟»
غروفي: «أيها الوغد، تغمد سيفك وتجثو على ركبتيك متصنعا ألا نية لديك للقتال البتة، لكن أنفي لا يخدع… كفاك تحديقا بي وأنت تتحين فرصة لقتلي، تبا لك!»
زفر غروفي من أنفه بحدة وحدق فيه، فما كان من الكهل الأزرق إلا أن حك خده بحرج وهو يتمتم: «مهلا…». غير أن إحجامه عن الإنكار لم يكن لعجزه عن إيجاد رد سريع، بل لإدراكه أن أي عذر واه سيثير حنق غروفي أكثر.
فهذا الكهل الأزرق كان يخفي نية قتل غروفي خلف تصرفاته وكلماته، منذ أن أطيح بالأحمر، بل ربما حتى قبل ذلك.
فبدلا من أن ينال قسطا من الراحة في هذا المكان الذي اندفع إليه هاربا من دمى التراب، علق مع خصم مزعج―― وفي اللحظة التي دارت فيها تلك الخاطرة في ذهنه، انتبه غروفي لشيء ما.
غروفي: «…رائحتك هذه، أذكر أنني شممتها من قبل أيها اللعين.»
تذكر غروفي أنه شم تلك الرائحة في مكان ما، بينما وقف شعر جسده بالكامل.
صحيح أنه لا يزعم تذكر كل رائحة يشمها، لكن الروائح المميزة يصعب نسيانها؛ ومع محاولته تذكر هوية خصمه انطلاقا من تلك الرائحة التي تنضح بنية قتل مكتومة――
غروفي: «――أيعقل أنك والد ذلك اللعين سيسيلوس، أيها الوغد؟»
نطق غروفي بتلك الذكرى التي خطرت بباله، وحدق في خصمه بحدة.
وأمام نظرة غروفي الثاقبة تلك، بدت ملامح الامتعاض على وجه الكهل الأزرق وقال:
الكهل الأزرق: «يا ويلي، لقد تذكرتني إذن.»
غروفي: «تبا لك! أكنت تحاول قتلي خشية أن ينفضح أمرك؟! كفاك عبثا واستهزاء! وقبل كل شيء، لم لا تزال على قيد الحياة أصلا؟! ألم يقطعك سيسيلوس بسيفه؟!»
الكهل الأزرق: «حتى لو سألتني عن السبب، فلا يسعني سوى القول إنني حي لأنني حي فحسب. ومع ذلك، فإن شاع نبأ بقائي على قيد الحياة، فسيكون الأمر في غاية السوء بالنسبة لي.»
هز الكهل الأزرق رأسه متمهلا وهو يجيب بتبجح دون خجل؛ إذ لم يكن سوى والد سيسيلوس سيغمونت، صاحب «الدرجة الأولى» بين «الجنرالات السَاميين التسعة».
ففي السابق، اعتاد التردد على «قصر الكريستال» برفقة سيسيلوس، وسبق أن تقاطعت طريقه مع غروفي مرارا؛ غير أنه قبل سنوات عدة، قيل إنه ارتكب إساءة بالغة للمقام الإمبراطوري في القصر، فقطع على يد ابنه سيسيلوس تحديدا، وكان يفترض به أنه فارق الحياة.
الكهل الأزرق: «صادرة بحقي مذكرات ملاحقة، ولعلك توهمت موتي لخلل في ذاكرتك ليس إلا.»
غروفي: «كل ما في الأمر أنني لم أظن أن ذلك اللعين سيسيلوس قد يخفق في مهمته؛ فبراعته في السيف هي الشيء المضمون الوحيد فيه، وإن فشل فيها فما قيمته إذن؟ لا تقل لي إنه قد تهاون معك لمجرد أنك والده!»
الكهل الأزرق: «――معاذ الله؛ فسيف ذلك الفتى لا تلين ضرباته بدافع عاطفة الأبوة والبنوة أبدا.»
وأمام جزمه القاطع بذلك، ابتلع غروفي الكلمات الهجومية التي كاد يلقيها في وجهه.
لم يكن غروفي مطلعا على طبيعة العلاقة بين هذا الكهل الأزرق وابنه سيسيلوس، غير أنه الوالد الذي ربى سيسيلوس حتى صار على ما هو عليه؛ لذا يسهل تخمين أنه شخص عديم المروءة ومتجرد من الإنسانية بدوره.
وإن قيل إن ذراعه لم تتردد في ضرب والده، فذلك أمر يبدو بديهيا تماما بالنظر إليه.
بيد أنه――
غروفي: «اللعنة…»
ظل يطارد ويطارد هاربا دون انقطاع، وحين تمكن بشق الأنفس أخيرا من لقاء بشر أحياء، لم يكونا سوى اثنين غارقين في السكر؛ أحدهما مجرم مطلوب، والآخر عربيد فاقد الصواب بسكره.
كاد يلعن سوء حظه ويستسلم لليأس من فرط الخيبة.
«الكهل الأحمر»: «أغ، غغ…»
الكهل الأزرق: «أوه، أرى أن ذا الشعر الأحمر لا يزال حيا أيضا؛ كم أنت عطوف يا سيد كتلة الفرو.»
«غروفي»: «…لست ممن يتساهلون في ضرباتهم؛ كل ما في الأمر أن ذلك الأصهب اللعين صلب للغاية.»
حتى ذلك الكهل الأحمر السكير المنكفئ بجوار الجدار، صمد أمام ضربة غروفي التي كانت كفيلة بسحق أحشائه، وبات يختنق بقيئه الفائض من فمه وهو مقلوب رأسا على عقب.
ورغم حالة الإنهاك التي تعتريه، كان بمقدور غروفي سحق هذين الكهلين الأزرق والأحمر، غير أن――
الكهل الأزرق: «…يبدو أن الجلبة قد بدأت تتعالى في الخارج، أليس كذلك؟»
ومثلما تمتم الكهل الأزرق، تسللت رائحة التراب البغيضة إلى أرجاء القرية.
ويبدو أن حشودا غفيرة منهم قد طوقت القرية المتوارية للإطباق على غروفي الهارب؛ فاشتم بأنفه اقتراب طوق الحصار شيئا فشيئا، وضاقت به السبل في مأزقه ذاك.
أن يقضي على هذين الكهلين، ويخترق الحصار بكل ما أوتي من قوة، ثم يبحث عن شخص أفضل من هذين السكيرين ليكسب متسعا من الوقت يملأ فيه بطنه بالماء والطعام.
لكن هل يعد هذا المطلب واقعيا حقا؟ وعوضا عن ذلك――
«غروفي»: «…أيها اللعين، فلنعقد صفقة.»
الكهل الأزرق: «كلي آذان صاغية لما ستقوله.»
بقي الكهل الأزرق على جلسته واضعا السيف إلى جانبه، متصنعا الوقار والهدوء.
فرغم أنه كان يحاول قتل غروفي بالهيئة والأسلوب ذاتهما حتى قبل لحظات، لدرجة تجعل تصنعه هذا وقاحة بالغة، إلا أن رائحة نية القتل المنبعثة منه كانت قد تلاشت بالفعل.
شعر غروفي بالحنق من ذلك، واستطرد قائلا:
«غروفي»: «لا بد لي من العودة إلى حيث يتواجد جلالته والبقية مهما كلف الأمر، حتى لو اضطررت لاستغلال أمثالكم من الحثالة لبلوغ غايتي. ولهذا السبب…»
«غروفي»: «سأستخدم صلاحياتي ك «جنرال من الدرجة الأولى» لإلغاء مذكرة ملاحقتك وما شابهها، وفي المقابل ستتعاون معي وتساعدني على العودة إلى العاصمة الإمبراطورية.»
كان هذا خيار المضطر بالنسبة لغروفي.
فلو كان في كامل عافيته، لما فكر قط في الاستعانة برجل كهذا؛ لكن إن أصر على عناده حتى يسقط صريعا، فمن المستفيد حينها؟
«غروفي»: «سيكون ذلك الوغد اللعين الذي افتعل هذا الوضع غير المفهوم.»
ففي الحقيقة، كان يشعر أن ثمة خفايا كثيرة تدور خلف هذه الحرب الأهلية التي تهز إمبراطورية فولاكيا.
وحتى مسألة إبعاده عن العاصمة الإمبراطورية، فرغم وجود حجة وجيهة كحراسة الحدود الغربية، إلا أنه خامره شك طفيف في وجود مآرب أخرى لدى فينسنت.
وما انصياعه للأمر دون ممانعة إلا لإيمانه بأن قرارات فينسنت جديرة بالثقة.
ولكي يستجلي حقيقة ما آمن به، كان لزاما على غروفي أن يعود.
ولهذا السبب――
«غروفي»: «اختر في الحال إن كنت ستقبل بالصفقة أم ترفضها، أيها اللعين!»
صرخ غروفي كاشرا عن أنيابه، بينما أغمض الكهل الأزرق إحدى عينيه في تفكير.
وقبل أن يفصح ذلك الرجل العصي على الفهم عن جوابه، تحطم باب الحانة من الخارج خلف ظهر غروفي بدوي هائل.
وبزخم اقتحام الباب، اندفعت دمى التراب شاحبة الوجوه إلى الداخل؛ وقبل أن تطال أيديها ظهر غروفي الضئيل بلحظة―― انطلق وميض سيف.
شطرت ضربة سيف الكاتانا المسلول أعناق تلك الدمى الترابية وأجسادها إلى نصفين، محولة إياها إلى كتل من طين.
وفور أن أنجز الكهل الأزرق ذلك، أغمد سيفه بحركة انسيابية ونهض؛ ثم مسح بيده الخالية على ذقنه غير الحليق بوجهه المحتقن حمرة قائلا:
«الكهل الأزرق»: «وفضلا عن إلغاء مذكرات الملاحقة، كم ستبلغ المكافأة المالية يا ترى؟»
غروفي: «أنت وغد لا رجاء منك حقا، أيها اللعين…»
اعتبر غروفي ذلك السؤال الوقح بمثابة موافقة، فزفر زفرة طويلة؛ وما إن شعر بأن الرؤية تدور من حوله، حتى――
وهكذا، استبد به الإنهاك الحتمي، وغاص وعيه في قاع مظلم.
«الكهل الأزرق»: «يا للعجب، أن يغفو هكذا مؤجلا حسم التفاصيل، إن طباع السيد كتلة الفرو لجديرة بالإعجاب حقا.»
انهار شبه البشري الصغير في مكانه بإنهاك، وراح يغط في شخير عال.
حول روان سيغمونت ذو الوجه المحتقن بالخمر نظره إلى الأسفل نحو غروفي غامليت، أحد قمم القوة العسكرية في إمبراطورية فولاكيا وأحد «الجنرالات السَاميين التسعة»، وأمال رأسه في حيرة.
فالشروط التي عرضت عليه للتو لم يكن غروفي بالرجل الذي ينكث بها بدعوى أنها مجرد اتفاق شفهي.
لقد كانت شروطا تستحق القبول تماما؛ وبطبيعة الحال، كان بوسعه طعن غروفي النائم في قلبه ومواصلة الهروب، غير أن ذلك لن يعني سوى استمرار حياة الفرار والملاحقة.
«روان»: «لو أقدمت على أمر كهذا، فمن المستفيد منه أصلا؟ بل الأولى بي أن أتفاءل وأعتبر أن الحظ قد مال إلى جانبي. ――وها هو الفصل الثالث من مسرحية حياتي يبدأ أخيرا!»
ضرب روان الأرض بقدمه بقوة، ورغم انزعاجه من تشنج طفيف في ساقه اليسرى، إلا أنه ابتسم في سره مستدركا بأنه لا داعي للتشاؤم بعد الآن.
ومع ذلك، فإن النجاة من هذا المكان والخروج منه حيا كانت الأولوية القصوى؛ لذا، وما إن استشعر تجمع كتل الطين حول الحانة، حتى حمل غروفي على كتفه بخفة.
وركل شريكه المقلوب رأسا على عقب بجوار الجدار―― هاينكل.
«روان»: «هيا، يا ذا الشعر الأحمر، استيقظ استيقظ! لقد تبدلت الظروف!»
«هاينكل»: «أ… ااه…؟»
«روان»: «سيؤنبني ضميري إن تركتك خلفي! وإن كانت حياتك قد وصلت إلى طريق مسدود، فالمراهنة معي على ضربة سيف تقلب الموازين فكرة لا بأس بها أبدا!»
ومع صياح روان الجهوري ذاك، فتح هاينكل عينيه بتململ واضح.
وفي رؤيته المقلوبة، لمح روان وغروفي المحمول على كتفه، فهز ساقيه بخفة ليعتدل قائما، ثم سرعان ما ترنح كمن أصابه دوار شديد.
«هاينكل»: «ما هذا…؟ أشعر بغثيان فظيع…»
«روان»: «أن تتفوه بذلك بعد تلقي ضربة من جنرال من الدرجة الأولى فذلك ينم عن بأس كبير! هيا بنا، لقد فرغت خمر هذا المكان، وحان وقت رحيلنا نحو وجهتنا التالية.»
«هاينكل»: «…وما شأن شبه البشري ذاك؟ هل سنأكله؟»
«روان»: «لو أعيانا الجوع لكان للأمر حديث آخر، أما في الوقت الحالي فلا نية لدينا في ذلك. والآن…»
مسح روان بكمه فم هاينكل الملوث بالخمر المتقيأ، ثم ربت على ظهره المترنح؛ وبعدها عدل وضعية جسد غروفي فوق كتفه واستدار.
تدفقت كتل الطين دفعة واحدة كالسيل داخل الحانة؛ وإزاء ذلك، فتح روان غمد سيفه بإبهام يد واحدة وهو يبتسم قائلا:
«روان»: «ابق حيا وانتظرني يا ابني العاق؛ فبلوغ «سيف السماء» لا يزال بعيد المنال عنك!»
△▼△▼△▼△
――ضوءان لدرء وطأة «الكارثة العظمى».
كانت تلك هي النبوءة التي أدلى بها «راصد النجوم» أوبيلك المكبل بالسلاسل―― كلا، بل كانت «الوصية» بحسب تعبيرهم.
فكلمات «راصد النجوم» ذاك — الذي يحظى بالتقدير في إمبراطورية فولاكيا ويعرف بإصابته في التنبؤ بوقائع شتى — كان وقعها كبيرا على سوبارو.
وبصراحة، لم يكن سوبارو يضع ثقة تذكر في أمور النبوءات والتنبؤ بالمستقبل.
بل كان يميل إلى اعتبار أمثال تلك النبوءات ضربا من الاحتيال المبني على حيل نفسية شتى؛ مع إدراكه بالطبع أن هذا العالم الآخر قد يشهد ظواهر تتجاوز كل منطق مألوف.
ففي الأصل، يمكن للمرء إن تأمل النتائج التي حققها سوبارو ب «رجوعه بالموت» أن يراها ضربا من تفادي أسوأ السيناريوهات عبر معرفة المستقبل مسبقا.
وحبذا لو أمكنه استشراف المستقبل دون حاجة إلى الموت، لكان ذلك أفضل بكثير.
وعلى أية حال――
سوبارو: «…فتاة لا تعي لغة الكلام.»
لقد تعمد تصحيح عبارته والتأكيد على أن سوبارو ليس «راصد نجوم» حرصا منه على نقل المعلومة بدقة.
لاح في ذهن سوبارو الشخص المعني بهذا الوصف، فحبس أنفاسه من هول الخاطر.
غير أنه قبل أن يستوضح سوبارو حقيقة الأمر، وجه آبل الواقف بجواره نظرة باردة نحو أوبيلك قائلا:
«آبل»: «أحد الضوءين اللذين ذكرتهما، إن كان غروفي غامليت، فقد مات.»
أمام ذلك الجزم القاطع، اتسعت عينا أوبيلك وبقي فاغرا فاه في ذهول.
وهو رد فعل بديهي؛ فأي شخص سيصيبه الذهول لو قيل له إن المعني بنبوءته التي زفها بتهويل قد مات. وفي الواقع، فوجئ سوبارو بدوره من جزم آبل الحاسم ذاك.
وبمعزل عن دهشة سوبارو ومن معه، هز آبل كتفيه بخفة وهو عاقد ذراعيه،
«آبل»: «أهذا كل ما تمخض عنه فمك بعد أن تبجحت بوقوف النجوم في صفي؟ لا يسعني إلا وصف هذا بأنه تخييب كبير للآمال.»
سوبارو: «مهلا، مهلا، مهلا! لا تجزم بالأمر وكأنه حقيقة مطلقة! فنحن لم نتأكد بعد!»
«آبل»: «أحمق. ما دام لم يظهر منه أي أثر للالتحاق بنا طوال هذا الوقت، فهو في حكم الميت لا محالة.»
سوبارو: «لا تسو بين كونه في حكم الميت وبين موته الفعلي! لقد أدمنت افتراض أسوأ الاحتمالات لدرجة أنك تقتل الناس في رأسك كيفما تشاء!»
هاجم سوبارو كلام آبل بضراوة لاعتباره مراوغة لا طائل منها لاستدراج أوبيلك؛ فخداع أوبيلك في هذا التوقيت لا جدوى منه، لذا كان اعتراض سوبارو الصارم في محله تماما.
وإزاء ذلك الجدال الدائر بين سوبارو وآبل، تنفس أوبيلك الصعداء بارتياح جلي قائلا:
أوبيلك: «لقد كدت أموت رعبااا~؛ أفيعني هذا أن الجنرال من الدرجة الأولى غروفي لم يمت، وبوسعي الاطمئنان لذلك إذن؟»
«آبل»: «لقد انقطعت أخباره منذ أمد، ولا أثر لأي تحرك من الجيش المفرز للغرب؛ وطالما أن مكان ذلك القائد مجهول، فالأجدر بنا التعامل مع الأمر على أنه هالك، فهذا أكثر عقلانية.»
سوبارو: «أكثر عقلانية وبناء؟! وما الذي تبنيه بالضبط؟ مقبرة؟»
ولعل آبل رأى في مقاطعة سوبارو مجرد مناكفة لا طائل منها، فاحتدمت نظراته بصرامة؛ غير أن سوبارو لم يجد مسوغا للتراجع، فاكتفى بإخراج لسانه ردا عليه، والتفت نحو أوبيلك.
ومع أن مدى مصداقية «راصد النجوم» هذا لم تكن لتبعث على الثقة التامة، إلا أن سوبارو استطرد:
سوبارو: «حين أنبأتك النجوم بذلك يا أوبيلك-سان، أكان المدعو غروفي حيا دون أدنى شك؟ إن كان الأمر كذلك، فسيسهل علي إقناع هذا الرجل هنا.»
أوبيلك: «يؤسفني القول إن النجوم لم تنبئني سوى بمواصفات الأشخاص القادرين على ردع «الكارثة العظمى» فحسب، أما مسألة بقائهم على قيد الحياة من عدمها، فذلك أمر يعصى على معرفتي تمامااا~.»
«آبل»: «إذن فالراحل غروفي غامليت يمتلك في جعبته وسيلة لردع «الكارثة العظمى».»
وجد سوبارو مشقة في تكرار التنبيه إلى أن مسألة حياته غير محسومة، فآثر عدم التعقيب؛ بيد أن تلك العبارة التي تمتم بها آبل ستحمل دلالة بالغة الأهمية لما هو آت.
فطالما وضعت نبوءة أوبيلك موضع التصديق، فلا بد أن ثمة شيئا مميزا لا يمتلكه سوى غروفي وحده، وسيكون عنصرا حاسما لكبح جماح الكارثة.
ويضاف إلى ذلك――
فإن كان أحد الضوءين اللذين أشار إليهما أوبيلك هو «جنرال الدرجة الأولى» غروفي غامليت، فالضوء الآخر يشير إليها هي دون شك.
الفتاة التي قذفت إلى إمبراطورية فولاكيا برفقة سوبارو وريم، وخاضت معهما منذ ذلك الحين أهوالا ومحنا شتى حتى التحقت بعربة التنين المترابطة هذه؛ الفتاة التي تحمل وراءها ماضيا مريبا وشديد الخطورة قل نظيره في هذا العالم… هي بالذات من صرح أوبيلك بضرورة وجودها لدرء الكارثة.
لويس وغروفي؛ لا بد أن ثمة رابطا مشتركا بين هذين الاثنين يجدي نفعا في قهر «العدو».
«آبل»: «يلقب غروفي غامليت ب «صانع الأدوات الملعونة»؛ فهو خبير بالسحر واللعنات، ويمتلك مهارة صياغة عتاد يدمج تلك التقنيات.»
لعل آبل سلك حبل الأفكار ذاته الذي جال في خاطر سوبارو؛ إذ أوضح مهارة فريدة ينفرد بها غروفي، مهارة لا يمكن لغيره تعويضه فيها، ولعل هذا بالتحديد هو ما جعله ينتقى كأحد الضوءين.
سوبارو: «طالما أنه أحد جنرالات الدرجة الأولى، فلا بد أنه قوي بحد ذاته بالطبع، أليس كذلك؟»
«آبل»: «لا شك في جدارته وبأسه؛ فحواسه فائقة الحدة حتى بين أشباه البشر، ولا أحد في سائر الإمبراطورية يضاهيه في حاسة الشم تحديدا. غير أنه بالنظر إلى الأوصاف التي أوردها «راصد النجوم» هذا، فليس بأسه كمحارب هو ما ينبغي الالتفات إليه.»
سوبارو: «أفهم ذلك… السحر واللعنات إذن؟»
ففيما يخص السحر، أحرزت بياتريس وروزوال نتائج ملموسة للتو.
والمؤكد أن وجود «حشرات النواة» الكامنة داخل أجساد الجثث الحية يمثل جوهر الآلية التي تبعثها من التراب.
غير أن أوبيلك لم يدرج أيا منهما ضمن الضوءين اللذين ذكرهما.
وخلاصة القول، إن مدار الأمر لا ينصب على براعة مستخدمي السحر، بل على――
«سوبارو وآبل»: «——فنون اللعنات.»
نطق سوبارو وآبل بالكلمة ذاتها في اللحظة عينها، وتلاقت أعينهما السوداء.
عزز توصل آبل إلى النتيجة ذاتها ثقة سوبارو؛ فالأكيد تقريبا أن اختيار غروفي كوسيلة لمواجهة الجثث الحية يكمن في علمه باللعنات.
فمن شأن الجمع بين الوسائل السحرية وتدابير اللعنات أن يتيح لهم اتخاذ خطوة فعالة ضد تلك الجثث الحية.
«آبل»: «باستثناء غروفي غامليت، لا أحد يملك دراية باللعنات سوى أولبارت دونكلكين على الأرجح؛ لذا فجمع أصحاب الخبرة أمر ملح. وماذا عمن في طرفكم؟»
سوبارو: «في جانبنا، لدى بياكو إلمام بسيط، وأنا نفسي لا أزال واقعا تحت وطأة لعنة؛ ولا أدري مدى دراية روزوال أو ني-ساما بهذا الشأن…»
«آبل»: «――مع تجاهلي لبعض ما تفوهت به، سيكون من اللازم استنطاقهم بما لديهم من معرفة.»
فمن الشائع أن الآثار اللاحقة للعنة التي أصابته حين نهشه قطيع وحوش «الأولغارم» السحرية في السابق لا تزال تعشش داخل جسده.
ولحسن الحظ، لم تكن تعرقل حياته اليومية فتركها وشأنها، غير أنها أشبه بثؤلول غريب يستقر في جسده؛ وسيكون كاذبا إن زعم أنها لا تشغل بسامي.
وعلى أية حال، فكما قال آبل، لا بد من جمع كل من يمتلك دراية باللعنات دون استثناء، لبلوغ المعرفة التي كان يفترض بالمتخصص غروفي أن يزودهم بها.
وبينما كان سوبارو يفكر في ذلك، أردف آبل بهدوء قائلا «وعلاوة على ذلك»:
«آبل»: «――وجود تلك الفتاة، هل تملك جوابا عن أي نفع أو أفضلية سيجلبه للإمبراطورية؟»
بطبيعة الحال، امتد الحديث ليشمل لويس، وانغرز سؤال آبل في صدر سوبارو.
أطبق سوبارو فمه، متمهلا برهة قبل أن يجيب عن سؤال آبل.
غير أن تلك البرهة طالت لتتبعها ثانية وثالثة، دون أن يظفر بجواب شاف.
كان السؤال في غاية الوضوح، ومما لا شك فيه أن سوبارو نفسه لم يكن يملك أدنى جواب عنه.
«آبل»: «حين تقاسمنا ثمرة الرينغا تلك، قلت لك صراحة إنني لا أنوي أن آمرك بإعدام من يشتبه بكونه «رئيس أساقفة الخطيئة» على الفور.»
ونيابة عن سوبارو الذي لزم الصمت، استرسل آبل في الخوض بشأن لويس.
ففي أعقاب ذلك الشجار بالأيدي، تقاسم سوبارو وآبل ثمرة الرينغا وأكلاها معا، وتطرق الحديث بينهما حينها إلى لويس أيضا.
وحينها قال آبل بالفعل إنه لن ينزل العقاب بلويس لمجرد حقيقة هويتها، غير أن――
«آبل»: «وموقفي ذاك لم يتغير حتى اللحظة. فليس أنا من ينبغي له تحديد ماهية تلك الفتاة، بل أنت.»
سوبارو: «…أنا من يحدد ماهية لويس؟»
«آبل»: «من له شأن عميق بأفعال تلك الفتاة لست أنا، بل أنت. وحتى لو أرادت إيداع مصيرها لأحد، فستبتغيك أنت، لا أنا.»
وبجوار سوبارو الذي شعر بجفاف في حلقه، صرح آبل بذلك ببرود، ثم نقل نظره من سوبارو ليعيده نحو أوبيلك قائلا:
«آبل»: «أأنت واثق من صحة ما سمعته من النجوم؟ بأن وجود الفتاة التي يصحبها هذا الصبي هو مفتاح المواجهة ضد «الكارثة العظمى»؟»
«أوبيلك»: «――أجل، قولي هذا لم يتغير~ أبدا. وكما هو الحال مع الجنرال من الدرجة الأولى غروفي، لست أدري ما الذي رأته النجوم في تلك الفتاة~ تحديدا.»
ومع خشخشة السلاسل حين هز كتفيه، أعاد أوبيلك غرس بذرة الحيرة ذاتها دون تغيير.
لم يدر سوبارو كيف ستنبت تلك البذرة، ولا أي براعم ستحملها، ولا أي أزهار ستتفتح عنها. ورغم ذلك، أدرك بمرارة أنه لا يسعه الاستمرار في حملها معه هكذا؛ فلا هو يسمح لها بالتفتح، ولا هو يتركها لتذبل.
وبينما كان قلب سوبارو يعتصر ألما من ذلك الواقع، مضى الإمبراطور — الذي لا يكلف نفسه عناء تفهم آلام الآخرين — ليخبره دون ذرة من رحمة:
«آبل»: «توصل إلى قرارك سريعا؛ هذا إن لم يكن مذاق ثمرة الرينغا تلك وكل تبجحك مجرد كذب.»
△▼△▼△▼△
«إميليا»: «――سوبارو، هل سمعت ما أردت سماعه؟»
وفور خروجه من الحجرة التي احتجز فيها أوبيلك، استقبلته إميليا التي كانت في انتظاره بقلق.
فمن حيث المبدأ، يعد وجود «متأملي النجوم» معلومات سرية في إمبراطورية فولاكيا، لذا لم يسمح لأحد من وفد المملكة بدخول الغرفة باستثناء سوبارو.
ولعل السبب يعود إلى معرفة سوبارو المسبقة ب أوبيلك، فضلا عن تقدير آبل نفسه لضرورة إطلاعه على ما سيقوله «راصد النجوم».
سوبارو: «إن قلنا إني سمعت فقد سمعت، وإن قلنا إني لم أسمع فلم أسمع…»
«بياتريس»: «…يا لها من إجابة غير مفهومة، في الواقع. أتقصد أن الأمر كان مجرد مضيعة للوقت، أظن؟»
سوبارو: «لا أظن ذلك.»
هرولت بياتريس بخطوات صغيرة نحو سوبارو الذي بات متلعثما في كلامه، وأمسكت بيده وهي تقطب حاجبيها.
ورغم ذلك، لم تعمد بياتريس ولا إميليا، ولا حتى أوتو أو غارفيل الحاضرين هناك، إلى استعجاله في الإجابة.
وبشعور مبهم بأن هذا اللطف يختلف تماما عن طبع أهل الإمبراطورية، كاد يستسلم لدفء مراعاتهم المألوفة التي افتقدها بشدة.
ولكن――
سوبارو: «――لا، هذا لا يصح.»
فلا يسعه الاستمرار في الإشاحة بوجهه هكذا إلى الأبد.
فأبعد من كونه مجرد تهرب غير مسؤول، لقد بلغ الموقف حدا في غاية الإلحاح. وفوق كل ذلك، فحين يبتعد عن هؤلاء الرفاق الذين يتغاضون عن تساهله هذا، فلن يكون سوبارو هو أكثر من سيتألم.
ولهذا السبب――
سوبارو: «يا رفاق، أريد أن أناقش معكم أمرا بجدية، وذلك من أجل الإمبراطورية أيضا.»
«إميليا»: «أمر تريد مناقشته مع الجميع؟»
سوبارو: «أجل.»
أومأ سوبارو مجيبا إميليا، وأخذ نفسا عميقا.
فبالنسبة للجميع هنا، أو حتى لأولئك العزاز على قلب سوبارو الغائبين عن هذا المكان، كان هذا موضوعا لا سبيل للتهرب منه قط، ولا ينبغي لهم ذلك.
وكان ذلك――
سوبارو: «――دعونا نتحدث بجدية عن «رئيس أساقفة الخطيئة الشره»، لويس آرنيب.»
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
ترجمة: AurenZzZ
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
«1» – السيزا (باليابانية: 正座 أو 正坐) حرفيا «الجلوس الصحيح» هو المصطلح الياباني للطريقة التقليدية الرسمية للجلوس في اليابان.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
🎭 – خيمت على الحانة رائحة الخمر النفاذة وعبق التراب الكثيف. بجوار المدخل تكدست قوارير وبراميل فارغة إلى جانب أشلاء دمى ترابية كانت في الأصل على هيئة بشر. داخل الحانة كان رجلان كهلان غارقين في السكر: أحدهما ذو شعر أزرق مربوط خلف رأسه، والآخر أحمر الشعر يحدق حنقاً في قارورة خمر.
دعا الكهل الأزرق غروفي بـ«السيد كتلة الفرو» وهو يضحك بانشراح، مما أثار غضب غروفي المنهك الذي ظل يركض أياماً بلا طعام ولا ماء. عندما التفت غروفي إلى الكهل الأحمر ليؤنبه، انطلق سيف فضي في وميض خاطف يستهدف عنقه بدقة قاتلة. تفادى غروفي الضربة في اللحظة الأخيرة، ثم تقدم خطوة ولكم الكهل الأحمر بقبضته المدرعة، فأرسله يدور في الهواء ويرتطم بالجدار بعنف. أمسك غروفي بقارورة الخمر المتطايرة وتجرعها دفعة واحدة.
جلس الكهل الأزرق جلسة السيزا وهو يمدح بأس غروفي، ثم اعتذر مبتسماً. شرح أنهما عابري سبيل ضلا الطريق إلى هذه القرية المتوارية، فوجداها خالية من أهلها وقد استولت عليها جحافل كتل الطين، فلم يجدا بداً من إفراغ كل الخمر التي خلفها الموتى، بل تراهنا على جنس الزومبي التالي الذي سيدخل الباب. غضب غروفي من سخافة الرهان، لكنه أدرك بسرعة أن الكهل الأزرق لا يزال يضمر نية قتله خلف ابتسامته الودودة. شم غروفي رائحته فجأة وتذكرها: «أيعقل أنك والد ذلك اللعين سيسيلوس؟»
اعترف الكهل الأزرق بهويته. إنه روان سيغمونت، والد سيسيلوس سيغمونت صاحب الدرجة الأولى بين الجنرالات الساميين التسعة. كان يُفترض أنه مات قبل سنوات عندما قطعته يد ابنه نفسه عقاباً على إساءة بالغة للمقام الإمبراطوري داخل قصر الكريستال. أوضح روان أن مذكرات ملاحقة صادرة بحقه، وأن بقاءه على قيد الحياة أمر سيئ بالنسبة له إن شاع. سأله غروفي كيف نجا من سيف سيسيلوس، فأجاب ببرود أن سيف ذلك الفتى لا تلين ضرباته بدافع عاطفة الأبوة أبداً.
في تلك اللحظة بدأت رائحة التراب تتعالى من الخارج، وراحت حشود الزومبي تطوق القرية. عرض غروفي صفقة يائسة: سيستخدم صلاحياته كجنرال من الدرجة الأولى لإلغاء مذكرات الملاحقة الصادرة بحق روان، مقابل أن يساعده على العودة إلى حيث يتواجد الإمبراطور. قبل روان الصفقة فوراً، لكنه سأل بوقاحة عن مقدار المكافأة المالية أيضاً. زفر غروفي يأساً، ثم استبد به الإنهاك فانهار في مكانه وغط في نوم عميق.
حمل روان جسد غروفي الصغير على كتفه بخفة، وركل هاينكل (الكهل الأحمر) ليفيق من غيبوبته. قال لـهاينكل إن الظروف تبدلت، وإنه سيؤنبه ضميره إن تركه خلفه. عندما سأل هاينكل إن كانوا سيأكلون شبه البشري، ضحك روان ونفى. استل سيفه وهو يبتسم وقال مخاطباً ابنه الغائب: «ابقَ حياً وانتظرني يا ابني العاق؛ فبلوغ سيف السماء لا يزال بعيد المنال عنك!» ثم اندفع مع هاينكل مخترقاً موجات الزومبي التي بدأت تتدفق إلى الحانة.
في الوقت نفسه، داخل عربات التنين، كان سوبارو وآبل يناقشان نبوءة أوبيلك عن الضوءين القادرين على ردع الكارثة العظمى. جزم آبل ببرود أن غروفي غامليت قد مات، لأن الجيش المفرز للغرب انقطعت أخباره تماماً ولم يظهر أي أثر له. اعترض سوبارو بشدة، مؤكداً أن انقطاع الأخبار لا يعني الموت الفعلي، وأن آبل يدمن افتراض أسوأ الاحتمالات حتى يقتل الناس داخل رأسه. أوضح أوبيلك أن النجوم لم تخبره سوى بمواصفات الأشخاص، لا بحالة حياتهم أو موتهم.
استنتج سوبارو وآبل معاً أن المفتاح يكمن في «فنون اللعنات». غروفي يُلقب بـ«صانع الأدوات الملعونة»، وهو الخبير الأعظم بالسحر واللعنات في الإمبراطورية، ويملك مهارة صياغة عتاد يدمج هذه التقنيات. أما الضوء الآخر فهو بوضوح لويس آرنيب، الفتاة التي لا تعي لغة الكلام والتي جاءت مع سوبارو وريم. سأل آبل سوبارو مباشرة: ما النفع أو الأفضلية التي سيجلبها وجود تلك الفتاة للإمبراطورية؟ التزم سوبارو الصمت طويلاً، غير قادر على إيجاد جواب. ذكّره آبل بما قاله سابقاً عندما تقاسما ثمرة الرينغا: إنه لن يأمر بإعدامها فوراً لمجرد الاشتباه في كونها رئيسة أساقفة الخطيئة، لكن تحديد ماهيتها ليس من شأن الإمبراطور، بل من شأن سوبارو وحده.
خرج سوبارو من الحجرة ثقيلاً. استقبلته إميليا بقلق، وانضمت إليها بياتريس وأوتو وغارفيل. لم يستعجلوه، بل انتظروا بصبر. أخذ سوبارو نفساً عميقاً وقال لهم بجدية تامة:
«يا رفاق، أريد أن أناقش معكم أمراً بجدية، وذلك من أجل الإمبراطورية أيضاً… دعونا نتحدث بجدية عن رئيسة أساقفة الخطيئة الشره، لويس آرنيب.»
بهذا ينتهي الجزء، بعد أن التقت مصائر غروفي المنهك مع روان وهاينكل في صفقة يائسة، وبعد أن وضع أوبيلك على سوبارو عبء القرار بشأن لويس، القرار الذي لم يعد بإمكانه تأجيله.