الفصل 494 - مقاربة سحرية
الفصل السابع عشر
«مقاربة سحرية»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
كلما ازدادت الحاجة إلى ذلك، ازداد رسوخ اليقين بأننا أمام وضع غير مسبوق.
تذكر كتب التاريخ التي دوّنت أحداثًا وقعت في لوغونيكا قديمًا واقعةً تشبه هذا الوضع الشاذ إلى حد بعيد، لكنها لم تحظَ باهتمام كبير ضمن تلك الأحداث.
――«حرب أنصاف البشر».
كانت حربًا أهلية واسعة النطاق اندلعت في لوغونيكا قديمًا، وهي الواقعة الوحيدة المسجلة في التاريخ التي اشتد فيها بأس الموتى بوصفهم أعداءً، كما يحدث الآن.
غير أن كتب التاريخ ركزت أساسًا على الصراعات بين البشر وأنصاف البشر، ولم توثّق بالتفصيل الهجمات غير المعقولة التي نُفذت خلال بعض مراحل الحرب الأهلية.
يا للخسارة. لو أن تفاصيل تلك الواقعة دُوّنت باستفاضة أكبر――،
؟؟؟: [لن أسمح لأمثال هؤلاء بأن يتفوقوا عليّ!!]
ومع زئيره، هوى بقبضته، فطار جمع من الجنود الإمبراطوريين ذوي البشرة الشاحبة المزرقة دفعة واحدة.
كانت ضربةً كاسحة أقرب إلى الاجتياح منها إلى اللكم، أطلقها بكل قوته، مستمدًا زخمها من الأرض التي كان يدكّها بقدميه.
وواصل هجومه مرتين، ثم ثلاثًا، فكان يبدد صفوف الأعداء مع كل ضربة. — لا، لم تكن صفوفًا تستحق وصفها بالتشكيل أصلًا.
كان الأعداء يندفعون نحوه متجاورين، لكنهم يفتقرون إلى أي مظهر من مظاهر القيادة أو التنسيق أو التكتيك. وبذلك، لم يكونوا سوى حشد من المقاتلين المنفردين.
وما داموا مجرد أفراد متفرقين، فلن يعجز غارفيل عن مجاراتهم.
لكن――،
؟؟؟: [زيه! زواه!]
ومع اندفاعة خاطفة، مرّت ضربتان متتاليتان بالسيف بمحاذاة عنق غارفيل.
وقد انتصب شعر بدنه من الإحساس بالخطر، فحدّق في خصمه. وإذا بميت حي آخر يندفع فجأة من بين بقايا جثة محطمة، وقد بدا مختلفًا عن سائر الموتى الأحياء.
غارفيل: [تشه!]
نقر بلسانه تبرّمًا، ورفع كتفه ليتفقد عنقه الذي مرّ طرف السيف بمحاذاته.
اختلف مدى الضربة الثانية عن الأولى بمقدار عرض إصبع تقريبًا. إنها حيلة مبارز ماهر يتعمد توجيه ضربة يسهل تفاديها، ثم يستغل حركة خصمه ليحاول قطع رأسه بالضربة الثانية.
ومع أنهم لم يكونوا سوى حشد من الأفراد بلا تشكيل، فقد كان يتخللهم أحيانًا مقاتلون يمتلكون مهارة من هذا المستوى.
وقد اتضح أن الأمر أعقد مما توقع؛ إذ بدا له أن بين كل عشرين ميتًا حيًا واحدًا على الأقل مقاتلًا ماهرًا. ولذلك، لم يستطع أن يطمئن حلفاءه بتهور قائلًا إن تعاونهم كفيل بحمايتهم.
فقد يكفي خطأ واحد في التمييز بين الأعداء حتى يتمكن مقاتل ماهر واحد من تفكيك تشكيل يضم مئة رجل.
الميت الحي الماهر: [زيه! زواه――!]
قطّب غارفيل وجهه، فأعاد الميت الحي توجيه الضربتين المتتاليتين بالسيف.
لكن مدى الضربتين تغيّر هذه المرة بفارق أكبر وأكثر جرأة. فبعدما كان الفارق في المرة السابقة بمقدار طرف إصبع، أصبح الآن بمقدار قبضة كاملة. وإذا توغلت الضربة بمقدار قبضة إضافية، فقد يصبح الجرح قاتلًا مهما بدا سطحيًا.
ومع ذلك، اتسعت عينا الميت الحي الذي نفّذ الحركة، وارتسم على وجهه تعبير يناقض تمامًا تعبير من يثق بالنصر.
كان السبب بسيطًا―― فقد حُطمت ذراعه اليمنى، التي تمسك بالسيف، عند المعصم.
غارفيل: [مهما لجأت إلى الحيل، فلن يتغير موضع قبضتك على السيف حين تمدّ ضربتك. «حتى فالغرين ذو الرؤوس الثلاثة لا يملك إلا جسدًا واحدًا»… ها!]
قلب غارفيل يده اليسرى التي حطّم بها المعصم، ثم وجّه قبضته مباشرة إلى وجه خصمه المذهول.
وما إن امتدت صدمة الضربة إلى مؤخرة رأسه، حتى انفجر رأس الميت الحي كما تنفجر ثمرة ناضجة. ومع انهيار الرأس، امتدت الشقوق إلى الجذع والساقين، حتى تحطم الجسد بأكمله.
غارفيل: «هذا لا يعجبني.»
ألقى غارفيل نظرةً إلى بقايا خصمه الذي أطاح به، ثم تفوّه بهذه الكلمات.
كان ما يثير استياءه هو الطريقة التي يُهزم بها الموتى الأحياء ويفنون. وبما أنهم أموات أصلًا، فليس من الدقيق وصف ما يحدث لهم بكيفية موتهم. والأهم من ذلك أن تحطمهم بهذه الصورة كان يسلب غارفيل إحساسه بأنه يقاتل كائنات حية.
ولم يبقَ لديه سوى شعور مبهم يبعث القشعريرة، وهو يتساءل عن حقيقة ما يقاتله.
غارفيل: [――――]
مسح غارفيل العرق عن ذقنه بذراعه، ثم جال بنظره في الأرجاء، فرأى جنود الموتى الأحياء يتوافدون بلا انقطاع على السهل الذي تحوّل إلى ساحة معركة ليلية.
وكانت وحدة من قوات التأخير التكتيكي، تضم غارفيل، تخوض قتالًا ضاريًا لصدهم.
في البداية، أُسند إلى غارفيل العمل ضمن وحدة طبية للاستفادة من سحره العلاجي، لكن الوقاية من الإصابات كانت أنسب لطبيعته من معالجة المصابين بعد إصابتهم.
؟؟؟: [يا غارف-سان، إن تململك يثير القلق! إن كنت عاجزًا عن الاستقرار هكذا، فاذهب وساعد المقاتلين في الميدان بنفسك!]
كانت تلك كلمات بيترا، التي كانت تبذل جهدها إلى جانب غارفيل في الوحدة الطبية نفسها.
لم يخرج غارفيل لمجرد أنه امتثل لطلبها، لكنه اندفع إلى الخارج على أي حال. وفي الواقع، كان يظن أنه يحقق نتائج تبرر تطوعه.
ومع ذلك، لم يكن مغرورًا إلى حد الاعتقاد بأنه يؤدي أفضل ما يمكنه أداؤه.
والسبب هو――،
؟؟؟: [أطلقوا――!!]
دوّى نداء قتالي حاد في ظلام الليل، وأعقبته مباشرة أصوات أوتار الأقواس وهي تنطلق تباعًا.
واستجابةً لنداء تاريتا، زعيمة شعب الشودراك، انهمر وابل هائل الكثافة من السهام.
لم تكن السهام تسقط متفرقةً، بل كانت تنهمر ككتلة واحدة لا تترك مجالًا للمراوغة. ولم يكن أمام من يستهدفهم هذا الوابل سوى تلقي السهام أو صدّها. وبالفعل، حاول الموتى الأحياء الذين استطاعوا تفادي تلقيها مباشرةً استخدام أسلحتهم ودروعهم لصدها.
لكن――،
كونا: [أراها!]
هولي: [سأصيبها!]
كان الموتى الأحياء المنشغلون بما يحدث في السماء يتعرضون للقذف بعيدًا بفعل سهام أطلقتها راميات يحملن أقواسًا شديدة القوة، وهن يطلقن صيحات حماسية.
ولم يكن وصف ما حدث بأنه مجرد اختراق بالسهام كافيًا على الإطلاق؛ فقد كان الارتطام أشبه بالاصطدام بعربة تنين تندفع بأقصى سرعتها. إذ قُذفت صفوف الموتى الأحياء الذين اتخذوا وضعية دفاعية بعيدًا، وجُرفت معهم المجموعة التي كانت خلفهم.
غارفيل: [ما كان ينبغي حتى لي أن أعجز عن مجاراتهم، لكن ما يفعلونه يفوق التصور!]
كانوا يطهرون المنطقة من الموتى الأحياء الضعفاء بوابل السهام الذي يغطي مساحة واسعة، ثم يستهدفون الأقوياء الذين ينجون منه بقنصهم بالأقواس شديدة القوة. وقد أثار تناغمهم في الصيد إعجاب غارفيل بشدة.
فحتى غارفيل قد تُشل حركته إن غرزت السهام في جسده حتى غدا كالقنفذ، وعندها لن يستطيع تفادي الضرر البالغ الذي قد يلحق به إذا استُهدف بسهم من ذلك القوس القوي. لقد رأى في هذا الأسلوب القتالي سببًا وجيهًا للاطمئنان إلى وجودهم في صفه.
غارفيل: [حسنًا، أما ما يحدث هناك فلا أفهم منه شيئًا…]
وإلى جانب الشودراك الذين أدهشوه ببراعتهم، كانت هناك جماعة أخرى نالت إعجاب غارفيل لسبب مختلف.
كانت جماعةً يبدو أفرادها جميعًا من العتاة ذوي المظهر الخشن، وقد رافقت سوبارو، الذي كان يُفترض أنه خاض القتال بمفرده في الإمبراطورية. وكان أفرادها يطلقون على أنفسهم اسم «كتيبة الثريا».
أفراد كتيبة الثريا: [سنفعلها! سنفعلها! سنفعلها! سنفعلها――!]
أفراد كتيبة الثريا: [الأقوى! لا يُقهر! نحن مستعدون! نحن مستعدون!!]
أفراد كتيبة الثريا: [آآآآآه――!!]
كانوا صاخبين على نحو غير طبيعي حتى وسط معركة ليلية، ولم يرَ غارفيل بينهم أحدًا يتفوق بوضوح في المهارات القتالية. وبالطبع، بدا أن كثيرين منهم قد تدربوا على مهارات قتالية تبلغ مستوى الجنود الإمبراطوريين العاديين، لكن ذلك لم يفسر ما رآه.
فقد كان معظمهم يعتمد أسلوبًا همجيًا تحركه الغريزة، بعيدًا عن أي صقل أو تهذيب.
ومع ذلك، كانوا أقوياء.
لقد بلغ التفاوت في القدرات الجسدية حدًا يشبه الفارق بين شخص بالغ وطفل.
؟؟؟: [إنه مشهد مهيب. قوتهم مبهرة، بل إن صراحتها تبعث على الارتياح.]
وصل صوت إلى غارفيل، الذي كان يتأمل أسلوب قتال كتيبة الثريا. وحين التفت، وجد امرأة تقف إلى جانبه، ذات بشرة بنية داكنة وشعر مصبوغ بالأحمر―― ميزيلدا.
كانت ميزيلدا، ذات الساق الخشبية، تبتسم ابتسامة بلون الدم وهي تشاهد قتال الكتيبة الضاري.
غارفيل: [لا أفهم ما يجري، لكنهم من جماعة القائد. قد أتساءل عما يفعلونه، لكنني لا أخشى أن يكون ما يفعلونه أمرًا سيئًا.]
ميزيلدا: [القائد… سوبارو، أليس كذلك؟ إن إميليا والآخرين يثقون به كثيرًا.]
غارفيل: [ها! الثقة؟ بل إن كلمة كهذه لا تفيه حقه! إنه رجل يردّ لي ما أضعه فيه من توقعات وثقة مئة ضعف!]
لم يكن ذلك مبالغةً ولا ادعاءً أجوف؛ فقد كان غارفيل يشيد به من أعماق قلبه، من دون أن يساوره أدنى شك في صدق ما يقول. وعند سماع إجابته، تغيرت طبيعة ابتسامة ميزيلدا.
تحولت من ابتسامة محاربة متأهبة للقتال إلى ابتسامة أكثر هدوءًا، تنمّ عن شيء من التفهم.
ميزيلدا: [أفهم شعورك أيضًا. لقد ظل سوبارو يثبت لنا روح المحارب التي يتحلى بها، سواء في «طقس دماء الحياة» أم في المعارك التي تلته. صحيح أنه ليس وسيمًا، لكنه يصلح زوجًا لتاريتا.]
غارفيل: [كفي عن الحديث عن مظهره! فالقائد نفسه قلق بشأن حدة نظراته! ثم إن…]
ميزيلدا: [ثم إن ماذا؟]
غارفيل: [مهما ازداد افتتان الناس بالقائد، فإن قلبه قد اختار من يحب بالفعل.]
فرك غارفيل أنفه بإصبعه، وأومأت ميزيلدا برأسها موافقةً.
لم يعرف كم كان في كلامها من المزاح وكم كان فيه من الثناء الصادق، لكن حقيقة أن سوبارو يحظى بالتقدير في هذه الإمبراطورية أيضًا ملأت قلبه فخرًا.
أينما حلّ، أشرك سوبارو من حوله في ما يفعله، وحقق معهم نتائج عظيمة.
ومع أن سوبارو قادر على شق طريقه أينما ذهب، فإن غارفيل وجميع أفراد المعسكر يتمنون أن يبقى معهم.
ولهذا خاطروا جميعًا، وجاءوا مسرعين إلى أعماق الإمبراطورية.
غارفيل: [ومع ذلك، تجرؤ هذه الحثالة على اعتراض طريقنا ونحن نحتفي بلمّ شملنا مع القائد… تبًّا!]
كان غارفيل ضابطًا عسكريًا يحب التنافس مع الأقوياء. لكنه لم يكن مهووسًا بالقتال، يخوض المعارك مع أي شخص، في أي وقت ومكان.
كان يتوق إلى لقاء رفيق عزيز عليه، وإلى قضاء وقت يفرحان فيه بلمّ شملهما. لكن الأعداء كانوا يواصلون الظهور بلا انقطاع، فيفسدون عليه تلك اللحظات؛ فلم يكن ذلك يثير فيه السعادة، بل لم يكن يثير فيه سوى الكراهية.
غارفيل: [لكن هؤلاء القوم يستحيل فهمهم فعلًا.]
ميزيلدا: [عودة الموتى إلى الحياة أمر غير طبيعي. أفهم ما تعنيه، لكن…]
غارفيل: [آه، ليس هذا ما أقصده.]
ميزيلدا: [――؟]
أطبق غارفيل فكيه حتى صرّت أنيابه، فرفعت ميزيلدا حاجبًا وهي تسمع تمتمته.
ولكي يوضح لها ما يقصده، أشار غارفيل بذقنه نحو مجموعة من الموتى الأحياء الذين ظلت سهام الشودراك تنهال عليهم، ثم قال:
غارفيل: [إذا تأملت الأمر جيدًا، فستلاحظين أن طريقة تحطم هؤلاء ليست واحدة دائمًا… فبعضهم يتحطم من سهم واحد، بينما يصمد آخرون حتى بعد أن تخترق أجسادهم خمسة سهام.]
ميزيلدا: [حتى بين الوحوش ما يصعب القضاء عليه، وكذلك البشر. أليس الأمر سيانًا؟]
غارفيل: [أدرك أن بينهم قويًا وضعيفًا، لكن الأمر ليس مجرد تفاوت في القوة…]
لم يستطع غارفيل شرح ما يشعر به على نحو واضح، لكنه لاحظ أن الموتى الأحياء، حتى أولئك الذين بدوا متقاربين في القوة، يختلفون في مقدار ما يستطيع كل منهم تحمله.
وبدا أن موضع إصابة السهم، أكان موضعًا حيويًا أم لا، لا يفسر هذا الاختلاف كثيرًا. فبعضهم لا يتأثر حتى إذا اخترق سهم إحدى عينيه، بينما يتحطم آخرون من سهم واحد يصيب كتفهم.
كان يشعر أن قياس الأمر بمجرد تفاوت الحيوية بينهم لا يكفي لتفسير ما يراه――.
غارفيل: [تبًّا! مجرد التفكير في الأمر يوجع رأسي! إنه «غويلتيلاو الذي لم يبلُغ غايته بخطوة واحدة». إن سحقناهم جميعًا فحسب، فلن يهم الأمر على أي حال…]
؟؟؟: [——هذا بالضبط ما سيفكر فيه «غويلتيلاو الذي لم يبلُغ غايته بخطوة واحدة»، أليييس~ كذلك؟]
في تلك اللحظة، ارتجف كتفا غارفيل بشدة حين سمع الصوت الآتي من فوقه.
رفع رأسه على عجل، فرأى ظلًّا يقترب بتمهّل من السماء الليلية الملبدة بالغيوم الكثيفة. وأخذ الظل يكبر سريعًا في مجال رؤيته، حتى اتخذ هيئة الرجل الذي لا يطيقه.
ثم——
؟؟؟: [أراك تكافح، لذا اسمح لي بأن أتدخل قليلًا~.]
غارفيل: [دادلي، أيها الوغد…]
؟؟؟: [أوه. يؤسفني أن أقول هذا بعدما اعتدت أخيرًا على اسمي المستعار، لكن الاجتماع الذي عقدناه منذ قليل ألغى الحاجة إلى إخفاء اسسمي~. لذا، يمكنك مناداتي كالمعتاد…]
غارفيل: [روزوال اللعين…!!]
روزوال: [مع أنك أضفت إلى اسمي وصفًا لا داعي له، فلا بأس أن تناديني به، لا أمااانع~.]
وهكذا، كان روزوال يضحك بعدما هبط على الأرض، مستفزًّا غارفيل ومثيرًا حنقه.
منذ تسلله إلى فولاكيا، توارى مكياج وجهه وأزياؤه الغريبة، لكن أسلوبه الفريد في الكلام، الذي كان من المفترض أن يظل مختومًا هو الآخر، عاد إلى الظهور.
وبعد أن علم غارفيل أن اسمه المستعار لم يعد ضروريًا، استنتج أن المباحثات التي جرت في عربة التنين قد انتهت على الأرجح إلى اتفاق.
إنها التسوية التي سبق أن تحدث عنها أوتو وفريدريكا والآخرون، بهدف تحديد صيغة مناسبة للعلاقة مع الإمبراطورية، من دون إجبار سوبارو وإميليا على التراجع عن مشاعرهما.
وكان ذلك في حد ذاته أمرًا سارًّا لغارفيل.
غارفيل: [إن انتهيتم من الحديث، فأريد أن أسمع كيف آلت الأمور… بياتريس! أانتقلتِ إلى صفه؟ من النادر أن أراكِ برفقة هذا الوغد.]
بياتريس: [اضطررت إلى ذلك، في الواقع. لو كان الأمر بيدي، لما فارقت بيتي جانب سوبارو ولو لثانية واحدة، أظن. لكن ما دمتُ قد أصبحت موضع اعتمادهم، فلا مفر من تلبية طلبهم، في الواقع.]
وبقولها ذلك، قفزت بياتريس بخفة من بين ذراعي روزوال.
كان غارفيل لا يزال يذكر جيدًا كيف واصلت بياتريس نشاطها طوال الشهر الماضي، حتى في غياب سوبارو. والآن، بعدما تمكنت أخيرًا من الاجتماع به مجددًا، ظن أنها عقدت العزم على ألا تفارق جانبه مرة أخرى أبدًا.
بل إنها، قبيل أن يتزاحم الجميع حول سوبارو الذي أفاق في عربة التنين المترابطة، ويغرقوه بالعناق، كانت تتمتم بكلمات من هذا القبيل، وعيناها تنمان عن عزم راسخ.
ومع ذلك، فقد فارقت جانب سوبارو وجاءت إلى ساحة المعركة برفقة روزوال——
بياتريس: [غارفيل، جئتُ لكشف حقيقة الشعور الغريب الذي انتابك، أظن.]
غارفيل: [حقيقة… ذلك الشعور الغريب؟]
روزوال: [إذا خضت معركة من دون أن تعرف عدوك، فلن تبلغ حصيلتك نصف ما كنت تأمله. ولهذا عليك أن تعرف عدوك. ولا سيما هذا العدو، الذي يكتنفه الكثييير~ من الغموض.]
وبعد أن ابتعدت بياتريس عن ذراعيه، أخذ روزوال يحرّكهما بمظهر بدا فيه شيء من الشعور بالوحدة. أثارت كلمات الاثنين تفاؤل غارفيل بشأن ما أسفرت عنه المباحثات، كما أجّجت روحه القتالية.
حتى وإن كان روزوال، الذي يمقته، هو من جاءه بهذا الخبر.
ميزيلدا: [ليس دادلي، بل روزوال… إذن هذا هو اسمك الحقيقي؟]
روزوال: [أجل، أيتها الآنسة ميزيلدا. اضطررت إلى استخدام اسم مزيف لأسباب معينة، وأعتذر عن ذلك. ولم أكن الوحيد؛ فالسيدة إميليا، التي عرفتموها باسم إيميلي، اضطرت إلى فعل الشيء ذاته~.]
ميزيلدا: [ما دام رجل وسيم هو من فعل ذلك، فأنا أسامحك.]
بياتريس: [يا له من معيار غريب لاتخاذ القرارات، في الواقع…]
تقبّلت ميزيلدا مسألة الأسماء المستعارة وفق منظومة قيمها الخاصة والغريبة.
وبجوارها، نظر غارفيل إلى روزوال وبياتريس، ثم قال:
غارفيل: [إذن، ستستمر المعارك في الإمبراطورية، وسبب مجيئكما أنتما الاثنان هو…]
بياتريس: [إن تحديد حقيقة الظواهر الخارجة عن قوانين العالم مهمةٌ يجدر أن يتولاها السحرة القادرون على التأثير في تلك القوانين، أظن.]
روزوال: [إنه تعاون تاريخي بين لوغونيكا وفولاكيا. وأثمن ما تستطيع المملكة تقديمه لهما في المقابل هو مقاربة سحرية لكشف السبب~.]
إذا كانت خبرة الساحر قادرة على المساعدة في كشف سبب ظهور الموتى الأحياء بلا انقطاع، فلا شك في أنه لا يوجد في معسكر إميليا من هو أقدر على تقديم المساعدة من روزوال وبياتريس.
فإميليا مستخدمة للفنون الروحية، ورام من النوع الذي يعتمد على حواسه، أما بيترا فلا تزال في مرحلة التعلم.
روزوال: [بعد أن قاتلتهم مدة طويلة، كيف وجدت الأمر؟ هل توصلت إلى شيء؟]
غارفيل: [――. لا أفهم حقًا ما الذي يجعل بعضهم أسهل في القضاء عليه من غيره. أظن أن السبب يتجاوز مجرد كونهم أقوياء أو ضعفاء، لكن…]
روزوال: [همم. إذن، أهو تفاوت الأفراد في القدرة على البقاء والحيوية؟]
نقر غارفيل بلسانه في ضيق، وهو يرى روزوال غارقًا في التفكير وإصبعه الطويل النحيل مستند إلى ذقنه.
كان غارفيل ينفر من كل حركة تصدر عن روزوال، لكن نقرة اللسان هذه المرة لم تكن بسبب انزعاجه منه، بل لأنه وجد نفسه يعوّل على أفكاره ومعرفته.
فقد اعتقد، بكل صدق، أن روزوال جدير بالاعتماد عليه في هذا الموقف.
بياتريس: [لن نصل إلى إجابة بمجرد التحديق في الأمر بلا تمحيص، في الواقع.]
روزوال: [أتفق معكِ. حسنًا، ما دام الأمر كذلك… بياتريس، كم تبقى لديكِ من المانا؟]
بياتريس: [بعد لقائي بسوبارو، أنا في أوج نشاطي، أظن.]
روزوال: [حسنٌ. إذننن~――]
ابتسم روزوال ابتسامة خفيفة، وضاقت عيناه المختلفتا اللون. وبعد لحظات، ظهرت في الهواء من حوله أربعة أضواء مختلفة الألوان، كانت كلٌّ منها مانا.
فرقع روزوال أصابعه، فانطلقت الأضواء الأربعة عبر ظلام الليل بسرعة السهام، واخترقت مجموعة الموتى الأحياء البعيدة، مطلقةً كلٌّ منها تأثيرها الخاص.
اشتعل أحد الموتى الأحياء، وتجمّد آخر داخل الجليد. وقُطعت أطراف ثالث بشفرة من الرياح، بينما اخترقت كتلة صخرية انبثقت من الأرض جسد رابع من أسفل.
كانت جميعها إصابات قاتلة؛ فقد بلغت قوتها التدميرية حدًّا جعل الأجساد تتفتت إلى قطع دقيقة، مصدرةً صوت تشقق بعد ثانية واحدة. رفع غارفيل حاجبيه قليلًا دهشةً من النتيجة، وحتى ميزيلدا أبدت شيئًا من المفاجأة.
روزوال: [كما ورد في التقارير، فإن عنصر النار هو الأكثر تأثيرًا~. أما الرياح فتأثيرها ضعيف، ولا يختلف تأثير الأرض عن تأثير الضربات الجسدية. ويبدو أن التجميد يستهلك قدرًا كبيرًا من المانا.]
لكن روزوال، منفّذ الهجمات، لم يكن مهتمًا بمجرد القضاء على الموتى الأحياء، بل بمدى نفاذ الهجمات في أجسادهم وباختلاف تأثيرها عليهم.
وفي الوقت نفسه، بدأت بياتريس أيضًا الاختبار ذاته، ولكن بطريقة مختلفة عن روزوال.
بياتريس: [――فيتا.]
رفعت بياتريس يدها نحو سماء الليل، وأثّر سحرها في مطر السهام الذي أطلقه شعب الشودراك، بينما كانت السهام تشق طريقها عبر السماء.
انهمرت سهام لا حصر لها على الموتى الأحياء، بعد أن جعلها سحر الين الذي تستخدمه بياتريس أثقل بعدة أضعاف؛ فهذا السحر يغيّر وزن الهدف.
وكان الصوت المدوي الذي أحدثته السهام وهي تخترق الموتى الأحياء والأرض من حولهم كافيًا لإظهار مدى الزيادة في قوتها.
بياتريس: [كما قال غارفيل، لا يفسّر اختلاف أوزان السهام وقوتها سبب تحطّم بعض الزومبي وبقاء آخرين، في الواقع.]
غارفيل: [إن جعلتِ كل السهام أثقل، ألن يصعب التمييز بين اختلاف استجاباتهم؟]
بياتريس: [لا تستخفّ ببيتي، أظن. لم أجعل السهام كلها بالوزن نفسه، بل غيّرت وزن كل سهم واختبرته على حدة، في الواقع.]
انتفخت وجنتا بياتريس غضبًا كطفلة صغيرة، لكن ردّها وهي تحاول إثبات أنها ليست موضع استخفاف كان أكثر إثارة للسخرية.
كان غارفيل قادرًا على استخدام السحر، وإن كان متخصصًا في سحر الشفاء، ولذلك أدرك مدى الدقة التي يتطلبها التحكم السحري الذي تمارسه بياتريس.
كان ما أنجزته بياتريس بالسحر للتو يعادل، من حيث الصعوبة، تمرير الخيط في عدد كبير من الإبر دفعة واحدة، من دون استخدام اليدين.
وعلاوةً على ذلك، كان روزوال وبياتريس――
روزوال: [ليس فقدان الأطراااف هو ما يتسبب في تفتتهم~. فبعضهم لا يسقط حتى بعد اقتلاع أعضائه الحيوية. ورغم أن هيئتهم بشرية، فمن الأفضل ألا نتعامل معهم بوصفهم كائنااات حية~.]
بياتريس: [يصعب على أي شخص سواك أن يعاملهم بوصفهم غير أحياء، وهم يضحكون ويغضبون ويتحدثون، أظن. ــ وربما يتوقف الأمر على تراكم مقدار معين من الضرر، في الواقع.]
روزوال: [هذا حكم مجحف بحقي إلى حد بعيد. لقد أمضيتُ وقتًا طويلًا معكم جميعًا، وأظن أنني استعدت قدرًا كبيرًا من إنسانيتييي~. يمكن إسقاط بعضهم بمجرد تفجير ساق واحدة. وإذا كان الشرط هو مجرد تراكم الضرر، فلا يستقيم الأمر منطقيييًا~.]
بياتريس: [من السخيف اختزال الأمر في مجرد تفاوت القدرة على التحمل بين الأفراد، أظن.]
روزوال: [فما السبب الآخر إذن؟ تدفق المانا متساوٍ.]
بياتريس: [صحيح، إنه متساوٍ… انتظر، بل إنه متساوٍ أكثر مما ينبغي، في الواقع.]
ومع تبادلهما التعليقات، واصل روزوال وبياتريس تحليل طبيعة العدو.
واللافت أنهما كانا، أثناء تبادلهما الحديث، يفحصان خصائص الموتى الأحياء المهاجمين لهما، مستعينين كلٌّ بتخصصه السحري.
استعرت النيران والرياح والسهام الأرجوانية، وعجز الموتى الأحياء عن الاقتراب من الاثنين اللذين كان كلٌّ منهما يسند ظهره إلى ظهر الآخر.
وبالطبع، كان غارفيل وميزيلدا يهاجمان الموتى الأحياء أيضًا لمنعهم من الاقتراب، لكن روزوال وبياتريس كانا سيصمدان حتى من دونهما.
ومع أنه لن يقول ذلك، لأن بياتريس ستكره سماعه حتمًا――
ميزيلدا: [إن تنسيقهما في القتال مثالي.]
غارفيل: [إياكِ أن تدعيهما يسمعان ذلك!]
وكما خطر ببال غارفيل، توصلت ميزيلدا إلى التقييم نفسه تمامًا.
وبينما كان الاثنان يُظهران تنسيقًا مثاليًا في القتال من دون أن يدركا أن أحدًا لاحظه، أرخَت بياتريس طرفي حاجبيها، ونادت:
بياتريس: [سأذهب للمسه مرة واحدة فحسب، في الواقع.]
روزوال: [――يا للتهور.]
وبعد أن قالت ذلك، دفعت بياتريس الأرض بقدمها دفعة خفيفة وقفزت إلى الأمام.
رفرفت حافة فستانها، وحلّق جسدها الصغير بخفة كريشة. وكانت تلك أيضًا قفزة غير طبيعية، إذ استخدمت سحر الين لإلغاء وزن جسدها.
اندفعت بياتريس نحو أحد الموتى الأحياء الذي كان يولّيها ظهره―― وما إن استشعر اقترابها حتى استدار لمواجهتها.
روزوال: [جيوالد.]
في اللحظة التالية، تبخرت يد الميت الحي اليمنى الممسكة بالسيف، قبل أن يتمكن من توجيه ضربة إلى بياتريس.
كان روزوال يشير إلى الميت الحي، وقد انبعث من طرف إصبعه ضوء أبيض أحرق ذراع خصمه. وتجمّد الميت الحي من شدة الذهول، فوضعت بياتريس يدها على جبهته.
ثم اتسعت عينا بياتريس ذواتا النقوش المميزة.
بياتريس: [كما توقعت، أظن.]
تمتمت بياتريس بذلك، قبل أن يلتف ذراع حول خصرها النحيل ويجذبها إلى الخلف.
ضمّ روزوال بياتريس إليه، وبدّل موضعه معها، ثم وجّه بقبضته الحرة لكمة حادة هشّمت رأس الميت الحي قبل أن يستعيد قدرته على الحركة.
روزوال: [يا للعجب، أنا من سينال توبيخ سوبارو-كن.]
بياتريس: [أما بيتي فستنـال مديح سوبارو كله، في الواقع. ــ إنه سحر الترميم، أظن.]
روزوال: [ـــ إذن هذا هو السبب.]
كان روزوال قد وبّخ بياتريس على تهورها، لكنه أغمض عينه الصفراء عندما سمع تفسيرها بدلًا من أن يتلقى اعتذارًا منها.
لقد خرجت بياتريس من احتكاكها المباشر بالميت الحي بيقينٍ ما. وبدا أن روزوال فهم ما تقصده من كلمات قليلة، لكن غارفيل، لسوء حظه، لم يفهم شيئًا مما جرى.
غارفيل: [أوي، لا أفهم شيئًا على الإطلاق! اشرحا الأمر بطريقة يفهمها حتى إميليا-ساما!]
بياتريس: [إميليا وغارفيل متساويان تقريبًا في مستوى الاستيعاب، في الواقع. ــ أعتقد أننا عرفنا الآن بنية أجساد الزومبي والآلية التي تعمل بها، أظن.]
غارفيل: [لهذا أسألك: ما معنى ذلك بحق اللعنة؟]
طرح غارفيل سؤاله وهو يصرّ على أسنانه.
كان غارفيل يعرف بوجود «سحر الترميم»، وهو سحر يعيد إصلاح الأشياء التالفة. وقد سمع أن أمهر مستخدميه قادرون حتى على إعادة الكتب المحترقة إلى أصلها انطلاقًا من رمادها.
ومع ذلك، قيل إن عدد مستخدميه قليل، وإن له عيوبًا ملحوظة، منها الحاجة إلى دقة سحرية متناهية، واحتمال تراجع جودة الأشياء التي يعيد ترميمها.
وفوق كل ذلك، لا يمكن استعادة الحياة. ــ فهذا ليس ترميمًا ولا إصلاحًا، بل يدخل في المجال المحرّم الذي تنتمي إليه أمور من قبيل «سر الملك الخالد»، الذي سبق أن ذُكر عدة مرات.
روزوال: [اختارت المعلمة المانا مادةً لأوعيتها، واخترتُ الدم مادةً لأوعيتي. ــ أما هذا العدو، فقد اختار التراب لأوعيته، ولا يبالي بأن يتسرّب ما بداخلها؟]
قال روزوال ذلك وهو يغطي فمه بيده، معبّرًا عن الاستنتاج الذي أوصلته إليه بياتريس.
ومع ذلك، ظل فهم غارفيل قاصرًا عن فهمهما، لكنه استطاع أن يستشعر أن هذا الاستنتاج يقود إلى إجابات مقلقة ومنفّرة، حتى بالنسبة إليه.
وبينما تجاهل غارفيل، نظر روزوال إلى بياتريس بملامح متجهمة.
روزوال: [بياتريس، هذا ليس «سر الملك الخالد»، أليس كذلك؟]
بياتريس: […الأصل واحد، لكن طريقة التطبيق مختلفة، في الواقع. ففي «سر الملك الخالد»، يأتي الوعاء أولًا، ثم الروح، أظن. أما هؤلاء الزومبي…]
روزوال: [فالروح تأتي أولًا، ثم الوعاء. ــ أما الجسد، فيتخذ شكلًا يلائم الروح.]
أومأت بياتريس بعمق موافقةً على كلام روزوال.
وكالمعتاد، لم يستطع غارفيل فهم جوهر الحوار بين الاثنين. وبينما كان يكتم استياءه من عجزه عن استيعاب ما يقولانه، وجد نفسه فجأةً عاجزًا عن تصديق عينيه.
غارفيل: [ــــــــ]
كان روزوال يقف أمامه بملامح تنم عن معاناة أشد مما أظهره غارفيل نفسه.
لم يتخيل غارفيل قط أن يرى ملامح روزوال تتشوّه إلى هذا الحد. ــ بل إنه كان يتمنى أن يوجه إلى بطنه لكمةً يومًا ما، ليرى الألم يرتسم على وجهه. لكن روزوال كان يعاني الآن لأسباب لا علاقة لها بتلك الأمنية.
وبينما كانت المعاناة تنعكس في عينيه، فتح روزوال فمه.
روزوال: [ــ ربما تكون لديّ فكرة عن هوية هذا «العدو».]
غارفيل: [ــ حقًا؟! إذن…]
روزوال: [لكن، تمهّل. لا يمكن أن يكون ذلك صحيحًا. فقد فعلتُ بها بيدي…]
اختفت رباطة الجأش التي تحلّى بها قبل لحظات، وامتلأ صوت روزوال بالتردد والشك.
رمش غارفيل حائرًا أمام تردده وامتناعه عن التصريح بما يفكر فيه، ثم كشف عن أنيابه فورًا. فلو كان غارفيل نفسه صاحب هذا الاستنتاج، لربما خطرت بباله فكرة سخيفة لا أساس لها.
لكن صاحب الفكرة هذه المرة لم يكن غارفيل، بل روزوال.
غارفيل: [أيها الوغد، ليس هذا وقت التحدث بهذا القدر من التردد!]
روزوال: [ــــــــ]
بياتريس: [روزوال، أريد أن أسألك عن أمر واحد، في الواقع.]
مال غارفيل إلى الأمام، وكأنه على وشك الإمساك بياقة روزوال. لكن قبل أن تمتد يده نحوه بعنف، قاطعه صوت بياتريس، موجّهًا كلامه إلى روزوال الذي التزم الصمت.
بياتريس: [هل سبب ترددك هذا يتعلق بأمي، أظن؟]
روزوال: […أإلى هذا الحد يسهل عليكِ فهمي؟]
بياتريس: [الأمور المتعلقة بأمي وحدها كفيلة بإرباكك إلى هذا الحد، في الواقع. وربما رام أيضًا في الآونة الأخيرة، أظن.]
روزوال: [وأنا واثق أن ما يحدث لكِ سيجعلني أفرح وأحزن بدوري.]
أجاب روزوال بابتسامة مريرة، ثم أغمض عينيه بقوة وشدّ ملامحه. وحين فتح عينيه مجددًا، كان قد تجاوز تردده وضعفه السابقين، فأومأ برأسه.
روزوال: [تقدير بياتريس صحيح. إن الآلية التي تتيح إحياء الموتى الأحياء من دون جثثهم الأصلية هي تطبيقٌ لـ«سحر الترميم». أما الشرط المسبق لذلك، فهو إنزال الروح، وهي عملية استُخدم فيها «سر الملك الخالد».]
بياتريس: [كلٌّ من «سحر الترميم» و«سر الملك الخالد» ليس من التقنيات التي يمكن استخدامها فور فهم نظريتها، في الواقع. ثم إن الجمع بين نوعين من السحر يختلفان جذريًا إلى هذا الحد إنجاز خارق، ولا يكفي القول إن القادرين عليه حفنة من العباقرة، أظن. وأما القادرون على ذلك، فهم…]
روزوال: [——من سلالة المعلمة. لكن لا يمكن أن تكون المعلمة نفسها. إذن…]
«المعلمة» التي تحدث عنها روزوال و«الأم» التي تحدثت عنها بياتريس هما الشخص نفسه، ولم تكن تلك الشخصية، بأي حال، بعيدة تمامًا عن غارفيل.
ورغم أن تعدد الأشخاص الذين يحملون الاسم نفسه قد يجعل الأمر مربكًا، فإن سماع اسم الساحرة المعنية كان كافيًا ليجعل غارفيل يفهم الأمر على الفور.
لقد حسمت كلمة واحدة من بياتريس تردد روزوال، وربما أسهمت محاولته تقبّل ما لم يكن يرغب في الاعتراف به في فهم غارفيل للأمر أيضًا.
ومع ذلك——،
ميزيلدا: [——يا لها من نظرة غير لائقة.]
تمتمت ميزيلدا فجأة بصوت خافت.
وبما أن الحديث يدور حول دقائق السحر، فقد تخلّت ميزيلدا، التي لم تكن أقدر على متابعة حديث روزوال وبياتريس من غارفيل نفسه، عن محاولة فهم سبب معاناة روزوال، وواصلت التركيز على مهاجمة الموتى الأحياء.
ثم توقفت عن الحركة ورفعت نظرها إلى السماء، وقد ضيّقت عينيها الحادتين في نظرة عدائية.
وجّه غارفيل نظره إلى الهدف الذي اخترقته نظرة الصيادة الثاقبة، فصدر من حلقه صوت لا إرادي. ولم يكن غارفيل وحده من استجاب بهذه الطريقة؛ بل بياتريس وروزوال أيضًا.
ومع ذلك، اختلفت أسباب ردود أفعال الثلاثة بعض الشيء.
أما غارفيل، فكان السبب أنه رأى شخصًا مألوفًا لا يُفترض أن يكون موجودًا هناك.
وأما بياتريس وروزوال، فيبدو أن شعورًا أشد سلبية هو ما دفعهما إلى ذلك.
——في سماء الليل، ظهرت فتاة ترتدي السواد، ويتطاير شعرها الوردي الطويل.
كان وجهها مطابقًا لوجه الشخص الذي ظل غارفيل متعلقًا به منذ أن وعى على الدنيا، لكنها كانت تنظر إليه من الأعلى بعينين باردتين لم يسبق له أن رآهما موجهتين إليه.
الفتاة: [لم تكن النتيجة المنشودة، لكن التجربة نجحت… يبدو أن هذا العالم قد اعترف بي بوصفـي كائنًا حيًا مستقلًا.]
تمتمت صاحبة الوجه المألوف بصوت مألوف، ومررت يدها برفق على الشق الممتد عبر وجهها، ثم أخذت تحدق في غارفيل والآخرين بعينيها الذهبيتين.
وعندئذ، ابتلع روزوال ريقه بصوت مسموع، ثم فتح فمه.
روزوال: [إذن، كنتِ لا تزالين حية… سفينكس.]
سفينكس: [كلا، أنا ميتة. ——المراقبة، مطلوبة.]
قالت ذلك الفتاة التي تشبه ريوزو، جدة غارفيل، تمامًا؛ إنها الساحرة سفينكس، ذات وجه الميت الحي، وقد نطقت بعبارتها بصوت بارد لا مبالٍ بدا وكأنه يتهكم.

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
ترجمة: AurenZzZ
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
🎭 – في ساحة المعركة الليلية، يقاتل غارفيل ضمن وحدة التأخير التكتيكي ضد موجات الموتى الأحياء. يلاحظ أن معظمهم حشد بلا تنظيم، لكن بينهم مقاتلين مهرة يستخدمون حيل مبارزة خطيرة. يشعر بالاشمئزاز من طريقة تحطم أجسادهم التي لا تشبه موت الكائنات الحية.
يُعجب ببراعة شعب الشودراك (تحت قيادة تاريتا، مع كونا وهولي) في إطلاق وابل سهام كثيف ثم قنص الأقوياء بأقواس قوية. كما يدهشه أداء «كتيبة الثريا» (رفاق سوبارو في الإمبراطورية) بقوتهم الجسدية الهائلة وحماسهم الصاخب رغم افتقارهم للصقل. تتحدث معه ميزيلدا عن تقديرهم لسوبارو.
يصل روزوال (بعد إلغاء الحاجة لاسمه المستعار «دادلي») وبياتريس لتحليل طبيعة الزومبي سحريًا. يختبر روزوال العناصر الأربعة: النار الأكثر تأثيرًا، الرياح الأضعف، الأرض مشابهة للضربات الجسدية، والتجميد يستهلك مانا كثيرًا. تستخدم بياتريس سحر الين لتغيير أوزان سهام الشودراك واختبار الاختلافات.
تتوصل بياتريس (بعد لمس أحد الزومبي) وروزوال إلى أن أجسادهم مبنية بـ«سحر الترميم» باستخدام التراب كوعاء، مع عكس ترتيب «سر الملك الخالد» (الروح أولًا ثم الوعاء). يستنتج روزوال أن التقنية من سلالة «المعلمة» (إكيدنا)، ويتردد بشدة لأنه ظن أنه أنهى أمرها بنفسه. تؤكد بياتريس أن تردده متعلق بأمها.
فجأة تظهر في السماء فتاة بشعر وردي طويل وملابس سوداء، تشبه ريوزو تمامًا، بوجه ميت حي وعينين ذهبيتين وشق عبر وجهها. يتعرف عليها روزوال باسم «سفينكس». تعلن أن التجربة نجحت وأن العالم اعترف بها ككائن حي مستقل، رغم أنها تؤكد أنها ميتة، وتطلب «المراقبة».