الفصل 492 - إعجاب
الفصل الخامس عشر
«إعجاب»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
متحدثًا بنبرةٍ خاليةٍ من الهموم، حكّ الرجل الوحش رأسه بنبرةٍ مسترخية، وابتسم وهو يعضّ على غليون الكيسيرو الذهبي.
كان له فراء أسود طويل نسبيًا وملامح توحي بالألفة. لم يكن في نبرته الهادئة ما يثير الريبة، كما أن وقفته المسترخية لم تكن لتبعث في النفس أي شعور بالحذر.
وذلك إن تجاهلنا حقيقة أنه، وسط عربات التنين المتصلة هذه، تمكّن من التسلل إلى المقصورة التي يجتمع فيها كبار الشخصيات من المملكة والإمبراطورية، من دون أن يشعر أحد بوجوده، بمن فيهم أصحاب القوة والنفوذ.
غوز: [هاليبيل، كما تقول…؟]
كان غوز هو من تمتم بهذه الكلمات بصوت صارم امتزجت به الرهبة، بعدما أبدى أشد درجات الحذر تجاه هاليبيل ووقف أمام سيده وحليفه الجديد ليحميهما.
فهو نفسه أحد «الجنرالات السَاميين التسعة»، وأحد أقوى المحاربين في إمبراطورية تعجّ بالمقاتلين. ومع ذلك، لم يستطع غوز هذا إدراك تخفّي الرجل الوحش الواقف أمامه.
لكن ذلك لم يكن السبب الوحيد لجمود صوته.
فينسنت: [――«المعجب»، إذن؟ ما الذي أتى بركيزة دول المدن إلى هنا؟]
سأل آبل، وهو يحتمي خلف غوز وينظر من وراء جسده الضخم إلى الرجل الوحش، هاليبيل.
لعل الكلمة التي سبقت سؤال آبل كانت لقب هذا الرجل من فصيلة الكلاب. شعر سوبارو، لسبب ما، بأنه سمعه من قبل، فأخذ يفتش في صندوق ذكرياته المضطربة محاولًا استعادته.
وبناءً على ذلك، وبينما قطب سوبارو حاجبيه، حوّل هاليبيل، مظهرًا ابتسامته، عينيه الضيقتين نحوه.
هاليبيل: [إذا كنت مضطرًا إلى التفكير فيه بكل هذه المشقة، فلا بد أنه ليس لقبًا مهمًا إلى هذا الحد. إنهم ينادونني به لأنني كثير المدح بالآخرين، أما وصفُي بركيزة دول المدن فليس إلا مبالغة كبيرة في تقديري.]
سوبارو: [مبالغتهم في تقديرك…]
هاليبيل: [أجل أجل. كل ما في الأمر أنه في كاراراغي، لا يوجد من هو أقوى مني.]
قدم هاليبيل إجابته بأسلوبٍ هادئ، وكأنه يناقش حالة الطقس ببساطة.
اتسعت عينا سوبارو دهشةً من كلمات هاليبيل. وما إن استوعب عقله كلمة «كاراراغي» حتى انقدح في ذهنه فجأةً سبب ذلك الشعور الذي راوده قبل لحظة.
إنه «المعجب» في دول المدن بكاراراغي، وذلك اللقب يعني――،
غوز: [أقوى شينوبي في دول المدن بكاراراغي! ما الذي جاء بك إلى عربة التنين هذه؟!]
وفي اللحظة التالية، اندفع غوز بخطوة قوية كادت تفجّر أرضية عربة التنين، ووجّه صولجانه نحو هاليبيل الذي ظل واقفًا في مكانه.
كان سلاح غوز صولجانًا غريب الشكل، أشبه بمقبض طويل تعلو طرفه كرة شائكة مخصصة للضرب. وكان شبيهًا بـ«نجمة الصباح» التي اعتادت ريم استخدامها، لكن سلاح غوز كان أكبر وأثقل منها بكثير.
على أي حال، ما إن ظهر أقوى رجال دول المدن فجأةً حتى وجّه المحارب الإمبراطوري سلاحه نحوه.
وبدا أن الموقف قد ينقلب في أي لحظة إلى مواجهة وشيكة.
ومع ذلك――،
هاليبيل: [أنا من تسبب في كل هذه الجلبة، لذا ربما لا يحق لي قول هذا، لكن هيا الآن، ألا يمكننا جميعًا الجلوس والدردشة دون أن نحتدم غضبًا؟]
غوز: [نـغ، غُـه…!]
مال هاليبيل برأسه بخفة بينما كان غوز يوجّه إليه الصولجان، ثم تحدث. تصلّب وجه غوز عند سماع كلماته، وارتجفت ذراعه المشدودة من شدة القوة.
كان هاليبيل يضع غليونه الذهبي، المشابه في لونه، عند طرف صولجان غوز الذهبي. وبمجرد ذلك، أصبح سلاح غوز عاجزًا عن التحرك ولو قيد أنملة.
غوز: [――――]
لعل هاليبيل كان يتحكم ببراعة فائقة في توازن القوة التي يطبّقها عبر غليونه، مانعًا صولجان غوز من التحرك إلى الأعلى أو الأسفل أو اليمين أو اليسار، فضلًا عن دفعه إلى الأمام.
ومهما حاول غوز تحريك سلاحه، كان هاليبيل يضغط عليه بغليونه من الاتجاه المعاكس، فيمنعه من الحركة. لم يكن ذلك مجرد قوة غاشمة، بل ذروة المهارة في إحكام السيطرة على تدفّق القوة.
غوز: [أنت… هك!]
احمرّ وجه غوز، ودوّى صرير أسنانه في أرجاء المقصورة. ومع ذلك، كانت أفعال هاليبيل المتتابعة أهدأ بكثير، حتى من صرير أسنان غوز.
وبحلول تلك اللحظة، كانت مكانة هاليبيل في هذا الموقف قد حُسمت بالفعل.
فينسنت: [كُفَّ عن هذا، يا غوز. ثم إنه لو كان ينوي إيذاءنا، لكانت رؤوس الجميع هنا قد سقطت قبل أن يستعرض وجوده بالتصفيق.]
إميليا: [بما أنك لم تفعل ذلك، فهذا يعني أنك لستَ عدونا… أليس كذلك؟]
عندها تدخّل آبل وإميليا، بعدما شهدا المواجهة الهادئة بين غوز وهاليبيل.
وكما قالا، لو أراد هاليبيل ذلك، لما كان مستغربًا أن يقتل جميع من في العربة قبل أن يدركوا حتى وجوده.
وبمجرد الإشارة إلى ذلك، انفرج فم هاليبيل الكبير عن ابتسامة، و،
هاليبيل: [أجل، أجل، يسعدني أنكِ فهمتِ. أما الإمبراطور فله شأن آخر، لكن فتاة نصف شيطانة طيبة وصريحة مثلكِ؟ لا بد أنكِ فتاة صالحة بحق. رغم أنكِ منبوذة مثلما أنا منبوذ، فقد نشأتِ مستقيمة وصريحة… لا بد أن والديكِ كانا جديرين بالإعجاب حقًا.]
إميليا: [شكرًا لك. وأنا أيضًا أرى أنني محظوظة لأن باك وأمي وسائر من ربّوني قد اعتنوا بي.]
وبينما وضعت إميليا يدها على صدرها وشكرته، أومأ هاليبيل وسحب غليونه. وفي اللحظة نفسها، تحرر سلاح غوز من سيطرته، لكنه لم يقدم على تهورٍ كأن يندفع لضرب هاليبيل.
ورغم إحباطه، ظل غوز يراقب هاليبيل بحذر شديد، ثم قال:
غوز: [إن خالفتَ كلماتك السابقة تلك، فسأهزمك، حتى وإن كلفني ذلك حياتي. تذكر هذا.]
هاليبيل: [لن أفعل، لن أفعل. انظر، أنا جالس هنا بأدب وهدوء، أليس كذلك؟]
لوّح هاليبيل بكلتا يديه بخفة، ثم سحب كرسيًا قريبًا بذيله وجلس عليه جلسة صغيرة، ضامًّا إحدى ركبتيه إلى جسده.
لقد كان شخصًا يضاهي غوز في الطول تقريبًا، لكن حينما كوّر جسده النحيل بتلك الطريقة، بات الانطباع بأنه من سلالة كلابٍ ضخمةٍ أقوى. ولم يبدُ أن تصريحه بشأن سلوكه المهذب كان نابعًا من سخرية.
روزوال: [مع ذلك، لم أتوقع أن تتدخل كاراراغي هنااا~. صحيح أن العلاقات بين دول المدن والإمبراطورية ليست متوترة بقدر العلاقات بين المملكة والإمبراطورية، لكنني لم أسمع أنهما على وفاق يُذكر. ويزداد الأمر غرابةً إذا أخذنا في الحسبان الصفة التي تعلنها على الملأ تحديدًا.]
هاليبيل: [أوه، هل تعرفونني جميعًا؟ يا إلهي، هذا محرجٌ لأنه يبدو وكأنني شخصيةٌ مشهورةٌ بطريقةٍ ما.]
سوبارو: [روزوال، حين تقول إن هذه هي الصفة التي يعلنها ذلك الرجل على الملأ…]
رام: [باروسو جاهل كما يبدو عليه تمامًا، لذا ستشرح له رام الأمر. هاليبيل، «المعجب»، من فصيلة الذئاب.]
رجلٌ ذئب؛ ما إن سمع سوبارو من رام أن هاليبيل من فصيلة الذئاب، حتى ارتجف قلبه وجسده للحظة.
لكن ارتجافه لم يكن بسبب هاليبيل الواقف أمامه، بل لسبب آخر تمامًا. أما المعلومة التي أخبرته بها رام، فلم يكن لدى سوبارو ما يستدعيه من معرفته السابقة ليفهم دلالتها.
ومع ذلك، استمر الحديث وفقًا لما يعدّه الجميع من المسلّمات، من دون الالتفات إلى أن سوبارو لم يفهم الأمر.
فينسنت: [لا بد أنك تعرف موقف الإمبراطورية من أفراد فصيلة الذئاب. ومع ذلك عبرت الحدود ودخلت أراضيها؛ لا بد أنك مجازف بحياتك إلى حد بعيد.]
هاليبيل: [أجل، أعرف ذلك بالطبع، ولا أستسيغه أنا أيضًا. لكنكم تعرفون كذلك أنني لا أخفي انتمائي إلى فصيلة الذئاب لأن لا أحد يستطيع قتلي. وعلى ما أرى، سيسيلوس ليس هنا أيضًا.]
سوبارو: [――! مهلًا، هل تعرف سيسي؟]
هاليبيل: [همم؟ أجل، أعرفه. فقد جاء ذات مرة محاولًا قتلي. لكن بعد أن اشتبكنا قليلًا، قال شيئًا من قبيل: «يبدو أن الحسم لن يكون الآن!» ثم انصرف.]
ورغم أن الحديث انحرف عن مسألة أفراد فصيلة الذئاب، أجاب هاليبيل عن سؤال سوبارو بصراحة ومن دون تحفظ.
كانت إجابة غير متوقعة، وكذلك الصلة السابقة بينهما. فقد سبق أن حاول سيسيلوس وهاليبيل قتل أحدهما الآخر، وبحسب ما قاله هاليبيل، يبدو أن سيسيلوس هو من بدأ المواجهة؛ وهو أمر يسهل تصديقه أيضًا.
وعلاوةً على ذلك――،
بيرستيتز: [تُظهر إمبراطورية فولاكيا موقفًا حاسمًا تجاه أفراد فصيلة الذئاب، ومع ذلك يظهر هنا أشهر أصحاب القوة والنفوذ في دول مدن كاراراغي. وفوق ذلك، فقد دخل عربة الركاب التي يوجد فيها صاحب السمو فينسنت تحديدًا.]
سيرينا: [وإن جاز لي أن أضيف، فقد اطّلع أيضًا على مضمون اجتماع مهم بين بلادنا والمملكة. يا للعجب، أليست هذه حالة تستدعي قطع رأسه، حتى لو اضطررنا إلى تحريض «البرق الأزرق» على ذلك؟]
روزوال: […سيرينا، هلّا كففتِ عن تعريض جميع الحاضرين حاليًا للخطر بسبب ذوقكِ الرديء؟]
وانتهزت سيرينا تلخيص بيرستيتز للموقف لتضيف رأيًا خطيرًا وهي في غاية الابتهاج. وقد بلغت حدة كلامها حدًا جعل روزوال ينبّهها بجدية، على سجيته ومن دون تكلّف.
وبذلك، تلاشت المفاجأة والحماسة الأولية الناجمة عن ظهور هاليبيل المفاجئ نوعًا ما، ليُطرح السؤال الأصلي مجددًا.
فينسنت: [لن تكون هناك مرةٌ ثالثة. لأي شأنٍ جئت، أيها «المعجب»؟]
سواء أكان هاليبيل يهاب القوة القتالية للحاضرين أم لا، فإن التملق لم يكن واردًا في قاموس آبل. وابتلع سوبارو ريقه وهو يتساءل كيف سيرد هاليبيل على صاحب ذلك القاموس الذي محا عمدًا كل ما يمتّ إلى الخضوع والتذلل.
ولكن، وعلى النقيض من التوتر المتصاعد، ظل هاليبيل جالسًا وهو يسند ذقنه على يديه فوق الطاولة، و،
هاليبيل: [لا داعي لكل هذا التوتر، لقد قلتُ ما جئتُ لفعله منذ البداية تمامًا، أليس كذلك؟ وهو أنني كنتُ أتساءل فحسب عما إذا كان لا بأس بأن أدخل لألقي عليكم تحيةً سريعة.]
سوبارو: [بتلك «التحية»، هل تقصد في الواقع شيئًا كأن تقتلع قلوبنا جميعًا بدلًا من إلقاء التحية علينا فعلًا…؟]
هاليبيل: [يا للهول! أنت حقًا تفكر في أمورٍ مرعبةٍ يا فتى، أليس كذلك؟ لن أفعل شيئًا كهذا.]
بياتريس: [إذن، أتقول إن غايتك كانت حقًا مجرد إلقاء التحية والظهور أمامنا، على ما أظن؟]
هاليبيل: [هذا صحيح؟]
احتجّ سوبارو بعدما حاول بحذر استيضاح ما إذا كانت تلك هي طريقة الشينوبي في إلقاء التحية. ثم أجاب هاليبيل ببساطة عن سؤال بياتريس الذي أعقب ذلك.
بعد الوصول إلى هذا الحد، بدا حقًا أن هاليبيل لا يحمل أي نوايا للانخراط في العنف.
أوتو: [في الأصل، يستطيع قتلنا من دون أن يضطر إلى اللجوء إلى أساليب ملتوية. ألن يكون تصرفًا منحطًا أن يتلاعب بنا كل هذا الوقت ثم يقتلنا في النهاية؟]
سوبارو: [لقد كنتُ خائفًا أنا أيضًا، لكن لا ينبغي لك استخلاص مثل هذا الرأي من الناس… ولكن، إن كان الأمر كذلك…]
إميليا: [إن كان الأمر كذلك؟ هل فكرتَ في شيءٍ ما، سوبارو؟]
ابتلع سوبارو ريقه، وراوده تصوّر مخيف بعدما استوعب موقف هاليبيل.
وحين سألته إميليا عمّا خطر بباله، تابع سوبارو تفكيره: إذا كانت شخصية هاليبيل فعلًا كما وصفها بنفسه――،
سوبارو: [إذا كان كلٌّ من راينهارد وهذا الرجل مستقيمًا حقًا، فإن حال سيسي المزرية تلك…؟]
فينسنت: [كُفّ عن هذا، يا ناتسوكي سوبارو. لقد طلبتُ تعاونك، لكنني لا أذكر أنني أذنتُ لك بالتنقيب في فضائح بلادنا.]
بيرستيتز: [فضائح… لا أستطيع أنا أيضًا أن أنفي ذلك تمامًا، في حالة الجنرال من الدرجة الأولى سيسيلوس.]
اتفق سوبارو وآبل، بل وحتى بيرستيتز، بشأن سلوك سيسيلوس وشخصيته. ورغم غيابه، فقد كانوا يذمّونه بلا هوادة؛ وكان سوبارو واثقًا من أنهم كانوا سيقولون الكلام نفسه عنه حتى لو كان حاضرًا.
في الواقع، كان لدى سوبارو تصوّر مثالي مفاده أن الأقوياء ينبغي أن يتصرفوا بما يليق بقوتهم؛ ومن هذا المنطلق، كان سلوك راينهارد وهاليبيل أقرب إلى الصورة التي يتمناها.
ومن ناحية أخرى، كان مقتنعًا أيضًا بأن الأمور ما كانت لتسير على ما يرام لو لم يكن سيسيلوس موجودًا في جزيرة العبيد المصارعين. فلكل أمر محاسنه ومساوئه.
إميليا: [إذن؟ في النهاية، ما هو الهدف من تحيتك؟ عربة التنين هذه تتجه شمالًا، لكن حدود كاراراغي لا تزال أبعد بكثير… لا ينبغي أن يكون هذا كافيًا لإثارة حذرك، أليس كذلك؟]
هاليبيل: [همم~، سيكون سؤال من استأجرني عن ذلك أسرع بكثير من سؤالي أنا. لقد عقّدت الأمور قليلًا بتصفيقي دون تفكير… آه، يبدو أن الموعد قد اقترب.]
إميليا: [في أي لحظةٍ الآن…]
خفض هاليبيل طرفي عينيه بشيء من الحرج، لكن ما إن انتبه إلى أمرٍ ما حتى رفع رأسه، فتبعه سوبارو بنظره.
لقد التفت وجهه الذئبي نحو الباب المتصل بالعربة المجاورة. وبعد لحظةٍ واحدةٍ بالضبط، طرق شخصٌ ما الباب من الجانب الآخر.
؟؟؟: [――أعذروني على مقاطعة الاجتماع. هناك أمرٌ أحتاج إلى الإبلاغ عنه.]
وبهذا، جاء التقرير بصوتٍ مألوف، فأمر آبل بهدوء: «ادخل». وانفتح الباب، ودخل منه رجل قصير القامة ذو شعر منفوش.
وفي اللحظة التي رآه فيها سوبارو، اتسعت عيناه.
سوبارو: [زيكر-سان! الحمد لله، أنت بخير!]
زيكر: [لا داعي للقلق. ويسعدني أنكِ بخير أيضًا، آنسة ناتسومي.]
سوبارو: [أن تستمر في مناداتي هكذا حتى وأنا بهذه الهيئة…]
كان زيكر قد ابتسم لسوبارو المتنكر بزي امرأة عند لقائهما وعند افتراقهما، ورؤيته الآن، حيًا يرزق بصفته الجنرال الإمبراطوري من الدرجة الثانية زيكر عثمان، جعلت سوبارو يتنفس الصعداء.
ثم تخلّى زيكر عن ابتسامته واستعاد جديته، وقال:
زيكر: [يا صاحب الجلالة، هناك أمرٌ يجب عليّ الإبلاغ عنه… ولكن، ذلك الشخص هناك…]
فينسنت: [تجاهله في الوقت الراهن. فمن المرجح أن له صلةً بتقريرك.]
لم يوضح آبل لزيكر سبب تجاهله وجود هاليبيل في زاوية المقصورة، لكن زيكر كان معتادًا على اقتضاب الإمبراطور وعدم شرحه لما يقصده؛ فأومأ قائلًا: «أمرك، سيدي»، ثم تابع:
زيكر: [عادت سفينة التنين الطائر التابعة للكونتيسة العليا دراكروي، وعلى متنها مسؤولون بارزون من مدينة غاركلا المحصنة، إلى جانب ضيوف من دول المدن]
فينسنت: [――ضيوف من دول المدن.]
تمتم آبل وهو يوجّه نظره بعينيه السوداوين نحو هاليبيل
وبما أن وجهة عربة التنين المتصلة هي مدينة غاركلا المحصنة، فمن الطبيعي أن يصل ممثلوها على متن التنانين الطائرة. أما وصول أشخاص من كاراراغي برفقتهم في الوقت نفسه، فلا يُعقل أن يكون منفصلًا عن هاليبيل.
وبكلماتٍ أخرى――،
إميليا: [هاليبيل-سان، هل وصلتَ قبلهم؟]
هاليبيل: [حسنًا، أنا لا أرتاح كثيرًا للأماكن المرتفعة.]
أجاب هاليبيل بكلمات ظريفة لا يُدرى إن كانت جوابًا فعلًا أم لا، مؤكدًا بذلك أن له صلةً بالمعلومات التي جاء بها زيكر.
قد يتفهم سوبارو أن هاليبيل لا يرتاح للأماكن المرتفعة، ولذلك لم يستقل سفينة التنين الطائر، لكنه لم يستطع استيعاب كيف سبَقها في الوصول. ومع ذلك، لم يكن ثمة جدوى من الاعتراض على أمر كهذا أمام أصحاب القدرات الخارقة في هذا العالم؛ فسيسيلوس نفسه يستطيع الركض أسرع من شيء يطير في السماء، والأمر سيّان.
على أية حال――،
سيرينا: [لقد تكبّدوا عناء الصعود إلى سفينتي للتنين الطائر تحديدًا. فلا بد أن نتوقع أن يكون القادمون شخصيات نافذة تحمل أمرًا بالغ الأهمية، أليس كذلك؟]
زيكر: [على الأقل، هذا ما صرّحت به الزائرة الحسناء بنفسها.]
فينسنت: [من طريقة كلامك، يبدو أنها امرأة؟]
كان مضمون تقرير زيكر واضحًا: ثمة امرأة قادمة من دول المدن في كاراراغي.
مال سوبارو برأسه حائرًا، لكن رفاقه تفاعلوا مع الأمر على نحو مختلف. شدّت بياتريس قبضتها على يده، ثم نظرت إلى إميليا وقالت:
بياتريس: [إميليا، الحديث عن ضيوف قادمين من كاراراغي، في الواقع.]
إميليا: [أجل، صحيح. أيمكن أن تكون――]
سوبارو: [إيه؟ إيه؟ هل تعرفان شيئًا عن…]
وقبل أن يتمكن سوبارو من إكمال سؤاله، حدث ما لم يتوقعه.
؟؟؟: [――يا ناتسوكي-كن، لقد تكبّدتُ عناء المجيء إلى هذه الإمبراطورية النائية، ومع ذلك تقول كلامًا جاحدًا للغاية!]
سوبارو: [――――]
وفجأة، قاطعهم صوت رقيق ذو نبرة أنيقة، جاء من خلف زيكر.
يبدو أن الضيفة كانت تنتظر عند موضع اتصال العربتين، لكنها سمعت حديثهم وشاركت فيه من بعيد؛ فلا بد أن سمعها حاد للغاية. ومع ذلك، لم يكن الأمر مستغربًا حين فكّر فيه سوبارو.
فالتجار، في نهاية المطاف، يُبقون آذانهم مصغية دائمًا لاقتناص فرص الربح.
بيرستيتز: [يا صاحب الجلالة، ما العمل؟]
بعد أن أدرك بيرستيتز أن صاحبة الصوت كانت تسمع حديثهم، استفسر من آبل عمّا ينبغي فعله. فألقى آبل نظرةً خاطفةً على سوبارو، متفحصًا تعبير وجهه.
ثم نظر آبل إلى الباب الذي جاء منه الصوت وقال:
فينسنت: [يبدو أنكِ لستِ مجرد وقحة متطفلة. أظهري وجهكِ.]
الضيفة: [إذن، لن أتحرّج.]
وبعد أن نالت إذن الإمبراطور، أجابت صاحبة الصوت بلطف. وفي غمضة عين، كان هاليبيل قد وقف منتصبًا بجوار الباب، ثم فتح باب العربة ودعا الضيفة إلى الدخول.
ابتسمت الضيفة التي دخلت للتو، وقالت لهاليبيل: «شكرًا لك»، ثم――
الضيفة: [مرّ وقت طويل منذ آخر لقاء لنا، لكن يسعدني أن أراك بخير.]
سوبارو: [أوه…]
الضيفة: [على أي حال، يبدو أن إميليا-سان ورفاقها بارعون على نحو استثنائي في الوقوع في المتاعب. يبدو أنكم ستحتاجون إلى مساعدتنا مجددًا، أليس كذلك؟]
كانت صاحبة هذا التقييم اللاذع امرأةً ذات شعر أرجواني فاتح جمعته، وترتدي كيمونو ووشاحًا من الفرو على هيئة ثعلب. وبنبرتها الودودة وابتسامتها الهادئة، لم تكن سوى―― أناستاسيا هوشين.
وكان يرافقها شاب يرتدي ملابس على الطراز الياباني، بصفته تابعًا لها.
سوبارو: [أناستاسيا-سان و… يوليوس!؟]
لم يتوقع سوبارو قط أن يلتقي بهذين هنا، فصُعق حين رآهما.
ضحكت أناستاسيا واضعةً يدها على فمها حين سمعت صوت سوبارو المرتفع من شدة المفاجأة. أما الشاب الذي ناداه باسمه―― يوليوس، فمرّر إصبعه على الندبة البارزة أسفل عينه اليسرى، ثم نظر إلى سوبارو.
ومن ثم――،
يوليوس: [――كنت أود أن أقول إنني سعيد لسلامتك، لكن لماذا يحدث لك هذا دائمًا؟]
سوبارو: [لا تتكلم وكأنني دائمًا ما أقع في متاعب تجعلني أبدو مثيرًا للشفقة!]
وهكذا، دوّى صوت غاضب بدلًا من كلمات الفرح باللقاء من جديد.

△▼△▼△▼△
خارت ركبتاه، فانهار إلى الأمام فوق أرض مقفرة.
لم تعد لديه حتى الطاقة اللازمة لإسناد جسده، فارتطم وجهه بالأرض بلا رحمة. شعر بألم كأن أنفه قد سُحق، فيما سال الدم من شفتيه المشقوقتين.
ولما تذوّق الدم بلسانه، ترطّب فمه شديد الجفاف قليلًا.
؟؟؟: [――――]
لم يبقَ في جسده أي قدر من القوة.
ما إن نفدت عزيمته حتى أوشكت قوته الجسدية على النفاد هي الأخرى. والآن وقد نفد الاثنان تمامًا، فالأرجح أنه سيبلى ويموت في الموضع الذي سقط فيه.
كل شيء، كل شيء ذهب هباءً.
كل ما حاول فعله، وكل ما تحمّس بشدة للقيام به لأنه رأى أنه واجب عليه، وكل ما واصل فعله بدافع العادة وحدها؛ كل ذلك ذهب هباءً.
في نهاية المطاف، لم يكن سوى نفسه. فالجحيم الذي عاناه كان كامنًا في داخله.
وعندئذ، لم يكن الهرب منه ممكنًا. لا أحد يستطيع الهرب من الجحيم الكامن في داخله، من الجحيم الذي اسمه الذات.
؟؟؟: [تـ…تـبًا…]
تسرّبت كلمات الغيظ من شفتيه بصوت متهدّج جاف.
لم تعد الدموع تتجمع في عينيه. فلم يبقَ لديه ما يكفي من المشاعر، ولا حتى ما يؤهله لذلك.
كان كل شيء غير طبيعي. أشياء تقع خارج متناول يده. وقد ارتكب أكبر خطأ في حياته حين مدّ يده نحو ما لا يستطيع بلوغه، ومع ذلك كرر الخطأ نفسه مرة أخرى.
لم يتعلم من أخطائه، ولذلك لم يبقَ له سوى الندم.
لم يكن بوسعه أن يحب شخصًا مثله، فلم يكن يشعر تجاه نفسه إلا بالكراهية، حتى انتهى به الأمر إلى احتقار كيانه بأسره.
حتى من يحبهم، لم يكن قادرًا على مواصلة حبهم. كفى… أمثال هذا الفاشل الذي لا يصلح لشيء كان عليهم أن يسرعوا و――.
؟؟؟: [――أوه؟ كنت أظن أنني سأجرّد جثةً من كل ما عليها، لكن تبيّن أن فيك بعض الأنفاس بعد. يا له من أمر حسن، حسن!]
فجأةً، ومن فوق رأس الجسد المنهار، أمكن سماع صوت شخصٍ ما.
لم يعد جسده قادرًا على أي حركة، لكن صاحب الصوت مدّ يده وقلبه على ظهره. وفجأة، اقتحمت مجال رؤيته زرقة السماء الصافية الساطعة، فصدر عنه أنين: «أُرغ…»
بدأت الدموع تتجمع ببطء في عينيه، بعدما عجز الإذلال والندم عن استدرارها.
كان ذلك محبطًا بشكلٍ ساحق.
أكان هذا الجسد، من أوله إلى آخره، لا يعمل إلا من أجل نفسه، ولا شيء سواه؟
الغريب: [ما الذي يدعوك إلى الغيظ يا من سقط في الطريق؟ يا أخي، ما دام جسدك كله لا يزال حيًا، فقد يتغير كل شيء في رمشة عين.]
؟؟؟: [من كان ليظن… أنني لا أزال حيًا…] ¹
الغريب: [مهلًا، أأنت ممن سئموا الحياة؟ يا للعجب… على حد علمي، لا توجد سوى طريقة واحدة لمقاومة هذه الأفكار القاتمة.]
؟؟؟: [――――]
شعر بأن صاحب الصوت يبتسم، ثم ظهر وجهه المقلوب في مجال رؤيته، أمام السماء الزرقاء الصافية. لم يستطع رؤية ملامحه بوضوح بسبب الضوء الآتي من خلفه، لكنه أدرك أنه يبتسم ابتسامة عريضة.
لكن تلك الابتسامة لم تكن ساخرة منه، ولذلك عجز عن فهم سببها.
ومع ذلك――،
؟؟؟: [ماذا… عليّ أن أفعل؟]
ما دام عاجزًا عن العثور على الإجابة في داخله، فليسأل شخصًا يعجز عن فهم طريقة تفكيره. سأل وهو يلعن نفسه لاستمرار رغبته في أن ينقذه أحد، آملًا أن يسمع إجابة أكثر عقلانية مما يمكنه هو تقديمه.
وعند سماع ذلك السؤال، عمّق الشخص ابتسامته وكأنه يقول إنه أصاب كبد الحقيقة، ثم،
الغريب: [الأمر واضح! ــ سنشرب من الخمر حتى نغرق فيه!]
وبعد أن أجابه، أمسك الرجل بياقته وراح يجرّه بالقوة. ومضى الرجل عبر الأرض القاحلة بخطوات واثقة، بينما ظل هاينكل مسندًا ساقيه إلى الأمام عاجزًا عن المقاومة، راح الرجل يدندن ويغني بينما كان يسحبه، وقال:
الغريب: [أنا روان، رونين² تافه الشأن. وأنت يا صاح؟]
؟؟؟: [――――]
روان: [يا صاح، لا بد أن لك اسمًا على الأقل، أليس كذلك؟ لن تخسر شيئًا إن أخبرتني به.]
تنهد الرجل طويلًا إزاء أسلوب الرجل الذي عرّف نفسه باسم روان، إذ كان يتعامل معه بألفة مفرطة ومن دون أي تكلّف.
لم يكن ملزمًا بالإجابة، لكنه لم يملك سببًا خاصًا يمنعه من ذلك أيضًا. وقد بلغ به اليأس حدّ اللامبالاة بما سيؤول إليه أمره، فقال:
؟؟؟: […إنه هاينكل.]
وهكذا، ودون أن يدرك أيٌّ منهما مكانة الآخر، ذكر هاينكل أستريا اسمه.
لم يكن يعلم أن المصادفة والمصير المحتوم ليسا سوى حيلتين مألوفتين يحب القدر اللجوء إليهما.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
ترجمة وتدقيق: AurenZzZ
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
【1】 – السطر الإنجليزي:
Stranger: [To think… I’m still alive…]
لا يقابله سطر مستقل في المقطع الياباني اصلًا، ربما هي إضافة من الموقع الإنجليزي او سقطت مني سهوًا في نقل النص الياباني. ولهذا، سآخذ الحيطة وأضعه هنا.
【2】 – الرونين (浪人) هو الساموراي الذي فقد سيده، سواء كان سيده قد قتل أو تخلى عنه.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
🎭 – يظهر هاليبيل، أقوى شينوبي في دول مدن كاراراغي والمعروف بلقب «المعجب»، فجأة داخل مقصورة الاجتماع دون أن يشعر به أحد. هو رجل وحش من فصيلة الذئاب، بفراء أسود، يحمل غليونًا ذهبيًا (كيسيرو). يقف غوز رالفون لحمايتهما ويوجه صولجانه نحوه، لكن هاليبيل يمنعه بسهولة باستخدام غليونه، مظهرًا مهارة فائقة في التحكم بالقوة.
يسأله آبل عن سبب حضوره. يجيب هاليبيل بهدوء أنه جاء فقط لإلقاء تحية، ويؤكد أنه الأقوى في كاراراغي. يناقشون موقف الإمبراطورية المعادي لفصيلة الذئاب، لكنه لا يخفي هويته لأن لا أحد يستطيع قتله. يذكر أنه سبق أن اشتبك مع سيسيلوس، الذي حاول قتله ثم انسحب.
يصل زيكر عثمان (الجنرال من الدرجة الثانية) ليبلغ بعودة سفينة التنين الطائر التابعة لسيرينا، وعلى متنها مسؤولون من مدينة غاركلا المحصنة وضيوف من كاراراغي. يتبين أن هاليبيل مرتبط بهؤلاء الضيوف (وصل قبلهم لأنه لا يرتاح للارتفاعات).
تدخل الضيفة: أناستاسيا هوشين، برفقة يوليوس يوكوليوس. تفاجئ سوبارو برؤيتهما هنا، وتعلق أناستاسيا بسخرية على ميل معسكر إميليا للوقوع في المتاعب. يبدو أنها من استأجرت هاليبيل.
ينتقل المشهد إلى هاينكل أستريا، منهارًا في أرض قاحلة، يائسًا ومحطمًا بعد فشله. يعثر عليه غريب يدعى روان (رونين تافه)، فيجده لا يزال حيًا، ويسحبه معه قائلاً إن الحل هو الشرب حتى الغرق. يذكر هاينكل اسمه دون أن يدرك أي منهما مكانة الآخر.
ينتهي الفصل بلقاء غير متوقع يجمع شخصيات من كاراراغي بالاجتماع الإمبراطوري-الملكي، ومشهد موازٍ لبداية رحلة هاينكل الجديدة.