الفصل 489 - ناتسوكي سوبارو وفينسنت آبيلوكس
الفصل الثاني عشر
«ناتسوكي سوبارو وفينسنت آبيلوكس»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
اللحظة التي سدد فيها تلك اللكمة، كانت تلك اللحظة التي ندم فيها أشد الندم على أنه أصبح أصغر حجمًا.
حتى أكثر من مأساة جزيرة العبيد المصارعين 【1】، التي تمكنوا جميعًا من تجاوزها متكاتفين؛ وأشد حتى من السباركا التي كان هدفها استمالة غوستاف إلى صفه؛ وأشد حتى من حواره مع سيسيلوس تحت ضوء القمر؛ في هذه اللحظة بالذات، أصابه الإحباط لأنه لو امتلك جسدًا أكبر لكان بوسعه أن يلكمه بقوةٍ أشد قليلًا.
فينسنت: [أنت…!]
إثر تلقيه ضربة قبضة سوبارو الصغير على خده الأيسر، اتسعت عينا الإمبراطور وقد تلطخ وجهه بالدماء.
اتجه ببصره نحو موضع قدميه، يراقب سوبارو بعد أن أخفق الأخير في الهبوط متوازنًا وتدحرج ساقطًا على الأرض. غير أن وجهه، وإن علته الصدمة، خلا من أي سخط؛ إذ طغت دهشته على ما شعر به من مهانة.
والإمبراطور، الذي نال من قبضة سوبارو صدمةً تفوق الألم، ضغط بيده على موضع الضربة،
[ألا تعز عليك حياتك؟! إن تجرأت على رفع يدك عليّ، فسيحرقك لهيب «سيف يانغ»…]
[أجل، لا تعز عليّ! فمقارنةً بأن أتركك ترحل دون أن أبرحك ضربًا هنا والآن، فإن الموت احتراقًا لا يخيفني إطلاقًا!]
فينسنت: [ما…]
وبينما كان الإمبراطور يحدق فيه شزرًا، وثب سوبارو إلى الوقوف أمامه وأطلق تحديه بجرأة.
وفي تلك اللحظة، ومع بقاء الإعياء في جسده، اختل توازنه وسقط إلى الخلف مرتطمًا بالباب، غير أن ذلك جاء ملائمًا تمامًا. فمستندًا بظهره إلى الباب على ذلك النحو، بسط سوبارو ذراعيه ليعترض طريق الإمبراطور ويمنعه من المضي قدمًا.
القول بأن حياته لا تعز عليه، كان كذبةً صريحةً بلا شك.
لكن بعدما تبادل معه الكلام الاستفزازي، لم يكن يريد أن يُظهر ولو ذرة من الضعف.
لم يكن سوبارو ليهدأ له بال ما لم يرد عليه، بالكلمات أو بالقبضات.
سوبارو: [أنتم على حق فيما تقولونه. أظن أنني شخص لا يفهم نفسه حتى. ففي نهاية المطاف، حتى أنا نفسي لا أفهم حقًا المعايير التي أتحرك بناءً عليها.]
فينسنت: […«أنتم»، كما تقول؟]
عاضًا على شفته، قطب الإمبراطور حاجبيه بينما حدق سوبارو فيه شزرًا.
خافضًا يده عن خده، ووجهه ملطخٌ بالدماء المتقاطرة من يد سوبارو، وقع الإمبراطور في حيرةٍ لأن عبارة سوبارو صيغت بصيغة الجمع، مما يوحي بأنها موجهةٌ إلى شخصٍ آخر سواه أيضًا.
بيد أنه مهما أطال التفكير في الأمر، فما كان بوسعه أن يدرك المقصود. فالرجل الذي أمامه كان الإمبراطور، أما الرجل الآخر فلم يكن سوى جندي بسيط بلا رتبة عسكرية.
ورغم ذلك، ومع ذلك، فقد أصاب كلاهما موضع الخلل نفسه في سوبارو، وكشفا الجرح ذاته وإن اختلفت طريقتهما.
سوبارو: [أريد أن أعطي الأولوية لمن أحبهم، ولمن هم أعزاء عليّ، وأن أحميهم. تلك هي مشاعري الصادقة. لكن حتى لو كان شخصًا أكرهه أو لا أعرفه، فإذا رأيته في خطر أمامي، فسوف…]
قال تود إن سوبارو يختار من يساعده بناءً على ميوله الشخصية وما يحب وما يكره.
وقال آبل إن سوبارو يختار من ينقذه بتهور، دون أن يستند حتى إلى ما يحب أو يكره.
كلاهما كان محقًا، ولأن كليهما كان محقًا، فقد كانا مخطئين.
ففي نهاية المطاف――،
سوبارو: [لكن… هل هذا سيئ لهذه الدرجة؟]
فينسنت: [ماذا؟]
[أهو أمر سيئ حقًا أن أنقذ من أمامي بدافع اللحظة، دون أن أمتلك عزيمة تحمّل عبء العمر كله، ودون أن يكون وراء ذلك مغزى عظيم؟!]
وبينما كان سوبارو يرفع صوته ويدوس الأرض بقدميه غيظًا، اتسعت عينا الإمبراطور السوداوان.
ورغم استمرار سلسلة تصرفاته وتعابيره غير المعهودة، واصل سوبارو التضييق عليه طلبًا للإجابة.
سوبارو: [الأمر تمامًا كما قلتَ! أضع في حسباني الأمور التي تقع ضمن مدى بصري، وأمد يدي إلى أبعد ما أستطيع، هذا ما ظللت أفعله حتى يومنا هذا. فما السيئ في ذلك!؟]
فينسنت: [أتتمادى في موقفك أيها الوغد!؟ أتسأل عمّا هو الخطأ في ذلك!؟ أليس الأمر بديهيًا!؟ لأي سبب لا تنظر إلى الصورة الأشمل، بل تتصرف وفق أهوائك ومشاعرك وحدها؟ فلماذا لا تستغل السلطة الممنوحة لك كما ينبغي!؟]
سوبارو: [أنا استغلها كما ينبغي بالفعل! وما كنت لأقف هنا لولا أنني سخّرتها! لا تنفعل عاطفيًا، هاه!؟ كُفّ عن التحدث كالأحمق! أما كيف أتصرف وفق مشاعري، فهذا شأني وحدي!]
فينسنت: [إذن على الأقل تصرف وفقًا لتلك المشاعر! إن كنتَ ستقرر بين حياة شخصٍ أو موته بناءً على ما تحب وتكره، فلا تحد عن ذلك النهج بأي شكلٍ من الأشكال. إن طبيعة كينونتك، مثقلةٌ بالتشوهات.]
سوبارو: [إذا كانت هذه نتيجتك بعدما عشت باستقامة، فمرحبًا بي وأنا أعوجّ الطبع!]
وبينما واصل الإمبراطور توبيخ سوبارو على موقفه، سدد الأخير ركلةً قويةً وهو يرد. وإذ راح يركل قصبة ساق الإمبراطور مرارًا وتكرارًا، انفجر غضبه، الذي فاق القدرة على احتوائه، بالكامل.
ومع إطلاق سوبارو لركلاتٍ مشحونةٍ بمزاجه السيئ، التوى وجه الإمبراطور من الألم والانزعاج، و،
فينسنت: [لا جدوى من الحديث معك.]
حاول بذلك إنهاء الحديث من طرف واحد، مرة أخرى.
محاولًا ترك الهوة الفاصلة بين مفاهيمهما وقيمهما خلفه بتلك الطريقة، أمسك الإمبراطور بكتفي سوبارو. حاول الإمبراطور إزاحته عن طريقه، لم يكن بوسع سوبارو مقاومته، فالفارق في القوة بين البالغ والطفل لا يُستهان به.
لهذا السبب، أطبق سوبارو بأسنانه على تلك اليد بكل ما أوتي من قوة.
فينسنت: [――هـڪ، أنت!]
سوبارو: [تـوثقف عـن كـونـك أنـانـيًا هـكـذا!]
عاضًا دون هوادة، ترك في يد الإمبراطور اليمنى آثار أسنانه وجرحًا من العضة. يده اليمنى، التي نزفت وهو ينفضها بقوةٍ ليحررها، وهكذا، ومع جرح السكين، أصبحت كلتا يدي الإمبراطور تنزفان.
لقد جعل سوبارو إمبراطور الإمبراطورية، ذروتها النبيلة، ينزف؛ ومن ثم فلن يفلت من عقوبة الإعدام.
سوبارو: [هذا لن يحدث إلا إذا ظلت البلاد قائمةً أصلًا، أيها الأحمق الغبي!]
فينسنت: [ما الذي… غوه!!]
في اللحظة التي نُفض فيها بعيدًا، أمسك سوبارو بجسده الصغير الإمبراطورَ من الأمام، وضغط برأسه على بطن الأخير، وأطبق على ركبتيه. كان ذلك أسلوب قتال شوارع تعلّمه من ويتز.
ثم طبّق ما تعلّمه من ويتز، واتخذ فوقه وضعية السيطرة الأقوى في قتال الشوارع.
ومع سقوط الإمبراطور على ظهره، وجلوس سوبارو فوق صدره ليثقله بوزنه، أمسك بتلابيبه وأخذ يضرب رأسه بالأرض. فلو ضُرب مؤخر رأس المرء مرارًا وتكرارًا، ومهما يكن، فسيفقد وعيه على الفور.
ومع ذلك――،
فينسنت: [لا تتمادَ!]
في المرة الأولى، كانت الصدمة؛ وفي المرة الثانية، الارتباك؛ وفي المرة الثالثة، غير أن فارق القوة وحده كان كافيًا لإيقافه. ثم أمسكه الإمبراطور من شعره وسحبه بالقوة من فوق جسده.
صارخًا بـ «غياااارغ!» وهو يتدحرج على الأرض، لمح سوبارو بطرف عينه الإمبراطورَ يقف على قدميه مجددًا، ومرةً أخرى، حاول الأخير التوجه نحو الباب.
سوبارو: [وكأنني سأسمح لك!]
قافزًا على ركبتي الإمبراطور من الخلف، أوقف بالقوة المحضة ذلك الجسد المتجه نحو الباب. غير أنه وبسبب اندفاع سوبارو المفرط، طُرح الإمبراطور ساقطًا إلى الأمام.
وكانت النتيجة――،
فينسنت: [بوه.]
ثم، وبصوت ارتطامٍ مكتوم، اصطدم الإمبراطور بوجهه أولًا في باب المقصورة.
فينسنت: [――――]
سُمع صوت يديه وهما ترتكزان بقوة على الباب الذي اصطدم به وجهه، ثم اعتدل واقفًا من جديد. ثم، مستديرًا، أمسك الإمبراطور بتلابيب سوبارو بكلتا يديه، رافعًا إياه إلى الأعلى.
ودار جسداهما ليتبادلا موقعيهما، فارتطم ظهر سوبارو بالباب، مضغوطًا عليه بقوة، بينما أفلتت منه تأوهاتُ ألمٍ: «أواه».
أمام عينيه، كان أنف الإمبراطور وجبهته محمرّين، وهو يحدّق في سوبارو عن قرب شديد، فيما كانت ساقا الأخير معلقتين في الهواء.
فينسنت: [أنت، ما الذي تريده؟ ما هي غايتك؟ ما الذي ترغب فيه!؟]
سوبارو: [أريد ضربك! غايتي هي ضربك! ورغبتي هي ضربك!]
فينسنت: [أنت…!]
سوبارو: [ماذا عنك أنت، ما الذي تريده؟ ما هي غايتك؟ ما الذي ترغب فيه ماذا بحقك!؟]
فينسنت: [――――]
ممسوكًا من تلابيبه، وغارزًا أظافره في يدي الإمبراطور، تطاير رذاذ لعاب سوبارو وهو يصرخ ردًا عليه.
ثم لوى رأسه، وفتح فمه في محاولةٍ لعض يد الإمبراطور مرةً أخرى، لكن مهما حاول جاهدًا، عجز عن الوصول إليها. ولأنه لم يستطع الوصول إليها، اكتفى بأن يجمع لعابه ثم يبصق على يد الإمبراطور.
وعلى ذلك النحو، وبينما تلطخت يده بلعاب سوبارو، تصلبت ملامح الإمبراطور لسببٍ اخر غير تلك الإهانة؛ وتمتم.
فينسنت: [رغبتي، أنا…؟]
سوبارو: [بعيدًا عن تلك الشعارات الرنانة، لا بد أن هناك شيئًا أردت فعله فعلًا. وإلا، لما تكبدتَ عناء المجيء إليّ في مثل هذا الوقت العصيب المزدحم.]
فينسنت: [――――]
سوبارو: [ألستَ أنت أكثر من يجهل نفسه؟ في كل ما قلته قبل قليل، كان هناك موضوع تحمست له أكثر من غيره، وموضوع وضعت فيه مشاعرك أكثر من غيره. هذا هو الأهم بالنسبة لك.]
مسألة الإجلاء من العاصمة الإمبراطورية، أو مسألة الاشتباه في كون سوبارو راصد نجوم. ومسألة التعامل مع إميليا والآخرين الذين قدموا من المملكة، وصولًا إلى الهوة بينهما بسبب عجز فينسنت عن فهم نهج سوبارو.
وحين فكر في الأمر الآن، لم يقل حتى كلمة للاطمئنان عليه بعد أن استعاد وعيه؛ وفي المقام الأول، لم يتفوه هذا الوغد بأي شيءٍ بخصوص كون هذا لقاءهما الأول بعد مدينة الشياطين أيضًا.
لكن بوضع كل تلك المسائل العديدة جانبًا، كانت المسألة الواحدة التي انفعل بشأنها أكثر من غيرها واضحةً للعيان.
سوبارو: [――تشيشا.]
فينسنت: […لماذا، يا ناتسوكي سوبارو.]
تلاشت الحرارة التي تصاعدت قبل لحظات خلال تدافعهما وتشابكهما بالأيدي، غير أنه حل محلها لهيبٌ بارد، حرارةٌ أضرمها ذلك السؤال الذي نُطق به الآن مرةً أخرى.
إن كان ما رافق العنف لهيبًا قرمزيًا، فإن ذلك السؤال قد جاء مصحوبًا بلهيبٍ لازوردي اللون.
وبنظرةٍ تتقد فيها تلك النار اللازوردية، أخذ الإمبراطور يسأل سوبارو، الواقف أمامه مباشرةً، وكأنه يحرقه بها.
فينسنت: [أنا من قمتُ بتدريبه. لو كان هو، لاستطاع أداء العمل نفسه الذي أؤديه، دون أدنى اختلاف. بل ويمكن القول إنه كان متفوقًا فيما يتعلق بالقوة العسكرية، تبعًا للظروف.]
سوبارو: [――――]
فينسنت: [لم يكن هناك أي فرقٍ بين قدرتي وقدرة ذلك اللعين تشيشا. وأيّنا بقي كان سيتولى مواصلة القتال لمقاومة «الكارثة العظمى»، ويبذل كل ما في وسعه. ――لماذا.]
وبينما كان يحدّق في عيني سوبارو السوداوين، اهتزت عينا الإمبراطور―― كلا، اهتزت عينا آبل السوداوان.
كان قد ارتدى قناع الإمبراطور، على الأرجح عازمًا على ألا يخلعه مرة أخرى أبدًا. لكن ذلك القناع نُزع عنه بعد وقت قصير من اتخاذه قراره، فظهر وجه آبل.
وأخيرًا، لا بصفته إمبراطور هذه البلاد، بل بصفته إنسانًا فحسب، فقد شخصًا عزيزًا عليه، لم يستطع آبل إلا أن يسأل سوبارو.
فينسنت: [لماذا أبقيتني حيًا رغم كراهيتك لي، بينما تركت تشيشا يموت، يا ناتسوكي سوبارو؟]
بعد أن أدرك في قرارة نفسه ما أراد سؤاله لسوبارو حقًا، ألقى آبل السؤال ذاته نحو سوبارو كما فعل قبل اندلاع عراكهما.
لم يكن الألم الممزوج بالرهافة في صوته قابلًا للمقارنة بما كان عليه قبل لحظات.
كان الإمبراطور المعروف باسم فينسنت فولاكيا يسخّر كل ما يملك في سبيل الإمبراطورية.
لكن تلك كانت النتيجة التي توصّل إليها ناتسوكي سوبارو، بعدما راعى ما يملكه من قدرات، ضمن حدود ما يعرفه عن إمكاناته.
فينسنت: [――――]
ببطء، تلاشت القوة من قبضة آبل المطبقة على تلابيبه، وتحرر جسد سوبارو.
وبينما احتك ظهره بالباب، انزلق جسد سوبارو إلى الأسفل. وحتى الآن، كانت يدا آبل لا تزالان تمسكان بتلابيب سوبارو، غير أن أصابعه التي ابيضّت من شدة قبضته بدأت تستعيد لونها الطبيعي مع ارتخاء يديه.
لو أراد حقًا تخليص نفسه من قبضتي آبل، لاستطاع ذلك بسهولة، لكنه لم يفعل.
ولمّا ظلّت يدا آبل ممسكتين بتلابيبه، لم يفعل سوبارو سوى أن ناداه: «آبل»――.
فينسنت: [إن كنتَ تدعي أنك لستَ راصد نجوم…]
هكذا كان الصوت الواهن الذي صدر عن شفتي آبل.
غير أن آبل نفسه لم يكن راضيًا عن الصوت الذي نطق به، فلم يسترسل أكثر من ذلك. وأخذت عيناه السوداوان تتنقلان حائرتين، وهو يبحث عن الكلمات التي تعبّر عمّا يشعر به حقًا.
أن يعبّر عن مشاعره بالكلمات.
لعل إمبراطور الإمبراطورية، الذي لم يفعل أمرًا كهذا ولو لمرةٍ واحدة حتى يومنا هذا، والذي لم يفعل قط أمرًا يقدر عليه حتى الطفل الصغير، سيفعل ذلك الآن.
فينسنت: [أنت… كنتَ ستحاول إنقاذي مهما حدث…]
سوبارو: [――――]
فينسنت: [في وقتٍ يتوقف فيه بقاء الإمبراطورية على المحك، تشغلني بمثل هذه الأمور التافهة…]
سوبارو: [――――]
فينسنت: [أنا… أنا! منذ أن وقعت عيناي على طبيعة كينونتك…]
سوبارو: [――――]
في كل مرة، كانت كلماته تحتبس في منتصفها.
مهما كانت الكلمات، ومهما كانت المشاعر، لم تكن كافيةً للتعبير عما يشعر به آبل في صميم قلبه. مرارًا وتكرارًا، كان آبل يتوقف عن الكلام، ويعيد صياغة عباراته، ويصحح نفسه؛ ومع ذلك لم يستعجله سوبارو.
فينسنت: [أنت… تمقتني، وتراني عدوًا…]
وإذ أدرك بذكائه أن الكلمات التي يتعثر فيها لن توصله إلى الجواب الذي ينشده، أخذ يعيد صياغة ما يريد قوله مرةً بعد أخرى.
هو، المعروف بأحكم إمبراطورٍ منذ تأسيس إمبراطورية فولاكيا، الرجل الذي يحظى بحكمةٍ يحترمها الجميع، فعل ذلك.
وبعد أن أعاد المحاولة مرةً بعد أخرى، تمكّن أخيرًا من بلوغ ما يريد قوله.
فينسنت: [أنا…]
سوبارو: [――――]
فينسنت: [أنا… كنت قد وطّنت نفسي على الموت… لكنني لم أوطّن نفسي… على فقدان شخص عزيز.]
لقد درّب نفسه على احتمال أن يموت ويترك الآخرين وراءه، لكنه لم يهيئ نفسه قط لاحتمال أن يكون هو من يُترك خلفهم.
لعل الأمر قد بلغ به حد التفكير في الكلمات التي سيتركها وراءه في لحظاته الأخيرة. بل لربما عثر الباحث عنها على وصايا أو ملاحظات تركها في أماكن متفرقة، استعدادًا لما بعد موته.
كان كل ذلك استعدادًا لتسليم المسؤولية إلى من سيواصلون المسيرة بعده، ضمن خطة لم تتضمن قط احتمال أن يصبح هو نفسه الشخص الذي تُسلَّم إليه المسؤولية.
فينسنت: [لماذا.]
سأل بصوتٍ مرتجف: «لماذا»
وبينما تحدث بصوتٍ مرتجف، أرخى آبل قبضتيه على تلابيب سوبارو، ثم رفع يديه الملطختين بالدماء إلى وجهه وحجب بهما ملامحه.
الإمبراطور، الذي ما كان ليغمض كلتا عينيه أمام الآخرين بأي حالٍ من الأحوال، غطى وجهه بكلتا يديه.
فينسنت: [لماذا أبقيتني أنا حيًا، رغم مقتك لي، وتركت تشيشا يموت، يا ناتسوكي سوبارو؟!]
واضعًا وجهه بين يديه، وصوته يرتعش، وعيناه السوداوان ربما تذرفان الدموع، جثا فينسنت فولاكيا على ركبتيه.
بعدما فقد شخصًا بالغ الأهمية في حياته، فإن ذلك الرجل الذي لم يحظَ على الأرجح حتى بوقتٍ للحزن، ودون حاجةٍ إلى ارتداء قناع الإمبراطور أمام شخصٍ فظٍّ وعديم الاحترام يمقته، قد جثا على ركبتيه.
وإذ شهد سوبارو ذلك، أخذ نفسًا طويلًا جدًا، وعميقًا إلى أقصى حد――،
سوبارو: [――أنا آسف.]
بذلك، وبصفته رفيق كفاحٍ يصارع قدرًا جائرًا لا يعرف المنطق، واجه رفيق كفاحه الذي واصل النضال بكل ما أوتي من قوة، رغم الجراح التي أصابته، ووجه إليه كلماتٍ لن تستطيع مواساته أبدًا.

△▼△▼△▼△
حين اندفع مسددًا لكمته نحو آبل وهو يهم بالرحيل، كان ما خطر ببال سوبارو هو ذكرى المرة التي لكمه فيها أوتو بطريقةٍ مماثلة.
سوبارو: [أنت مذهلٌ يا رجل. لن أتمكن أبدًا من أن أكون بذكائك… لكنني لن أقول ذلك في وجهه أبدًا.]
ولأنه سيشعر بالإحراج والانزعاج، لم يرغب حقًا في التصريح بذلك مباشرةً أمام ذلك الشخص بعينه.
أقصى ما كان مستعدًا للتفكير فيه هو أنه في يومٍ من الأيام، حين يحتضر أوتو من الشيخوخة، سيجلس بجانب سريره ويقول: «بصراحة، كنتُ أظنك مذهلًا». ولو أنه أقدم على فعل ذلك حقًا، فلديه يقينٌ بأن أوتو، حتى في لحظات احتضاره، سيرد عليه قائلًا: «إذن لماذا لم تقل لي ذلك طوال هذه المدة؟!».
على أية حال――،
سوبارو: [――――]
جلس آبل بثقل على الأرض، وأسند ظهره إلى جدار المقصورة، وأخذ يتأمل داخلها الخافت الإضاءة، وهو يضم إحدى ركبتيه إلى صدره.
وسوبارو أيضًا، انغمس في ذلك الصمت شارد الذهن وهو يجلس بجانبه متربعًا.
منذ البداية، كانت مشاعر سوبارو الحقيقية منذ البداية، كان سوبارو ممتنًا لأوتو حقًا، وكان يريد أيضًا أن يمازحه قليلًا.
قبل بعض الوقت، حين كان سوبارو على وشك الانهيار من محاولته تحمّل كل شيء وحده، لكم أوتو سوبارو على جانب وجهه، ثم واجهه بالكلمات التي كان يحتاج إلى سماعها.
قال له إنه لا داعي لأن يتظاهر بالقوة أمام أصدقائه. ――تلك التجربة هي التي منحت سوبارو الشجاعة ليجعل نوابض السرير ترتدّ من جديد.
ولكن من جهةٍ أخرى――،
سوبارو: [ليس الأمر وكأنني وأنت صديقان أو ما شابه.]
فينسنت: [――. بالطبع. لا تنطق بمثل هذا الكلام المقزّز. أن أكون صديقًا لك… كلا، أنا ببساطةٍ لا حاجة لي بأمثال الأصدقاء. ولن أرغب فيهم أبدًا.]
سوبارو: [إذن حجتك ليست أنك لا تستطيع تكوين صداقات، بل أنك ترفض تكوينها؟ لقد فعلتُ ذلك أيضًا حين كنت أتظاهر بأنني ذئب منفرد متعالٍ، لكن الأمر مكشوفٌ تمامًا للمحيطين بك.]
فينسنت: [إن قلة احترامك لا تعرف حدودًا، أليس كذلك؟]
جالسَين على مقربةٍ من بعضهما دون أن ينظر أحدهما إلى الآخر، تبادل سوبارو وآبل الكلمات.
لم تعد حرارة العراك بينهما كما كانت، لكن التوتر لم يختفِ تمامًا، ولم يكن أيٌّ منهما قادرًا على إنهاء الحديث في منتصفه أو التظاهر بالتهذيب.
كان الدم يلطّخ وجه سوبارو وملابسه ويديه في مواضع شتى.
وبالطبع، كان وجه آبل، وشعره، وملابسه ملطخةً بالدماء في كل مكانٍ أيضًا.
وداخل المقصورة، كانت الملاءات ملطخةً بالدماء، والسكين ملقًى على الأرض. وانتشرت بقع الدماء المتناثرة هنا وهناك، وانتشرت في أرجاء المقصورة آثار الشجار وبقع الدماء.
لم تكن كمية الدماء كافيةً لتجعل المقصورة تبدو مسرحًا لجريمة قتل، لكنها كانت كافيةً بالتأكيد لتجعلها تبدو مسرح جريمة.
سوبارو: [لكن، حتى لو تقاتلنا بعنف، فلن نتمكن أبدًا من تدمير المقصورة بأكملها. تلك هي حدود ما يستطيع كلٌّ منا فعله بمفرده، أنا وأنت.]
فحتى مع دخول سوبارو وآبل في شجارٍ عنيفٍ بلا قيود، كان أقصى ما تمكنا من فعله هو تحطيم الأثاث.
ولو كان المتشاجرون من الأشخاص الخطرين حقًا في هذا العالم، لدُمرت المقصورة على الأرجح في طرفة عين، دون أن يتبقى لها أي أثر. تُرى، كم من الوقت ستحتاج إميليا، بوجهها اللطيف ويديها اللطيفتين، لتحطّم هذه المقصورة تحطيمًا لطيفًا؟
سوبارو: [حتى لو تشاجرنا أنا وأنت، فلن يكون في الأمر أي شيءٍ لطيفٍ على الإطلاق.]
فينسنت: […ما هي مشكلتك ماذا بحقك؟]
سوبارو: [وماذا عنك أنت، ما هي مشكلتك ماذا بحقك؟ سأقول لك شيئًا، كلامك متشتّت بشكلٍ لا يُطاق، حتى إنني لم أعد أعرف ما الذي تريد الحديث عنه أصلًا.]
فينسنت: [――――]
التزم آبل الصمت، واستغرق في التفكير.
ولعل السبب في كفه عن الكلام هو إدراكه لمدى تشتت المواضيع التي طرحها.
كان ذلك نتيجة إغلاقه أذنيه عن نداء مشاعره الحقيقية، واقتصاره على اختيار المواضيع المريحة للأذن والسهلة التداول؛ فانشغل ذهنه وتشتت، ولم يفضِ حديثه إلى شيء ذي مضمون حقيقي.
كان ذلك جوهر حديث آبل حتى قبل قليل، وهو أيضًا التقصير الذي أدركه في نفسه.
وبينما كان سوبارو ينتظر ليرى كيف سيعوض آبل عن تقصيره――،
فينسنت: [ناتسوكي سوبارو، أصحيحٌ أنك لستَ راصد نجوم؟]
سوبارو: […هذا صحيح. أنا لستُ راصد نجومٍ أو أي شيءٍ من هذا القبيل. فأمورٌ كاستشراف المستقبل، تليق بطائفة الساحرة أكثر مما تليق بي. وأنا لا أنسجم حقًا مع أولئك القوم.]
فينسنت: [سمعتُ أنك أسقطتَ اثنين من رؤساء أساقفة الخطايا في لوغونيكا.]
سوبارو: [الأمر غير معلن للعامة، لكن عددهم في الحقيقة ثلاثة. فالشراهة أيضًا قد… لا، من الصعب نوعًا ما الجزم بما إذا كانت الشراهة قد هُزمت أم لا، لذا انسَ ذلك. كما أن وضع لويس هو الآخر… آه!]
فينسنت: [ما الأمر؟]
سوبارو: [أنت لم تفعل شيئًا للويس، أليس كذلك؟ ففي نهاية المطاف، أنا لم أسامحك بعد على تلك المرة التي قلتَ فيها إن لويس يجب أن تُقتل.]
في مدينة الشياطين كايوسفليم، كان موقف آبل الصارم تجاه لويس هو ما أشعل فتيل انفصال سوبارو عن آبل والبقية، ليمضي في التصرف بشكلٍ مستقل.
حين كُشفت حقيقة كونها رئيسة أساقفة خطايا، أعلن آبل أنه لن يسامحها.
وبسبب ذلك، افترق سوبارو عن آبل وبقية المجموعة، وتوجه مع لويس وحدهما إلى قلعة يورنا، دون أي عون――،
سوبارو: [ورغم كل ما جرى ووصولنا إلى ما نحن عليه الآن، فأنا لم أسامحك بعد.]
فينسنت: [لا تتفوه بالحماقات. ومع ذلك، ألم تكن أنت من يمقت تلك الفتاة مقتًا شديدًا؟]
سوبارو: [السابق شيء، والحاضر شيء آخر. وأصلًا، لو أنك احتفظتَ بانطباعك عني منذ لقائنا الأول، لشككتَ في سلامة عقلي بالنظر إلى الأفراد الذين أنسجم معهم.]
فينسنت: [سلامة عقلك أمرٌ شككتُ فيه منذ قرية الشودراك. ――قلقك هذا لا داعي له.]
سوبارو: [هاه؟]
فينسنت: [لم يلحق بتلك الفتاة أي أذًى. ففي نهاية المطاف، ما كنتُ أحاول قوله آنذاك لم يكن أن علينا إعدام شخص يُشتبه في كونه أحد رؤساء أساقفة الخطايا فورًا.]
سوبارو: [ما…؟!]
فينسنت: [لقد تسرعتَ في الحكم. راجع نفسك جيدًا.]
وإذ قيل له إن مخاوفه لا مبرر لها، عجز سوبارو عن الكلام. ولكن، حتى لو افترضنا صحة ذلك، فإن سلوك آبل القاسي وغير المبالي كان جزءًا من السبب الذي دفع سوبارو إلى الخلوص لاستنتاجٍ بمثل هذا التسرع.
فتراكم تصرفات آبل السابقة هو ما أثار شكوك سوبارو في ذلك الموقف.
سوبارو: [ذلك… كان بسبب أسلوبك وطريقة تعاملك…]
فينسنت: [كان ذلك ضروريًا، حتى لا يخطر ببالك، ولو للحظة، أنك تريد إبقائي حيًا.]
سوبارو: [――――]
فينسنت: [كان كل ذلك قائمًا على افتراض أنك راصد نجوم. فأنت تواصل تحقيق إنجازات غير مسبوقة في المملكة، وتفعل ما يعجز عنه الإنسان العادي.]
سوبارو: [هذا…]
فينسنت: [ورغم ذلك، لم تكن بي حاجةٌ لتكبد عناء تشويه انطباعك عني. فحتى لو لم أتصرف على ذلك النحو، كان مقتك لي وازدراؤك إياي صادقين، ونابعين من قلبك.]
سوبارو: [أيها! الوغد! اللعين…!]
سواء أكان كلام آبل كذبًا أم حقيقة، خيرًا أم شرًا، فقد اشتد غضب سوبارو حتى برزت عروق جبهته.
لكن، مثلما كان سوبارو يحاول بحذر استكشاف طبيعة علاقته بآبل، وهو كمن يمشي على جليد رقيق، كان آبل بدوره يتعامل معه وكأنه يسير على حبل مشدود.
ما داما على هذا الحال، سوبارو يمشي فوق الجليد وآبل يسير على حبل مشدود، فلا يمكن لعلاقتهما أن تسير على نحو جيد.
ففي نهاية المطاف، مضى كلٌّ منهما دون أن ينظر إلى أي شيءٍ سوى موضع قدميه؛ ولم ينظرا حتى إلى وجه الآخر.
سوبارو: […أنا، لا أعرف أي شيءٍ عن المدعو تشيشا هذا. لقد طردك من العرش، وتنكر في هيئتك متظاهرًا بأنه الإمبراطور. ولم ألتقِ به مصادفةً إلا في كايوسفليم، حين كان ينتحل صفة الإمبراطور.]
فينسنت: [――――]
سوبارو: [لا أفهم ما الذي كان يفكر فيه ذلك الشخص، أو ما الذي كان يخطط له من وراء طردك من القصر. لكنك أُصبتَ بالإحباط والقهر على هذا النحو لأن ذلك الشخص قد مات، وإن كان قد مات حقًا في الوقت الذي كان مفترضًا فيه أن تموت أنت، فهذا أمرٌ أستوعبه. ولهذا…]
بترددٍ وتلعثم، نطق سوبارو بما جال في خاطره أولًا بأول.
ونظرًا لوجود اتفاقٍ ضمنيٍّ غير معلن بينهما بعدم مواجهة بعضهما البعض، لم يتمكن سوبارو من رؤية تعابير وجه آبل وهو ينطق بتلك الكلمات. وكان ذلك مخيفًا بعض الشيء.
لقد كان ذلك الشخص عزيزًا إلى حدٍّ جعل آبل يتحسر على فقده لدرجةٍ عجز معها عن الحفاظ على اتزان قلبه.
وبالنسبة لسوبارو، فإن التحدث عن ذلك الشخص وهو لا يعرف عنه شيئًا، ربما يجعل ملاحظاته تدوس على قلب آبل بقسوةٍ مفرطة.
ولكنه، فكر.
ورغم أن المدة التي عرفه فيها لم تكن طويلة، فقد جرّ هذا الرجل الذي يُدعى آبل سوبارو إلى مواقف لا حصر لها، حتى وجد نفسه متورطًا في أزمة تهدد مصير دولة بأكملها. ولهذا، فكّر سوبارو…
سوبارو: [تشيشا هذا… إنه مذهل فعلًا.]
ورغم أن ذلك ربما لم يكن ملائمًا للمقام، إلا أنه حين رفع وجهه، نطق بصوتٍ مفعمٍ بالحيوية.
لم تكن تلك محاولةً متكلفةً لتلطيف الأجواء، بل كان ثناءً، ثناءً يفيض من قلب سوبارو.
في الواقع، كم شخصًا يستطيع فعل ذلك؟ أشخاصٌ بمقدورهم مخالفة توقعات الرجل الذي اشتهر بأنه أحكم إمبراطور منذ نشأة إمبراطورية فولاكيا، والذي يخطط لكل شيء في ذهنه ويرى أن تسير الأمور كما رسمها؛ كم شخصًا بمقدوره الوقوف ضد ذلك، وتحقيق أهدافه الخاصة بمثل هذه الطريقة الباهرة؟
كان ذلك وحده كافيًا، بل أكثر من كافٍ، ليستحق إعجاب سوبارو.
وفوق ذلك، فقد ترك آبل خلفه غارقًا في انكساره وحسرته، وإن كان سوبارو لا يعرف ما إذا كان ذلك أيضًا جزءًا من مخططه.
سوبارو: [لقد قلتَ إنه لن يكون هناك فرقٌ كبير سواءً بقيتَ أنت أم بقي ذلك الشخص. إن كان ذلك صحيحًا، فليس هناك سوى سببٍ واحدٍ جعل ذلك الشخص يصنع هذا الموقف.]
فينسنت: […أنت.]
وبينما كان سوبارو يتحدث بما يخطر بباله، تمتم آبل بصوت منخفض، من دون أن يلتفت إليه.
لم لم تكن نبرة صوته غضبًا خالصًا، ولا خالية من الغضب تمامًا؛ لكنه لم يكن يوبخ سوبارو على حديثه وكأنه يعرف كل شيء،
فينسنت: [أنت، أتقول إنك تفهم؟ السبب الذي جعل تشيشا يتآمر ضدي؟]
بل كان ذلك أشبه بدعوة لسوبارو إلى الإفصاح عن الاستنتاج الذي توصل إليه.
فينسنت: [――――]
كان آبل يريد إجابة.
كان يريد إجابة عجز حتى عقله الذكي عن التوصل إليها. ولم يكن يتوقع أن تأتيه من سوبارو، الذي لا يعرف تشيشا أصلًا، لكنه مع ذلك بدأ يأمل أن يسمعها منه.
لم يستطع إنكار أن ذلك الأمل يشكل ضغطًا عليه، لكن…
سوبارو: [حسنًا، مهما كان ظنك بي، فقد قطعنا كل هذا الشوط بالفعل…]
بعد أن وصلا إلى هذه المرحلة، لم يعد يهم سوبارو ما الذي سيظنه آبل فيه، ولم يعد لديه سبب للتردد في قول ما يفكر فيه.
السبب الذي يراه سوبارو وراء اختيار تشيشا أن يُبقي آبل حيًا بدلًا من نفسه.
كان ذلك――،
سوبارو: [أزعجه أن القدر يحاول قتلك، وأنك أنت نفسك استسلمت له.]
فينسنت: [――هاه؟]
سوبارو: [ربما كان الأمر ببساطة أنه أراد لك أن تعيش، حتى لو كلفه ذلك حياته. لكنني لا أظن أن هذا هو الحال هنا. لأنك، بصراحة، لا تعيش بطريقة تجعل أحدًا يتعلق بك إلى هذه الدرجة.]
كان بوسعه تفهم الشعور الذي يجعل المرء يرغب في أن يعيش شخصٌ آخر حتى لو عنى ذلك موته هو نفسه.
لكن المرء لا يبلغ به الأمر هذا الحد إلا إذا كان الشخص الآخر عزيزًا عليه جدًا، وكان ثمة ما يدفعه إلى التعلق به على هذا النحو.
كان آبل قد استعد لموته المحتوم، وكرّس نفسه لتمهيد الطريق لمن سيأتون بعده؛ لذلك يصعب على سوبارو تصديق أن أحدًا قد يحبه إلى درجة التضحية بحياته لأجله.
ولهذا، كانت إجابة سوبارو هي هذه.
سوبارو: [لقد استشاط تشيشا غيظًا بسببك. ففي نهاية المطاف، لقد أثبت ذلك بالفعل.]
فينسنت: [تقول إنه أثبت ذلك؟ أثبت ماذا؟ …أثبت أن مؤامرةً قد دُبرت ضدي، وأنني كنتُ أحمقَ؟]
سوبارو: [لعل فلوب-سان وميزيلدا-سان قد أدركا أيضًا أنك معتوهٌ يملك عقلًا راجحًا. ما أعنيه هو… مدى ما يطاله ذلك الشيء المعروف بالقدر.]
فينسنت: [القدر…]
وكأنه ينطق بتلك الكلمة للمرة الأولى، تمتم آبل بالكلمة كما لو كان يتذوقها على لسانه للمرة الأولى، وكأنها مفهوم غريب عنه.
في الواقع، بالنسبة لآبل، الذي كان يواجه كل شيءٍ وجهًا لوجه، ويقاوم بلا هوادةٍ متسلحًا بتوقعاته الخاصة، كان يرى أن كل عقبة يمكن تحديدها والتعبير عنها بالكلمات. وعلى الأرجح، لم يكن يدرك أن خصمه شيءٌ على هذا القدر من العبثية وبلا هيئةٍ محددةٍ مثل «القدر».
ولكن، بلا أدنى شك، فإن العدو الذي تقبّل آبل الهزيمة أمامه دون وعيٍ منه كان هو القدر.
وفي الوقت نفسه، أثبت تشيشا ذلك الأمر بعينه حين ضحّى بحياته ليُبقي آبل حيًا.
سوبارو: [القدر يمكن محاربته. ――ليس هناك أي سببٍ للاستسلام، ولا حتى سببٌ واحد.]
فينسنت: [――――]
شهق آبل شهقةً خفيفة، ثم التزم الصمت، وكأن الكلمات التي سمعها قد أصابت صميم قلبه.
فلو لم يكن يظن أن عدوه هو «القدر»، لما فكر على الأرجح في محاربته، أو حتى مقاومته. بل ربما لم يخطر له أن يضع هذا الاحتمال في حسبانه أصلًا.
لكن ماذا لو عرف على وجه التحديد ماهية ذلك «العدو»؟ ماذا سيفعل حينها ذلك الإمبراطور الذي عُدّ أحكم أباطرة فولاكيا منذ تأسيسها؟
لو أنه، وهو أحكم إمبراطورٍ منذ تأسيس إمبراطورية فولاكيا، عرف الهوية الحقيقية لـ «عدوه»، فماذا عساه أن يفعل حينها؟
سوبارو: [――يا آبل، أنا لستُ راصد نجوم.]
فينسنت: [――――]
سوبارو: [ولكن――]
وبجوار آبل الصامت، تحدث سوبارو وهو جالس متربعًا، واضعًا يديه على ركبتيه.
وُوجه بالسؤال فأنكر، ثم وُوجه به مجددًا. أنكر، فسُئل مرةً أخرى، وعاد إلى الإنكار.
ورغم أن شرح مسألة سلطته الخاصة، مسألة «العودة بالموت»، أو تأكيدها، كان أمرًا لا يستطيع فعله، إلا أن سوبارو قد عقد العزم في قلبه أيضًا على أمرٍ ما، خلال هذا الحوار.
ذلك الجواب الذي كان يمكن أن يوجّهه إلى تود فانغ، الذي ظل يفحمه بالكلام، دون أن يتمكن سوبارو من الرد عليه ردًا حاسمًا قبل افتراقهما.
سوبارو: [سأنقذ أكبر عدد ممكن من الناس، ما داموا في حدود ما أستطيع الوصول إليه. ومع ذلك، إن ظلت هناك حقًا أرواحٌ لا أقدر على إنقاذها، فذلك…]
فينسنت: […أليست تلك هزيمةً أمام القدر؟]
سوبارو: [――. لا يمكنني تحقيق انتصار شامل. ففي نهاية المطاف، لست وحدي من يحارب القدر.]
لم يكن قادرًا على إنقاذ كل شيء.
ولذلك، لم يستطع سوبارو أن يعد بإنقاذ الجميع من الآن فصاعدًا أيضًا.
وبينما يزأر متوعدًا ذلك القدر الحتمي ومتحديًا إياه، وبينما يقسم على مواصلة القتال ضد القدر، ومع ذلك، حين يفقد الناس حياتهم رغم مقاومته، سيحزن ناتسوكي سوبارو وينتحب، ليعود بعد ذلك ويواصل إعلان مثل هذه الكلمات.
وهكذا، كي تقلّ المرات التي يتحسر فيها، والمرات التي يبكي فيها――.
سوبارو: [ساعدني بقوتك يا آبل، وسأساعدك بقوتي أنا أيضًا.]
فينسنت: [――――]
سوبارو: [لكنني لا أستطيع أن أقرر هذا من تلقاء نفسي دون التشاور مع إميليا والآخرين؛ غير أن هذا هو عزمي على أي حال. ولهذا…]
قال ذلك، ثم ضرب ركبتيه بكفيه ونهض واقفًا.
ثم،ثم تقدّم ببطء داخل الغرفة نحو جانب السرير، دون أن ينظر إلى وجه آبل. ومع إلقاء نظرةٍ خاطفة بطرف عينه على الملاءات المبعثرة والملطخة بالدماء، مدّ سوبارو يده إلى سلة الفواكه.
في داخلها، كانت ثمرة الرينغا التي تركها آبل بعد أن شطرها إلى نصفين. وكان سطحها الأبيض المقطوع قد بدأ يتحول إلى البني بعدما تعرض للهواء، لكنه لم يكترث بذلك، وأمسك بالنصفين.
ثم――،
سوبارو: [ساعدني في إكمال أكل ثمرة الرينغا التي شطرتها إلى نصفين.]
راميًا بنصف ثمرة الرينغا نحو آبل، غرز أسنانه في النصف الذي أبقاه في يده.
ومع صوت القضم المُرضي، انتشر عصير الفاكهة الحلو في فمه تدريجيًا، ونظر سوبارو في وجه آبل، الذي كان لا يزال جالسًا على الأرض.
وبعد أن التقط ثمرة الرينغا التي رُميت إليه، نظر آبل إلى الثمرة التي تلقّاها، وبعد لحظة من التردد، قضم منها.
ومع صوتٍ مستساغٍ مماثل، لا بد أن المذاق الحلو والحامض قد ملأ فمه هو الآخر.
فالمحبة والكراهية، والودّ والنفور، لا علاقة لأيٍّ منها بمذاق الثمرة.
كانا، في النهاية، كائنين حيين يتقاسمان ثمرة واحدة، ولم يكن لمذاقها أن يختلف بينهما.
فينسنت: [ناتسوكي سوبارو.]
سوبارو: [ما الأمر؟]
فينسنت: [أنا لا أكنّ لك الود.]
سوبارو: [غـه.]
فينسنت: [――لكنني، أحتاج إلى قوتك.]
قال ذلك، ثم نهض آبل ببطء. ممسكًا بثمرة الرينغا التي أكل نصفها، وجّه آبل عينيه السوداوين نحو سوبارو.
أخفى مجددًا كل المشاعر غير المعهودة التي أظهرها داخل الغرفة وراء هويته الإمبراطورية؛ ومع ذلك، ظلّ شيء من تلك المشاعر يتسرّب إلى عينيه ونبرة صوته.
فينسنت: [أعتذر عن كل ما بدر مني من إساءة، يا فارس المملكة.]
بذلك، وحين رأى إمبراطور إمبراطورية فولاكيا المقدسة يحني رأسه، ابتسم سوبارو.
مبتسمًا، وبينما يقضم ما تبقى من ثمرة الرينغا،
سوبارو: [لن أعتذر عن قلة احترامي، يا إمبراطور الإمبراطورية.]
وهكذا، خطوا أول خطوة نحو تصحيح العلاقة التي ظلت تسير على نحو خاطئ منذ بدايتها.

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
ترجمة وتدقيق: AurenZzZ
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
【1】: في الأصل الياباني جزيرة غينونهايف ترجمتها بالعربية هي “جزيرة العبيد المصارعين” او “جزيرة عبيد السيوف المعزولة” «(剣奴孤島ギヌンハイブ – Kendo Kotō Ginunhaibu)» ولكن بالترجمة الانجليزية تم تحريفها إلى “جزيرة المصارعين – Galdiator Island” فقط بدون “عبيد” وراح يتم تعديلها لاحقًا في جميع الفصول السابقة.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
🎭 – يدور الفصل حول المواجهة الحادة بين ناتسوكي سوبارو وفينسنت أبيلوكس، بعدما بلغ الخلاف بينهما حدًّا لم يعد فيه الكلام الهادئ كافيًا لإخفاء ما يعتمل في داخلهما.
يرفض سوبارو تقبّل نظرة آبل إلى الأمور، ولا سيما الطريقة التي يضع بها الواجب والحسابات الاستراتيجية فوق كل اعتبار. فبالنسبة إلى سوبارو، مساعدة الآخرين ليست خطأً لمجرد أنها لا تخدم خطة كبرى، ولا ينبغي أن يصبح التخلي عن الناس أمرًا مقبولًا بحجة استحالة إنقاذ الجميع. وحين يعجز عن إيصال فكرته بالكلام، ينفجر غضبًا ويواجه آبل بعنف، مصرًّا على الدفاع عن طريقته في الحياة.
لكن خلف قسوة آبل وبروده الإمبراطوري تكمن حقيقة مؤلمة؛ فقد كان مستعدًا لتقبّل موته، لكنه لم يكن مستعدًا لفقدان تشيشا. تكشف هذه الخسارة جانبًا من شخصيته ظل يخفيه خلف واجباته ومكانته، وتوضح أن قدرته على تقبّل الموت لا تعني قدرته على تحمّل فقدان من يعنيه أمرهم.
وفي المقابل، لا يقدّم سوبارو نفسه بوصفه شخصًا قادرًا على إنقاذ الجميع، ولا يدّعي امتلاك إجابات لكل شيء. إنه يدرك أن بعض الأرواح ستُفقد مهما حاول، وأنه لا يستطيع تغيير كل مصير، لكنه يرفض اتخاذ ذلك ذريعةً للتوقف عن المحاولة. سيواصل إنقاذ من يستطيع الوصول إليهم، حتى لو عجز عن حماية الآخرين.
ومن خلال حديثه عن تشيشا، يحاول سوبارو إقناع آبل بأن ما حدث لم يكن مجرد خسارة أو نتيجة حتمية لا يمكن الاعتراض عليها. فقد أراد تشيشا، وفق فهم سوبارو، أن يثبت أن الإنسان يستطيع مقاومة القدر، وأن آبل لم يكن مضطرًا إلى الاستسلام لما كُتب له دون محاولة تغييره.
ومع استمرار المواجهة، يبدأ الخلاف بين الرجلين في كشف اختلاف أعمق في نظرتهما إلى العالم: آبل ينظر إلى الأمور من موقع الإمبراطور الذي يتحمل مسؤولية الدولة ونتائج القرارات، بينما يتمسك سوبارو بضرورة إنقاذ الفرد الذي يقف أمامه، حتى عندما تتعارض هذه الرغبة مع الحسابات الأكبر. لا ينجح أحدهما في إلغاء موقف الآخر، لكن المواجهة تجبرهما على رؤية ما وراء مواقفهما الظاهرة.
وفي نهاية الفصل، يهدأ التوتر بينهما تدريجيًا، ويصلان إلى لحظة بسيطة لكنها ذات دلالة؛ إذ يتقاسمان ثمرة آبا. لا يعني ذلك أن الخلاف انتهى أو أن الرجلين أصبحا صديقين، بل يشير إلى بداية تفاهم بينهما بعد مواجهة كشفت شيئًا من حقيقة كل واحد منهما.
يعترف آبل بأنه لا يستلطف سوبارو، لكنه يحتاج إلى قوته، ويعتذر عن وقاحته. أما سوبارو، فلا يتراجع عن تصرفاته ولا يقدّم اعتذارًا مماثلًا عن قلة احترامه.
وهكذا ينتهي الفصل دون مصالحة كاملة، وإنما بتغيّر محدود في العلاقة بينهما: لم يعد كلٌّ منهما يرى الآخر مجرد عقبة، بل بدأ يفهم الدافع الذي يجعله يتمسك بطريقته، حتى وإن ظلّ الاختلاف بينهما قائمًا.