الفصل 488 - إخرس بحق الجحيم
الفصل الحادي عشر
«إخرس بحق
الجحيم»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
؟؟؟: [――أذاهبٌ لرؤيته، يا آبل-سان؟]
توقف فينسنت عند سماعه النداء من جانبه، ثم استدار.
رُبطت عربات الركاب بعضها ببعض لتشكّل عربة تنين طويلة واحدة 【1】، مما أتاح تطبيق «الحماية السَامية الواقية من الرياح» الخاصة بتنانين الأرض المتعددة على العربة بأكملها―― فأغمض فينسنت إحدى عينيه حين رأى فتاة مألوفة ذات شعر أزرق تقف عند نقطة الوصل التي عبرها للتو.
وبالتفكير في الأمر، أدرك أنه مضى وقت طويل منذ آخر مرة تبادل فيها الحديث معها على هذا النحو.
فينسنت: [هل حقق الضيوف غير المدعوين من المملكة غايتهم؟]
الفتاة ذات الشعر الأزرق: [غايتهم ليست أنا، بل…]
فينسنت: [كُفّي. لا تضيّعي وقتي بترهات لا تصدّقينها حتى أنتِ. فالوقت ثمين، لا سيما في ظل الظروف الراهنة. وأنتِ تدركين ذلك.]
الفتاة ذات الشعر الأزرق: [――――]
أمام نبرة فينسنت الحادة، أطرقت الفتاة وخفضت عينيها.
لكنها سرعان ما رفعت رأسها مجددًا، مستوعبةً مقصد فينسنت بشأن ضيق الوقت.
الفتاة ذات الشعر الأزرق: [أذاهبٌ لرؤيته، يا آبل-سان؟]
ثم أعادت طرح السؤال نفسه.
فينسنت: [لستُ آبل. أنا فينسنت فولاكيا.]
أجاب فينسنت دون أن تتغير ملامحه.
لم يكن آبل سوى اسم مستعار استخدمه لملاءمة ظروف هروبه، لا أكثر. وقد اقتبسه من «آبيلوكس»، اسم عائلته قبل اعتلائه العرش، ولم تكن لديه أي مشاعر خاصة تجاه ذلك الاسم.
لكن انزعاجه من أن يناديه أحد به كان أشد الآن.
فينسنت: [――ورد تقرير يفيد بأن ذلك الشخص قد استيقظ. وعليّ مواجهته.]
دفع فينسنت انزعاجه جانبًا وأجاب عن سؤال الفتاة.
مهما كانت أفكارها، فلن تغيّر قراره. بل إنه لم يظن من الأساس أنها تمتلك مثل هذه الأفكار أو النوايا.
ستظل تحت حماية الآخرين، تنقاد لما يفرضه عليها محيطها، وتعاني، ثم تصل بعد وقت طويل إلى النتيجة البديهية.
فهي، شأنها شأن كثيرين، ليست سوى إنسانة عادية.
لذلك، أراد فينسنت إنهاء الحديث سريعًا.
لكن――
الفتاة ذات الشعر الأزرق: [إنه ليس عدوك، يا آبل-سان.]
فينسنت: [――ماذا؟]
ردّت الفتاة التي ظنّ أنها ستظل صامتة مطرقة الرأس، وكان مضمون ردها مخالفًا لتوقعاته، فعقد فينسنت حاجبيه.
حدّقت الفتاة فيه، وفي عينيها الزرقاوين الشاحبتين عزيمة واضحة.
كان فيهما بريق لم يكن موجودًا حين افترقا؛ بريق يخترق نظراته، مترددًا لكنه جريء، كأنه يحاول إخافته.
فينسنت: [――أنا فينسنت فولاكيا. لن أكرر ذلك للمرة الثالثة.]
الفتاة ذات الشعر الأزرق: [أنا آسفة. لكنني لا أملك ذكرياتي، لذا لا أعرف الكثير عن جلالة الإمبراطور فينسنت. ولهذا، ليس لدي ما أقوله لجلالته.]
فينسنت: [――――]
الفتاة ذات الشعر الأزرق: [إنه ليس عدوك، يا آبل-سان.]
كررت الفتاة كلامها للتأكيد، دون أن تحيد بنظرها عنه ولو مرة واحدة.
كان فينسنت يعرف الكثير عنها بفضل القدرات التي تمتلكها: فهي بمثابة اللجام الذي يمكن به السيطرة على ناتسوكي سوبارو، كما أنها مستخدمة قيّمة لسحر الشفاء.
لو كانت تدرك مكانتها واتخذت هذا الموقف الواثق أمام فينسنت، لاضطر إلى الاعتراف بامتلاكها قدرًا كبيرًا من الجرأة. لكن ذلك لم يبدُ أنه ما يحدث. 【2】
وهكذا――
فينسنت: [ما اسمكِ؟ ماذا قلتِ إنه؟]
الفتاة ذات الشعر الأزرق: [――ريم. على الأقل، أستطيع الآن الإجابة عن هذا السؤال بيقين.]
فينسنت: [أفتاة بلا ذكريات تصرّح بشيء كهذا؟]
ريم: [أمر غريب، أليس كذلك؟ حتى إن لم يتذكر قلبي وعقلي شيئًا، فهناك أمور يمكن للمرء أن يتعلمها من محيطه. وأنا أعلم أنني ريم، بفضل شخص ظل يذكّرني بذلك طوال هذا الوقت.]
لم تكن ريم نفسها تعرف إن كانت نبرتها تعبّر عن الامتنان أم عن الاستياء.
لكن فينسنت أدرك أن كلامها لا ينطوي على اشمئزاز أو نفور، فقرر أنه لا داعي لمواصلة الحديث.
مستديرًا، مضى مبتعدًا. وبينما كان يفعل ذلك،
فينسنت: [ريم، لا تهدري وقتي بلا طائل مرة أخرى. إن صدر منكِ تصرف آخر ينم عن عدم الاحترام، فسأقطع رأسكِ.]
تاركًا إياها مع تلك الكلمات، أنهى محادثته مع ريم.
ومن ثم――،
فينسنت: [إلى أي مدى ستظل تتحدث بفصاحة، يا ناتسوكي سوبارو؟ ــ يا راصد النجوم في مملكة التنين.]
△▼△▼△▼△
وبينما استشعر سوبارو بحدة العدائية الموجهة نحوه، وقف وجهًا لوجهٍ مع ذلك الرجل.
حين استعاد سوبارو ما حدث، وجد أن علاقته بهذا الرجل لا يمكن وصفها إلا بأنها محيّرة.
في لقائهما الأول، كان رجلًا مقنعًا مريبًا يخيم في غابة. كان سوبارو وقتها منشغلًا تمامًا بالبحث عن ريم ولويس اللتين انفصل عنهما، فلم يستطع التعمق في أمره. لكن ذلك الرجل لم يكن مجرد شخص مريب، بل كان أمره أبعد من ذلك بكثير.
في لقائهما التالي، كانا داخل قفص في قرية الشودراك، ولم يستطع سوبارو فهم كيف أمكن لذلك الرجل أن يتصرف بكل تلك الغطرسة رغم كونه سجينًا. ولو كانت لديه وسيلة للهروب لهان الأمر، لكنه أُجبر بعد ذلك على خوض «طقوس دم الحياة»، ما يعني أنه لم يكن يملك أي خطة من الأساس.
بعد ذلك، ساعدهم على استعادة ريم، ثم افترق عن سوبارو. لكنه كان يعلم أن سوبارو ورفاقه لن يجدوا بديلًا عن العودة، ومع ذلك تعمّد إخفاء هذه الحقيقة عنهم، في تصرف ينم عن خبث واضح.
ثم تعاون بالكامل مع خطة سوبارو للاستيلاء على مدينة غوارال المحصنة، وتسلل الاثنان إلى معقل العدو معًا متنكرين في هيئة الراقصات ناتسومي شوارتز وبيانكا وفلورا.
وقد أثارت علاقته ببريسيلا الشكوك بشأن طبيعتها، كما أن يورنا نفسها أبدت اهتمامًا به في مدينة الشياطين. ثم أعلن بلا تردد أنه لا يمكن السماح للويس بالبقاء على قيد الحياة. هكذا كانت علاقتهما حين افترقا.
وحتى حينها، وبمجرد أن نجا سوبارو من جزيرة المصارع، وبمجرد أن سمع بالوضع الذي يلف الإمبراطورية عمومًا، كان على قناعةٍ تامة بأن ذلك الوضع كان من تدبير ذلك الرجل، الإمبراطور الذي أُطيح به من عرشه.
وبعد أن تخلى عن العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، تولى قيادة عملية الإجلاء والانسحاب الجماعي. وها هو، مرة أخرى، يمارس سلطته على رأس شعب الإمبراطورية، ذلك الإمبراطور الحكيم ذائع الصيت――.
سوبارو: [يا له من شرف أن يزورني فينسنت فولاكيا-سان! لقد وصلتَ في الوقت المناسب تمامًا؛ هل يمكنك أن تقشر لي حبة رينغا/آبا؟] 【3】
فينسنت: [لا تعبث معي. أولًا، لست ممن يتولّون تقشير الفاكهة. ثم أين الرينغا أصلًا؟]
سوبارو: [أين هي…؟]
عند سؤال الرجل الذي دخل غرفة النوم واقترب منه، حوّل سوبارو نظره إلى الجانب.
حتى في عالم آخر، كان إحضار الفاكهة عند زيارة المرضى والمصابين أمرًا شائعًا، بل ربما كان تقليدًا مألوفًا أكثر من اللازم في مثل هذه المواقف. ولهذا السبب، كانت هناك سلة من فاكهة الرينغا بجوار سريره.
وبطبيعة الحال، كان ينبغي للطرف الآخر في المحادثة أن يراها أيضًا.
سوبارو: [في سلة الفاكهة هناك. الحبات الحمراء، ألا تبدو شهية؟]
فينسنت: [أيها الأحمق، أتخدعني؟ الرينغا فاكهةٌ بيضاء اللون.]
سوبارو: [حسنًا، إنها بيضاء من الداخل بعد تقشيرها، لكن… انتظر، أشعر أنني أجريت هذا الحوار نفسه من قبل، منذ زمن بعيد، وكأنه مدفون في أعماق ذاكرتي.]
كانت ذكرياته عن تلك المحادثة ضبابية، لكنه شعر بأنه خاض الحوار نفسه قبل زمن طويل.
لم يتذكر تفاصيل الشخص الذي كان يتحدث إليه آنذاك، لكنه تذكر أنه كوّن الانطباع نفسه الذي راوده الآن: أن طبقة النبلاء قد بلغت حدًا بعيدًا في هذا الأمر.
على أي حال――،
سوبارو: [يبدو أن هناك أمورًا تجهلها أنت أيضًا. يا للمفاجأة.]
شعر سوبارو أن بداية حديثهما بعد طول انقطاع لم تكن سيئة، فقال:
عند كلمات سوبارو، مدّ الرجل―― آبل، يدًا نحو السلة، وشطر حبة رينغا إلى نصفين بالسكين المتروك هناك. وبطبيعة الحال، ظهر لبّها الأبيض بعد شطرها.
سوبارو: [――――]
وبعد أن رأى النتيجة التي لا تدع مجالًا للشك، وضع آبل السكين، وترك نصف الفاكهة في السلة، ثم التفت نحو سوبارو.
وظل العداء الذي لا تخطئه العين يلمع في عينيه السوداوين.
سوبارو: [أمعقول أنك غاضب لأنني أحرجتك بشأن لون الرينغا…؟ أنت من ناداني بشيءٍ غريبٍ للتو.]
فينسنت: [راصد النجوم لمملكة التنين، هكذا كان.]
سوبارو: [هذا هو بالضبط.]
وإذ تناهى إلى مسامعه مجددًا اللقب الذي نُودي به، عقد سوبارو حاجبيه، إذ لم يفهم ما الذي يقصده فينسنت.
إن لم تخنه ذاكرته، فقد سمع أن هذا اللقب يُطلق على العرّافين الملازمين للإمبراطور في الإمبراطورية.
كانوا كيانًا يتحدث عن المستقبل، على غرار «حجر تاريخ التنين» 【4】، لوح النبوءات في مملكة لوغونيكا.
سوبارو: [لا، أظن أنك وصفتها بطريقة أسوأ من ذلك… كأنها تطفّل على المستقبل القريب.]
فينسنت: [أجل، هذا ما أراه فيها دون أدنى شك. هكذا أنظر إلى تلك الأمور.]
سوبارو: [إن كان الأمر كذلك، فقد تحدثت عني وكأنني متلصصٌ للتو، أأنت مدركٌ لذلك؟]
لو كنا في زمنٍ آخر، ألم يكن من حقه أن يقتل آبل بسبب هذه الإهانة؟ أو، بلغة العصر الحديث التي يعرفها سوبارو، لكان مستعدًا لمقاضاته بتهمة التشهير أمام محكمة مدنية.
ومع ذلك، وأمام رد سوبارو، لم يبدُ على وجه آبل أي تغير. تلك العينان السوداوان الخاصتان به، واللتان تحملان نفس لون عيني سوبارو وإن تمايزتا في عمقهما، أفهمتاه أنه لا ينوي مجاراته.
وبالطبع، لم يكن سوبارو يتعامل مع الأمر على أنه مزاح أيضًا――.
فينسنت: [إلى أي مدى أنت مطّلع على ما يجري؟]
سوبارو: [إلى أي مدى أنا مطّلع على الوضع؟ إن كنت تقصد ذلك، فلم يخبرني أحد بالكثير من التفاصيل. كانت إميليا والجميع قلقين عليّ فور استيقاظي… لكنني أعلم أننا في خضم عملية إجلاء.]
فينسنت: [――――]
سوبارو: [توقفت الحرب الأهلية مؤقتًا، والجميع يفرون من العاصمة الإمبراطورية الآن… كان يُفترض أن تعمّ الفوضى، لكن لا يبدو أن الوضع انقلب إلى اضطراب كبير.]
واصلت عربات التنين سيرها دون انقطاع، فيما أخذ المشهد الليلي خارج النافذة يتبدل ببطء، وبفضل الحماية السَامية لتفادي الرياح، لم يشعروا باهتزاز العربات ولم يسمعوا عواء الريح، فظل كل شيء هادئًا.
كان الهدوء داخل مقصورات الركاب لافتًا على نحوٍ غير مألوف، غير أن حقيقة أن عربات التنين لم توقف مسيرها ولو لمرةٍ واحدة كانت دليلًا على عدم وقوع أي مشكلة كبيرة
وكل ذلك رغم نقل أعداد هائلة من الناس، يُرجَّح أنها بلغت مئات الآلاف، كان يجري نقلهم.
سوبارو: [من المرجح أن الجنرالات السَاميين التسعة وغيرهم أدّوا دورًا في توحيد الناس، لكن ذلك وحده لم يكن ليكفي. كما توقعت، أنت فعلًا رجل ذو شأن.]
فينسنت: [――――]
سوبارو: [بصراحة، حين سمعت أنك تعرضت للخيانة على يد ذراعك اليمنى وأحد أتباعك، وأُقصيت عن العرش، ساورني شك حقيقي في ما إذا كان من الصواب إعادتك إلى العرش، لكن اتضح أن ذلك كان القرار الصحيح.]
القيادة والكاريزما؛ هاتان من الصفات التي يتحلّى بها من يقفون في مواقع السلطة فوق سواهم.
لم تكن هذه الصفات مجرد نتاج قدرةٍ استثنائية، وربما أمكن اكتسابها بالكدّ والتضحيات، لكن بعض الناس يولدون وهم يمتلكونها.
ومن أمثلة ذلك أفراد العائلات الملكية في مختلف البلدان، ورؤساء العديد من المنظمات.
وبهذا المعنى، أثبت آبل أنه يمتلك —حتى في أوقات الأزمات— المقومات التي تجعل من حوله يتبعونه وينظرون إليه بإعجاب واحترام.
سوبارو: [يغيظني أنني كنت أميل إلى تصديق ذلك بدلًا من البقاء مترددًا بشأنه. لكنني كنت محقًا؛ أنت الإمبراطور فعلًا…]
فينسنت: [――أهذا أيضًا جزء مما خططت له؟]
سوبارو: [هاه؟]
كان صوته هادئًا، لكن المشاعر كانت واضحة فيه بلا شك. ولأن كلامه بدا مفاجئًا إلى حد بعيد، رفض عقل سوبارو استيعابه.
ونتيجة لذلك، لم يتمكن سوبارو من تفادي يد فينسنت الممدودة نحوه، فضغط فينسنت على جبهته وأسقطه على السرير. وقبل أن يتسنى له إبداء اعتراضٍ عما يجري ماذا بحقك، أحس بشيء حاد يلامس حلقه.
وأدرك فورًا أنه طرف سكين التقشير الذي قُسمت به حبة الرينغا قبل قليل.
أدرك ذلك، لكنه لم يفهم الغرض منه. لم يستوعب لماذا يمسك آبل السكين ويوجهها نحوه، مشهرًا عداءه في وجهه―― بل كراهيته، الكراهية التي كان صوته يفيض بها.
سوبارو: [――――]
وعلى مسافة لا تفصل بينهما سوى الأنفاس، حدّق سوبارو وآبل أحدهما في الآخر بحدة.
لو أن سوبارو رفع صوته بتهور طالبًا النجدة في تلك اللحظة، لما تردد آبل لحظةً في حزّ حنجرة سوبارو بالسكين.
لكن امتناع آبل عن فعل ذلك فورًا لم يكن إلا لوجود سبب يمنعه.
سوبارو: [ماذا تريد… هـك!]
فينسنت: [بل أنت من ينبغي أن يُسأل عما يدور في ذهنه. ما الذي تخطط له؟ إلى أي مدى كنت تعرف ما ستؤول إليه هذه الأحداث؟ أكان كل ما حدث حتى الآن وفقًا للمخطط الذي رسمته؟]
سوبارو: [أخبرتك بالفعل…! أخبرتك أنني لا أعلم عما تتحدث. وما الذي أخطط له…؟]
فينسنت: [――لماذا أبقيتني أنا بدلًا من تشيشا؟]
كانت نبرة صوته أشد نفاذًا وإيلامًا من النصل المستقر عند حلق سوبارو وأسكتته، فيما راحت يد آبل ترتجف وهي تقبض على السكين.
كانت تلك الكلمات التي أطلقها آبل وهو يطبق أسنانه ويحدق في سوبارو من مسافة قريبة.
لم يستطع سوبارو أن يفهم على الفور ما الذي قصده آبل بكلامه.
سوبارو: [آبل…]
فينسنت: [فينسنت فولاكيا.]
سوبارو: [――――]
فينسنت: [أنا لستُ آبل. لستُ سوى الإمبراطور السابع والسبعين لإمبراطورية فولاكيا، فينسنت فولاكيا. ――هذا، هو المسار الذي تمنيته، أليس كذلك؟]
قال ذلك وكأنه ينتزع الكلمات من أعماقه انتزاعًا، ثم أعلن آبل―― بل فينسنت، اسمه بامتعاض واضح.
لم يفهم سوبارو مغزى تصرفه؛ فقد بدا فينسنت وكأنه يمقت اضطراره إلى التعريف بنفسه بهذه الهوية، فعقد حاجبيه. وهذا طبيعي، بالطبع.
سوبارو: [أنت… خضت الحرب لتستعيد ذلك الاسم، وذلك التاج، أليس كذلك…؟! ]
فينسنت: [غير صحيح. كنتُ أسعى جاهدًا لأداء واجبي كإمبراطور. العهد مع شعب الشودراك، وسقوط المدينة المحصنة، والمفاوضات مع يورنا ميشيغوري، وإشعال الحرب الأهلية، كلها كانت لتلك الغاية.]
سوبارو: [واجبك، كإمبراطور…؟]
فينسنت: [سيسقط فينسنت فولاكيا وهو على العرش. ومنذ ذلك الحين، ستبدأ «الكارثة العظمى» التي تسعى إلى تدمير الإمبراطورية. وواجبي أن أترك وراءي الوسائل اللازمة لمقاومتها.]
سوبارو: [هاه…]
وحين كشف فينسنت لسوبارو للمرة الأولى عن تفاصيل خطته، أطلق سوبارو نفسًا أجشّ.
ذلك التعبير، «الكارثة العظمى»، كان غريبًا على مسامع سوبارو، لكن ما أدهش سوبارو أكثر من ذلك بكثير كانت الطريقة بعينها التي سرد بها فينسنت كل ذلك.
بحسب ما قاله، ستبدأ «الكارثة العظمى» فور موت فينسنت فولاكيا.
وقال أيضًا إنه سيترك وراءه الوسائل اللازمة لمقاومتها.
لم يتحدث عن البحث عن تلك الوسائل، بل عن تركها خلفه.
ومن طريقة حديثه، بدا وكأنه――.
سوبارو: [طريقة حديثك… تبدو وكأنك كنت تعلم أنك ستموت…]
وهو يستشعر بوضوح طرف الموت البارد المسلط على عنقه، تمتم سوبارو.
وأمام سوبارو الذي يواجه الموت عن كثب، أخذت عينا فينسنت السوداوان تضطربان على نحو غامض. وما زال العداء الذي لا يُخطئه البصر يبلل عيني فينسنت السوداوين.
لقد كان استسلامًا تزيّنه إرادة المقاومة.
فينسنت: [أجل. جعلتُ موتي جزءًا من خطتي، وتركتُ تدابير تضمن ألا تنهار إمبراطورية فولاكيا، حتى لو هلكتُ.]
وهكذا، أقرّ فينسنت نفسه بصحة حدسه. وفي اللحظة التالية مباشرةً، اصطبغ عقل سوبارو بالحمرة، وانفجرت مشاعره.
سوبارو: [أيها الوغد، كُفّ عن هذا العبث اللعين!]
كاشفًا عن أسنانه، وعيناه تتقدان غضبًا، حدّق سوبارو بغضب في فينسنت――كلا، في ذلك الجبان الماثل أمامه، وصاح في وجهه. ومض ألمٌ حادٌ عند عنقه، لكن هذا آخر ما يشغل بسامي الآن؛ فبوسعه تأجيله إلى وقت أبعد بكثير.
هنا والآن، لم يكن أمام سوبارو ما هو أهم من أن يبرح ذلك الجبان الذي يتظاهر بأنه على حق ضربًا.
سوبارو: [بعد التلاعب بكل هؤلاء الناس، وبعد جعلهم يعبرون كل تلك الجسور المحفوفة بالمخاطر، وبعد إرغامهم على اتخاذ كل تلك المنعطفات غير الضرورية معك، خططتَ لأن تموت في نهاية كل شيء؟ أيها الوغد، لا تعبث معي!]
فينسنت: [وكأنني شخصٌ قد يقدم على العبث. كل ما ذكرته كان مسارًا لا بد من سلوكه، لأنه كان ضروريًا. وحتى لو كانت نهايته موتي، فلا يمكن مقارنة ذلك بأهمية بقاء الإمبراطورية، التي يتوقف مصيرها على المحك.]
سوبارو: [ليس هذا ما أعنيه! ما أقوله هو، لماذا يكون أول ما تفعله هو التخلي عن حياتك؟ كارثة ضخمة؟ لا أعلم عنها أي شيء! ألم يكن من الأفضل أن تظل حيًا وتواجهها بنفسك فحسب!؟]
فينسنت: [لا تتفوه بالترهات وأنت لا تفهم شيئًا! فطالما أنني على قيد الحياة، فلن تحل الكارثة العظمى. تلك هي ركيزة هذه الخطة الأساسية، ولا يمكن نقضها――]
سوبارو: [من ماذا بحقك قرر أنه لا يمكن نقضها؟ أنت تملك عقلًا فطنًا ورأسًا مدبرًا، لذا سواءً أكانت الكارثة العظمى أم أي شيءٍ آخر، كان بإمكانك خداعها واستدراجها للخروج، ومن ثم…]
فينسنت: [――ومع ذلك، كنتم أنتم، يا راصدي النجوم، من أعلنتم أنه لا يمكن نقضها أبدًا!]
كان فينسنت، كابحًا مشاعره، يرد على سوبارو المسترسل في ثرثرةٍ مفعمة بالعواطف بلا توقف. لكن مشاعر الأول بلغت حدها عند هذه النقطة، وانفجرت الآن أمام عيني سوبارو.
إلى أي حدٍ كان ذلك الانفجار العنيف خارجًا عن حُسبان فينسنت نفسه؟ لقد بلغ اندفاع مشاعره حدًا جعل من المستحيل معرفة أين كان نصل السكين سينغرس، لولا أنه أمسكه بيده الأخرى بينما كان يوجهه إلى سوبارو. سينغرس؛ إلى هذه الدرجة بلغ طوفان مشاعره الجارف.
أخذ الدم يتساقط من يد فينسنت اليسرى التي قبضت على طرف النصل، ملطخًا الملاءات البيضاء هنا وهناك.
ومع ذلك، لم يعر سوبارو ولا فينسنت بالًا لقطرات الدم المتساقطة، بل إلى عيني كلٍّ منهما، وإلى وجود الآخر ذاته وراءهما.
مرةً أخرى، وصف فينسنت سوبارو براصد النجوم
ذلك تحديدًا هو السبب الواضح وراء كراهية فينسنت فولاكيا لناتسوكي سوبارو وإضماره العداء له، حتى إنه وجّه إليه سكينًا.
ولأن سوبارو أدرك ذلك تحديدًا، لم يستطع تبديد شكوكه.
سوبارو: [راصدو النجوم… أعلنوا…]
فينسنت: [――. راصدو النجوم الذين يسمعون أصوات المراقبين القادمين من السماوات العليا، الموجودين خارج الإطار. يتحدثون عن أحداثٍ قد تقع في المستقبل البعيد، مانحين إيانا إمكانية تقليص حجم الضرر. ومع ذلك، فالمسألة تقتصر فقط على حجم ذلك الضرر. وليست متعلقةً بكيفية منع وقوعه مسبقًا.]
وبصوتٍ ممتعض، مع محاولته كبت أي انفعالٍ قدر الإمكان، شرع فينسنت في الحديث.
وجد سوبارو في ما قاله ما يذكّره بأمرٍ سبق أن اختبره بنفسه. إن كان راصدو النجوم قادرين حقًا على التنبؤ بالمستقبل، فاستنادًا إلى تجربته، فإن تغييره بالفعل لن يكون بالمهمة اليسيرة.
وسواءً أكان ينبغي تسمية ذلك بسطوة القدر أم بالمسار الطبيعي للزمن، فإنه سيتشبث بمسارٍ محددٍ سلفًا قدر المستطاع؛ ومحاولة تفادي المآسي الوشيكة تُرغم من يتصدى لها على الركوع.
وكانت نبوءات راصدي النجوم شبيهةً بما استخلصه سوبارو من تجاربه السابقة.
فعلى سبيل المثال، حين يعود سوبارو بالموت إثر كارثة طبيعية، حتى لو تمكن من حث الجميع على الاحتماء استعدادًا لها، فلن يتمكن من إيقاف الكارثة الطبيعية نفسها.
ولن يعرف ما إذا كان ذلك سيحول دون تدمير المنازل والمباني، أو حتى يمنع سقوط جميع الضحايا، إلا إذا جرّب ذلك بنفسه؛ ومع ذلك، لم يكن يشك في أن الأمر سيكون بالغ الصعوبة.
فينسنت: [لقد تنبأ راصدو النجوم مرارًا، وبصورة صحيحة، بالأخطار التي ستحدق بالإمبراطورية قبل وقوعها، وقد جرى التعامل مع تلك الأخطار بأقصى ما أمكن، لكن تعذّر إنقاذ بعض المتضررين. ولهذا، كانت الخطط ضرورية.]
سوبارو: [خطط…]
فينسنت: [خططٌ تهدف إلى تقليص الأضرار إلى أدنى حد، والحد من الخسائر قدر الإمكان حتى تقترب من الصفر.]
――كوارث تنتظر الناس في المستقبل، وما يمكن فعله كي يتمكن أكبر عدد ممكن منهم من التغلب عليها. وما يمكن فعله كيلا يُترك مزيدٌ من الناس خلفهم.
إن كان فينسنت فولاكيا قد ظل يبذل جهده بلا كلل لتحقيق ذلك.
فينسنت: [أنتم يا راصدي النجوم من همستم لي بأنني سأموت. فكيف تجرؤون على القول إن عليّ أن أغيّر مصير موتي، وأنتم من أخبرتموني به؟ أتتلاعب بي… بي أنا!؟] 【5】
سوبارو: [مـ-مهلًا، انتظر قليلًا! أنا أقول لك منذ قليل إنني لست راصد نجوم أو أي شيء من هذا الـ…]
فينسنت: [――أنت ترى ما لم يقع بعد. كفّ عن خداعي، يا ناتسوكي سوبارو.]
تلك الكلمات جعلت يشعر وكأن قلبه قد توقف.
وبينما كان يبوح بما في أعماق قلبه، سقط قناع الإمبراطور، وما تبدى على الجانب الآخر لم يكن وجه فينسنت فولاكيا، بل وجه رجلٍ مليء بالعيوب، كان يقدّم نفسه باسم آبل.
وأخيرًا، حين نظر الرجل إليه مباشرةً وأخبره بذلك، أدرك سوبارو الحقيقة.
سوبارو: [――آه.]
فينسنت―― بل آبل، كان قد نعته براصد النجوم، وقد فهم سوبارو سبب ذلك.
لقد استشفّ آبل حقيقة «العودة بالموت» لدى سوبارو.
وبعبارة أدق، لم يكن قد كشف سرّ «العودة بالموت» نفسها، بل استشفّ حقيقة أن سوبارو يعود بالزمن إلى الوراء كلما فقد حياته، ويجلب معه معلومات من المستقبل؛ أي إنه يمتلك وسيلةً لمعرفة ما سيحدث لاحقًا.
وهكذا، خلص إلى أن قدرة سوبارو مماثلةٌ لما يعرفه من نبوءات راصدي النجوم.
سوبارو: [――――]
وإذا أمعن التفكير في الأمر، فسيجد أن وقوع مثل هذا الالتباس أمر طبيعي.
فهذا طبيعي، أليس كذلك؟ فسوبارو نفسه وجد، في حديث آبل عن راصدي النجوم، أوجه تشابه مع حالته هو، بوصفه شخصًا يعود بالموت.
وبعد أن عرف بوجود راصدي النجوم، لم يكن غريبًا أن يرى آبل صلةً بين الأمرين حين حقق سوبارو نتائج تتجاوز ما تسمح به قدراته المعروفة؛ بل أن يرى بينهما تطابقًا تامًا.
كانت بصيرة آبل نافذة. فحدسه يمكّنه من تمحيص الأمور بدقة.
وبفضل تلك البصيرة، أدرك آبل سريعًا أن سوبارو لم ينجُ من كل ما واجهه في الإمبراطورية بفضل مهاراته غير الناضجة ومجرد حظه الاستثنائي.
لهذا السبب، لهذا السبب…
سوبارو: [لهذا السبب… لهذا السبب إذن، كنت تحاول دائمًا الإنصات إلى نصيحتي؟]
لو فسّر آبل اقتراح سوبارو على أنه نتيجة لاختياره الخطوة المثلى بناءً على رؤيته للمستقبل، لما استطاع رفضه رفضًا قاطعًا، مهما بدا اقتراحه أحمق في نظر الآخرين.
فمنعه إحراق قرية الشودراك، وتنكره بملابس النساء من أجل الاستيلاء على المدينة المحصنة، ورحلته إلى مدينة الشياطين كايوسفليم، ومفاوضاته مع يورنا، كلها أمثلة على ذلك.
كان آبل يتحرى دائمًا إمكانية تطبيق مقترحات سوبارو على أرض الواقع، ويمحصها بجديةٍ تامة.
وبهذه الطريقة، حاول آبل جرّ سوبارو، الذي ظنه راصد نجوم، إلى معمعة الصراع من أجل بقاء الإمبراطورية، مستغلًا إياه كبيدقٍ على رقعة الشطرنج. ――ليجعل من سوبارو إحدى الوسائل الأخرى لمقاومة الكارثة بعد موته.
ورغم هذا كله――،
فينسنت: […لماذا أبقيتني أنا بدلًا من تشيشا؟]
سوبارو: [――――]
فينسنت: [ناتسوكي سوبارو، أنت إنسان عادي لا أكثر.]
في هيئةٍ مختلفةٍ عما كانت عليه قبل قليل، كانت نبرة ذلك الصوت مجردةً من أي مشاعر.
لم تكن هناك أي محاولةٍ لكبت الانفعالات. فلو كانت ثمة محاولةٌ كهذه بالفعل، لتسربت تلك المشاعر الحقيقية رغم ذلك، وأمكن سماعها في سعيها للخروج إلى العلن.
ومع ذلك، لم يُسمع شيء. لم تكن تُكبت، بل كانت تلك المشاعر قد ماتت.
وبنبرة الصوت تلك التي خبت فيها المشاعر تمامًا، أطلق آبل كلماتٍ باهتةً فاقدةً لأي لونٍ تجاه سوبارو.
فينسنت: [إنسانٌ ساذج، غِرٌّ، غير ناضج، متشبثٌ بالكثير من المرارة. لا تتميز بفضيلة تُذكر، ولا بشرٍّ يُذكر. ولأنك لا تتميز بأيٍّ من هاتين الصفتين، لما أنجزت شيئًا، ولمتَّ رجلًا عاديًا.]
هذا التوصيف لشخصية سوبارو، والذي نُطق به كحقيقةٍ بديهية، لم يترك أي مجالٍ للرد على الإطلاق.
وفقًا لحكم آبل السديد، لم يكن سوبارو قادرًا على أن يصبح شخصًا مميزًا. حتى وهو غارق في عدم نضج جسده وعقله، وقد عادت روحه إلى الأيام التي كان يظن فيها نفسه طفلًا عبقريًا، ظل يعرف ما سيؤول إليه في المستقبل: إنسانًا لم يكتمل نضجه.
ولكن――،
فينسنت: [لقد مُنحت فرصة تتجاوز بها حدود الإنسان العادي. وباستغلالك الأمثل لها، نجوتَ حتى يومنا هذا. لم تكن إنسانًا عاديًا، ولم تكن شخصًا تقليديًا، ولم تمل بقوة إلى الخير أو الشر.]
سوبارو: [آبل…]
فينسنت: [أنت… إنسانٌ عاديٌ مبتذل… إن كان الأمر كذلك، فلماذا.]
أطبق آبل على أسنانه، وحدّق في سوبارو بحدة.
تخلّى آبل عن كل ما كان يتحصّن به من نبالة ورزانة ورباطة جأش وثقة بالنفس، كاشفًا عن وجهه الحقيقي خلف قناع الإمبراطور الذي سقط، فيما أخذ صوته يرتجف.
وبالصوت المرتجف ذاته الذي ظل يرتعش، صاح.
فينسنت: [لماذا، لماذا أبقيتني أنا، يا ناتسوكي سوبارو؟!]
سوبارو: [――――]
فينسنت: [لا تربطك بهذه الإمبراطورية أي صلة ولا أي إلتزامات. كان بوسعك أن تكتفي بحماية الأشخاص الكثيرين الذين تعرفت إليهم حتى اليوم، ولا تفعل شيئًا أكثر من ذلك. لماذا أنقذتني؟ ولماذا فكرت أصلًا في إنقاذ رجل لا ينسجم معك…؟!]
سوبارو: [――――]
فينسنت: [لماذا… هـڪ!]
ومن فرط انفعاله، كشف صوته المبحوح عن مدى إلحاح السؤال في نفسه: لماذا؟
اشتدت قبضته على نصل السكين، فغاص أكثر في يده، وازداد تدفق الدم حتى بات المشهد مؤلمًا للنظر حتى إن سوبارو حاول فورًا إبعاد يد آبل عن نصل السكين وإيقاف النزيف.
ومع ذلك――،
فينسنت: [لا تلمسني!]
سوبارو: [آغ!]
لكن آبل ضرب يد سوبارو المبسوطة وأبعدها بعنف، فشعر سوبارو فورًا بألم في يده وتكشّر وجهه.
وحين نظر إلى يده، رأى أن السكين الذي يحمله آبل، الذي بدا مختلفًا تمامًا عما اعتاده سوبارو، قد جرح يده هو الآخر، وأن الدم يتقاطر منها قطرةً تلو الأخرى.
وفي المساحة الفاصلة بين الاثنين المتواجهين، تلطخت الملاءات بمزيدٍ من دمائهما، تلك الدماء التي استمرت في التقاطر دون أي مساعٍ لإيقافها.
وهكذا، وعلى ذلك النحو، ودون أن يلقيا بالًا للدماء المتدفقة منهما، أو للملاءات والأرضية الملطخة،
فينسنت: […للتو، حين مددتَ يدك لتقديم المساعدة، فعلتَ ذلك مجددًا. وهذا أكثر ما يستعصي عليّ فهمه، وأكثر ما يتعارض مع طبيعتي، في نهجك.]
سوبارو: [――――]
فينسنت: [كثيرًا ما تترك نفسك لمشاعر اللحظة، متخليًا عن قناعاتك وأفكارك السابقة. لا تلتزم بما قررته، ويسهل عليك التراجع حتى عن القرارات التي خلصت بنفسك إلى أنه ينبغي لك اتخاذها. تعجز عن التمييز بين من ينبغي إنقاذهم ومن لا ينبغي، فتمد يدك إلى الجميع بلا تمييز.]
سوبارو: [――آه.]
وبينما كان الدم ينزف منه، شهق سوبارو وهو يواجه نظرات آبل الحادة وكلماته النافذة.
حتى ألم الجرح النازف بات بعيدًا، مع تجمد أفكار سوبارو تمامًا. لأن ما صرح به آبل للتو، كان يحمل المعنى ذاته بعينه لما كان يعذب سوبارو منذ وقتٍ قريب.
تود: [――لكنك كنتَ مستعدًا للاختيار بين إنقاذ كاتيا أو تركها، أليس كذلك؟]
سوبارو: [――――]
قبل أن يستعيد وعيه، وقبل أن يفقده أصلًا، كانت تلك هي الكلمات التي رُميت في وجهه.
أن سوبارو شخص لا يمكنه التوافق معه بأي وجه من الوجوه، وأن ناتسوكي سوبارو وحشٌ لا يمكنه فهمه أبدًا؛ هكذا صوب تود فانغ نحوه نصل كلماته، فارضًا عليهما الفراق رغمًا عن سوبارو.
هو الآخر، ورغم أنه لم يتوصل إلى ذلك الاستنتاج بشأن سوبارو بدافع «العودة بالموت» أو لكونه «راصد نجوم»، إلا أنه استطاع أيضًا أن يتبين طبيعة سوبارو غير المألوفة، وأن يصفه على هذا النحو.؛ ولعله استطاع ذلك بفضل حدة ملاحظته، التي صقلها طوال حياته بوصفه مستذئبًا.
تود: [أنت متناقض بشكل مستفز! عيناك توحيان بأنك مستعد للموت في أي لحظة، وأنك تضع حياة الآخرين على كفة ميزان وفق أهوائك، لكنك حين تواجه موقفًا كهذا تقاوم بكل ما أوتيت من قوة. هذا مخيف!]
سوبارو: [――هـڪ!]
تداخلت في ذهن سوبارو نظرة تود الباردة وصوته الخالي من الحرارة مع نظرة آبل وصوته أمامه.
نظرة آبل، وصوت آبل كانا يملكان اتقاد الغضب؛ ومع ذلك، ظل الاثنان يتداخلان في ذهنه. والسبب وراء ذلك، بلا شك، هو أن كليهما كان يحاول الافتراق عن سوبارو.
كان ذلك تمهيدًا لإقصاء ناتسوكي سوبارو من عالمهما، ونبذ ذلك الذي تتعارض طبيعته مع طبيعتهما.
تود: [عدم إدراكك لحقيقة نفسك عيبٌ كبير. أنت تفاضل بين الأرواح. من تنقذ، ومن تدع ليموت، أنت تقرر ذلك وفق هواك. تُحسن إلى من يتملقونك، ولا تلقي بالًا إلى غيرهم. أما أنا، فلن أتردد في التملق لأي أحد، ولكن…]
تود: [كيف لي أن أساير شخصًا يقرر من يحيا ومن يموت وفق أهوائه المتقلبة؟]
وهكذا، فإن تود، بحسب قوله، كان يرى أن طريقة تفكير سوبارو وسلوكه هما ما دفعاه إلى ارتكاب أفعاله الشنيعة.
وبالطبع، لم يكن سوبارو ليتقبل ذلك دون تشكيك، ولم يكن يرى نفسه مذنبًا. فقد كان ذلك ما اعتاد فعله، وما رآه صوابًا بطريقته الخاصة. لكن لو غيّر نهجه بهذه السهولة، لما استطاع أن يرفع عينيه في وجوه رفاقه الذين تبعوه ووضعوا ثقتهم فيه حتى اليوم.
ومع ذلك، وفي الوقت عينه، كانت ثمة حقيقةٌ لا يسعه نكرانها بالكامل.
―― كان سوبارو يختار من يبقيه على قيد الحياة ومن يتركه يموت، كما قال تود.
فمن خلال «سلطة العودة بالموت»، كان سوبارو قد حوّل مصائر أولئك الأعزاء عليه.
أولئك الذين لم يكن أمامهم سوى الموت، وأولئك الذين لم يكن أمامهم سوى إيذائه، وأولئك الذين لم يكن أمامهم سوى الصراع من أجل ما يعز عليهم، وأولئك الذين لم يكن أمامهم سوى فقدان فرصة التوصل إلى تفاهم متبادل. لقد حرّف مصائرهم، وأبقاهم على قيد الحياة.
بفضل قرارات سوبارو وأفعاله، لا بد أن عدد من يموتون أو يقاسون الشقاء من حوله قد انخفض بالفعل.
ومع ذلك، لم يكن ناتسوكي سوبارو قادرًا على إنقاذ الجميع أيضًا.
وسواء أكان قد اختار عدم إنقاذهم أم عجز عن إنقاذهم، فمهما اختلف الأمر بين الاختيار والعجز، فقد قرر المضي قدمًا دون العودة بالزمن. وهذه حقيقة راسخة يصعب تغييرها.
ليس الأمر أنه قضى على جميع «أعدائه».
لكنه لم ينقذ جميع «أعدائه» أيضًا. فكيف كان سوبارو يميّز بين من ينقذهم ومن لا ينقذهم؟
وكان تود يخشى أن يكون سوبارو قد اختار من ينقذهم ومن يتركهم لمصيرهم وفق أهوائه الشخصية، وما يحبه وما يكرهه.
فينسنت: [كلا، ليس الأمر كذلك يا ناتسوكي سوبارو. فحتى حبك للآخرين أو كرهك لهم لا يفسّر ما تفعله.]
سوبارو: […هاه؟]
هزّ آبل رأسه، وأوقف سوبارو بكلماته، بينما كان الأخير يستحضر مجددًا الهوة التي عجز عن ردمها بينه وبين تود.
رفع سوبارو رأسه وهو يحبس أنفاسه، فتابع آبل قائلًا:
فينسنت: [لو كنتَ تحدد من تنقذه ومن لا تنقذه وفق حكمك الشخصي على طباع الناس، لكان بوسعي فهم ذلك. لكنك تنقذ حتى من تمقتهم، كما فعلت معي.]
سوبارو: [الأمر ليس—]
—كذلك. رغب سوبارو في التأكيد، إلا أنه لم يستطع إكمال كلماته.
لم يكن بوسع سوبارو أن يعرف إن كان يمقت آبل إلى حدّ التخلي عنه في اللحظة الحاسمة إلا إذا ساءل نفسه بعمق. لكن الحقيقة أنه مدّ يده إلى شخص يمقته.
لم تصل يده إليه. ومع ذلك، حاول سوبارو مدّ يده إلى تود أيضًا.
تمكّن من عدم التخلي عنها. فرغم صراعه الداخلي، ظلّ سوبارو إلى جانب لويس حتى يومنا هذا.
وإذا قيل إنه مدّ يده حتى إلى من يمقتهم، فهذا بالضبط ما فعله.
فينسنت: [――خذ معك رفاقك من المملكة، وغادر فولاكيا.]
وبينما كان سوبارو يسترجع أفعاله السابقة في ذهول، باغتته كلمات لم يتوقعها.
رفع سوبارو عينيه ببطء، فرأى آبل يعيد السكين إلى سلة الفواكه، وقد اختفت ملامح الغضب عن وجهه، وعاد يتحدث بملامحه المعتادة.
ثم تابع حديثه إلى سوبارو، الذي أذهله تغيّر سلوكه ومضمون كلماته.
فينسنت: [من الآن فصاعدًا، ستدخل الإمبراطورية في معركة ضد «الكارثة العظمى». صحيح أن الوضع يختلف في جوانب أساسية عن الرقعة التي حاولت إعدادها، لكن ما زال هناك سبيل للتعامل معه. ولا حاجة إليك في ذلك.]
سوبارو: [ما…]
فينسنت: [لقد سألتُ عن أمر تافه. ومهما كانت نواياك، فلا بد من التعامل مع ما حدث بالفعل على أنه أمر واقع. أما الاستمرار في مساءلة صواب الأسباب التي أدت إليه، فذلك قمة العبث.]
لم تكن تلك الكلمات موجّهة إلى سوبارو بقدر ما كانت موجّهة إلى نفسه.
كان آبل على وشك إنهاء الحديث بينه وبين سوبارو من طرف واحد، بكل ما تخلله من تبادل عاطفي ثم حديث خالٍ من العاطفة.
لم يكن الأمر مجرد تصرف غير مألوف منه؛ بل كان أبعد من ذلك بكثير.
أما اسم «تشيشا»، الذي ذُكر سواء حين احتدمت المشاعر أو حين خمدت تمامًا، فقد كان سوبارو يعرف ما يشير إليه.
وبحسب الطريقة التي تحدث بها آبل، يبدو أن تشيشا لقي حتفه أثناء حصار العاصمة الإمبراطورية، وأن سؤال سوبارو عن سبب عدم إنقاذه هو ما أراد آبل حقًا طرحه.
أراد آبل أن يطوي تلك الحقيقة في نفسه، ويتصرف وكأن شيئًا لم يحدث.
فينسنت: [استعدوا للعودة إلى بلادكم. سأتولى إتمام جميع الترتيبات اللازمة لعبور الحدود. أما ما يأتي بعد ذلك، فهو شأن الإمبراطورية―― شأني أنا.]
وكان تغييره لطريقة حديثه عن نفسه علامةً على عزمه على كبت تصرفاته بصفته آبل، والمضي قدمًا بصفته الإمبراطور فينسنت فولاكيا.
ولم يكن بوسع سوبارو أن يفهم مقدار أهمية ذلك القرار بالنسبة إلى فينسنت، ولا ثقل المسؤولية التي أُوكلت إليه حتى اتخذه.
ناتسوكي سوبارو عجز عن فهم فينسنت فولاكيا.
وبالمثل، فينسنت فولاكيا عجز عن فهم ناتسوكي سوبارو.
وهكذا، انتهى هذا الوقت العقيم دون أن يسفر عن شيء سوى أن أراق كلٌّ منهما دم الآخر――.
تود: [أنت وحش، بل أشد وحشية بكثير من ذلك الزومبي.]
قيل إن التفاهم مستحيل، وإن الهوة لا يمكن ردمها، وإن القطيعة لا مفر منها؛ فحُكم عليه بذلك تعسفًا، وفُرض عليه ذلك الحكم تعسفًا، وانتهى الأمر كله تعسفًا.
ألم تندم على أن الأمور انتهت بتلك الطريقة، أيها الأحمق اللعين؟
سوبارو: [أوي، آبل.]
استدار الإمبراطور وتوجه نحو الباب، معلنًا بسلوكه أن الحديث قد انتهى. وحين ناداه سوبارو وهو يرى ظهره النحيل يبتعد، تنهد الإمبراطور بهدوء وتوقف.
ثم استدار الإمبراطور نحوه، بعينين وتعابير وجه خالية من أي دفء، وقال:
فينسنت: [افهم هذا. أنا فينسنت فولاكيا، أما الرجل الذي يُدعى آبل فهو――]
سوبارو: [――اخرس ماذا بحقك، واطبق أسنانك!]
مستغلًا ارتداد نوابض السرير، قفز سوبارو وانقضّ أخيرًا على ذلك الوجه.
سدد سوبارو قبضته الصغيرة الملطخة بالدماء إلى ذلك الوجه؛ وجه الرجل الذي قرر إنهاء كل شيء بمفرده، وأخذ يأمره بتعالٍ أن يغادر فورًا، وكأن له الحق في تقرير كل شيء. إلى ذلك الوجه البغيض، الذي يريد أن يحتفظ بكل شيء في داخله ويتحمل كل شيء وحده. لقد كان غاضبًا، ناقمًا، ساخطًا إلى حد لم يعد معه قادرًا على كبح نفسه؛ فضربه أخيرًا، كما أراد أن يفعل منذ زمن طويل، طويل جدًا.

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
ترجمة وتدقيق: AurenZzZ
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
【1】 – «عربة التنين» هنا ترجمة وصفية لـ «竜車»، والمقصود وسيلة النقل التي تجرّها التنانين، لا عربة تتحول إلى تنين.
【2】 – فينسنت لا يمدح ريم هنا، بل يقر بأنه لو كانت تدرك مكانتها وتتحداه عمدًا، لكان موقفها يستحق الاعتراف بجرأتها. ثم يستنتج أن الأمر ليس كذلك.
【3】 – هناك اختلاف في اسم هذه الفاكهة بحيث في اليابانية اسمها «リンガ» وتنطق «رينغا» لكن بالانجليزية اسمها «Appa» وتنطق «آبا» وطبعا انا راح اعتمد على الاصل الياباني في اسم هذه الفاكهة. وهي اصلًا تحريف لكلمة «رينغو» والي تعني -تفاح- بالياباني، ولهذا السبب راح اعتمد اسم «رينغا» بشكل اساسي مستقبلًا
【4】 – حجر تاريخ التنين (竜歴石، ريوريكيسيكي) عبارة عن لوحة حجرية كبيرة أوصى بها فولكانيكا للعائلة المالكة الراحلة لمملكة لوغونيكا، وكان يُعتقد أنها تتنبأ بمصير البلاد. ولا يُعرف من يتولى رعايتها حاليًا.
【5】 – الآن، وبصفته الإمبراطور، يعود فينسنت إلى استخدام ضمير المتكلم الإمبراطوري «余» (Yo)، كما ظهر في الفصل 107 من الآرك السابع. لكنه هنا يعود، مع انهيار قناعه الإمبراطوري، إلى استخدام ضمير المتكلم «俺» (Ore)، كما كان يفعل قبل اعتلاء العرش وبعد عزله عنه.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
استعدوا للفصل القادم، ثاني افضل فصل في رواية ري زيرو بالنسبة لي