الفصل 486 - العزم على الحب
الفصل التاسع
«العزم على الحب»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
――الانسحاب من العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا.
رغم أنه قد خلص إلى أنه قرار ضروري، إلا أنه ضل مع هذا حدثًا كبيرًا في تاريخ الإمبراطورية.
العاصمة الإمبراطورية، التي كانت تحت الإشراف المباشر للإمبراطور، لم تكتف بالسماح لـ«العدو» بالتقدم إلى القصر البلوري، بل حتى الإمبراطور أُجبر على التخلي عن القلعة والمدينة والفرار. كان تراجع سلطته أمرًا لا مفر منه.
لكن――،
غوز: [بالنظر إلى أننا لا نعرف نوايا أولئك الأشخاص المشؤومين، فإن قرار صاحب السمو سيكون أفضل مسار للعمل.]
أولبارت: [كاكاكاكا! أليس تخلي إمبراطور عن القصر هربًا أمرًا لم يُسمع به؟ على الأقل، لم أسمع شيئًا كهذا حتى هذا العمر.]
غوز: [لا تضحك، جنرال الدرجة الأولى أولبارت! إن فكرت في مشاعر صاحب السمو… إن فكرت في ذلك، أنا! اللعنة! بلا فشل، تحت قيادة صاحب السمو، سنستعيد القلعة والعاصمة الإمبراطورية!!]
اوبيلك: [واااووااا~، هل نهرب؟ حكمك سريييع~ جدًا! أما أنا، فلست من أصحاب عقلية القتال حتى آخر نفس، لذا أظن أن هذا هو القرار الصحيح.]
لم يكن هناك من يعارض قرار فينسنت في تلك اللحظة.
كان ذلك لأن فينسنت كان يعين المناصب بناءً على القدرات العملية بدلًا من الولاء، وهو ما أثبت جدارته. رغم أن التمرد كان قد أُجج أيضًا بسبب اختلافات في الآراء، إلا أن أقرب حلفائه وأكثرهم ثقة قد خانه في النهاية. لذلك، كانت أي اختلافات في الولاء مجرد هامش خطأ.
في أي حال، كان الوقت قد حان لبدء الانسحاب.
فينسنت: [أولبارت دونكلكين، اشتر لنا بعض الوقت. إن تُرك وحده، فسيُهزم موغورو هاغاني بسرعة. لا يمكننا أن ندع الخزان يُدمر بعد.]
أولبارت: [يا إلهي، ليس جيدًا أن تُرهق المسنين. ما رأيك أن تستخدم غوز بدلًا مني؟]
فينسنت: [الرشاقة والسرعة من اختصاص الشينوبي. أدِّ واجبك دون تردد.]
أولبارت: […مجرد تحذير، حتى أنا لا أستطيع اللحاق به إن ركز على الطيران، كما تعلم؟]
في الأعلى، كان باليروي تيميغليف، شخص كان قد مات سابقًا، يشق سماء العاصمة الإمبراطورية أثناء طيرانه. بعد الاستماع إلى أولبارت، الذي كانت كلماته تشير إلى أن باليروي لا يزال يحتفظ بمهاراته من حين كان لا يزال على قيد الحياة كأعظم فارس تنانين من الإمبراطورية الفولاكية، وهو ما أظهر مدى قوة خصمهم، عهد فينسنت بالمهمة إلى العجوز الوحشي مع ذلك.
كما قال أولبارت، رغم أنه كانت هناك على الأرجح بعض الاختلافات في الكفاءة، إلا أن غوز كان لا يزال قادرًا على أداء نفس الدور.
لكن، عند الحديث عن الاختلافات في الكفاءة، كان هناك دور يجب على غوز أن يؤديه. هذا الجنرال الصاخب والمتعجرف كان يحظى بثقة استثنائية من قواته.
لذلك،
فينسنت: [غوز رالفون، استفد من صوتك الهائل. من الآن فصاعدًا، ما نحتاجه للانسحاب من العاصمة الإمبراطورية هو القوى البشرية. اجمع أي قوات متفرقة في الجوار.]
غوز: [نعم! اتركها لي، صاحب السمو! فورًا!!]
دون تردد، أومأ غوز وقفز على كومة من الأنقاض القريبة وجزءه العلوي عارٍ. وهناك، أخذ نفسًا عميقًا وصرخ في أرجاء المكان، بينما كان دوي معركة موغورو العملاق يتردد.
شقّ صوته الهائل الهواء المرتجف في العاصمة الإمبراطورية.
غوز: [استمعوا، ذئاب السيف في فولاكيا!! هذه أوامر من قائد ذئاب السيف، صاحب السمو فينسنت فولاكيا! اتبعوا صوتي! اتبعوه!!]
مع إصدار توجيه غوز، بصوت عالٍ بدا وكأنه هدير مدفع الحجر السحري يُطلق، غطى فينسنت أذنيه ونظر نحو أولبارت وكأنه يختبره. أولبارت، الذي كان يغطي أذنيه أيضًا، هز رأسه ببطء وقال،
أولبارت: [لا أستطيع فعل شيء كهذا. إذن أنت تختار الشخص المناسب للمهمة، أليس كذلك؟]
ولم يترك وراءه سوى تلك الكلمات، اختفى شكل أولبارت في السماء، تاركًا أثرًا خلفه.
تسلق العجوز الوحشي الجدران المتصدعة للقصر البلوري التي خلفتها أعقاب المعركة، مستخدمًا إياها كموطئ قدم. في منتصف الطريق، قفز على الجسم الضخم لموغورو، متدخلًا في ساحة المعركة حيث كان تنين السحاب والقناص السحري يتعاونان. في استعراض لقدراته، بدأ العجوز الخبيث يوجه مجريات المعركة كما يشاء.
ربما قال أولبارت شيئًا عن عدم قدرته على مواكبة خصومه الطائرين، لكن، مع عتاد الشينوبي وتقنياته المخفية، كان على الأرجح يملك طرقًا لا تحصى للتعامل مع الموقف.
إذا انضم العجوز الوحشي إلى المعركة، فمن المرجح أن تنقلب كفة المعركة لصالح موغورو إلى حد ما.
اوبيلك: [صاحب السمو، هل هناك أي شيء تريدنا~ أن نفعله؟]
فينسنت: [――. كم عدد متأملي النجوم منكم في الجوار؟]
بينما كان غوز يجمع الناس، سأل فينسنت اوبيلك، الذي لم يكن لديه شيء آخر ليفعله. رد اوبيلك على سؤال فينسنت بـ«حسنًا~» ووضع أصابع كلتا يديه على وجنتيه.
اوبيلك: [لنرى، ضمن مدى وصول أصواتنا، هناك سبعة وعشرون منا~.]
فينسنت: [أكثر مما توقعت. إذن، اذهب وافتح الأبواب في المساكن واحدًا واحدًا. أخبرهم أن الإمبراطور والقوات سيتخلون عن العاصمة، لذا حتى لو بقوا في المدينة، فبقاؤهم في المدينة لن يؤدي إلا إلى إهدار حياتهم.]
اوبيلك: [فهمت! هذا ما كنت أريده! هذا هو! حرب شاملة… الجهد الموحد للإمبراطورية الفولاكية بأكملها لمقاومة الكارثة العظمى، هذا ما أردت فعله.]
فينسنت: [بسرعة، أنجز الأمر.]
أطلق فينسنت تنهيدة وهو يطرد اوبيلك المتحمس، الذي لم يستطع كبح حماسه لكونه قادرًا على تحقيق هدفه كراصد نجوم.
ثم نظر فينسنت إلى بيرستيتز، الذي ظل صامتًا حتى لا يشوش على أفكار فينسنت وتدبره.
كان هو الشخص الذي انضم إلى تشيشا غولد، زعيم الحرب الأهلية، مسببًا الفوضى في الإمبراطورية بطرد فينسنت من العرش.
فينسنت: [أنت هادئ جدًا.]
بيرستيتز: [في الوضع الحالي، رأسان يعطيان الأوامر يمكن أن يزرعا بذور الارتباك فقط. لو، افتراضًا، وُلد ذئب سيف برأسين، فسيعني ذلك…]
فينسنت: [أن واجبك هو قطع أحد الرأسين؟]
بيرستيتز: [إن لزم الأمر، فسيقدم لك هذا العجوز رأسه بكل سرور.]
بيديه المشبوكتين خلف ظهره، أعلن بيرستيتز بهدوء عزمه.
رغم أنه لم يكن رجلًا ذا براعة عسكرية كبيرة، إلا أن كبرياء رجل من الإمبراطورية كان يشتعل بداخله. لم يعتقد فينسنت أن بيرستيتز قد تمرد بدافع الشهوة للسلطة، ولا أنه يعتقد أن الكلمات التي تفوه بها للتو كانت عذرًا شكليًا.
ببساطة ووضوح، كان الولاء المتفاني للإمبراطورية هو القوة الدافعة لبيرستيتز.
لهذا السبب، عند رؤية تهديد للإمبراطورية، كان يلقي بخططه وأفكاره السابقة فورًا، ويقف في نفس صف فينسنت كما يفعل الآن، دون تردد.
فينسنت: [عندما ينتهي غوز رالفون، وراصد النجوم، والآخرون من استعداداتهم، سنبدأ انسحابنا فورًا. بيرستيتز، رأيك. كن موجزًا.]
بيرستيتز: [――مع كل الاحترام، صاحب السمو، إن كنت ستنسحب، فأرجوك اتبع قناعتك الخاصة.]
فينسنت: [――――]
إلى فينسنت، الذي طلب رأيًا موجزًا، رد بيرستيتز.
رغم أن كلماته كانت غامضة، لم يقصد بيرستيتز تضليل فينسنت. بعد لحظة من التأمل، فهم فينسنت معنى تلك الكلمات.
أن يتبع أفكاره الخاصة، أي أفكار فينسنت فولاكيا.
――كانت تلك هي العقلية نفسها التي اتبعها تشيشا غولد حتى الآن.
بيرستيتز: [لو أن الجنرال من الدرجة الأولى تشيشا قد استبدلك وهو يعلم ما كان متوقعًا، متعاونًا معي لاغتصاب العرش…]
فينسنت: [――لا بد أنه خمّن ما ستتكون منه الكارثة العظمى، واتخذ احتياطات.]
بيرستيتز: [كما تقول. وهو أمر لا يستطيع ملاحظته سوى صاحب السمو الإمبراطور، ولن يلحظه أي شخص سواه.]
بينما تحدث بيرستيتز، وبعين واحدة مغلقة، تأمل فينسنت.
كان رأي رئيس الوزراء مفهومًا. ――لا، بل كان منطقيًا. حتى من دون نصيحة بيرستيتز، كان فينسنت سيتوصل إلى النتيجة نفسها، لكنها عجلت وصوله إليها.
لقد راهن تشيشا بحياته على البقاء على العرش في هيئة فينسنت. وماذا لو كان قد ترك لفينسنت أكثر من مجرد «مستقبل» كان من المفترض أن ينقطع؟
كان ذلك――،
غوز: [――صاحب السمو! لقد عاد الرجال جميعًا، وكل واحد منهم يحمل ملامح جندي! ماذا تأمر أن نفعل؟]
في اللحظة التي خلص فيها فينسنت إلى ذلك الاستنتاج، قفز غوز بعنف من كومة أنقاض.
وبينما أخذ ينظر حوله، بدأ جنود الإمبراطورية يتجمعون حولهم واحدًا تلو الآخر، وقد أخذت سيوفهم ودروعهم ترنّ مع حركتهم، ومعهم قطيع من ذئاب السيف. أمام هذا الموقف غير المسبوق، كانوا بلا شك مرتبكين ومضطربين. لكنهم، استجابةً لنداء غوز رالفون، فارس الأسد، تجمعوا معًا، وبمجرد أن أدركوا أن إمبراطور فولاكيا ينتظرهم في الأمام، فشدّوا ملامحهم واستقاموا في وقفتهم.
؟؟؟: [――――]
كانت تلك هي طبيعة شعب الإمبراطورية الرهيبة والبغيضة.
لكن من أجل قتال الكارثة القادمة، لا يجوز لذئب السيف أن ينسى جوعه. وبعد سنوات قضاها في سبيل ذلك، مسترجعًا الأزمنة الماضية، رفع فينسنت نظره إلى السماء.
لبناء قوة الأمة والحفاظ على انضباط الجنود ومعنوياتهم، من أجل أن يترك وراءه إمبراطورية قادرة على الصمود في وجه الكارثة. ――لقد انحرفت تلك الخطة عن مسارها، لكنه لم يكن ينوي أن يترك كل شيء وراءه باعتباره فشلًا.
فينسنت: [موغورو هاغاني! لا تدع هؤلاء الأوغاد يستخدمون مدفع البلور السحري! طالما تلتزم بذلك، سأحقق أمنيتك!]
موغورو: [――――]
لم يكن يعلم إن كان صوته، بعدما دفعه إلى أقصى حدوده، قد بلغ موغورو، الذي كان يخوض في تلك اللحظة معركة ضد أقوى مخلوق في العالم، تنين.
لكن، ذلك النيزك النبيل أنصت لكلمات البشر بانتباه. بدا أنهم لا يملكون آذانًا، لكنهم كانوا موثوقين.
ثم، بعدما أصدر تعليماته إلى الجنرالات المجتمعين، خفض فينسنت نظره وتفحّص وجوه الجنود المتجمعين حوله.
ثم، ناظرًا إلى ذئاب السيف تلك، الذين لم تقل عزيمتهم على القتال، تابع.
إذا كان هو――إذا كان تشيشا غولد قد جسّد فينسنت فولاكيا حقًا، إذن.
فينسنت: [نحن ننسحب من العاصمة الإمبراطورية! نتجه شمالًا غربًا إلى المدينة المحصنة غاركلا!]
فلا بد أن تكون هناك خطة لمواجهة الكارثة العظمى في ذلك المكان، هكذا أعلن بصوت عالٍ.
△▼△▼△▼△
――بدأ كل من جنود الإمبراطورية والمتمردين الذين كانوا جزءًا من ساحة المعركة يدركون أن الصراع لتحديد مسار الإمبراطورية الفولاكية قد تغير شكله.
ومع انتشار الارتباك في كل مكان، والتغير اللافت في الأجواء، أدرك ذئاب السيف، وهم منغمسون تمامًا في القتال، ذلك الجو واستشعروا تدخل نوايا مشبوهة.
وهكذا، مع تطاير الأوامر من الضباط القادة الذين تغيرت تعبيراتهم، تغيّرت ذهنية الطرفين اللذين كانا يتقاتلان مباشرةً بفضل رباطة جأشهم المستعادة قليلًا وحدسهم القتالي.
وبسبب ذلك، الطرفان اللذان كانا يقاتلان بضراوة حتى لحظات قليلة قبل ذلك أوقفا قتالهما، واستبدلا لقب جندي إمبراطوري أو متمرد بلقب «مواطن الإمبراطورية»، وانضما معًا كقطيع من الذئاب.
في تلك اللحظة، كان كل من فينسنت فولاكيا، في مركز العاصمة الإمبراطورية، وسيرينا دراكروي، عند الحصار المحيط بالمدينة، قد أصدرا أوامرهما بصفتهما القائدين الأعليين.
ببساطة، التغيرات التي استشعرها الجميع من الإمبراطورية كانت ظروفًا استدعت تحركًا فوريًا. وبعيدًا تمامًا عن هذه الأحداث، كانت لا تزال هناك ساحة معركة تحترق بلون أحمر ساطع، قادرة على تحويل كل الآخرين إلى رماد.
――كانت آكلة الأرواح أراكيا، التي تحمي المعقل الأول، في مواجهة بريسيلا بارييل ويورنا ميشيغوري، امرأتين رائعتين وساحرتين تتمتعان بشخصيتين قويتين.
يورنا: [――أحبيني.]
بينما كان العالم يسيطر عليه لهب أحمر مشع، ركلت يورنا الأرض بشجاعة، والنار تتقد في إحدى عينيها.
وتطايرت حاشية/طرف كيمونوها بأناقة، حين لامست ساقا يورنا الطويلتان، اللتان منحتاها قامة شاهقة بالنسبة إلى امرأة، الأرض، ارتفعت الأرض في اللحظة التالية، مانحةً اندفاعها مزيدًا من السرعة والزخم.
لم تكن هذه مدينة الشياطين كايوسفليم، بل فقط الأرض المحيطة بالعاصمة الإمبراطورية، أراضي إمبراطور فولاكيا.
منذ زمن بعيد، في ماضٍ غدت ذكرياته بعيدة عن كل من يورنا ميشيغوري وساندرا بينيديكت، كانت قد تمنت ذات مرة العاصمة الإمبراطورية التي بدت بعيدة المنال.
رغم أنها كانت مكانًا لم تستطع الوصول إليه بقوتها الخاصة، بينما كانت تمسك يد رجل كان نبيلًا، يفوقها في المكانة إلى حد جعلها تخشى حتى أن تهمس بأنها تحبه، ها هي ذي واقفة هناك.
كانت تقنية زواج الأرواح لدى يورنا لا تُمنح إلا لمن تحبهم.
――إذن، مع حب لذلك الرجل، مع حب لا يمكن أن يخبو، لماذا لم تحب يورنا الأرض ذاتها التي أحبها؟
يورنا: [――لقد سُرقت مني أيضًا.]
إمبراطور فولاكيا، المعروف في ذلك الوقت بملك الأشواك، وإيريس، الفتاة التي وقعت في حبه.
كانت قد آوته، ودعمته، وسارت على نفس الطريق مع الإمبراطور الذي أُطيح به من العرش. عند رؤية شجاعة الفتاة الصغيرة ونبلها، أثنى كثيرون على ملك الأشواك متمنين البركات على مستقبلهما معًا.
لكن، بسبب شعب الخُلد الذين خدعوهم بالتلاعب بهم عبر الإطراء، وشعب الذئاب الذين خانوهم عبر الطموح والغرور، فحُرم ذلك المستقبل من نهايته المثالية.
أما الجنة التي كان من المفترض أن يبنيها ملك الأشواك، والعالم الموعود الذي كان سيقيمه، فقد تُركا وراءهم. الإمبراطور، الذي سيطر عليه الوهم، ربط روح الفتاة، التي كان من المفترض أن تختفي، بتراب الإمبراطورية بواسطة دم الخونة.
منذ ذلك الحين، وُلدت إيريس من جديد مرارًا وتكرارًا، مغيرة اسمها ومظهرها.
تحب شخصًا، ويحبها شخص، وتواصل العيش.
لكن في الوقت نفسه، كانت هذه الإمبراطورية الفولاكية، أرض الإمبراطورية ذاتها، هي الشيء الوحيد الذي لم تستطع حبه. ربما كرهته لأنه كان بعيدًا جدًا عن الحلم الذي تصورته ذات مرة.
لكن، مع ذلك، كانت مثل هذه الأشياء تافهة مقارنة بما كان مهمًا حقًا.
يورنا: [――أحبيني.]
سواء كانت قادرة على الحب أم لا؛ قررت فقط أن تحب.
لم تكن إمبراطورية بذكريات سعيدة فقط. كانت السعادة والتعاسة وجهين لعملة واحدة، سواء حين كانت إيريس، أو طوال حيواتها العديدة بعد أن لم تعد إيريس.
كان الأمر نفسه صحيحًا بالنسبة لأطفال يورنا الأحباء في مدينة الشياطين―― أحيانًا كانت تغص بالحب، وأحيانًا كانت تغضب من تفاهتهم.
يورنا: [――كل ذلك، أنا سعيدة به.]
أجل، بينما تردد «الحب» القوي في أعماق يورنا، ابتهجت الأرض المحترقة.
الأرض الصلبة، التي لم يكن يفترض بها سوى أن تحمل خطواتها، اندفعت بمرح، والأرض المرتدة كانت بمثابة موطئ قدم ليورنا، مرسلة إياها عاليًا في السماء.
وبينما دارت حول نفسها، هبط كعبا حذائها ذوا النعل السميك على أراكيا في الجو.
حاولت أراكيا أن تدعه يمر عبرها بالاندماج مع الهواء المحيط بها. لكن ركلة يورنا انفجرت على جلدها البني، بدلًا من أن تنفذ عبره كما كان يُفترض.
أراكيا: [――آه؟]
اجتاح الألم كتفها الذي أصابته الركلة، وأطلقت أراكيا شهقة صغيرة من قوة الاصطدام الغير متوقعة.
واندفع جسد أراكيا، الذي كان قد اندمج مع النار أو الريح أو الظل، بفعل الصدمة، وتلونت ملامحها، التي نادرًا ما أظهرت مثل هذا الانفعال المتقد، بالألم والمفاجأة.
بالنسبة لأراكيا، التي كانت تستفيد باستمرار من سمات آكلة الأرواح لتحقيق التفوق في كل قتال ضد أعدائها، كان هذا حقًا كالصاعقة من السماء الصافية.
لكن يورنا لم تتفاجأ ولم تكتفِ بمجرد إصابة ركلتها. باستخدام الكعب الذي ضربت به كمرتكز، رفعت الجزء العلوي من جسدها وأرجحت الكيسيرو الذي تحمله أصابعها النحيلة، مطلقة هجومًا متابعًا.
أراكيا: [إيه، آه، وااه.]
توالى صوت ارتطام شيء صلب بجسدها، وتشوه تعبير أراكيا مرارًا وتكرارًا.
هرب صوت أراكيا من حلقها وكأنها لا تستطيع استيعاب الأحاسيس التي تعاني منها. كانت هذه طريقة لرفض الحقيقة الكامنة وراء ذلك، بدلًا من رفض العذاب نفسه.
سألت يورنا: «لماذا؟». كانت عينا أراكيا متسعتين، حتى العين التي لم تعد ترى بها.
يورنا: [إن كان هناك حب، فلا معنى لهذا التردد الأخرق.]
أراكيا: [حب…؟]
يورنا: [أنتِ الأخت بالتبني لابنتي غير المؤدبة، أليس كذلك؟]
إجابة يورنا، بابتسامة مشرقة، ملأت وجه أراكيا بنظرة عدم فهم.
رغم أنها تلقت إجابة، إلا أن ملامحها تصلبت لأنها لم تفهمها. ثم حلقت أراكيا في السماء بسرعة هائلة محاولةً الفرار، مطلقةً موجات كارثية من الظواهر الطبيعية.
ولأن يورنا كانت معلقة في الهواء، لم يكن أمامها سبيل لتجنب هجوم أراكيا العنيف المكوّن من الخشب والنار والأرض والمعدن والماء.
يورنا: [كما كان الحال حتى قبل أن أصنع سلامًا مع الإمبراطورية.]
وهي تلفظ تلك الكلمات من بين شفتيها المسترخيتين، ركضت يورنا في الهواء على مواطئ الأرض التي ارتفعت واحدة تلو الأخرى.
ومع ما تحمله في قلبها من ضغينة، كانت تحمل كذلك تعلقًا عاطفيًا مفعمًا بالفرح، فلو قررت أن تحب الإمبراطورية الفولاكية كما هي، بكل ما فيها، فإن الأرض نفسها ستستجيب وتواصل دعمها المتحمس.
متجنبة مطر النار، ورماح الماء، وأمواج الرياح العظيمة، وضربات الضوء في كل منعطف، اقتربت يورنا مرة أخرى من أراكيا.
لم تعد أراكيا تستفيد من ميزتها في القتال جوًا منذ أن وصلت الأرض إلى حيث تخطو يورنا، مما سمح لها بالوصول إلى نفس الارتفاع.
أراكيا: [――آخ.]
اندمجت مع الأرواح في الجو، فأصبحت شفافة أمام هجمات العدو.
وبسبب اعتيادها المفرط على المراوغة بهذه الطريقة، كانت أراكيا بطيئة في التفاعل مع الخطر المقترب الذي تشكله يورنا، متلقية ركلة مباشرة على جذعها الأملس.
اخترقت القوة المدمرة الجانب الخلفي من جسد أراكيا، فجعلت العاصفة التي أحاطت بها نفسها تتلألأ عبر عالم اللهب المصبوغ بالأحمر.
أراكيا: [――هـك.]
أخيرًا، نُقش الألم على وجه أراكيا، متجاوزًا نظرة المفاجأة.
كانت هذه بالتأكيد علامة على أن هجوم يورنا كان يدفع أراكيا إلى الحافة. حتى الآن، رغم أن تدفق الأحداث لصالح يورنا كان شيئًا يُفتخر به، إلا أن يورنا لم تكن متفائلة.
كان ذلك لأن――،
أراكيا: [لن تفعلي أبدًا… هـك!]
بوجنتين مشوهتين من الألم والغضب، أمسكت أراكيا بغصن الشجرة الخاص بها وهوت به على يورنا.
كانت قد التقطته ببساطة واستخدمته كأداة عادية، ومع ذلك لم يكن قد انكسر أبدًا، حتى في خضم هذه الكوارث الطبيعية. كسيف عظيم نفيس، أظهر قيمته الحقيقية في يدي آكلة الأرواح.
أمسكت يورنا بالغصن المتأرجح بالكيسيرو الذي تحمله في ذراعها المرفوعة. ارتجفت حافة فمها قليلًا وهما تتحدقان في بعضهما عن قرب.
يورنا: [كوه…]
جعلت قوة الغصن الذي صدته يورنا تئن عبر الكيسيرو.
كانت تقنية زواج الأرواح لدى يورنا قادرة على نقل الألم والجروح إلى ممتلكاتها العزيزة. بطبيعة الحال، كانت هذه تقنية سرية تتطلب مستوى مناسبًا من الارتباط والتفاني.
لكن، دبابيس الكانزاشي 【1】 الخاصة بها، وأقراطها، وأوبيدومي 【1】، جميعها أشياء أهداها إياها سكان مدينة الشياطين الأحباء إليها، لم تُستهلك.. رغم ذلك، كانت يورنا نفسها تعاني من الألم.
كان الجواب بسيطًا وواضحًا―― الحب لم يكن أبدًا أمرًا من جانب واحد.
يورنا: [――أحبيني.]
بمجرد أن قررت أن تحب الإمبراطورية في مزيج من الحب والكراهية، وبمجرد أن قررت أيضًا أن تؤدب أراكيا، التي أصبحت علاقتها بها عدائية، كان عليها أن تسعى إلى التوافق بدلًا من فرض حبها من طرف واحد عليها.
كان هذا عكس ما كانت تقنية زواج الأرواح لدى يورنا ميشيغوري تهدف إليه أصلًا.
△▼△▼△▼△
؟؟؟: [――――]
في الجو، تواجهت يورنا وأراكيا في معركة شرسة.
بريسيلا، وهي تحمل سيف اليانغ المبهر في يدها، مع لهب في إحدى عينيها يثبت أنها محبوبة، عبست عند رؤية والدتها وأختها بالتبني تتصادمان دون قيود.
بصفتها مستخدمة لنفس تقنية زواج الأرواح، فهمت المنطق وراء أفعال يورنا.
لكن، لأنهما كانتا مستخدمتين لتقنية زواج الأرواح، استطاعت بريسيلا أن تفهم الطبيعة المحرمة لما تفعله يورنا.
بريسيلا: [التركيز فقط على قوة التقنية، دون اعتبار لنقاط ضعفها. أنتِ أيضًا متهورة، الأم العزيزة.]
كانت يورنا قد اكتشفت بنظرة واحدة كيفية تجاهل طبيعة أراكيا كآكلة أرواح، والسماح لهجماتها بالمرور من خلالها، لكن ذلك تطلب تعاملًا دقيقًا مع السحر وعزيمة على تحمل الجروح بنفسها.
لم تكن بريسيلا ولا يورنا غريبتين عن تقنية زواج الأرواح، وهي فن سري يتطلب موهبة نادرة لدرجة أنه لم يكن له ورثة عبر التاريخ، ويتطلب إحساسًا معجزًا بالتوازن لممارسته.
باختصار، كانت جهود يورنا مقامرة خطرة لن تمنع هجمات أراكيا من الوصول إليها فحسب، بل قد تقطع أيضًا ارتباطها بالأحباء الذين قدموا لها الهدايا.
بريسيلا: [――――]
لم تكن بريسيلا حمقاء ولا عديمة قلب إلى حد ألا تتساءل في سبب خوض يورنا لمقامرة خطرة كهذه لمواجهة أراكيا، وأبعدت رأسها.
ومن أجل بريسيلا، أقدمت يورنا على ذلك المحظور.
――لتجنب موقف ستضطر فيه بريسيلا إلى قتل أراكيا.
بريسيلا: [بسيف اليانغ الخاص بي، لن أضطر إلى مجابهة نفس الأزمة التي تواجهها الأم العزيزة.]
أن تقطع ما تريد قطعه، وأن تحرق ما تريد حرقه، كان ذلك هو الجوهر الحقيقي لخصائص سيف اليانغ.
في استعراض لقيمته الحقيقية، كان لهبه الأبيض قادرًا على توصيل ضربات بريسيلا دون اي اعتبار لخصائص أراكيا، حتى لو كانت أراكيا تمتلك كل الظواهر الطبيعية كحليفة لها.
ومع الحفاظ على تأثير تقنية زواج الأرواح، كان المهاجم قادرًا على الوصول إلى خصمه.
كان هذا بالضبط ما حدث حين التقت بريسيلا وأراكيا مجددًا لأول مرة منذ نحو عقد، وفي هذه الظروف، لم يكن بوسع بريسيلا بالطبع أن تفكر في فعل الشيء نفسه.
لذا، ضربت يورنا بريسيلا على رأسها، وقاتلت في المقدمة على هذا النحو.
بريسيلا: [أن تضربي رأسي هكذا…]
كان من المغري بالتأكيد أن تحتج بأنها ابنتها، لكن ذلك كان جوهر الأمر..
عند التفكير في مشاعرها، أدركت أنه قبل أن تضربها يورنا على رأسها بالكيسيرو، كانت بريسيلا متحمسة بشكل غير معهود.
عند الوصول إلى هذه النقطة، شعرت أنه يجب عليها التعامل مع أراكيا بنفسها.
لكن――،
بريسيلا: [――كارما آكلة الأرواح، أليس كذلك؟]
كان لا مفر من أن كائنًا من نوع مصنع مثل أراكيا سيُمنح خصائص مشوهة بشكل خاص.
لممارسة قوة عظيمة، يجب على المرء أن يدفع الثمن المناسب. ناهيك عن سيف اليانغ أو تقنية زواج الأرواح لدى بريسيلا، كان الأمر نفسه صحيحًا بالنسبة لقوى أكل الأرواح لدى أراكيا.
بالطبع، كانت بريسيلا قد سمعت عن نوع الكائن الذي وُلدت لتكونه أراكيا عندما كانت الأخيرة ترافقها. كانت قد أجرت بحثها الخاص أيضًا. لكنها لم تكن حذرة بما فيه الكفاية.
ونتيجة لذلك، أصبحت بريسيلا بالنسبة إلى أراكيا بمثابة عمود، إذ لم تكن أراكيا قادرة على الوقوف دون دعم.
بريسيلا: [لو أن شمسي المشرقة اختفت، فسيُغطى العالم بالظلام.]
لمدة عشر سنوات، عاشت أراكيا في عالم يغطيه الظلام.
ربما كان من المستحيل على أحد أن يحل محل بريسيلا، لكن ألم يكن هناك من يلقي شعاعًا من الضوء على الظل؟
كانت قد ظنت أن فينسنت سيفعل ذلك، في الوقت الذي قررت فيه أنها لا تستطيع اصطحاب أراكيا معها، لكن.
بريسيلا: [ذلك سيكون مستحيلًا.]
قطبت جبينها وهي غارقة في أفكارها، ثم نبذت الفكرة.
في ذلك الوقت، حين كانت لا تزال شابة ومشرقة، كانت بريسيلا―― بريسكا، مخطئة. كانت قد آمنت بأنها تستطيع أن تأتمن أخاها الأكبر على مهمة كهذه، لكن ذلك كان خطأً في الحساب.
بينما اتخذت معركة العاصمة الإمبراطورية منعطفًا جذريًا، وبينما علمت بقوة الجنرالات السَاميين التسعة الذين جمعهم أخوها الأكبر، فينسنت فولاكيا، غير أراكيا، لاحظت. فهمت.
كان فينسنت ينوي محاربة شيء مختلف تمامًا، شيء أعظم بكثير من مجرد تمرد.
علاوة على ذلك، لم يكن ينوي النجاة في نهاية المعركة. وعندما تنتهي المعركة، لمن كان ينوي أن يعهد بالعرش الذي فقده؟
لم يكن بإمكان أراكيا أن تمنح ولاءها لشخص آخر.
بريسيلا: [هراء.]
كان كل شيء تقريبًا يُصاغ أولًا كلوحة على مكتب، ثم يُبنى العالم في الواقع وفقًا لتلك اللوحة.
كانت تلك قوة فينسنت، لكن مهما كان ذكاؤه جيدًا، إن كانت صورته المتخيلة للكمال خاطئة، فالعالم كما تخيله سيكون مشوهًا بلا جدال.
كان سيُجازى يومًا ما على قلة وعيه. أو ربما سيتلقى ذلك في هذه المعركة، لكن――.
بريسيلا: [لقد افترقنا عشر سنوات. كفى، أيها الأخ الأكبر، عليك أن تبتعد عن أختك الصغرى.]
وهي تلحق العار بنظيرها الغائب عن المشهد، خطت بريسيلا إلى الأمام.
كانت السماء مصطبغة بحمرة اللهب، وكانت الأرض تهتاج بناءً على أمر المتألقة. كان الأمر كما لو أن السماء والأرض بأسرهما ترفضان تدخل الشمس――بريسيلا.
لكن، أمام عالم بهذه الغطرسة، لم يكن لدى بريسيلا بارييل―― أو بالأحرى، الفتاة المعروفة سابقًا باسم بريسكا بينيديكت، سوى شيء واحد تقوله.
بريسيلا: [――كل شيء في هذا العالم صُنع من أجل راحتي.]
△▼△▼△▼△
في تلك اللحظة، كان من الخطأ وصف ما كانت تشعر به أراكيا بأنه إهانة أو عار.
فالإهانة تفترض وجود اسم لذلك الشعور بالانحطاط الناجم عن الندم.
العار يعني ألا يكون هناك أي إحساس بالفخر في أن يُذل المرء بسبب التخلف عن الركب.
لم تكن أراكيا متعلقة باسمها ولا بأي نوع من الكبرياء.
المرتبة الثانية، أعلى مرتبة إذا استُثني سيسيلوس، الذي كان يُعتبر وجودًا خاطئًا تمامًا بين الجنرالات السَاميين التسعة الإمبراطوريين الموقرين. المعروفة بآكلة الأرواح، كانت تمتلك مؤهلات 【2】 لا مثيل لها ليس فقط داخل الإمبراطورية، بل في العالم بأسره، مما جعلها قوة مطلقة.
ورغم أنها أُنعمت بالمكانة والقدرات التي كان كثيرون يتوقون إليها بشدة، لم تستطع تلك الأشياء أن تصبح «العمود» الذي يدعم أراكيا كفرد.
كان تصور أراكيا لذاتها أبعد حتى عن تصور الوحش لذاته.
الوحوش التي تعيش باصطياد كائنات أخرى لم تكن تعتز بأنيابها ومخالبها. ――لا، كانت أراكيا تظن ذلك فقط، لكن للوحوش كبرياؤها وطرائقها الخاصة في فعل الأشياء.
وبما أن الأمر كذلك، كان تصور أراكيا لذاتها أبعد حتى من تصور وحش.
النار، الريح، الماء، الأرض، الضوء، الظل، ظواهر لا تُمَس.
لم تكن هناك إرادة تتدخل، بل مجرد تحقق لما هو مرغوب.
أرادت أراكيا أن تكون ظاهرة، لا إنسانًا ولا وحشًا.
أرادت أن تكون ظاهرة لا تشعر بالإهانة ولا بالعار.
إن كان الأمر كذلك――،
أراكيا: [أنا――]
حاولت أراكيا أن تتحول إلى الريح للتعامل مع وابل الهجمات الشرسة. لكنها لم تستطع التعامل معه بالكامل؛ فقد أُمسكت الريح، وتركت الضربات في جسد أراكيا ألمًا وثقلًا.
انطلقت منها صرخة ألم، وتشوه وجه أراكيا بالضيق. بصفتها آكلة أرواح، لم تكن تختبر الألم كثيرًا في المعارك، لكنها لم تكن بأي حال منيعة ضده.
كانت أراكيا قد اختبرت بالفعل كل أنواع الألم في طفولتها.
للحصول على مؤهلات آكلة الأرواح، جرب البالغون حول أراكيا كل طقس وتقنية يمكن تصورهما، مكررين ذلك مرارًا وتكرارًا.
لم تكن تخاف الألم. ولم تكن لتجفل عند تذكر الماضي.
لكن بالنسبة إلى أراكيا، كان مجرد وجودها كظاهرة أهم من الألم.
النار لا تتألم، ولا تموت إذا أطفأها الماء.
هل كانت أراكيا مجرد نار تتألم وتموت عندما يطفئها الماء؟
كانت تخشى أن تقرّ لنفسها بأنها لا تستطيع أن تكون ظاهرة.
أراكيا: [أنا――]
يورنا: [――اصمتي، أنتِ.]
مدفوعة بالإحباط، حاولت أن تتكلم، لكن صفعة من خصمها أصابت وجهها.
دفعت قوة الهجوم أراكيا بعيدًا، فسقطت برأسها أولًا. ورغم أنها استعادت شكلها الأصلي بسرعة، بقي الألم، كما بقي الضرر الذي لحق بنفسية أراكيا.
لم يكن إهانة ولا عارًا، بل إنكارًا ظاهريًا لوجودها. وكأنها تتشبث بالحياة، رفعت أراكيا الأرض بكفها نحو يورنا، التي قفزت عليها.
لم تكن تعرف ما الذي كان يحدث، لكن بريسكا ويورنا كانتا قد تمكنتا بطريقة ما من الإفلات من هجمات أراكيا في مرحلة ما. بمجرد أن أغلقت يورنا تقنيتها، بدأت هجماتها تصل إلى أراكيا. وفي الوقت نفسه، بدأت هجمات أراكيا أيضًا تصل إلى يورنا.
أراكيا: [――هـك.]
مرة واحدة فقط، طلقة واحدة، إصابة واحدة.
كانت يورنا نفسها قد رفعت مستوى قدراتها الجسدية، إما عبر تقنية مجهولة أو عبر السحر. لكن، إن لم تستخدم تلك التقنية لتجنب الضرر، فذلك يعني أن هجمات أراكيا ستنفذ.
طالما كانت قادرة على الإصابة――،
أراكيا: [الأميرة و…!]
لو استطاعت فقط التخلص من يورنا المزعجة، لبقيت وحدها مع بريسكا فقط.
طالما حدث ذلك، فبالتأكيد سيكون كل شيء على ما يرام.
؟؟؟: [إن كان هناك شيء تريده، فمن الأجدى أن تخرج وتحصل عليه بدلًا من الانتظار، أليس كذلك؟]
أجل، قال تود ذلك أيضًا.
كلمات تود، لسبب ما، رنت بقوة في ذهن أراكيا.
لم يكن ذلك لأنها نقلت أشياء مريحة أو بناءً على إعجاب أو كره شخصي.
كانت كلمات تود خالية من أي عاطفة تجاه أراكيا. كان ذلك مريحًا. فكما لا يحب المرء النار أو الماء، لم يكن لدى تود أي مشاعر تجاه أراكيا.
كانت معاملتها بهذا الشكل الفارغ من العاطفة خلاصًا لأراكيا.
لهذا السبب――،
أراكيا: [――――]
اشتعل غصن الشجرة في يدها بالنار من بدايته حتى نهايته، متحولًا إلى غبار أسود.
لم يكن الغصن سوى شيء التقطته؛ لم تكن له قوة خاصة. كان مجرد مؤشر واضح يحدد أين كانت أراكيا تنوي توجيه قوتها.
إحراقها لذلك العود الخشبي كان علامة على أنها تطلق قوة نارية لا تحتاج إلى تصويب.
كانت آكلة الأرواح، أراكيا، تُعتبر واحدة من أقوى أفراد الإمبراطورية، وقد أُطلقت أعظم قوتها مرة واحدة فقط، خلال مناوشة مع سيسيلوس سيغمونت.
ولأن الخصم كان سيسيلوس، لم يلحق به أي ضرر، لكن هياج أراكيا ترك الجزء الشمالي من العاصمة الإمبراطورية أرضًا قاحلة محروقة. كان الإمبراطور، فينسنت، قد أخبر أراكيا أن ذلك لن يُتسامح معه مرة ثانية. لاحقًا، بناءً على اقتراح تشيشا، أُعيد استخدام الأرض المحروقة كخزان، لكن الضربة كانت قوية بما يكفي لإعادة رسم الخريطة.
؟؟؟: [――كل شيء في هذا العالم صُنع من أجل راحتي.]
――طغت تلك الضربة القاطعة، الصادرة مع صوتٍ مهيبٍ وواثق، على كل شيء.
وميض من سيف اليانغ ابتلع اللهب الذي كان سيحرق العالم حتى السواد.
قفزت بريسكا إلى جانب يورنا، وشعرها الطويل الجميل يتطاير في الريح الحارة، بينما كانت أراكيا تنعكس في عينيها، إحداهما مضاءة باللهب والأخرى لا.
ثم――،
بريسيلا: [الأم العزيزة.]
في اللحظة التي تحركت فيها شفتاها، أطلقت يورنا، المتحركة من خلف بريسكا، ركلة شرسة.
بريسكا، التي حاذت قدميها مع باطن قدم يورنا المنطلقة بالركلة، حولت زخم الركلة إلى حركتها الأمامية، مندفعة واقتربت من أراكيا بسرعة يمكن أن تُخطئ العين فتظنها الضوء.
ثم رفعت بريسكا سيف اليانغ في يدها،
بريسيلا: [أراكيا.]
بوميض، وبكلمة واحدة، خُتمت كل حركات أراكيا.
الفعل الدفاعي اللاإرادي لأراكيا، وهو تفادٍ يدمجها بالهواء المحيط، التوى وسُحق بوميض بريسكا، مخترقًا جسدها كله بلا رحمة.
أراكيا: [――――]
انقطع وعي أراكيا.
ومن المفارقات أنه كان شبيهًا جدًا بالوقت الذي أطلقت فيه أراكيا أقوى نيرانها وحولت الجزء الشمالي من العاصمة الإمبراطورية إلى حقل محروق، فضُربت بوميض سيسيلوس مباشرة بعد ذلك، وانقطع وعيها بطريقة مشابهة.
لكن في النهاية، سمعتها أخيرًا.
بريسيلا: [سيف اليانغ الخاص بي يقطع ما أريد قطعه، ويحرق ما أريد حرقه. ――ويضرب ما أريد ضربه.]
وبينما قالت هذا، كانت بريسكا قد أرجحت سيف اليانغ―― وبينما سقطت أراكيا، لم تكن قد أدركت أن ما كان موجهًا نحوها لم يكن نصل السيف، بل مقبضه.
△▼△▼△▼△
――ابتسم الفتى. مهما مرّ الوقت، كان يبتسم دائمًا.
حتى لو تغير لون السماء، وحتى لو تصدعت هذه الأراضي الشاسعة بعنف، وحتى لو هاجمت العالم كارثة طبيعية لم ترها تلك العينان الزرقاوان بعد، وحاولت أحداث غير مسبوقة أن تعترض طريقه، فسيبتسم.
هل جُن؟ أجل، كان مجنونًا.
هل كان سكرانًا؟ أجل، كان سكرانًا.
ليس من القتال. ولا من الخمر. ولا من الحب. ولا من الدم.
بالتأكيد، تمامًا، بلا شك، مهووس. قطعًا، بلا ريب، بلا جدال، سكران. واصل ذلك الفتى الابتسام.
إن لم يفعل ذلك――،
الفتى: [――الناس المشغولون لن يلقوا بأبصارهم على مسرح لممثل ممل، أليس كذلك؟]
حتى عندما لا يحدث شيء، يمكن أن تُذرف الدموع. لكن، هل كان ممكنًا أنه حتى عندما لا يحدث شيء، يمكن للمرء أن يبتسم؟
إن كان الأمر كذلك، فإن الابتسام سيكون بداية شيء ما. كان الابتسام يعني أن حكاية ما بدأت تتكشف.
سواء كانت تلك الحكاية قد بدأت بالفعل، أو كانت تبدأ من هنا فقط، لم يكن يعرف.
أي أن الابتسام كان دليلًا على أن المرء قد عقد عزمه على الصعود إلى المسرح؛ هكذا كان الفتى يعرّفه.
لذلك――،
الفتى: [بكل تأكيد، لا تتردد في الابتسام، ما رأيك؟ لقد تكبدت عناءً كبيرًا لتجهيز كل شيء بالكامل حتى هذه النقطة. إن أمكن، سيكون إغراقك بضحكات عالية ممتعًا بقدر هزيمتك!]
؟؟؟: [――――]
الفتى: [أوه، هل من الممكن أن وجودي هنا غريب؟ إن كنتِ تظنين أن أحد حلفائك عصاك وتحدث عن الأمر أو شيء من هذا القبيل، فذلك قلق لا داعي له! لا أعرف حقًا السبب، لكنني جئت كل هذا الطريق بناءً على حدس فحسب!]
وبينما كان يبتسم بمرح ويصفق بيديه، ثبت زوريه 【3】 بقوة على الأرض وتوقف عن التظاهر.
كان حاجز الخزان خلفه قد تصدع، والماء يستمر في التدفق، وواقفًا أمامه، سادًا الطريق، رأى الفتى―― سيسيلوس سيغمونت، هيئة خصم أمام عينيه.
كان ذلك――،
؟؟؟: [ماذا أفعل بك، كم هذا شاق. ――التدبر: مطلوب.]
――يتبعها عدد كبير من الأموات، كانت هناك ساحرة قصيرة القامة.

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
ترجمة: AurenZzZ
تدقيق: القاضي الموقر
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
【1】 – كانزاشي / أوبيدومي: زينة نسائية. كانزاشي توضع في الراس، أوبيدومي زينة حزام الكيمونو.
【2】 – هنا ليست مجرد “قدرات”؛ هي خصائص/مقومات/مؤهلات تجعلها وجودًا استثنائيًا.
【3】- الزوري هو صندل ياباني تقليدي
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
ملاحظة المترجم: راح اتأخر شوي في ترجمة الفصل العاشر عشان وراي مذاكرة ♥︎♥︎♥︎♥︎♥︎♥︎♥︎♥︎♥︎