الفصل 478 - تغيير شروط الإنتصار
الفصل الأول
«تغيير شروط الإنتصار»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
――إن المعركة بين القوات الإمبراطورية والمتمردين، التي اتخذت من عاصمة إمبراطورية فولاكيا، لوبوغانا، ساحةً لها، قد دخلت مرحلتها الأخيرة، ناثرةً بذور الفوضى في جميع أرجاء البلاد.
وبدا موت «فينسنت فولاكيا»، الذي قُتل برصاصةٍ من ضوء أمام العرش داخل قصر الكريستال، في أعمق بقعةٍ من العاصمة الإمبراطورية، مماثلًا لذلك أيضًا. فقد تخلى الجنرالات السَاميون التسعة، الذين أُمروا بحراسة أسوار المدينة التي تحمي العاصمة الإمبراطورية، عن واجباتهم. كما أن الظهور المفاجئ لمقاتلين مجهولين في ساحة المعركة، بالإضافة إلى المجموعة الغامضة القادمة من الغرب والتي أحدثت فجوةً هائلة في خط المواجهة، قد ساهم بالتأكيد في الفوضى التي عمت المدينة بأسرها. ولا شك أن هذه أيضًا كانت بذورًا للفوضى.
ومع ذلك، وفي خضم وضع الحرب هذا، كان موضع البذرة التي نمت أكثر من غيرها هو――،
فينسنت: [――امتثلوا لي! لم يعد الموقف يقترب حتى من كونه صراعًا بين الجيش الإمبراطوري والمتمردين! لقد غيّر تدخل طرفٍ ثالث شروط الانتصار!]
واقفًا فوق كومةٍ من الأنقاض، رفع رجلٌ صوته من على منصةٍ مرتجلة.
كان رجلًا وسيمًا، بعينين سوداوين حادتين تتقدان بذكاءٍ حاد، ودماءٍ جافة تلتصق بشعره الأسود، وصوتٍ يتردد صداه بوضوح حتى في ساحة معركةٍ صاخبة.
في ساحة معركةٍ يهيمن عليها العنف―― بل، في إمبراطورية فولاكيا التي يهيمن عليها العنف، قد يتساءل المرء ما الذي يمكن أن يجذب الناس إلى هيئة هذا الرجل العاجز.
لم يسخر أحدٌ من الرجل، حتى لو أرادوا ذلك. بل اكتفوا بتوجيه انتباههم إليه والاستماع.
إن الدماء الجارية في عروقهم، بوصفهم أبناءً للإمبراطورية، وكيانهم الذي صاغه هذا الرجل ذاته، لم تكن لتسمح لهم بأن يصرفوا آذانهم عن صوته المنبعث من تلك المنصة المشوهة.
――لم تكن لتسمح لهم بأن يصرفوا آذانهم عمن يهتف من عرشه فوق الأنقاض، فينسنت فولاكيا نفسه.
الجميع: [――――]
لقد وصل إعلان فينسنت الصاخب إلى مسامع تشكيلةٍ بارزة من الشخصيات.
حيث اصطف كلٌ من غوز رالفون وأولبارت دونكلكين، وكلاهما من الجنرالات السَاميين التسعة، إلى جانب بيرستيتز فوندالفون، رئيس الوزراء الإمبراطوري، وحتى أوبيلك راصد النجوم، الذي سُمح له بدخول القصر الإمبراطوري نظرًا للدور الخاص الذي يضطلع به.
وبالنظر إلى الفصيل الذي انتمى إليه كل واحدٍ من الحاضرين خلال الصراع الذي دار قبل لحظات، فمن الممكن جدًا القول إن الوقوف وجهًا لوجه معهم، وعلى مسافةٍ تجعله أعزلًا تمامًا أمامهم، كان أمرًا مميتًا بحق.
ومع ذلك――،
فينسنت: [يعمل موغورو هاغاني على قمعه، لكن من يواجهونه في السماء بالأعلى هو باليروي تيميغليف، الذي يُفترض أنه ميت. لسببٍ ما، لقد بُعث من جديد مع تنينه المحبوب.]
بيرستيتز: [لدي رسالةٌ لك بخصوص هذا الأمر. ――لقد التقيت بصاحبة السمو لاميا جودوين في قاعة الاستقبال. أعتقد أنها هي نفسها كما كانت في ذلك الوقت.]
غوز: [كيف تجرؤ! كان ينبغي أن أرفع أنا هذا التقرير! جلالتك! لم تكن لاميا فقط هي الحاضرة، بل كان هناك أيضًا أفرادٌ آخرون من العائلة الإمبراطورية ممن لقوا حتفهم في مراسم الاختيار الإمبراطوري!]
ردًا على كلمات فينسنت، أجاب بيرستيتز وغوز.
كان غوز، الذي ظل مخلصًا بلا هوادة لفينسنت على الرغم من اختفائه، لا يزال يشعر بالحنق من تبدل ولاء بيرستيتز.
ومع ذلك، وبما أن شاغل بيرستيتز الأصلي كان ازدهار إمبراطورية فولاكيا، فيمكن وصف موقف العجوز بأنه طبيعي عندما يتعلق الأمر بحالةٍ يكون فيها وجود الإمبراطورية بحد ذاته على المحك.
وبمجرد طرح هذه الاستطرادات باعتبارها أمورًا تافهة، انحصرت اهتمامات فينسنت في أمرٍ محدد.
فينسنت: [أوبيلك، كان لديك بعض المعرفة المسبقة عن سبب الكارثة العظمى. وفي هذه الحالة، هل يشكل إحياء باليروي تيميغليف ولاميا وغيرهما من أفراد العائلة الإمبراطورية الكارثة العظمى؟]
أوبيلك: [فيما يتعلق بهذا الأمر، يمكنني أن أقول «نعم» و«لا» على ذلك، جلالتك. لقد أخبرتني الهمسات أن موت فينسنت فولاكيا سيكون الشرارة التي ستشعل الكارثة العظمى، وقد دبرت كـل~ أنواع المخططات لمنع سقوط الإمبراطورية…]
فينسنت: [ألم تكن على علمٍ بالتفاصيل؟]
أومأ أوبيلك برأسه بملامح خالية من الهموم على وجهه وأجاب: «أجـل~، هذا صحيح».
كانت الإجابة متوقعةً إلى حدٍ ما، لكن اليقين الذي اكتسبه كان مفيدًا لفينسنت. كان أوبيلك وزملاؤه من متأملي النجوم يعارضون الكارثة العظمى، وهو ما تجلى في حقيقة أنهم أنقذوا فينسنت من السقوط.
فينسنت: [إذا كان الأمر كذلك، وفي الوضع الحالي، فإن وجودك أصبح خارج نطاق اعتبارنا في الوقت الراهن. ناور فقط كي لا تموت.]
غوز: [جلالتك! أرجوك اترك هذا الموقف لي، وضع سلامتك الشخصية في المقام الأول! أنا، غوز رالفون، سأبذل قصارى جهدي لأكفّر عن غيابي――]
فينسنت: [――اصمت.]
غوز: [――هـك!]
بنظرةٍ خاطفة إلى غوز المنفعل، سحق فينسنت اندفاعه بكلمةٍ واحدة.
أراد غوز فرصةً لإثبات ولائه للإمبراطور والتكفير عن تأخره في وقتٍ حرج، لكن سماحه لفينسنت بالفرار من تمرد تشيشا في المقام الأول كان يعني أن أداءه كان كافيًا.
لو لم يخض غوز قتالًا شرسًا، لكان فينسنت قد وقع في أسر تشيشا، ومن المحتمل جدًا أنه حتى إعداد الوضع الحالي في العاصمة الإمبراطورية لم يكن ليكون ممكنًا―― بل إن الوضع الحالي كان قد جرى إعداده بالفعل.
فينسنت: [――――]
وضع فينسنت يده على ذقنه ورسم خريطةً ذهنية للعاصمة الإمبراطورية، مجمعًا شتات الموقف.
على الرغم من أن فقدان الدم وإرهاق جسده كانا يؤثران على قدرته على التفكير، إلا أنه لحسن الحظ، كان الألم في ترقوته جراء ضربة تشيشا له في قاعة العرش يوقظ وعيه بقوة. كما ظلت عزيمته في ذروتها.
لم يكن يعتقد أن حتى هذا الألم كان جزءًا من خطة تشيشا، لكن――،
سيسيلوس: [أمم، عذرًا على المقاطعة بينما يثرثر الجميع، لكن لدي دورٌ لأقوم به في فتن العالم بطريقتي الخاصة. هل من المانع أن أستأذن في الانصراف؟]
غوز: [ماذا!؟ الجنرال من الدرجة الأولى سيسيلوس!؟ عما تتحدث!؟]
سيسيلوس: [حسنًا، إنني أسمع عن هذا الجنرال من الدرجة الأولى من حينٍ لآخر، لكنني لست مهتمًا حقًا، لذلك لا يعلق الأمر في ذهني. ربما أخطأت وخلطت بيني وبين شخصٍ آخر؟ سيكون من المؤسف جدًا لهذا الجنرال من الدرجة الأولى أن يُقارن بي في هذه الحالة!]
في هذا الموقف، لم يكن عقل فينسنت وحده هو الذي يدور ويعمل بأقصى سرعة.
علاوةً على ذلك، وضمن دائرة نصف قطرها عشرات الأمتار―― والتي لم تكن سوى خطوةٍ واحدة لجسد موغورو الضخم، استمرت المعركة ضد الثنائي المكوّن من تنين السحاب ميزوريا وباليروي.
تدفقت المياه من الخزان المحطم، الذي كان من الممكن رؤية تحطمه من مسافةٍ بعيدة؛ ولم تكن سوى مسألة وقت قبل أن تجتاح الأمواج العاصمة الإمبراطورية بأكملها. بالإضافة إلى ذلك، فإن سيسيلوس، الذي كان يثير ضجة، قد أصبح ضئيل الحجم.
رغم أن مواقف غوز، وبيرستيتز، وحتى أولبارت المعروضة كانت تتمثل في انتظار قرار فينسنت، إلا أن صاعقة البرق الشابة هذه وحدها لم تندرج ضمن خطته
ليس فقط مظهره، بل حتى ما يجول في عقله بدا وكأنه يميل نحو عدم النضج، لذلك لم يكن لدى سيسيلوس أي نظرة ثقة في عينيه تجاه إعلان فينسنت.
سيسيلوس: [لقد كان خطابًا رائعًا في وقتٍ سابق! أنا متأكدٌ من أنك إمبراطور فولاكيا، لكن للأسف، أنا لا أنحني للآخرين لمجرد أنهم أباطرة. إذا كنت تريد تغيير المسار الذي أسلكه، فسيتعين عليك إعداد هاناميتشي من أجلي!] [1]
فينسنت: [――. تمامًا كما فعل ناتسوكي سوبارو، أليس كذلك؟]
سيسيلوس: [――؟ للأسف، لا أعرف من يكون. يبدو الاسم مشابهًا لاسم شخصٍ أعرفه، لكن لا يمكنني التذكر تمامًا. أشعر وكأنني تحدثت عن هذا الأمر في وقتٍ سابق مع امرأةٍ جميلة.]
أجاب سيسيلوس وهو يلوي عنقه ويتململ بساقيه القصيرتين.
لم يكن فينسنت متأكدًا من هوية «المرأة الجميلة» التي شغلت بال سيسيلوس، ولكن بمجرد دخول سيسيلوس الصغير إلى المعركة من أجل العاصمة الإمبراطورية، أصبح فينسنت مقتنعًا.
مقتنعًا بأن ناتسوكي سوبارو هو من قاد المجموعة غير المتوقعة التي اجتاحت ساحة المعركة من الغرب، وأنه هو أيضًا من أحضر سيسيلوس معه.
ومن ثم――،
فينسنت: [الأمر لا يقتصر على الوضع الحالي. ليس بجديدٍ أنك لا تتبع أوامري. انطلق واركض كما يحلو لك.]
سيسيلوس: [أوه، أنت متفهمٌ للغاية. ومع ذلك، لم تكن لدي أي نية لاتباع أوامر أحد بطاعة بغض النظر عما يُقال لي على أي حال. لذا، سأستأذن بالانصراف من هنا إن لم تمانع.]
فينسنت: [سيسيلوس.]
لوح سيسيلوس بيده نحو فينسنت، الذي قرر أن يتركه يفعل ما يشاء، وكان على وشك الانطلاق بعيدًا. وعندما نُودي باسمه من الخلف، استدار البرق الشاب قائلًا: «نعم؟».
التقت نظرة فينسنت بعيني سيسيلوس، اللتين ظلّتا تحملان الصعوبة نفسها في التعامل معه منذ لقائهما الأول
فينسنت: [وفقًا لاتفاقنا السابق، سأعد لك المسرح للحظتك العظيمة.]
سيسيلوس: [――آها.]
غادر سيسيلوس بضحكةٍ صغيرة بعد إعلان فينسنت الموجز.
إن سرعة حركاته الخاطفة كالبرق، التي لا تترك أثرًا حتى وهو في حالته غير المكتملة، كانت السبب في أن لقب أقوى من في فولاكيا كان من نصيب ذلك الرجل، ولماذا كان ذلك اللقب راسخًا لا يتزعزع.
على أية حال――،
بيرستيتز: [جلالتك، هل كل شيءٍ على ما يرام؟ أما بالنسبة للجنرال من الدرجة الأولى سيسيلوس…]
فينسنت: [ليس لدي وقتٌ لأضيعه في توافه الأمور. تمامًا كما عوملت أنت وأوبيلك. والأهم من ذلك…]
كان التعامل مع سيسيلوس المختفي أقل إلحاحًا من معالجة المشكلة الحالية المطروحة.
واجه فينسنت عيني بيرستيتز الضيقتين وتحدث بصوتٍ يمكن أن يسمعه غوز، وأولبارت، والآخرون خلفه.
وما قاله كان――،
فينسنت: [――سوف نتخلى عن العاصمة الإمبراطورية. وسوف نتراجع مع الحفاظ على أكبر قدرٍ ممكن من قوتنا العسكرية.]

△▼△▼△▼△
ممتطين ظهر حصان غيلويند الأحمر، شقت المجموعة طريقها عبر العاصمة الإمبراطورية في خضم زوبعةٍ من الارتباك والفوضى.
كان في مقدمة المجموعة الوجه المألوف لناتسوكي سوبارو، وإلى جانبه الفارس إيدرا ميسانغا والفتاة الشابة القوية تانزا، وبفضل هؤلاء/وبفضلهما ظلّت القدرة الاختراقية لكتيبة الثريا محتفظة بقوتها.
سوبارو: [علاوةً على ذلك، بانضمام النجمتين البارزتين هنا، بياتريس ولويس، أصبح الزخم في صالحنا!]
في المقدمة، كان إيدرا يمسك بالزمام، وخلف ظهره كانت بياتريس محشورةً بين ذراعي سوبارو القصيرتين وكأنها شطيرة، بينما استقرت لويس وتشبثت بظهر سوبارو.
وعلى نحوٍ غير متوقع، قاد البالغ إيدرا هؤلاء الأطفال الأربعة ولكن――،
بياتريس: [――مينيا!]
لويس: [أواو!]
تانزا: [أستميحك عذرًا.]
كانت يد بياتريس المرفوعة تطلق السهام الأرجوانية، بينما كانت لويس تشن هجماتها المنفلتة وهي تنتقل عبر الفضاء، وكانت قبضتا تانزا تحصدان بلا عناء كل من يعترض طريقهم.
بعد القفز من فوق أسوار المدينة المدمرة نحو العاصمة الإمبراطورية، استهدف سوبارو ورفاقه قصر الكريستال الذي كان يلوح في الأفق من بعيد―― تلك القلعة المتلألئة التي يتربع فيها الإمبراطور المزيف.
الإمبراطور المزيف القابع في تلك القلعة، الشخص الذي انتحل هوية فينسنت فولاكيا.
إذا ما تمكنوا من هزيمته، فسيضع ذلك حدًا لهذه الحرب الأهلية العظمى في إمبراطورية فولاكيا، والتي تورط فيها سوبارو بصورةٍ حتمية.
ومؤمنًا بذلك، اندفع إلى الداخل، مستعدًا للجموح وإثارة الفوضى.
إيدرا: [شوارتز! هؤلاء الرجال ينبثقون من العدم بغض النظر عن المسار الذي نسلكه! ما هذا بحق؟]
صوت إيدرا، رغم أنه لم يصل لحد الصراخ، كان مبحوحًا برعبٍ دفين.
لعل ذعره قد انتقل عبر الزمام في يديه لتبدأ مشية حصان غيلويند في التعثر، لكن سيكون من غير المنطقي أن نتوقع منه تحمل ذلك ببساطة أو التغاضي عن الأمر.
على أية حال――،
سوبارو: [ما خطب هؤلاء الرجال ذوي الوجوه الشاحبة بحق؟!]
لقد كانوا يعلمون أنهم بمجرد توغلهم في العاصمة الإمبراطورية، فمن الطبيعي أن يواجهوا مقاومةً مستميتة من الجنود الإمبراطوريين.
ومع ذلك، لم يواجه سوبارو ورفاقه جنودًا إمبراطوريين فعليين في العاصمة الإمبراطورية إلا خلال المراحل الأولى فقط. ومنذ ذلك الحين، بات سوبارو والآخرون يواجهون كائناتٍ غريبة المظهر، جميعها بوجوهٍ شاحبة.
أولئك ذوو الوجوه الشاحبة والعيون الذهبية، بتشققاتٍ تشبه الزجاج تمتد على جميع أنحاء أجسادهم، سدوا طريق سوبارو والآخرين بسلوكٍ باردٍ وقاسٍ.
――لا، لم يكونوا يعترضون طريق سوبارو ورفاقه فحسب.
تانزا: [شوارتز-ساما، هؤلاء، إنهم يهاجمون الجنود الإمبراطوريين أيضًا.]
ركلت تانزا مجموعةً من ذوي الوجوه الشاحبة ودفعتهم بقوةٍ لتسحقهم ضد جدار، وأطلقت تقريرها على هذا النحو
وكما قالت، فإن ما كان يتكشف على حافة رؤيتها هو وجود «عدو» لم يكن يهاجم سوبارو ورفاقه، بل يهاجم الجنود الإمبراطوريين الذين كانوا يحرسون المدينة.
بالطبع، لم يكترث هؤلاء «الأعداء» بمشاعر سوبارو، على عكس كتيبة الثريا. بل كانوا يسعون بلا هوادةٍ لسلب أرواح الجنود الإمبراطوريين باستخدام الأسلحة التي بحوزتهم.
لهذا السبب――،
سوبارو: [――تانزا! إذا سمحتِ!]
تانزا: [فهمت.]
وبسماعها لطلب سوبارو غير المنطقي، انطلقت تانزا متسارعةً وهي تركل الأرض.
اندفعت ككرةٍ مسرعة نحو صفوف العدو―― حيث يقبع الجنود الإمبراطوريون، ولحقت بأولئك الذين كانوا على وشك سلب أرواحهم، شاقةً ظهورهم بحذائها ذي النعل السميك.
؟؟؟: [――هـك!]
سُمعت صرخة ألمٍ قصيرة، واصطدم «العدو» المضروب بالمباني على كلا الجانبين.
ألقت تانزا نظرةً خاطفة على المباني المدمرة، وعلى حراس الإمبراطورية الذين نُجيت أرواحهم خلف سحابة الدخان الكثيفة، ثم قالت: «امضوا في طريقكم» تاركةً إياهم يفرون.
لحسن الحظ، اختار الجنود المنقَذون مغادرة المنطقة بدلًا من محاولة استهداف ظهر تانزا.
سوبارو: [هذا مفيد… لكن ماذا عن هؤلاء الرجال؟]
كانت جهود تانزا تحول دون حدوث وفياتٍ غير مرغوب فيها؛ ومع ذلك، تحمّل سوبارو وطأة أثر ضربتها، وراح يلهث متفاجئًا من الدمار الذي أحدثه «العدو» عندما اصطدم بالمباني محطمًا إياها.
كان السبب وراء عدم نهوض «العدو» يرجع جزئيًا إلى قوة ركلات تانزا الهائلة، ولكن الأهم من ذلك، أنهم لم يكونوا في حالةٍ تسمح لهم بالنهوض مرةً أخرى.
كان جسد «العدو» محطمًا ومتناثرًا إلى قطع. ومع ذلك، لم يكن الجسد عبارة عن جثةٍ بشعة، بل بالأحرى تحطم كما لو أن كأسًا من الخزف قد سقطت على الأرض.
لم يكن هناك أي دماءٍ أيضًا. كما لو أن الدماء لا تجري في عروقهم.
سوبارو: [كيف يعملون؟ هل هم مثل الدمى أم ربما آليون…؟]
بياتريس: [――لا يعقل أن يكون ذلك، سر الملك الخالد، في الواقع؟]
سوبارو: [――! هل لديكِ فكرة عما يجري، بياتريس!؟]
لم يغفل سوبارو عن الكلمات التي نسجتها شفاه بياتريس اللطيفة كحبة الكرز، وهي التي كانت تريح جسدها على صدر سوبارو، واضعةً ثقتها الكاملة فيه.
خفضت بياتريس رأسها استجابةً لرد فعل سوبارو،
بياتريس: [إنه نوعٌ من السحر الذي، عند الموت، يعيد الروح إلى الجسد الذي فارقته… تقنيةٌ محرمة، أظن. لقد بحثت فيها الأم في الأصل، ولكن من المفترض أنها تُركت غير مكتملة.]
سوبارو: [تقنيةٌ محرمة لإحياء الموتى، إذن هي نوعٌ من سحر مستحضري الأرواح؟ هناك جزءٌ من رأسي لا يزال مشوشًا قليلًا، لكن يا رجل، أمكِ هذه حقًا عديمة النفع!]
بياتريس: [هذه ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها سوبارو بالسوء عن الأم، في الواقع. لكن، بيتي ستنزعج حقًا إن واصلت قول ذلك، لذا توخَّ الحذر، أظن.]
بناءً على تحذير بياتريس، وحاجباها مرفوعان، أخرج سوبارو لسانه وأغمض إحدى عينيه في حركة تفكير.
ومع ذلك، لم يكن رأي بياتريس اللطيفة ليُتجاهل. ماذا لو كان استحضار الأرواح، المسمى بسر الملك الخالد، هو ما يخلق هؤلاء الأعداء؟
سوبارو: [أتقصدين أن هناك شخصًا كمستحضر أرواح بين الجنرالات السَاميين التسعة للإمبراطورية؟] [2]
بياتريس: […إذا كان الأمر كذلك، فإن آبل يتجاوز حدوده حقًا لعدم حديثه عن مثل هذه الأشياء مسبقًا، في الواقع. علاوةً على ذلك، فهذا سيعني أننا لن نكون قادرين على التمييز بين الصديق والعدو، أظن.]
سوبارو: [أفترض أن هذا ممكنٌ أيضًا في إمبراطوريةٍ ذات أخلاقياتٍ معيبة كهذه، لكن… مهلًا! أنتِ تعرفين من هو آبل!؟]
بياتريس: […بيتي تعرف، في الواقع.]
سماع هذا الاسم غير المتوقع من فم بياتريس جعل عيني سوبارو تتسعان دهشةً. وأمام مفاجأة سوبارو، أكدت بياتريس ذلك بنظرةٍ مريرة تعتلي وجهها.
وكانت مرارة تعبير وجه بياتريس توضح بجلاء أنها التقت بآبل بالفعل، وأنه لم يكن مجرد شخص آخر يحمل الاسم نفسه.
ولأن آبل كان غير متوافقٍ بطبيعته مع الجميع، فإن التفسير الواضح هو أنه غير متوافقٍ مع بياتريس أيضًا.
اضطربت معدة سوبارو لمجرد التفكير في نوع المعاملة الوقحة التي عرّض آبل بياتريس لها، ولكن――،
سوبارو: [――بالطبع سيكون ذلك الرجل هنا.]
كان من غير المعقول ألا يكون آبل في قلب الحصار في هذه المعركة العظمى. ولكن، وبما أنه لم يكن يعرف تفاصيل تشكيلة قوات المتمردين، فقد اعترته مشاعر مختلفة عندما أُخبر بوضوح أن هذا هو الواقع.
إذا كان آبل متواجدًا هنا، فسيحتاج إلى التفكير أكثر قليلًا في تحركاته.
سوبارو: [إذن، هل يجب أن أترك قتال الزومبي لهم هناك بدلًا مني؟ أم سيكون من الأفضل لو كنت أنا مع بياتريس اللطيفة والخبيرة في الزومبي نندفع للتعامل مع… آوتش آوتش آوتش! ماذا!؟]
بياتريس: [همم، أظن ذلك. لقد كان تعبير وجه سوبارو مزعجًا قليلًا، في الواقع.]
سوبارو: [لماذا! هذه النظرة في عيني التي تجمع بين الجاذبية والوقاحة هي هكذا منذ الولادة كما تعلمين!؟]
بياتريس: [لقد كان من المزعج كيف بدوت مرتاحًا بشكلٍ غريب عندما سمعت اسم آبل، أظن.]
تقوس فم سوبارو في عبوس عندما قرصت بياتريس فخذه موجهةً إليه اتهامًا غير عقلاني.
وعلى الرغم من صعوبة تحديد المقدار بدقة، إلا أن تقييم بياتريس لسوبارو ربما بات أكثر صرامةً خلال الفترة الزمنية التي انفصلا فيها.
بالتأكيد، لقد أدرك تفوق آبل من حيث القدرات. ولكن، وفي ظل ظروف هذا الصراع واسع النطاق، لم يكن يشعر بأي طمأنينةٍ لمجرد سماع اسم آبل.
وبأي معيار، كان لقاؤه ببياتريس مناسبةً أكثر بهجةً بأشواط من لقائه بآبل.
سوبارو: [أنتِ رقم واحد بالنسبة لي يا بياتريس، لا تسيئي الفهم.]
بياتريس: [إذن أثبت ذلك من الآن فصاعدًا، في الواقع.]
سوبارو: [أوه، بالتأكيد!]
وردًا على حكم بياتريس المتسامح، ربت سوبارو على كتف إيدرا وجعل حصان غيلويند يتوقف على الفور.
لم تكن هناك أي علاماتٍ على وجود أعداء أو مدنيين في الجوار، لكنه أراد تحديد مسار العمل للمرحلة القادمة.
تانزا: [شوارتز-ساما، إذا انتهيتما من المغازلة، فماذا تقترح أن نفعل؟]
سوبارو: [تصرفاتكِ لاذعة جدًا! لم أكن أغازل… لكن بياتريس! هل يتوقف سحر الزومبي هذا عندما يُهزم مستخدمه؟]
ملسوعًا بتعبير تانزا الخالي من المشاعر، لجأ سوبارو إلى رأي بياتريس المستنير؛ بياتريس، عندما سُئلت، أخذت تعبث بشعرها الملفوف عموديًا بأصابعها، وكان كلاهما يحمل التعبير نفسه على وجهه،
بياتريس: [إن أنواع السحر التي تتدخل في أجساد الآخرين هي في الغالب سحر الين وسحر اليانغ، أظن. مع أيٍ من هذين العنصرين، وبشكلٍ عام، عندما يموت الملقي، تنقطع تأثيرات السحر، في الواقع. وبالمثل، سيكون من الجيد الاعتقاد بأن هذا هو الحال هنا، أظن.]
تانزا: [تلك الصياغة يختلط بها بعض التمني. أليس ذلك مؤكدًا؟]
بياتريس: [حتى بيتي لم ترَ سر الملك الخالد يتحقق أبدًا، في الواقع! لا يمكن للمرء أن يكون غير مسؤولٍ بصبيانيةٍ لدرجة إصدار حكمٍ عشوائي بناءً على التكهنات فحسب، أظن.]
سوبارو: [اهدئي، اهدئي! إذن، ليس لديكِ أي فكرةٍ عن نطاق التأثير أو عن المكان الذي يُستخدم منه هذا السحر؟]
بياتريس: […إنه أمرٌ مؤسف، ولكنه يعتمد على المستخدم، في الواقع.]
نظرت بياتريس إلى تانزا بإحباط وهي ترد، كما لو كانت تعتقد أن تانزا قد تستخف بها مرةً أخرى. ومع ذلك، لم تنتقد تانزا بياتريس لاعترافها بعدم كفايتها.
في هذا الصدد، لم تكن تانزا تحط من قدر أحد، حتى أولئك الذين لم تكن على أفضل انسجام معهم.
سوبارو: [ليس لدينا وقتٌ للشجار؛ إلى جانب ذلك، بياتريس، ما قلتيه يساعدنا حقًا. شكرًا لكِ.]
بياتريس: [لم تكن إجابةً تستحق الثناء كثيرًا، أظن.]
انتفخت وجنتا بياتريس وهو يربت على رأسها شاكرًا إياها. كان من المغري حقًا وخز وجنتيها المنتفختين بأصابعه، لكنه شعر أيضًا أنه قد وُضع في موقفٍ صعب.
ونظرًا للظروف المحيطة، كان هجوم الزومبي هذا بلا شك موقفًا شاذًا عن المألوف.
بما أن الجنود الإمبراطوريين كانوا يتعرضون للهجوم، فقد كان من الممكن بالتأكيد أن يكون هناك مستحضر أرواحٍ في جيش المتمردين، وأن آبل عديم الضمير والقاسي القلب ربما لجأ إلى تكتيكاتٍ غير إنسانية؛ ومع ذلك، كان هناك شيءٌ مريب في طريقة التنفيذ وكيفية ظهور الزومبي من العدم.
أعطى هؤلاء الزومبي بوضوح انطباعًا بأنهم لم يغزوا المدينة من الخارج، بل إنهم قد نُشئوا من داخل المدينة ذاتها وأخذوا يعيثون فيها فسادًا.
إذا كانت هذه حقًا استراتيجية آبل، لكان الخيار الأمثل هو بدء حرب استنزافٍ منذ البداية. وربما كان من الوارد أيضًا استخدام تقنياتٍ عسكرية لم يكن سوبارو على درايةٍ بها.
سوبارو: [كما توقعت، إذا بدأوا في استخدام الزومبي، فسأضطر إلى التفكير في كيفية التعامل معهم.]
علاوةً على ذلك، وعلى الرغم من كونه انطباعًا مبهمًا في النهاية، إلا أنه شعر أن آبل لن يستخدم «الأموات» الفعليين لأغراضٍ عسكرية حتى وإن لجأ إلى «الموت» لأغراضٍ سياسية.
فقد ساوره الشك في أن نظرة آبل للحياة والموت، أو النظرة الفولاكية العامة في هذا الصدد، لن تسمح بذلك.
ولذلك――،
سوبارو: [يجب اعتبار وجود صانع الزومبي هذا ظاهرة غير طبيعية. إذا لم تنتهِ الحرب عندما نبرح الإمبراطور المزيف ضربًا في القلعة، فحينها…]
إيدرا: [ماذا الآن يا شوارتز؟ نحن نتبع قيادتك.]
سوبارو: [إيدرا…]
وضع سوبارو يده على ذقنه بينما أدار إيدرا رأسه نحوه لينطق بكلمات الثقة تلك.
لم يكن ذلك تنصلًا من المسؤولية لإلقائها على عاتق سوبارو، بل كان بالأحرى تأكيدًا صريحًا على استعداده للمخاطرة بحياته مع سوبارو في موقفٍ قد يقودهم إلى الموت مرةً أخرى.
لقد بلغ سوبارو هذه المكانة بمحض إرادته الخالصة.
وكان عليه بلا ريب أن يفي بتلك المسؤولية. وبفضل إيدرا وأعضاء كتيبة الثريا، بات بإمكان سوبارو مد يده إلى أبعد مما كان عليه من قبل.
سوبارو: [لست متأكدًا تمامًا مما يجب فعله في هذا الموقف، ولكن في النهاية… آواواواواو! آو، آو!]
بياتريس: [سوبارو!]
تانزا: [شوارتز-ساما!]
أومأ سوبارو برأسه مستوعبًا حجم مسؤوليته، لكنه صرخ من ألم قرص بياتريس لفخذه ومن ألمٍ آخر مباغت، الأمر الذي جعل بياتريس وتانزا توسعان أعينهما نحوه في ذهول.
هذه المرة، شعر سوبارو بالألم لأن أحدهم كان يشد شعره.
والمسؤول عن ذلك لم تكن بياتريس أو تانزا، وبالتأكيد ليس إيدرا، بل――،
سوبارو: [ماذا بحقك يا لويس! لا تشدي شعري! إن العناية به منذ سنٍ مبكرة هي استراتيجية دفاعٍ حيوية كي لا أعاني من الصلع عندما أكبر…]
لويس: [أواو! أوو! آو! آووو~!]
سوبارو: [ماذا؟]
راحت لويس تناشد سوبارو بيأس، بينما كان الأخير يحمي فروة رأسه التي شُد شعرها.
ربتت على ظهر سوبارو، ثم أشارت نحو الجانب الشمالي من العاصمة الإمبراطورية―― في نفس الاتجاه الذي يقع فيه قصر الكريستال، ولكنه منحرفٌ قليلًا عن المسار الرئيسي، واستمرت في حثه.
«لنتوجه إلى هناك»، أدرك سوبارو أن هذا ما كانت تحاول قوله.
سوبارو: [هل هناك شيءٌ ما هناك؟]
لويس: [آو!]
أجابت لويس على سؤال سوبارو بنبرةٍ رفيعة.
تجدر الإشارة أيضًا إلى أن لويس بدت مستقرةً عاطفيًا تمامًا الآن بعدما تمكنت من اللقاء بسوبارو. سوبارو نفسه كان يشعر بالارتياح الصادق لسلامتها، على الرغم من علاقتهما المعقدة.
وعلاوةً على ذلك، إذا كان هناك شيءٌ تنادي إليه لويس بيأسٍ شديد هكذا، فسيكون ذلك――،
سوبارو: [――بياتريس، دعيني أسألكِ شيئًا واحدًا. هل لا يزال الجميع معًا؟]
بياتريس: […الجميع، ليسوا معًا، في الواقع.]
ردًا على سؤال سوبارو الهادئ، تجنبت بياتريس الإدلاء بإجابةٍ واضحة.
ومع ذلك، كان من الواضح أن بياتريس لم تكن تتهرب من باب التظاهر، بل لتجنيب سوبارو الصدمة. ولإدراكه ذلك، استوعب سوبارو أيضًا سبب غموضها.
لذا――،
سوبارو: [تانزا، إيدرا! وأنتما كذلك يا بياتريس ولويس، تغييرٌ في الخطة!]
وبعد أن حسم قراره بشأن ما يجب القيام به، نادى سوبارو على الأعضاء من حوله من على ظهر حصان غيلويند.
على الأرجح، فإن المعركة المتركزة حول العاصمة الإمبراطورية لن تهدأ، بل ستشتد ضراوتها أكثر. وبما أن الزومبي وصانعهم كياناتٌ مجهولة، فقد كان الاستعداد أمرًا لابد منه.
بالطبع، كان بإمكانه نسج نظريةٍ كهذه، ولكن――،
سوبارو: [أولًا، سنتوجه إلى حيث تشير لويس! دعوني أستعيد شيئًا مهمًا من هناك!]
بياتريس: [بما أنها لويس، إذن… لا بد أنها هناك، أظن.]
جعل قرار سوبارو بياتريس تدرك الوجهة التي كانت لويس تشير إليها.
أومأ سوبارو مؤكدًا كلمات بياتريس، ثم التفت نحو تانزا وإدرا اللذين كانا ينظران إليه أيضًا، وتابع.
وكان ذلك――،
سوبارو: [――إذهبوا وأحضروا ريم، ثم فروا من العاصمة الإمبراطورية مع أكبر عددٍ ممكن من الناس! نحن في سباقٍ مع الزمن!]
وهكذا، وبشكلٍ غامض، اتخذ قرارًا سار في نفس الاتجاه مع ذلك الرجل الغائب عن هذا الموقف.
ترجمة وتدقيق: AurenZzZ
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
[1] – هنا يقول سيسيلوس إن فينسنت سيحتاج لتحضير هاناميتشي (花道) له، وهو في مسرح الكابوكي، ممشى مرتفع يمر عبر الجمهور وإلى المسرح لدخول وخروج الممثلين بشكل درامي. يطلب سيسيلوس أساسًا من فينسنت تحضير مسار للوصول إلى المسرح العظيم.
[2] – في هذا الفصل، يستخدم سوبارو كلًا من الكلمة اليابانية لمستدعي الأموات (死霊術師)، والكلمة الإنجليزية (ネクロマンサー).