الفصل 474 - تشيشا غولد
الفصل مئة وسبعة
«تشيشا غولد»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
لم يُخفِ قناع الأوني مدى تصلب وجه الرجل حين أُبعد.
تعبيرٌ من هذا القبيل قد يُساء تفسيره بسهولة. ورغم دهائه، أو لعل ذلك بسببه، كان الإمبراطور كثيرًا ما يوجز عباراته، حتى في المواقف التي لا يصب فيها ذلك في صالحه؛ ولم تكن ملامحه أقل صمتًا من فمه.
فإن كان ثمة من هو قادر على إدراك الحقيقة الكامنة خلف ذلك التعبير، فلربما كان هو نفسه، الذي أمضى عدة سنوات إلى جانب الإمبراطور.
تشيشا: [أو ربما――]
لو كانت شقيقة الإمبراطور الصغرى، التي يقدسها بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حاضرة في هذا المكان، أكانت لتكتشف الأمر أيضًا؟
على أية حال، لم يكن هناك أي جدوى من عقد المقارنات الآن.
ففي نهاية المطاف، وفي هذا المكان الضئيل والمعزول في الزمان والمكان، لم يكن أحد حاضرًا سوى نفسه.
△▼△▼△▼△
؟؟؟: [تشيشا تريم، هل تودّ الموت من أجلي؟]
في لقائهما الأول، وفور الإفصاح عن اسمه، تلقى سؤالًا يتناول مسائل الحياة والموت في المقابل.
كان تشيشا، البالغ من العمر أربعة عشر عامًا آنذاك، يعتقد أنه ناضجٌ بالنسبة لعمره، لكن لقاء ذلك الصبي، الذي يصغره بعامين، أجبره على إعادة التفكير.
فما أظهره الصغير الماثل أمام ناظريه كان نضجًا حقيقيًا، بينما لم تكن حالته الخاصة سوى غرورٍ أجوف.
؟؟؟: [――――]
فور طرح السؤال، انتظر الصبي بينما كانت عيناه السوداوان مثبتتين عليه.
كان شعره وقزحيتاه، وكلاهما أسودان كأنهما مشبعان بالظلال، يُعتبران من السمات غير المألوفة، حتى في أرض غنية بالتنوع العرقي كإمبراطورية فولاكيا. ورغم اختلاف لون عيني تشيشا، إلا أنه وُلد بشعر أسود كذلك. ولهذا السبب، طالما تعرض للسخرية، لذا كان بإمكانه التعاطف مع الصبي.
أو لعل الأمر لم يكن كذلك. بدا الأمر أشبه بالوقاحة الصرفة مجرد التفكير بأنهما يتشاركان شيئًا يستحق التعاطف.
الخصائص الجسدية، مهما بلغت من الندرة، تظل أمورًا تافهة حين تُقارن بما جعل الصبي مميزًا حقًا. وبغض النظر عن المصادفات السطحية، فإن أصول الطفل بذاتها هي ما رَفَعته بعيدًا عن عامة الناس، وتلك السلوكيات المترفة والمتألقة مبكرًا كانت نتاج تربيته أيضًا.
لقد وقف في موقع فريد، حيث كان لزامًا عليه أن ينمو على هذا النحو، لئلا يكتب له الهلاك.
وتحديدًا――،
تشيشا: [――الأمير فينسنت أبيلوكس.]

رُفِق اسمه بلقب، ودورٍ كُسب بالولادة.
كان هذا الفتى ذو الشعر الأسود، فينسنت، ابن دريزرن فولاكيا، سيّد إمبراطورية فولاكيا، وبالتالي أحد الأبناء العديدين الذين مُنحوا فرصة الوقوف يومًا على قمة الإمبراطورية.
لقد كان لديه أكثر من عشرين شقيقًا يمتلكون مؤهلات مماثلة، لكن ذلك لم يقلل من قيمة دمائه النبيلة بأدنى ذرة.
وبغض النظر عن ذلك――،
تشيشا: [――――]
تذكر تشيشا مسار أفعاله حتى الآن، باحثًا عن حل لشك واحد: كيف انتهى به المطاف بلقاء فتى بارز كهذا، ناهيك عن ركوب العربة ذاتها معه؟
لقد بدأ كل شيء بمجرد مساعدة بسيطة.
فقد صادف عربة متعطلة، وقد علق عجلها في خندق على الطريق السريع. وبين الدفع والجذب، بُذلت محاولات عديدة عبثًا لتحريرها. اقترب من المكان وحرر العربة المائلة من الخندق العميق عبر إدخال لوح خشبي واستخدامه كرافعة.
ولمفاجأته الشديدة، كانت تلك المركبة تعود إلى سيّد عائلة أبيلوكس، وكان على متنها ذلك الشخص المشهور بصعوده إلى زعامة العائلة عبر «معجزة أبيلوكس»، فينسنت أبيلوكس بنفسه.
«معجزة أبيلوكس» كان الاسم الذي أُطلق على تمرد بدأ عندما خان أحد أتباع عائلة أبيلوكس رعايتهم الطويلة بالتآمر مع عائلة أخرى. ورغم أن تكتيكاتهم كانت بارعة، إلا أنهم تجرعوا هزيمة نكراء على يد قائد في الحادية عشرة من عمره. وفي النهاية، أُبيد المتآمرون جميعًا.
وحين غرق أفراد عائلته وجنوده في الكرب والاضطراب، ابتكر فينسنت، الذي ظلت سيرته مجهولة آنذاك رغم مكانته الأميرية، خطة لهم دون إبطاء. وبممارسته لبراعته الاستثنائية، حقق النصر هڪذا.
لقد استخف التابع الذي يقف خلف التمرد بفنسنت كعدو، حاكمًا عليه بأنه فريسة سهلة يمكن قطع رأسها كتذكار. وكانت تلك الأوهام المغرورة سببًا في هلاكهم.
ظهرت الحقائق إلى النور، ومثلها الشائعات الملفقة، مما منحه سمعة شائنة للغاية.
وباعتباره مواطنًا في الإمبراطورية، سمع تشيشا تلك القصص أيضًا، لكنه لم يتأمل قط احتمالات التورط معه―― وها هو ذا الآن، بتقلب غريب من القدر، يقف أمام الشخص الذي يهابه العامة.
وحينها، وُجهت إليه تلك الكلمات. ――عما إذا كان مستعدًا للموت من أجله أم لا.
تشيشا: [――――]
أيًّا ما كان ما سعى لكسبه من خلال ذلك الاستفسار، لم يستطع تشيشا تبينه.
في المقام الأول، جرت دعوته للصعود لسببين: لشكره على تحرير العجل، ولجلبه إلى القصر.
بطبيعة الحال، لم يمتلك تشيشا حق الرفض. ومهما بلغ استياؤه، لم يكن لرأيه أي وزن يُذكر.
لذا، تنازل عن جزء يسير من وقته وخطا داخل العربة. وفور أن وطأت قدمه المركبة، شرع فينسنت في استجوابه.
لم يكن ملائمًا بدء ذلك التفاعل مع شخص ساعده للتو على متابعة رحلته. لكن هذا الصبي كان أميرًا بالولادة، وبالتالي اعتاد أن يصغي الناس لرغباته.
ورغم ذلك، فقد حمل سجلًا حديثًا نسبيًا يقضي بإبادة عائلة بأكملها وأتباعها، من واقع غضبه تجاه التابع الذي خان العهد. ولن يلوم أحدٌ طفلًا في الثانية عشرة من عمره على تطوير انعدام ثقة مفرط بالبشر بعد تجربة من تلك الطينة.
ولعل عقله لم يكن ليطمئن ما لم يفلح في تأكيد ولاء الجميع، حتى ولاء عابر سبيل مصادف.
امتد الصمت بالفعل لعشر ثوانٍ ونيف، وهي مدة أكثر من كافية ليصبح الأمر قلة أدب.
المسألة المطروحة تتعلق بشخصية لا تفوقه مرتبة فحسب، بل تسمو عليها. ومع ذلك، فقد أدرك الإجابة التي ينبغي عليه تقديمها، والإجابة التي يبتغيها الطرف الآخر.
من البديهي أن الطرف الآخر كان يتمنى سماع عبارة واحدة، «أنا مستعد».
كان هذا اختبارًا لتشيشا، كمواطن في الإمبراطورية. فإما أن يتعهد بالولاء الراسخ والخدمة الأبدية للأمير، أو يجلب على نفسه غضب سالف الذكر، مدركًا أن بداخله، كامنةً على الأرجح، بذور طاغية.
متحملًا المسافة غير اللائقة بينهما، حنى تشيشا رأسه عميقًا أمام السيّد المحتمل――،
تشيشا: [――معذرةً، لكني أخشى أنني لست كذااالك.]
وهڪذا، نطق بالإجابة الوحيدة التي كان عليه تفاديها.
تشيشا: [――――]
وبينما لا يزال رأسه منحنيًا، لعن تشيشا نفسه لارتكابه مثل هذه الهفوة باندفاع. علاوة على ذلك، شعر برغبة عارمة في الإمساك برأسه حرجًا بسبب غياب ضبطه لنفسه.
باتخاذ طبعه المتعجل سببًا، طالما تورط في مشاكل مع شخصيات نافذة وانتهى به المطاف منفيًا من بلدته. مرة تلو الأخرى، كان يخبر نفسه أن سلوكه قد يدمر مستقبله، لكنه لم يفلح قط في تقويمه.
وها قد ألقى أخيرًا بأسوأ إجابة ممكنة إلى أسوأ مخاطَب ممكن.
سيهلك قريبًا بأبشع الطرق وأكثرها غباءً: ضحية لحماقته الخاصة.
ومع ذلك، لم يكن صفيقًا لدرجة تقديم الإجابة المرغوبة بالطريقة المرغوبة على سؤال يتعلق بالموت، ناهيك عن النبرة المتغطرسة التي طُرح بها.
إن تَحطم قلبه، أو انطفأ كبرياؤه، فحسب ما يعنيه الأمر، حتى لو ظل يتنفس، فهو ميت لا محالة.
لم يكن يقدس أعراف فولاكيا، لكنه ظل مع ذلك رجلًا من الإمبراطورية.
لذا، لم يشعر بأي ندم حيال رده.
وإن كان ثمة ما يشعر به، فهو الأسف لاستغلال إحباطاته المثيرة للشفقة وتفريغها على صبي لم يكن يسعى سوى لشيء يهدئ شكوكه الخاصة بالثقة.
على الأقل، سيزول ذلك الشعور بالذنب بمجرد أن يفصل نصل الغضب رأسه عن كتفيه――،
فينسنت: [رائع. حافظ على تلك الرؤية، فستظل تخدمني من الآن فصاعدًا.]
تشيشا: [――. سأفعل؟]
فينسنت: [لا تنهِ تأكيداتك بنبرة صاعدة. وإلا، فستبدو كأنها استجوابية.]
تشيشا: [لم أخطئ، كان النطق متعمدًا… إذًا، أهذا يعني أنك لن تعدمني؟]
فينسنت: [بعد ثوانٍ من تأمينك؟ سيكون ذلك بلا حكمة.]
مغمضًا عينًا واحدة، قطب فينسنت حاجبيه بلمحة من الانزعاج.
لقد أزعجه تلقي سؤال عديم المعنى، ومع ذلك لم يعترض حين حُرم من عهد بالولاء. وجد تشيشا ذلك غريبًا، لكنه حافظ على رباطة جأشه وأعاد تفحص الموقف.
لسبب ما، بدا أن فينسنت يتغاضى عن وقاحة تشيشا.
بل وأبعد من ذلك، بدا وكأنه يفكر في تجنيد تشيشا كأحد أتباعه.
تشيشا: [أعتذر، لكني عاجز عن استيعاب هذا. أمن هواياتك المزاح مع أولئك الذين تنوي قتلهم قبل سلبهم حياتهم؟]
فينسنت: [أخبرني بربك، لمَ تصر على أن أقتلك بمثل هذه المكابرة؟ ذلك أمر أبعد ما يكون عن الفهم، أجرؤ على القول.]
تشيشا: [لا أقصد الإساءة، لكن من المعروف جيدًا أنك لا تتقبل أولئك الذين يعارضونك.]
وحين أدرك أن تعليقه مجددًا من النوع غير اللائق، كان قد أفلت من فمه بالفعل.
ومع ذلك، وبما أنه نجح في ارتكاب تعدٍ واحد، تحول تشيشا إلى موقف أكثر جرأة، مستعدًا لمعرفة كم مزيدًا من التعديات يمكنه ارتكابها قبل بلوغ الحد الفاصل، واضعًا حياته على المحك.
ومثلما كان يستمتع بكتاب، أو يطور معرفة جديدة، أو يثبت نظرياته عبر التنفيذ، فقد كان عازمًا على فك أسرار أفكار الأمير غير المعلنة.
فإن مات نتيجة لذلك، فليكن.
وبينما تنازل تشيشا عن مستقبله بأسره تقريبًا للشروع في هذه المغامرة الطائشة، أومأ فينسنت، وقد أدرك السياق الآن، بـ «آه» قبل أن يتابع:
فينسنت: [إن كنت تشير إلى التمرد الأخير، فقد جعلت من تلك العائلة عبرة لكون ذلك ضروريًا. ينبغي عليك تطويق أي وغد قد يتطلع لمحاولة الفعل ذاته. الخوف يولد أفضل النتائج لأجل ذلك.]
تشيشا: [أوهذا هو السبب أيضًا وراء جعلك تقطع قوات المقدمة للتابع المحرض وتعرضها على الطريق؟]
فينسنت: [إذا كان لابد أن تنتهي حياة ما، فمن الأفضل لك استغلالها إلى أقصى حد أولًا. ينبغي للناس أن يموتوا بطريقة فعالة.]
هڪذا رد فينسنت، مستندًا بذقنه على يده، جالسًا داخل العربة. لقد ترك منظوره التقشفي والواقعي تشيشا عاجزًا عن الكلام.
فما ذكره تشيشا كان الهجوم المضاد الأول والرئيسي الذي شنه فينسنت بغية قمع التمرد―― ذبح طليعة العدو، علاوة على التدنيس البربري لجثامينهم.
وبعد تحمل عذاب التنكيل بهم وهم أحياء، صُفّت جثثهم داخل ساحة المعركة. وانتشرت الشائعات بأن الوقوع في الأسر سيسفر عن عقاب مماثل، وهڪذا، اختار الخونة الآخرون تجاهل اتفاقهم مع المتآمر الرئيسي وتراجعوا ليلعبوا دور المتفرجين.
ووحده، محرومًا من أي مسار للهروب، ذهب ذلك المتآمر لمواجهة فينسنت، لينتهي به المطاف واقعًا في شرك استراتيجية الأخير الدامية. فلقد هلك، إلى جانب أقاربه وأتباعه، وهم يتذوقون الجحيم ذاته الذي تجرعه الجنود الآخرون.
وبطبيعة الحال، ومع ظهور هذه المعلومات، أعاد العامة صياغة تصورهم لفنسنت أبيلوكس ليصبح أميرًا قاسيًا ومتعطشًا للدماء. ولكن――،
تشيشا: [――أتلك الشائعات من صنيع يديك، لعل وعسى؟]
فينسنت: [إن كان مجرد حضوري يثير في نفسك الرهبة، فيمكنني على الأقل القول إن غرضها لم يذهب سدى.]
تشيشا: [هاهاا، جيد أن أسمع ذلك، أظننن…]
أكثر فأكثر، بدت أفكار فينسنت أعمق بكثير من أن تنبع من طفل في الثانية عشرة من عمره.
من جهة أخرى، ورغم أن فينسنت قد عفا عن وقاحته، لم يكن تشيشا يتوقع قدرته على إنجاز أية مهمة يخبئها فينسنت في جعبته لأجله.
فينسنت: [أي غرض دقيق أتوقعه منك، تتساءل؟]
وكأنه قرأ أفكار تشيشا، طرح فينسنت السؤال التالي.
لقد كان أكثر غموضًا من سابقه، والأكثر من ذلك، أنه تطلب من تشيشا فك لغز الغموض بعقله الخاص. بالتأكيد، كانت هناك مهمة شاقة مخصصة له، لكنه احتاج لتحديد ما تستلزمه.
مشكلة بالغة الصعوبة، حقًا.
وُلد فينسنت في العائلة الإمبراطورية، وكان مقدرًا له المشاركة في طقس الإمبراطورية الوشيك عاجلًا أم آجلًا. فأي غرض يمكن أن يجد في مجرد عامي مثل تشيشا؟
تشيشا: [أشك في أن بوسعي فعل أكثر من مساعدتك في إخراج عجل عالق للخااارج.]
فينسنت: [وهذا سيفيدني.]
تشيشا: [أوهوه، أفترض أنك تخطط للتعثر في خندق بانتظام من الآن فصاعدًا، إن كنت بحاجة لقوتي لهذه الدرجة؟]
شعر بميل يكاد يدفعه لتهنئة نفسه على بلوغ إنجاز جديد في قلة الأدب عبر تلك الدعابة المستفزة.
ومع ذلك، وحين سمعها، لم يختلج أي جزء من ملامح فينسنت.
فينسنت: [صحيح. الطريق الذي أشق طريقي عبره محفوف بالخنادق، ولا يمكنني تفادي جميعها. ومع ذلك، لا يمكنني البقاء في خندق بانتظار أن تحل المشكلة نفسها؛ وإلا، فسيأتي الموت لأجلي. وهذا يعني، أنني سأحتاج إلى طريقة لأنتشل نفسي متى ما علقت.]
تشيشا: […قبل أن نتابع، أمتأكد أنت من أن هذا النقاش لا يزال يدور حول العجلات؟]
فينسنت: [لم أخرج عن الموضوع قط منذ أن بدأنا الحديث.]
جعل هذا الرد الغريب قشعريرة تسري في جسد تشيشا، ليس لأنه شعر بالتهديد، بل لأنه استوعب أخيرًا أن شريكه في الحوار ظاهرة فريدة.
وعلاوة على ذلك، كان سالف الذكر يولي له تقديرًا مرتفعًا بشكل غريب.
استنتج تشيشا ذلك من حقيقة أنه، ورغم اتخاذه موقفًا وقحًا، والردود الفظة المعطاة، والاعتراضات غير المهذبة المنطوقة، بدا فينسنت غير مهتم بقتله.
أكان ذلك دليلًا على جدارة تشيشا، أم دليلًا على مبادئ فينسنت؟
وبغض النظر عن ذلك، لم يكن ليخطر بباله قط أن يومًا حافلًا كهذا كان بانتظاره عند استيقاظه صباح اليوم في مسكنه البائس.
فينسنت: [――――]
وبينما ظل تشيشا صامتًا، نظر إليه فينسنت، مستندًا برأسه على يده، ومغلقًا عينًا واحدة.
بعثت تلك الإيماءة بانطباع بغيض مفاده أنه كان يستمتع برضا إغلاق فم خصمه. وفاقدًا لكل قوة للمقاومة، حول تشيشا نظراته المستاءة نحو فينسنت، ووصل إلى إدراك مفاجئ.
تشيشا: [أرى، أنت لا تغمض كلتا عينيك في الوقت ذاااته.]
فينسنت: [ها قد توصلت إليها.]
تشيشا: [هاه؟]
واضعًا يده على ذقنه المدبب، رد فينسنت على ملاحظة تشيشا العابرة بإيماءة.
وعاجزًا عن إدراك مغزى تلك الجملة، أمال تشيشا رأسه.
فينسنت: [إن أردت معرفة سبب عدم إعدامي لك، ففي ذلك يكمن السر.]
كان تفسير فينسنت مختصرًا، لكن مظهره أوحى بأنه اعتبره مكتملًا. وفي اللحظة التي لاحظ فيها تشيشا ذلك، استقر كل شيء في مكانه الصحيح.
لقد جعل الصبي المتألق مبكرًا العديد من البالغين يشعرون بالخزي بالمخططات التي ابتكرها، وبالطريقة الجامحة التي وظّف بها موهبته كأمير لفولاكيا، ورغم ذلك فقد كان في الثانية عشرة من عمره.
――ولو لم يكن كذلك، لكان قد تعلم بالفعل مدى سذاجة توقع أن يمتلك المحيطون به حكمة تضاهي حكمته الخاصة.
△▼△▼△▼△
――تشيشا غولد.
كان هذا هو الاسم الجديد الذي أُسبغ على تشيشا تريم عند دخوله مقاطعة أبيلوكس كمجند لفنسنت.
تشيشا: [بما أن عائلتي لا تزال في مسقط رأسي، أفضل ألا يصبح اسمي معروفًا لتجنب التسبب لهم في متاعب غير مبررة. رغم أنني أفترض أنك ستجد من السهل تبديد كل مخاوفي بقتلهااا…]
فينسنت: [تبدو متعنتًا للغاية في تصويري كوحش متعطش للدماء. هل أنت مسؤول أيضًا عن لقب «الأمير الدموي» الذي يطلقونه عليّ في الشوارع، لعل وعسى؟]
تشيشا: [عجبًا، لقد ظننت أنها إحدى استراتيجياتك الأخرى القائمة على الخوف. لقد سمعت روايات عن آباء يذكرونك في الحكايات التحذيرية للأطفال، على غرار: “تأدب، وإلا سيأتي الأمير الدموي”.]
فينسنت: [يأتي، ولكن لأي غرض، وفقًا لهم؟ وكأنني سأكلف نفسي عناء ذلك.]
تشيشا: [أوه، ولكن ماذا لو ظهرت ووظفتهم رغمًا عنهم، كما فعلت معي؟ مرعبٌ للغاية، إن سألتنييي.]
فينسنت: [أنصحك بمراقبة لسانك، وإلا فقد ينتهي بي المطاف بتبرير تلك التلفيقات بدمك.]
كانت المحادثات مع فينسنت تطمس الخط الفاصل بين الجدية والمزاح.
إن دعت الحاجة، كان فينسنت سيدفع بحياة شخص آخر بلا أدنى تردد. لكنه لم يكن ليفعل ذلك أبدًا إن لم يكن ضروريًا. لقد تعامل مع حيوات البشر بالطريقة ذاتها التي يتعامل بها مع المال أو البضائع.
وعند معاشرته، لم يكن بوسع المرء تجاهل أنه يعتبر كليهما موارد محدودة ذات قيمة متساوية.
توافق سبب تغيير الاسم إلى «تشيشا غولد» مع تصريحه؛ فقد كان قلقًا من أن يستشيط شخص ما في مسقط رأسه غضبًا عند سماع خبر ترقية تشيشا تريم ويورط عائلته في عمل انتقامي.
ورغم ذلك، حتى لو طال عائلته أي أذى، لم يكن ليتجشم عناء مساعدتهم.
وإن بدا قاسي القلب في عيني البعض، فقد كانت ثمة مسافة معينة تفصل بينه وبين ذويه، وبذلك فحسب، كان رحيمًا بما يكفي تجاه أقاربه الذين أهملوه في أحلك اللحظات.
وسواء كان الأمر مضحكًا أم لا، فإن لقب «غولد» يعود لعائلة أبادها فينسنت كعقاب على الخيانة.
لربما كانت تلك دعابة انتقامية صغيرة من فينسنت ردًا على وقاحة تشيشا؛ لكن بصرف النظر عن ذلك، فقد ضلل الأمر العامة وجعلهم يروجون شائعات بأنه أبقى على حياة أحد سليلي عائلة غولد، مع الحكم عليهم بتجرع ذل الفشل في الهروب من سيطرته، مما عزز مكانته كـ «الأمير الدموي».
أما بالنسبة للاسم الأول، فقد اقترح فينسنت تعديلًا بحرف واحد، ليظل وقعه مشابهًا لاسمه الأصلي، تمامًا كما كان يرجو تشيشا. ولأنه لم يمتلك أي دافع للتذمر، ولم يَبْدُ أن ثمة ضغينة مبطنة هذه المرة، فقد استحسن الفكرة، وإن اعتبرها مقتصدة.
ورغم كل شيء، وبعد عمرٍ قضاه منبوذًا لترجيحه كفة التنظير على حساب التطبيق العملي ولبراعته الاجتماعية المعدومة، فقد جلبت ولادة تشيشا من جديد تغييرًا مرحبًا به.
لم تكن قريته النائية لتوفر له قط هذا العدد الكبير من الكتب والأنشطة لينغمس فيها.
لقد حظي بفرصة الاستقرار مجددًا، بعيدًا عن أولئك الذين ازدرَوه ظلمًا لعجزه عن حراثة الحقول أو حصادها، ولم يكن ليبدل ذلك بأي شيء في العالم.
ولكن――،
فينسنت: [نحن في الخندق التالي يا تشيشا. أثبت فائدتك.]
في كل مرة، كانت تلك الكلمات تنذره بأن فينسنت على وشك إرهاقه بمشكلة تفوق عجلات العربات العالقة بأشواط، ليبدأ نقاشًا لن ينتهي حتى ينبثق الحل.
كان دافع فينسنت يجعله قوة لا يُستهان بها.
بأي طريقة كان فينسنت ينظر إلى العالم ويدركه، متصديًا لقضايا مختلفة في الوقت ذاته، بتركيز متسق أيضًا، رغم كونه يمتلك عينين ورأسًا واحدًا كعامة الرجال؟
بالتأكيد، يقع على عاتق السيّد واجب الانخراط في شؤون مقاطعته، لكن توقّع ذلك من فتى في الثانية عشرة من عمره كان أمرًا يفتقر إلى الإنصاف، ناهيك عن افتقاره لأشخاص بالغين يعتمد عليهم.
غير أن أي شفقة قد يوجهها امرؤ غريب نحو فينسنت كانت لتتبدد فور الوقوف على أدائه.
تطلب التواجد في معية فينسنت امتلاك تشيشا لترسانة واسعة من المعارف المتخصصة، مما لم يترك له أي وقت للتباطؤ.
فبمجرد أن يحلّا مشكلة، تلوح أخرى جديدة؛ وفي بعض الأحيان، تتفاقم مشكلة أخرى بينما لا تزال الحالية قائمة. وبينما كان يعصر ذهنه فوق تلك المشكلات المتفرقة في آنٍ واحد، واصلت مقاطعة أبيلوكس تطورها.
تحسنت جودة الحياة، بينما تحول توجس السكان الأولي إلى إشادة.
امتلك فينسنت القدرة على تحويل الرعب إلى إعجاب والتبعية إلى تقديس، وكلاهما مستحقان عن جدارة.
لم يكن يكترث بآراء الآخرين عنه، وفي ذلك يكمن السبب وراء امتلاكه لتلك القدرة سالفة الذكر.
فينسنت: [تشيشا، لقد ثقفت نفسك جيدًا بشأن نظام مكافحة الفيضانات. الآن، يجب أن أعزل ذلك المسؤول غير الكفء من منصبه. سأقدم تهم الاختلاس الموجهة إليه حتى الآن وأمر بقطع رأسه.]
تشيشا: [في رأيي المتواضع، مثل هذه التهم لا تستدعي قطع الرأس.]
فينسنت: [إذًا، هل كسب أرباحه بفضل الجهد؟ أهذا ما تخبرني به؟]
تشيشا: […هذا الموضوع بعيد قليلًا عن تخصصصصي.]
فينسنت: [لو كان ما دسه في جيبه متكافئًا مع عمله، لتغاضيت عنه. وإلا، فالقصاص واجب. وبرفضه تقويم سوء سلوكه، حتى بعد تحذيرات متكررة، فقد استنفد بنفسه هوامش التسامح التي منحتها إياه.]
خلف مبادرات فينسنت الصارمة وحزمه الشديد، اختبأ جانبه صعب الإرضاء، والذي تباين مع توقعاته تجاه الآخرين، وكعامل أساسي، دفعه لانتقاد أولئك العاجزين عن تلبيتها ونعتهم بالكسل.
ومع ذلك، لم يكن فينسنت من دعاة الجدارة المطلقة؛ فلم يكن يمقت الناس لمجرد كونهم غير أكفاء.
وإن كان ليصيغ عقيدته الخاصة في كلمات――،
فينسنت: [――على المرء أن يؤدي المهنة التي تتوافق مع قدره.]
لقد تمنى أن يعيش الجميع بكل ما أوتوا من قوة، بلا هوادة.
وبمعرفة ذلك، بدا أن الفتى المدعو فينسنت أبيلوكس والظروف الكامنة وراء سعيه المهووس نحو الكمال قد بدأت تتألق في ضوء مختلف.
ورغم أن الأمر قد يبدو غير قابل للتصديق، لم يمتلك فينسنت ثقة لا تتزعزع، ولم يكن يفتخر بنفسه.
بل كان يتضور جوعًا دائمًا لطلب المزيد.
ولأجل المزيد، كان يتحسر دائمًا.
ولأجل المزيد، كان يكافح دائمًا.
في صميم كيان فينسنت تكمن قوة دافعة. لم تكن امتنانًا للمكانة الأميرية الممنوحة له، بل عزمًا حانقًا على أداء الدور الذي تتطلبه تلك المكانة.
والدافع الذي جعل فينسنت يكن هذه المشاعر العاتية كان――،
فينسنت: [――ثمة رجل حقير، سترايد فولاكيا هو اسمه.]
بعد مرور بعض الوقت على انضمامه إلى فينسنت، وجد تشيشا نفسه يقطب حاجبيه عند سماع الكلمات التي تفوه بها سيده.
لحسن الحظ، أو بالأحرى، إثباتًا لدقة بصيرة فينسنت، امتلك تشيشا بالفعل نوعًا من الموهبة في سحب العجلات من الخنادق، وبفضلها تمكن من عدم فقدان وظيفته.
ومع ذلك، فقد تم توجيهه في هذا المسار شيئًا فشيئًا.
لقد كشفت إيجابيات وسلبيات منصبه عن نفسها واحدة تلو الأخرى، مما أمال الكفة بطريقة جعلت من الصعب تحديد أي الجانبين أرجح وزنًا.
وكان تشيشا لا يزال في خضم التفكير في ذلك، عندما كشف فينسنت لأول مرة عن شيء لا علاقة له بالعمل، شيء نابع من مكان ما في قلبه.
تشيشا: [سترايد فولاكيا، أليس كذلك؟ اعذر جهلي، فلا بد أن دراساتي لا تزال قاصرة، بالنظر إلى أنني لم أسمع بهذا الاسم قط.]
فينسنت: [لا، دراساتك ليست هي الملامة. في الواقع، ستكون حياتك في خطر إن عرفت تلك المعلومة. فوجود ذلك الرجل قد مُحي من سجلات العائلة الإمبراطورية في فولاكيا منذ زمن بعيد، في نهاية المطاف.]
تشيشا: [――――]
فكر تشيشا في كيف أن فينسنت ربما يكون قد عرضه للتو للخطر بإفشائه ذلك بتهور، ولكن، بالنظر إلى منصبه، كان من الصعب مقاطعة الأخير بمجرد أن بدأ الحديث.
علاوة على ذلك، فقد كان مهتمًا بذلك الرجل الذي أُطيح به من العائلة الإمبراطورية.
تشيشا: [حسنًا، الإطاحة بشخص من العائلة الإمبراطورية لا يبدو أمرًا ممكنًا. وحتى لو تم ذلك، فستظل دماؤهم تجري في عروقهم. ناهيك عن أن هذا هو الغرض من وجود مراسم الاختيار الإمبراطوري.]
مراسم الاختيار الإمبراطوري، التي تُعقد لتحديد عاهل الإمبراطورية القادم.
هذه المراسم، وهي منافسة يقتل فيها أبناء الإمبراطور بعضهم البعض للوصول إلى قمة الإمبراطورية، كانت تمثيلًا رئيسيًا لجوهر الأمة، وتمتد أصولها إلى تاريخ تأسيسها ذاته.
وآخر من يصمد سيتوج إمبراطورًا.
وبصفته إمبراطورًا لفولاكيا، سيتمكن من حيازة «سيف اليانغ»، شعار حكمهم.
تشيشا: [على الرغم من أنه، نظريًا، يمكن للمرء أن يعيش دون قتال إن تخلى عن حقه في وراثة العرش، أو هڪذا سمعت.]
فينسنت: [مجرد مراوغة. هذا ضرب من الخيال، وليس سوى أداة لإقصاء أولئك الذين يفتقرون مسبقًا إلى شجاعة الانتصار في المراسم، رغم امتلاكهم للحق في السلطة. وهذا يعني أن مخاوفك في محلها.]
تشيشا: [إذًا فالإطاحة بفرد من العائلة الإمبراطورية أمر لا يُعقل.]
فينسنت: [ومع ذلك، تلقى سترايد فولاكيا تلك العقوبة التي لا يُعقل حدوثها، وبالتالي أُقصي من طاقم المراسم. ورغم ذلك، وبالنظر إلى أن مراسم الاختيار الإمبراطوري قد استمرت دون أي تأخير بعدها، فإن ذلك الوغد على الأرجح لم ينجُ من الموت.]
كانت نظرة فينسنت، التي بدت أبرد من المعتاد، مشوبة بازدراء عميق تجاه الرجل المعني.
سترايد فولاكيا، الرجل الذي أُزيح من منصبه كفرد من العائلة الإمبراطورية لفولاكيا، ومُحي من السجلات التاريخية―― لقد كان بالضبط من ذلك الصنف الذي يثير حنق فينسنت.
فأولئك الذين لا يؤدون دورهم المنوط بهم ولا يبذلون قدراتهم الفطرية إلى أقصى حد، لم يكن ليقدم لهم أي رأفة على الإطلاق.
تشيشا: […حتى وإن كان الأمر كذلك، كيف تسنى لك معرفة أمر وجوده، في حين أنه لا يُفترض بأحد أن يعرف، فينسنت-ساما؟ هل أخبرك بذلك رجل نبيل ثرثار ذو مكانة رفيعة، لعل وعسى؟]
فينسنت: [لا تخشى أبدًا تخطي خندق التسلسل الهرمي بوقاحتك، أليس كذلك؟ ――المذكرات.]
تشيشا: [المذكرات؟]
فينسنت: [أجل، مذكرات سترايد فولاكيا. لقد كانت مخبأة في مكتبة قصر الكريستال، وهناك عثرت عليها. من المؤسف أن مجلدًا مثيرًا للاهتمام كهذا قد تبين أنه مليء بكتابات غير مقروءة وعبثية لا معنى لها.]
الطريقة التي لوى بها فينسنت شفتيه استياءً كانت إيماءة تنم عن كراهية مطلقة.
اتخذ فينسنت عمومًا نهجًا متسامحًا عند استيعاب الأمور وتقييمها. فقد كان يمر بعملية التفكير سالفة الذكر بسرعة مذهلة، مما جعله، في السراء والضراء، يبدو وكأنه يصدر أحكامه دون تروٍ مسبق. لذا، سيبدو أمرًا غير مألوف لأي شخص أن يشهد فينسنت ذاته وهو يظهر مثل هذه المشاعر السلبية.
تشيشا: [وما الذي كُتب فيها؟ هل لك أن تريها لي يومًا؟]
أثار الموضوع اهتمامه.
ومع ذلك، وفي قرارة نفسه، كان يعلم جيدًا أن انتباهه كان ينحرف عن محتويات المذكرات، نحو استكشاف ما الذي يوقع سيّده المثير للمتاعب في هذا القدر من الكرب.
وسواء كان مدركًا لأفكار تشيشا الداخلية أم لا، أغمض فينسنت إحدى عينيه السوداوين، وبنظرة ثاقبة اخترقته، تحدث.
فينسنت: [لن أريها لك. ――لا سيما تلك المجموعة من الأوهام عديمة القيمة حول «المراقبين» وما شابههم.]

△▼△▼△▼△
؟؟؟: [حسنًا، لا أقصد الإساءة لكنك تبدو كشخص يفرط في التفكير، باحثًا دائمًا عن الأسباب وما شابه. شيشا، لا أعتقد أن الأشخاص الطبيعيين يضعون المخططات وهم يعبسون بمثل هذه الشدة كما تفعل أنت وجلالته.]
تشيشا: [――أولًا، أرجو أن تنتبه لألفاظك؛ ثانيًا، اسمي تشيشا.]
؟؟؟: [يا إلهي، أنا آسفٌ جدًا! ما الذي قد يكون أكثر فظاظة من الخطأ في اسم زميل ممثل!؟ سأتفكر بعمق شديد فيما اقترفته. تشيشا، تشيشا، تشيشا، تشيشا، تشيشا، تشيشا، تشيشا!]
تشيشا: [――――]
بطاقةٍ مفعمة ولا شيء آخر يستحق الوصف، واصل الصبي ذو الشعر الأزرق حديثه.
الصبي، المدعو سيسيلوس سيغمونت، كان من الفئة ذاتها التي انتمى إليها تشيشا قبل سنوات: شخص تلمس فينسنت إمكاناته الكامنة فانتشله.
إن امتلك المرء مهارة عظيمة واستعدادًا لممارستها، فإن فينسنت سيقوم بتوظيفه.
لم يكترث فينسنت لأصول المرء أو مكانته. ورغم أن هذه المُثُل قد جلبت له بعض المنتقدين، لم يستطع أي منهم إنكار أن مقاطعة أبيلوكس كانت تزداد ازدهارًا عامًا تلو الآخر، تحت حُكمه.
ومع ذلك، ورغم أن الأصول المرموقة لم تكن شرطًا، إلا أن الفجوة في المستوى التعليمي جعلت من الصعوبة بمكان العثور على مسؤول مدني آخر ذي كفاءة بين عامة الشعب. ولهذا، لم يتقلص عبء عمل تشيشا أبدًا.
ولكن――،
سيسيلوس: [الضابط العسكري الجيد لا يحتاج سوى إلى القوة العضلية الخالصة. ورغم أنني في حالتي، كممثل، أحتاج إلى التمتع بالبهاء أيضًا، إلا أنني فريد من نوعي في كلا الجانبين على أية حال!]
تشيشا: [تبدو واثقًا تمامًا… لكن ربما تمتلك بالفعل ما يكفي من القوة لتتباهى بها. وهو، وللمفارقة، ما يجعله أكثر إزعاجًا، لكن هذا ليس من شأنـييي.]
هذا الطفل الصغير المفعم بالطاقة―― لربما كان أكبر من أن يُدعى كذلك، كونه يصغر تشيشا بست أو سبع سنوات؛ وإن كان منحه هذا الوصف قد بدا طبيعيًا للأخير، الذي بلغ الثامنة عشرة من عمره الآن. لكن لسوء الحظ، افتقر سيسيلوس إلى اللطافة المميزة للصبيان في مثل سنه.
ولم يكن ذلك بسبب مظهره أو سلوكه، بل بسبب تلك المهارة التي يتباهى بها بكل فخر.
تشيشا: [――――]
بعد الانضمام إلى عائلة أبيلوكس، تدرب تشيشا نفسه على فنون القتال، لأغراض الحراسة والدفاع عن النفس، لكنه كان واعيًا بأن كفاءته لا تتعدى كفاءة رجل عادي. وعوضًا عن تحريك جسده الخاص، كان ملائمًا أكثر لتحريك الحشود.
بطبيعة الحال، كان عليه أن ينسى تلك الحجج ويتجنب إهمال تدريبه من الآن فصاعدًا إن كان يطمح للتحسن. ولكن حتى في عيني شخص عديم الخبرة مثله، أمكن لتشيشا أن يدرك أن قوة سيسيلوس تتجاوز المألوف بأشواط.
لقد التقى تشيشا مسبقًا بظاهرة فريدة في الدهاء.
ومع ذلك، لم يتخيل قط أنه سيصادف ظاهرة في القوة القتالية كهذه.
تشيشا: [كلما عرفت أكثر، قلّ فهمي لما يبتغيه فينسنت-ساما… لما يبتغيه جلالته.]
سيسيلوس: [أوه، ها أنت ذا تغوص مجددًا في أفكارك العميقة يا تشيشا. لكن لا تبتئس، أنا هنا لأمنحك الإجابة. هذا ما يطلق عليه الناس… التمهيد، أجل!]
هڪذا أعلن سيسيلوس، موجهًا إصبعًا رشيقًا نحو تشيشا، الذي اتسعت عيناه.
وعند رؤية رد فعل الآخر، سحب سيسيلوس إصبعه وتابع.
سيسيلوس: [مهلًا، ألم تسمع بهذا المصطلح من قبل؟ دعني أشرح لك إذن. التمهيد يعني عرض معلومات هامة في قصة ما، ولكن يتم إخفاؤها في…]
تشيشا: [أجل، أنا أعرف تعريف «التمهيد». التعبير الذي تراه الآن على وجهي يعني أنني عاجز عن استيعاب سبب إثارتك لهذا الموضوع.]
سيسيلوس: [آه، فهمت! الأمر بسيط للغاية، فقط لكي تكون بالصورة. أنا أقول لك، ما يجمع بينك وبين جلالته هو تلك الرغبة الدائمة في إيجاد معنى لكل شيء صغير.]
وبشعور من التسلية، صفق سيسيلوس بيديه أمام صدره ضاحكًا. ثم فك التصفيقة ودار في مكانه، مشيرًا بيديه المفتوحتين إلى كل ما يحيط به.
سيسيلوس: [حسنًا، لنفترض أن هنالك معنى لكل شيء بالفعل! ما يعني أن كل تلك الأمور التي لا يمكنك تفسيرها في هذه اللحظة تخدم كتمهيد لما ستتكشف عنه هذه الحبكة عاجلًا أم آجلًا! أمر يطير له القلب، أليس كذلك؟!]
تشيشا: [إن إنفاق الأموال غير المبررة وتكديس البضائع مجهولة المصدر لا تبدو لي كتمهيد للمستقبل، بل كدليل على الفساد والرشوة المستشريين.]
سيسيلوس: [هل تسمع ما تقوله؟! ما ذكرته للتو هو أمور يمكنك حلها في الحاضر! بينما أنا أتحدث عما تعجز عن حله. هيا يا تشيشا، أنا أعلم أنك أذكى من هذا بكثير!]
تشيشا: [――――]
موقفًا قدميه عن الدوران بغتة، اعترض سيسيلوس مقطبًا حاجبيه بانزعاج.
ورغم استيائه من رؤية سيسيلوس منزعجًا منه بلا دافع واضح، إلا أن تشيشا، وبطريقة ما، وجد بصيصًا ضئيلًا من الخلاص في تلك الكلمات.
وبينما كان يكدّ لتلبية المطالب التي فرضها عليه فينسنت جنبًا إلى جنب مع منصبه، ظل شك واحد يراود مؤخرة عقله: لمَ كان هو من وقع عليه الاختيار؟
انقضت سنوات، تسنى له خلالها التعرف على فينسنت كشخص، ومع ذلك لا يزال عاجزًا عن تفسير ذلك.
لأن تلك المعضلة لم تكن تتعلق بفنسنت، بل بتشيشا نفسه.
وبلا إجابة تداوي همومه، ألقى البقاء إلى جانب فينسنت بظلاله الثقيلة على نفسيته، ولكن الآن――،
تشيشا: […إن كان الأمر كذلك، فهل يمكن أن يكون وجودي بحد ذاته تمهيدًا لشيء ما أيضًا؟]
سيسيلوس: [أوه؟ لقد تشربت المعرفة بالفعل، مثير للإعجاب. حسنًا، بمدى ذكائك هذا، لا عجب أنك تتعلم بهذه السرعة! هذا بحد ذاته يستحق احترامي المطلق، فلا يمكنني أبدًا فعل الشيء ذاته!]
تشيشا: [إن أردت إظهار الاحترام لي، فما رأيك أن تشرع بمخاطبتي بلقب شرفي؟ أنا أقدم منك، وأعلاك قدرًا في السن والرتبة، أليس كذلك؟]
سيسيلوس: [آااووو، لكن مخاطبة صديق بلقب شرفي تبدو رسمية أكثر من اللازم، ألا تظن ذلك؟ سنكون على متن القارب ذاته، الآن ولأيام عديدة قادمة. لذا دعنا نمضي قدمًا ونرمي كل تلك الرسميات المزعجة من النافذة، هل اتفقنا؟!]
تشيشا: [صديق…]
بتلك الكلمات العفوية، مصحوبة بربتة على كتفه، ترك الصبي تشيشا عاجزًا عن الكلام.
وبينما كان متفاجئًا من الألفة التي استطاع بها الأول تقليص المسافة بينهما أيضًا، جاءت الصدمة الحقيقية حين أدرك أنه، في مساره حتى الآن، لم ينعته أحد قط بصديق.
في السنوات القليلة التي انقضت منذ هجرانه لمسقط رأسه، وانتشاله على يد فينسنت، ودراسته الدؤوبة تحت إشراف سالف الذكر، وكدحه في العمل، لم يتقرب من أي شخص.
بالطبع، ورغم وجود أشخاص قدروه لأسباب مهنية، إلا أن هؤلاء لا يُعتد بهم هنا.
تشيشا: [――――]
سيسيلوس: [ما الخطب؟ همم، ربما أنت محق، هل ينبغي عليّ أن أبدأ باستخدام اللقب الشرفي إذن؟ كما في تلك القصص حيث تستمر المسافة في التقلص خطوة بخطوة، حتى النهاية، حين يدرك الاثنان أن طريقيهما قد تقاطعا! ذلك النوع من التطور ساحر بطريقته الخاصة، لذا لن أمانع توجيه الدفة نحو…]
تشيشا: [لا، لا حاجة بك لذلك. ――جلالته شخص يحبذ إنجاز العمل على وجه السرعة.]
لم يكن الأمر وكأنه قد استوعب هراء سيسيلوس بأكمله، ولكن إن كانا سيصلان إلى تلك الوجهة على أية حال في النهاية، فإنه يفضل اتخاذ أقصر طريق.
وبينما سخر من نفسه لإيوائه أفكارًا مشوبة بعمق بعقيدة فينسنت، اختار تشيشا ألا يدحض مُثُل سيسيلوس، بل تقبلها عوضًا عن ذلك.
وإن كان له أن يقلد أسلوب كلام ذلك الرجل――،
تشيشا: [سأتوقع منك أن تمارس قوتك عند الضرورة، بغية رؤية رغبات جلالته تتحقق. هذا، بلا شك، هو السبب وراء انتشالككك…]
سيسيلوس: [هذا تمهيد للدور الذي سيحتاجني لأدائه، أليس كذلك؟! يمكنك الوثوق بي يا تشيشا! قد أكون عديم النفع في أي شيء عدا القتال، ولكن في المعركة، لن أدع أحدًا يلحق بي!]
تشيشا: [أتطلع لذلك.]
نفخ الطفل النحيل صدره الضامر متباهيًا بمآثره الافتراضية، لكن تشيشا لم يضحك عليه.
وتماشيًا مع تقدير فينسنت، فضلًا عن تقديره الخاص، فإنه سيمنح سيسيلوس سيغمونت مكانة تتوافق مع قدره.
علاوة على ذلك――،
تشيشا: [――أفترض أنه يتعين عليّ في الوقت الحاضر انتظار اليوم الذي سأؤدي فيه الوظيفة التي أمهد لهااا.]
مستوعبًا الدور الذي ذكره صديقه الأصغر سنًا بكثير، همس تشيشا.
وكأن القدر قد أصغى إليه، بدأت مراسم الاختيار الإمبراطوري، التي يشارك فيها فينسنت أبيلوكس، بعد حوالي ستة أشهر من هذا الحدث.
△▼△▼△▼△
أعقب وفاة الإمبراطور السابق، دريزرن فولاكيا، انطلاق مراسم الاختيار الإمبراطوري.
وبسبب مواهبه التي لا تقبل الجدل، اعتبر أشقاؤه الآخرون فينسنت أبيلوكس عدوًا لهم، ليجد نفسه واقعًا في إحدى المناسبات تحت حصار من هجماتهم المركزة.
ومع ذلك، وكما اتضح، ارتقى فينسنت إلى مستوى سمعته وتوقعاته الأولية، ليفوز بمراسم الاختيار الإمبراطوري بقوة ساحقة.
وبعد أن قهر جميع أشقائه، وتزين بتاج الدم لإمبراطورية فولاكيا، وُلد فينسنت أبيلوكس―― لا، بل الإمبراطور السابع والسبعون، فينسنت فولاكيا.
ولعل جزءًا من المسار الدموي الذي سلكه فينسنت، وجزءًا من نهر الدماء العظيم الذي أراقه، كان يعود في جزء منه إلى إسهامات تشيشا وسيسيلوس، اللذين خدماه كأتباع.
ولكن، فيما يتعلق بمراسم الاختيار الإمبراطوري هذه، فإن الدور الذي كان متوقعًا من تشيشا، ضمن الخطة المنفذة بغية انتصار فينسنت―― كان أمرًا مختلفًا تمامًا عن «إخراج عجلة من خندق».
خلال المعركة، كان الدور الموكل إلى تشيشا هو القيام بالحركة الأخيرة على الرقعة――،
تشيشا: [――أرى أن شقيقتك الصغرى قد نجت بلا أذى. قد تتمتع بشخصية شرسة وجامحة تمامًا، لكنني واثق من أنها تدرك مأزقها. أعتقد أن الأمور قد سُويت، في الوقت الحااالي.]
كان ذلك في مكتب، وتحديدًا في غرفة داخل القصر البلوري في العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا.
في تلك الغرفة التي يستخدمها الإمبراطور، الذي يقف على قمة سياسة الأمة، جرب تشيشا شعور أن يحدق فيه ذلك الوجه المألوف، وهو موقف سيستغرق منه على الأرجح بعض الوقت للتعامل معه بهذا القدر من الهدوء.
ورغم أن الإمبراطور نفسه كان يجلس على كرسي ذي سلطة هائلة، إلا أنه لم يظهر أي علامة على التخلي عن سلوكه المعتاد. وحتى عند التيقن من أن انتصاره في مراسم الاختيار الإمبراطوري لا يتزعزع، فإنه لم يظهر ولو لمحة ابتسامة تنم عن شعور بالإنجاز.
لم يبتسم فينسنت قط. على الأقل، ليس أثناء تأديته لدور أمير أو إمبراطور.
وحين لا يلعب دور الأمير، كانت شفتاه تنفرجان حقًا لتشكلا ابتسامة ماكرة. ومع ذلك، بدا وكأن الفرص السانحة لذلك ستنخفض انخفاضًا ملحوظًا مقارنة بما كان عليه الحال حينها.
لقد أصبح الإمبراطور. وبالتالي، لن يسمح بلحظة لا يكون فيها الإمبراطور إمبراطورًا.
――لا، يمكنه أن يقتطع لحظة واحدة متفردة لا ينطبق فيها ذلك.
تشيشا: [لم أصدق أذناي حين استفسرت عن طريقة لإنقاذ بريسكا-سامااا.]
مفترضًا عدم وجود من يسترق السمع، تحدث تشيشا عن أعظم سر في هذه الحقبة من إمبراطورية فولاكيا، سر كان متواطئًا فيه بشكل مباشر.
بالتزامن مع ختام مراسم الاختيار الإمبراطوري، أُعلن عن ولادة إمبراطور جديد.
لكن حقيقة الأمر هي أن مراسم الاختيار الإمبراطوري، التي لا يرتقي فيها إلى العرش سوى آخر الناجين من العائلة الإمبراطورية، لم تُنفذ بالكامل. ――إذ بقي مرشحان اثنان في النهاية.
وهذان الاثنان هما فينسنت أبيلوكس وبريسكا بينيديكت.
وُصفت بريسكا بينيديكت كأميرة مأساوية تجرعت كأسًا مسمومًا بنفسها، لتفقد بذلك حياتها.
وفي الواقع، لقد شربت السم بالفعل، بيد أنها لم تفقد حياتها.
لم تتجرع السم من كأس، بل فعلت ذلك لإنقاذ تابعها، الذي بلغ به القلق على سيدته حد التشبث باحتمالية إنقاذ حياتها.
أوقف السم قلب بريسكا لفترة كافية لتسوية كل شيء قبل أن يعاود النبض من جديد.
انتهت مراسم الاختيار الإمبراطوري، وووريت بريسكا بينيديكت الثرى في قبرها.
أصبح فينسنت أبيلوكس إمبراطورًا، واتخذت بريسكا بينيديكت هوية مختلفة، لتعيش حياة لا تحمل ذلك الاسم――.
تشيشا: [لنفترض أنني كنت أنحدر من عائلة خدمت الإمبراطورية منذ العصور القديمة، لربما كان لزامًا عليّ أن أوبخ جلالته على رغبته اللامعقولة. غير أنني أنحدر من عائلة من العامة.]
لم يكن هناك أساس لتقدير الهيبة أو التقاليد على وجه الخصوص.
كان يتعين منح قدر معين من الاحترام، بل والاعتراف بقيمتها، لكن لا ينبغي إساءة فهمها على أنها شيء يعلو فوق كل اعتبار. ففي إمبراطورية فولاكيا، كانت الهيبة والتقاليد مجرد أمور يُتغاضى عنها.
ولهذا السبب――،
تشيشا: [لم يساورني أدنى تردد في المشاركة في هذه الخطة.]
فينسنت: [――――]
وبينما التزم الإمبراطور، فينسنت، صمته، لربما ظلت أعمق أفكاره عصية على الفهم، لكن أفعاله كانت جلية.
منذ البداية، ومن بين أشقائه العديدين، طالما كانت بريسكا مميزة لدى فينسنت. ورغم أن بريسكا تألقت بشدة في عيني تشيشا بفضل فطنتها، إلا أن فينسنت لم يضع عينه على شقيقته الصغرى بسبب قدراتها فحسب، رغم أنه كان يكبرها سنًا بكثير.
فرغم كونها أقرب إلى التجسيد الحرفي للغطرسة، إلا أن بريسكا احترمت فينسنت وعاملته حقًا كأخ أكبر يجمع بينهما رابط الدم.
وبما أن مراسم الاختيار الإمبراطوري كانت المصير المحتوم للعائلة الإمبراطورية لفولاكيا، فقد أقرا سويًا بأنه غير مسموح لهما بالتعايش، حتى مع تقديم التنازلات―― إلى أن مزق فينسنت ذلك المصير بيده.
وقد أسعد ذلك تشيشا كثيرًا، وكان، قبل أي شيء آخر، مصدرًا للارتياح.
كان نهج فينسنت هو إظهار كامل قدراته ضمن المنصب والدور اللذين أُسبغا عليه.
لم يغير فينسنت طرقه منذ يوم لقائهما وحتى يومنا هذا. لذا، أي نوع من المبررات المنطقية كان يمكن أن يتجلى من حقيقة أنه، من بين جميع الناس، اختار السماح بنجاة بريسكا؟
فإن عُثر عليها حية، سيتعرض هو نفسه للخطر، وسيندلع العنف مما قد يؤدي إلى فقدان أساس الثقة الذي بناه الإمبراطور في إمبراطورية فولاكيا.
كإمبراطور لفولاكيا، أي حجة يمكن أن يمتلكها لتبرير ذلك؟
لا شيء. بالطبع لن يمتلك شيئًا. لم يكن ذلك قرارًا اتُخذ بعقلانية.
لقد كانت رغبة نابعة من العاطفة، أمنية، صلاة.
لم يشأ فينسنت أبيلوكس أن يقتل شقيقته العزيزة.
ومنذ ذلك الحين، أُبقيت بريسكا بينيديكت على قيد الحياة، وارتدى فينسنت تاجًا من الأكاذيب.
وقد جعل ذلك تشيشا سعيدًا.
كان فينسنت قد اتخذ الحكم بأنه يرغب في إعادة بريسكا إلى الحياة، بدلًا من جعلها تُبقى على قيد الحياة، ولذا، فقد طلب من تشيشا طريقة للتخلص من العقبة―― العجلة العالقة في الخندق.
تشيشا: [تمهيد، أليس كذلك؟]
تبادر إلى ذهنه الهراء الذي تفوه به سيسيلوس قبل بدء مراسم الاختيار الإمبراطوري.
حتى الشيء الذي لم يكن له أي معنى في اللحظة ذاتها، الشيء الذي بدا بلا معنى، يمكن اكتشاف أنه يمتلك معنى في المستقبل البعيد. بل ويمكن فهمه على أنه كان حاضرًا لذلك الغرض بالذات.
كما لو أن مكانته وأفعاله، فضلًا عن أفعال تشيشا، كانت ربما الأساس لذلك المستقبل.
تشيشا: [حسنًا، من المزعج حقًا الاعتراف بأن ما كان سيسيلوس يتحدث عنه كان في محله، ويمكنني تخيله يتحمس بشكل مبالغ فيه، لذا لن أخبره أبدًا.]
فينسنت: [لقد كنت على هذا النحو لبعض الوقت الآن، إلا أنني كنت أفكر في الأمر مؤخرًا. هل فقدت لونك تمامًا، ومعه، كل ما زرعته أثناء خدمتك لدينا؟]
تشيشا: [من المثير للدهشة أنني أبلي بلاءً حسنًا تمامًا، منذ أن تجنبت غياهب الموت.]
وهو يدرك أن ذلك قلة أدب، هز تشيشا كتفيه أمام فينسنت. غير الإمبراطور جلسته، لكنه لم يكن ليوبخ الأول على ذلك ما لم يتم ذلك على الملأ.
وبعد تغيير طريقة إشارته لنفسه، وفي عيني فينسنت السوداوين، كان انعكاس تشيشا تمامًا كما صرح: أبيض بالكامل ومجردًا من اللون. [1]
خلال مراسم الاختيار الإمبراطوري، وبعد أن كاد يُقتل في مواجهة مع عدو ثم عودته من حافة الموت، استُنزف كل اللون من شعر تشيشا الأسود، ليتحول إلى الأبيض بالكامل.
ومنذ ذلك الحين، كان يرتدي الأبيض، وهو نقيض تام للزي الأسود الذي كان يرتديه، لسبب أو لآخر. وحتى بعد إعادة طلاء المروحة الحديدية التي كان يستخدمها عن تفضيل، أصبح هڪذا أبيض بالكامل، بزيه الموحد.
بالطبع، لم يكن ذلك لمجرد تسليته.
بعد أن كان على شفا الموت، وبعد فقدانه للونه، أيقظ تشيشا «نو» غريبًا. ومن أجل التعامل مع هذا النو المتمثل في تلويسسن نفسه بلون الآخرين، كان عليه أن يحافظ على وعي دائم. [2]
وهو تدبير ضروري، للإيحاء لنفسه بأنه قادر على صبغ نفسه بأي لون.
وعلى أية حال، فقد أُبقيت تفاصيل هذا النو خفية عن فينسنت أيضًا. ولم يكن ليُفصح عنها لأي شخص بطبيعة الحال. ناهيك عن سيسيلوس ثرثار الفم، أو للآخرين ممن لم يكن له صلة تُذكر بهم.
كان من الجيد دائمًا الاحتفاظ بورقة رابحة، أو خطوة سرية أو اثنتين في المتناول.
ولكن――،
تشيشا: [إن أطلق جلالتكم سراحي أخيرًا نظير العمل العظيم الذي قمت به، فأعتقد أنه لن تكون هناك أي حاجة لمثل هذه المكائد بعد الآن.]
فينسنت: [لنفترض أنك مكاني، أتعتقد أنني سأدعك تُعزل وتبقى حيًا، وأنت على علم بحقيقة بالغة الأهمية، حقيقة يجب إبقاؤها طي الكتمان في الإمبراطورية، وأدعك تنام بسلام في الليل؟]
تشيشا: [إن بناء افتراضية داخل افتراضية أخرى هو أمر ينم عن سوء أدب نوعًا ما، ولكني أظن أن فقدان رأسي قبل مغادرتي القلعة هو كل ما ينتظرني الآاان.]
فينسنت: [إن كنت تستوعب ذلك، وإن كنت تقدر حياتك، فاستمر في خدمتي بطاعة. وما دمت قادرًا على إثبات أنك ذو فائدة لي، سأبقي رأسك متصلًا بجذعك.]
وبينما صرح بذلك بنبرة متغطرسة، أسند فينسنت ذقنه على يديه، ومرفقيه على المكتب.
كان من الصعب تحديد ما إذا كان أي منهما جادًا في هذا التبادل العبثي، لكنه كان ضروريًا للإمبراطور، الذي لم يكن ليدخر أي كلمات للآخرين، أن يتركه يتحدث علنًا هڪذا ليتأكد.
وبموجب ذلك التبادل، فإن مكانة تشيشا غولد والدور المتوقع منه سيبقيان دون تغيير، ورغم أن فينسنت قد أصبح الإمبراطور، إلا أن――،
تشيشا: [――حالة إمبراطورية فولاكيا المقدسة قد تتغير أو لا تتغير.]
بالفعل، لقد جرت خيانة إشعاع سيف اليانغ، الرمز المطلق لإمبراطورية فولاكيا.
مراسم الاختيار الإمبراطوري، التي أُقيمت منذ تأسيس الإمبراطورية، قد اختُتمت بطريقة مختلفة عما كانت عليه حتى الآن. وبالتالي، فإن ما يعقب المراسم عادة سيتغير أيضًا بشكل درامي، في جوهره في المستقبل.
المضي في ذلك المسار، مع إعطاء الأولويسسة لرغباته الخاصة واختيار إنقاذ شقيقته الصغرى. لقد فعل فينسنت كل ذلك.
سيُفتح مسار جديد، مسار يختلف عن ذلك الذي كان موجودًا حتى الآن. وجد تشيشا نفسه متحمسًا قليلًا لتلك الحقيقة وللترقب الذي رافقها.
ومع ذلك، لم يكن ليظهره أبدًا في تعابيره، في كلماته، أو في موقفه.
كان ذلك، لأنه كان واعيًا بالتأثير السيء لصديقه، سيسيلوس.
△▼△▼△▼△
――مرت الأيام بوتيرة مذهلة.
تمت استعادة النظام السابق للجنرالات السَاميين التسعة، وأُعيد ضبط تصنيفات النبلاء الإمبراطوريين.
وبتطهير أولئك الذين أصبحوا مجرد قشرة مجوفة لِما كانوا عليه في السابق وتمتعوا بمكانة رفيعة بسبب التاريخ وحده، تم فرض طريقة إمبراطورية فولاكيا، التي رفعت العلم الوطني المتمثل في “ذئب تخترقه السيوف”، داخل حدودها وخارجها بلا استثناء.
طريقة إدارة الأمور التي استمرت حتى الإمبراطور السابق، والذي آمن بلا تفكير بالقاعدة غير المكتوبة بأن القوي محق تمامًا وترك الإمبراطورية تسقط في الخراب داخليًا، قد تم التنصل منها بالكامل، ومُحي المبدأ الأولي القاضي بوجوب احترام الأقوياء.
أولئك الذين استندوا إلى سلالاتهم ومكانة عائلاتهم الاجتماعية قد سُلبوا ما كان يمثلهم، بينما أُعطي أولئك الذين كانوا ينتظرون بيقظة فرصة سانحة للتقدم لخوض التحدي.
من الخارج، لربما بدا حكم فينسنت فولاكيا غير مختلف عن تاريخ الإمبراطورية حتى الآن.
ومع ذلك، كانت حقيقته مختلفة تمامًا. أولئك الذين عرفوا ما كان يجري خلف الكواليس قد اختبروه بشكل مباشر.
وسرعان ما أصبح أمرًا سيعرفه على الأرجح العديدون في الإمبراطورية، وحتى أولئك في الخارج في البلدان الأخرى.
عن عظمة إعادة تشكيل وإصلاح فينسنت فولاكيا للإمبراطورية.
الصراعات العقيمة ستتوقف، والقتالات العبثية حتى الموت لن تحظى بالإشادة بعد الآن.
إثبات القوة لم يعد يعتمد على البراعة العسكرية للفرد، وأولئك الذين حملوا طموحات غير مناسبة لمكانتهم سيثبتون بحياتهم صعوبة تحقيق تلك الطموحات حقًا.
بدا الأمر وكأنهم يراقبون عملية طلاء معايير ما هو “قوي” بالكامل.
ولكن――،
؟؟؟: [سأكون الأول، وآنيا ستكون الثانية، وبعد انضمام أولبارت، سيكون تشيشا هو الرابع. خيارات جلالته ليست سيئة جدًا، لكن تشيشا، بشرتك لا تبدو رائعة جدًا، أليس كذلك؟]
تشيشا: [أنا الرابع لأنه بخلاف ذلك لا يبدو الأمر ملائمًا لي تمامًا. وكما يعلم سيسيلوس أيضًا، أنا…]
سيسيلوس: [فيما يتعلق بالقوة البدنية، بكل تأكيد. حسنًا، حسنًا، أنا لا أدعي فهم مشاعرك على الإطلاق، لكنني أفترض أن هذه هي الطريقة التي يُحدد بها التسلسل الهرمي في العالم الذي يحكمه جلالته. من الصعب معرفة أيهم هو أيهم عندما تكون هناك معايير مختلطة، لكنني أشعر بإيجابية تامة حيال ذلك.]
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
اوبيلك: [احم، يالي من مهمل. كما هو متوقع من أحد الجنرالات السَاميين التسعة، رغم أنك تُعرف بالنمط الإداري، إلا أن مهارتك هي مهارة محارب.]
تشيشا: [لا حاجة للتملق. بل بالأحرى――]
قاطعًا حديثه هناك، أشاح تشيشا بنظره عن اوبيلك واستدار لينظر خلفه.
هناك، كان فينسنت، متخذًا الوضعية ذاتها التي استقبل بها راصد النجوم، جالسًا على المكتب الكبير حيث يؤدي عمله، ناظرًا باتجاههما.
وفي مواجهة تلك العينين السوداوين، تذكر تشيشا فجأة كيف التقيا.
عندما واجه فينسنت وجهًا لوجه لأول مرة، كان الاثنان على مسافة مشابهة تقريبًا من بعضهما البعض، داخل العربة.
لمَ كان يسترجع تلك اللحظة فجأة؟ على الأرجح، كان الشعور الذي يراوده الآن مشابهًا لِما خالجه في ذلك الوقت.
وبحالة ذهنية مطابقة لتلك التي كان عليها آنذاك، لم يملك تشيشا سوى أن يستجوب فينسنت.
تشيشا: [يا جلالتك، تبدو غير متفاجئ بنبوءة اوبيلك-دونو للتو. هل لي أن أستفسر عن السبب الحقيقي لذلك؟]
اوبيلك: [أممم~، أنا لا أصدر نبوءات… آه.]
تشيشا: [اعتذاري. ومع ذلك، أود أن أنصحك بأنه لن تكون هناك مرة قادمة.]
وبينما حاول اوبيلك التدخل في المحادثة دون دعوة، خدشت المروحة الحديدية وجنته واخترقت الجدار. ومن وجنته التي أصيبت بجرح طفيف، نبعت قطرة دم؛ ليرفع اوبيلك إثر ذلك كلتا يديه متعهدًا بالبقاء صامتًا.
ودون حتى أن ينظر في اتجاهه، حدق تشيشا في فينسنت―― لا، بل رمقه تشيشا بنظرة غاضبة.
ولفراسة تشيشا، أغمض فينسنت عينًا واحدة، وصرح:
فينسنت: [لقد أُبلغنا بالفعل عن علامات الكارثة. لقد همس المراقبون بأن الكارثة العظمى الوشيكة ستجلب معها سقوط الإمبراطورية.]
تشيشا: [――لمَ لم تشاركني ذلك في حينها… لا.]
مذهولًا بمضمون حديث فينسنت، انعقد لسان تشيشا تمامًا حين كان على وشك الجدال. فقبل لحظات، وفي الكلمات التي نطق بها فينسنت، استشعر رهبة تعجز الكلمات عن وصفها.
متفكرًا في سبب ذلك، وسّع تشيشا عينيه قليلًا.
تشيشا: [يا جلالتك، إن لم تخني مسامعي، من الذي قدم لك ذلك التوجيه؟ ――المراقبون، أليس كذلك؟]
منذ وقت طويل، قبل سنوات طويلة مضت، كان قد سمع عنهم من فينسنت في إحدى المناسبات.
كان سترايد فولاكيا فردًا منفيًا من العائلة الإمبراطورية، رجلًا وصمه فينسنت بالرجس والوجود الحقير، والذي دُون في مذكراته ذلك التعبير، «المراقبين».
والآن، نطق فينسنت بذلك التعبير. كان ذلك أيضًا تعبيرًا متصلًا براصد النجوم، اوبيلك، تعبيرًا أدرك طبيعته منذ ذلك الوقت الطويل.
تشيشا: [يا جلالتك، هل تقصد بالمراقبين “النجوم” التي يتحدث عنها اوبيلك-دونو؟]
فينسنت: […أشاركك التصور ذاته. ما تلاه اوبيلك هو نوع من الإعلان، عمّا أطلع عليه المراقبون.]
تشيشا: [――. إذًا، هل تعتقد أن سترايد فولاكيا كان راصد نجوم أيضًا؟]
فينسنت: [احتمالية ذلك عالية، في رأيي. لكنه اختلف عن الآخرين الذين أعلنوا أنفسهم كمتأملي نجوم. لو قمت بتحليل محتويات مذكراته، للاحظت عداء سترايد فولاكيا تجاه المراقبين.]
تزايد استياء تشيشا تجاه فينسنت مع تكشف الحقائق تباعًا.
فسواء قبل أن يصبح إمبراطورًا أو بعد ذلك، طالما أثقل كاهله طواعية بعبء عمل هائل، ومع ذلك فقد حمّل نفسه بمثل هذه المتاعب، والتي لم يشاركها مع تشيشا.
ومن أجل إبقاء الأمر طي الكتمان عن تشيشا، فقد بذل بالتأكيد جهودًا مضنية.
إن كان لديه هذا القدر من الجهد الفائض، فكان الأجدر به أن يشاركه إياه منذ البداية.
اوبيلك: [أرجو أن تهدأ، الجنرال من الدرجة الأولى تشيشا. جلالته كان لديه أسبابه لعدم مناقشة هذا معك. أنا أحترم ذلك القرار.]
تشيشا: [أعتقد أنني نصحتك بأنه لن تكون هناك مرة قادمة.]
اوبيلك: [أعلم، أعلم. ولكككن~، إذا كان جلالته يواجه صعوبة في التحدث عن الأمر، فقد اعتقدت أنه سيكون من الأفضل لو قمت أنا بذلك. لهذا السبب أنا حاضر هنا مع الجنرال من الدرجة الأولى تشيشا، أليس كذلك؟]
مع إبقاء يديه مرفوعتين، نظر اوبيلك نحو فينسنت من فوق كتف تشيشا.
كان من المثير للأعصاب تصرفه وكأنه يفهم أفكار فينسنت، لكن فينسنت لم يدحض اقتراح اوبيلك.
وفي تلك الحالة، لم يمتلك تشيشا الحق في دحضه أيضًا. علاوة على ذلك، كان ثمة حد لعدد الأمور المخفية التي يمكن أن يُثقل كاهله بها.
تشيشا: [أوصيك بالتخلي عن هذا الأداء المتعجرف واختيار كلماتك القادمة بعناية فائقة.]
اوبيلك: [أقدر اهتمامك. حسنًا إذن، سأخبرك بطريقة موجزة. ――حول الكارثة العظمى التي ستجلب الخراب للإمبراطورية.]
على الرغم من تحذيره بشأن الأداء المتعجرف، قاطع اوبيلك نفسه للحظة.
ومع ذلك، فقد رجحت كفة الاهتمام بالكلمات التي ستتلو ذلك على الغضب تجاه اوبيلك. ونتيجة لذلك، ظل اوبيلك دون عقاب إزاء تجاهله للتحذير، وواصل نسج حكايته.
وكانت تلك التتمة هي――،
اوبيلك: [――موت جلالة فينسنت فولاكيا، سيكون ذلك بمثابة الإشارة لبدء الوصية.]
△▼△▼△▼△
غادر راصد النجوم عديم اللباقة الغرفة، تاركًا قمة الإمبراطورية ومقربه الموثوق وحدهما في المكتب. ――لا، لم يعد تشيشا متأكدًا مما إذا كان تقييم نفسه على هذا النحو صحيحًا.
لأنه لن يكون قادرًا على الادعاء بأنه مقرب لشخص ما، إذا لم يكن الأخير قادرًا على كشف أعماق قلبه له.
على نحو غير متوقع، لربما كانت ولربما كانت التصريحات العدائية التي كان راصد النجوم يتلقاها، ومنها نعته بالمهرج، ملائمة له هو الآخر.
تشيشا: [عندما تنكرت وحللت محل جلالتكم، لم يقترب راصد النجوم منييي قط. هل كانت تلك تعليمات من جلالتكم أيضًا، لعل وعسى؟]
فينسنت: [إذا تم التحدث بتهور عما يتم الحفاظ عليه كسر، فإن جميع الخطط ستصبح باطلة. لذلك، من الطبيعي تُسوّى الأمور العالقة قبل أن تسوء الأمور.]
تشيشا: [أفترررض ذلك. كنت لأفعل الشيء ذاته.]
لم يكن الأمر تواطؤًا بقدر ما كان اوبيلك، الذي بدا وكأنه يتمتع بحرية مطلقة، يُبقى أيضًا تحت مقود محكم من قِبل فينسنت.
كان هناك اتفاق سري متبادل بين الطرفين بشأن الكارثة العظمى.
ولكن――،
تشيشا: [أنا لا أفهم. لمَ تخفيه حتى عني؟]
فينسنت: [――. للتخلص من الأفكار غير الضرورية والمرهقة.]
تشيشا: [غير ضرورية ومرهقة…]
فينسنت: [لو كنت على دراية بهذا الأمر، لربما فكرت في إنقاذي. ومع ذلك، فهذه فكرة عقيمة.]
هازًا رأسه أفقيًا، صرح فينسنت بذلك متجردًا من أي تردد.
على الرغم من أن حياته كانت على المحك، إلا أن فينسنت لم يكن ليجفل من الحقيقة الماثلة أمامه. ومع ذلك، فإن تقبله لتلك الحقيقة وتقبل تشيشا لها كانا أمرين مختلفين تمامًا عن بعضهما البعض.
تشيشا: [من الطبيعي أن أضع حياة جلالتكم في المقام الأول. لم تصفها بأنها عقيمة؟]
فينسنت: [تذكر كل ما أخبر به راصد النجوم حتى الآن، مدعيًا أنها وصيته.]
تشيشا: [الأخبار التي جلبها اوبيلك-دونو…]
عند إخباره بذلك، تفكر تشيشا.
إذا كانت الكارثة العظمى هي الشيء الوحيد الذي أخفاه فينسنت عن تشيشا، فإن تشيشا كان على دراية تامة بجميع النبوءات الأخرى التي جلبها اوبيلك.
كانت جميعها نذرًا مفيدة للكوارث الطبيعية والتمردات، وكلاهما بمثابة نُذُر لمواقف قد تفضي إلى تفجر الأوضاع. وبفضل هذا، غدا بالإمكان إبقاء الأضرار عند حدها الأدنى――،
تشيشا: [――رغم اختلاف درجات الضرر، إلا أن جميع تلك المواقف قد حدثت بالفعل.]
فينسنت: [بالفعل. لم تكن هناك حالة قط أمكن فيها منع حدوث إحداها، بعد الإبلاغ عن علاماتها. سواء كانت كارثة من صنع الإنسان أو طبيعية، فإن الخطوة الأولى تحدث دائمًا. حتى لو تمكنا من التعامل مع الأضرار التي تعقبها.]
هڪذا إذن، كان ما قاله اوبيلك.
فينسنت: [الكارثة العظمى التي تحدث عنها ذلك الشيء، ستبدأ بموتي.]
تشيشا: [――هـڪ، إذًا ما يتوجب عليّ فعله هو حماية حياة جلالتك وتحدي وصية راصد النجوم!]
فينسنت: [أتعتقد أنني لم أحاول التحقق مما إذا كان ذلك ممكنًا؟]
أبطلت كلمات فينسنت المتمهلة اعتراض تشيشا الانفعالي.
بطبيعة الحال، فإن الأفكار التي راودت تشيشا في فورة الانفعال، كان فينسنت قد اختبرها جميعًا بالفعل.
في الماضي، جرى تحدي النبوءات الأخرى التي جلبها اوبيلك، غير المتعلقة بالكارثة العظمى، مرارًا وتكرارًا للتحقق مما إذا كان بالإمكان الحيلولة دون وقوعها.
وبينما كان يؤدي دور الإمبراطور على أكمل وجه، خلف الكواليس――،
تشيشا: [――يا جلالتك.]
فينسنت: [ماذا؟]
تشيشا: [لدي سؤال، تبادر إلى ذهني للتو.]
فجأة، وبينما تخلل دماغه صوت بارد وكئيب، صوته هو، تحدث تشيشا على هذا النحو.
لقد صرح بأن لديه سؤالًا، لكن دماغه كان مخدرًا. مخدرًا بالكامل. سواء أكان ذلك عائقًا ذهنيًا كرد فعل على إرهاق دماغه بالعمل، أو نتيجة لرفضه العمل، فقد كان مخدرًا بالكامل.
ومع ذلك، وبغض النظر عن سبب تخديره، كان السؤال قد طُرح بالفعل، وتلقاه الإمبراطور.
ومن ثم――،
فينسنت: [سأسمح بذلك. تحدث.]
لم يستطع تشيشا رفض ما اختاره الإمبراطور.
وبالتالي، لم يستطع تشيشا رفض ما منح الإمبراطور الإذن به.
وهڪذا، وبينما كان يختبر تخدير دماغه الخاص، طرح تشيشا استفساره.
تشيشا: [منذ متى وأنت على دراية بعلامات الكارثة العظمى؟]
فينسنت: [――المذكرات.]
بهدوء، فتح فينسنت درجًا في المكتب الذي استخدمه لأداء واجباته، وأخرج كتابًا قديمًا مجلدًا، ووضعه على المكتب.
مذكرات أصبحت موضوع محادثة مرة في الماضي، لكنه لم يرها قط. المذكرات التي تركها سترايد فولاكيا، إذا كانت تنقل العلامات――
تشيشا: [يا جلالتك، ما فعلته حتى الآن――]
لقاء تشيشا، الذي كان أصلًا تشيشا تريم، والسير بجانبه، وصقله بمرور الوقت، وانتشال سيسيلوس، والمشاركة في مراسم الاختيار الإمبراطوري، وإنقاذ حياة بريسكا بينيديكت عبر مخالفة مبادئه الخاصة لأول مرة، وتمهيد مسار جديد كإمبراطور لإمبراطورية فولاكيا.
رحلة فينسنت فولاكيا بأكملها كانت――.
فينسنت: [――بعد موتي، يجب تقليل الخراب الناجم عن الكارثة العظمى إلى الحد الأدنى. هذا هو الغرض من الإصلاح، والغرض من الجنرالات السَاميين التسعة.]
تشيشا: [――――]
فينسنت: [――غرضك أنت، تشيشا غولد.]
△▼△▼△▼△
تشيشا: [أطالب بمعرفة من هم هؤلاء المراقبون، وأطالبك بالكشف عن أي معلومات قد تمتلكها عنهم.]
ضاغطًا بالمروحة الحديدية المفتوحة على رقبة الآخر، هدد تشيشا بنبرة خافتة.
ومع ذلك، وبينما وجه تشيشا تلك العدائية المروعة نحوه، كان تعبير وجه اوبيلك، الذي سُمّر ظهره على الجدار، خاليًا من الهموم، وكأنه في حيرة من أمره، عاجزًا عن قراءة الموقف.
وبتعبيره الذي لم يتغير، ناداه اوبيلك بـ “الجنرال من الدرجة الأولى تشيشا”، ثم تابع،
اوبيلك: [لقد ظننت أنك وجلالة الإمبراطور قد ناقشتما ذلك قبل بضعة أيام، وأنك قد تقبلت الأمر في قرارة نفسك، الجنرال من الدرجة الأولى تشيشا…]
تشيشا: [لقد استغرقني الأمر بضعة أيام لمراجعة الشروط المسبقة للتأكد من عدم وجود أي خطأ. لسوء الحظ، لا توجد حاليًا طريقة لرفض أفكار جلالته بشكل مباشر.]
اوبيلك: [أنا واثق من أن الأمر سيكون سيان حتى لو ناقشته معي. ولكن، كما هو متوقع من الجنرال من الدرجة الأولى الذي يعمل أيضًا كبديل لجلالته، فإنك تأخذ الكثير من طباعه.]
تحدث اوبيلك بينما كان محتجزًا في مكانه، ليرتسم على وجه تشيشا تعبير حيرة باهت. مستوعبًا رد الفعل ذلك من تشيشا، هز اوبيلك رأسه، ثم صرح،
اوبيلك: [لقد سأل جلالته أيضًا عما إذا كانت هناك طريقة للالتفاف على الوصية. ولكككن~، يمكنني أن أرد عليك بالإجابة ذاتها التي أعطيتها إياه حينها. لا توجد.]
تشيشا: [――. ما هو غرضك؟ اوبيلك-دونو، لقد قدمت نفسك كمتأمل للنجوم، وبالتالي نلت المكانة للبقاء في قصر الكريستال وإيصال النبوءات من المراقبين. وأنا على رأس هؤلاء، لا ينظر الناس، باستثناء سعادته، بعين الاستحسان إلى وجودك، اوبيلك-دونو. إذا مات جلالته حقًا وفقًا للنبوءة، فلن تنجو أنت من الهلاك.]
اوبيلك: [لقد صغت ذلك بوضوح شديد لدرجة أنه يؤلمني… ولكككن~، الجنرال من الدرجة الأولى تشيشا، افتراضك ذلك خاطئ.]
تشيشا: [――――]
اوبيلك: [الأهم من هلاكي الخاص، هو استيفاء الوصية وتحقيقها. غرضي، هو درء الدمار المقرر أن يعقب الكارثة العظمى.]
وبينما كان يتحدث، اختفت الابتسامة عن وجه اوبيلك.
وجه اوبيلك، الذي تلاشت منه المشاعر المصطنعة التي تلبسها، قد فقد دفئه. وبالتقاطه عن قرب، تولّد لدى تشيشا انطباع كما لو أنه يواجه وجه اوبيلك الحقيقي للمرة الأولى.
للحظة، شك في أن ذلك يعود إلى تقنية ما خاصة باوبيلك――،
اوبيلك: [أنا لا أمتلك أي قوة من هذا القبيل. ألم أدمر «عين الشر» الخاصة بي أمام عينيك مباشرة، الجنرال من الدرجة الأولى تشيشا، لأظهر أنني لا أكن أي ضغينة تجاه جلالته في البداية تمامًا؟ هل ترغب في تأكيد ذلك؟]
تشيشا: [――. لا، هذا يكفي. ما لم تخني مسامعي، أنت، اوبيلك-دونو، قد صرحت بهذا؟ بأن غرضك هو درء الدمار المقرر أن يعقب الكارثة العظمى.]
اوبيلك: [أجل، هذا صحيح. من هذه الناحية، يتوافق ذلك الغرض مع غرض جلالته.]
كان اوبيلك المجيب خاليًا من أي تعثر، ولم يستطع تشيشا تبين أي زيف في رأيه.
لو كان سيكذب هنا في المقام الأول، فلن يكون من المنطقي ألا يكذب ليُظهر نفسه، وليس فينسنت، بمظهر جيد أمام تشيشا. حتى اوبيلك لن يكون مسرورًا جدًا إذا قُتل بعد إثارته حنق تشيشا بلامبالاة، على الأرجح، رغم أن تعبيره يوحي بأنه لا يمانع أن يُقتل في أي وقت.
بالإضافة إلى ذلك، ورغم أنه كانت لديه بعض الأفكار حول سلوك اوبيلك واعتبره مصدر إزعاج، فإن أسباب فينسنت لعدم إبعاد اوبيلك كانت مفهومة.
كان فينسنت واوبيلك يعملان كلاهما نحو الهدف ذاته.
تشيشا: [لا يبدو لي أن اوبيلك-دونو يفكر في منع الكارثة العظمى نفسها. لمَ ذلك؟]
اوبيلك: [أوه، الأمر بسيط. الكارثة العظمى لا يمكن تأجيلها. ستحدث بلا ريب، كنوع من النتيجة الحتمية. غرضي، بمجرد وقوع الكارثة العظمى، هو درء الدمار الذي تجلبه. بعبارة أخرى…]
تشيشا: [بعبارة أخرى؟]
اوبيلك: [إذا لم تحدث الكارثة العظمى فعليًا، فلن يتم استيفاء وصيتي. ولهذا السبب، حتى لو دُمرت جميع العوامل التي من شأنها التسبب في الكارثة العظمى، فسأصبح أنا ذلك العامل.]
كانت تلك طريقة تفكير متعصبة، اختلطت فيها الوسائل والغايات ببعضها البعض.
وابتلع تشيشا ريقه إزاء تلك العبثية غير المفهومة، وجعل المروحة الحديدية المستقرة بالفعل على رقبة اوبيلك تنغرز فيها بقوة أكبر. ولأنها موجهة نحو نقطة حيوية، فإن وضع قوة كافية فيها سيؤدي إلى قطع حنجرة اوبيلك هناك.
وتاركًا اوبيلك نفسه يفهم ذلك، أصبح صوت تشيشا أكثر حدة.
تشيشا: [إذًا سيكون من الأفضل لو أزلنا ذلك العامل بأيدينا هنااا.]
اوبيلك: [أتمنى ألا تفعل، لكنني لن أمنعك. على الرغغغم~ دعني أخبرك بشيء واحد، بافتراض أنك قتلتني، سيظهر راصد النجوم التالي. هذه هي الطريقة التي تسير بها الأمور.]
تشيشا: [――――]
اوبيلك: [أربع كوارث كبرى ستدمر العالم. لقد حانت الفرصة لإيقاف واحدة منها. نحن محطات تنقية ذاتية ودفاع ذاتي أوجدتها النجوم، وهناك بدائل لا حصر لها.]
محدقًا في تلك العينين اللتين لم يكن بالإمكان استشعار شيء منهما، صرّ تشيشا على أسنانه.
أن لا وجود للتهديدات، ولا للزيف، وأن اوبيلك نفسه كان على الأقل يتحدث بجدية، كان أمرًا أمكن لتشيشا استشعاره.
――من أجل درء الدمار الذي تصنعه الكارثة العظمى، فإنه سيجعل الكارثة العظمى تحدث بلا ريب.
إعلان بالغ العبثية، بالغ اللامعقولية، ومع ذلك فقد كان دعوة لحرب استنزاف، توظف حيوات لا تُحصى كدروع، والتي لم يكن حتى فينسنت قادرًا على فعل شيء حيالها.
غير أن احتمالية قد طرأت؛ وهي أن بعض متأملي النجوم الذين جلبوا الوصايا حتى الآن، ربما كانوا هم أنفسهم بمثابة شرارات، لاعبين دورًا في تجسيد نبوءاتهم.
ولكن، إن تيقنوا من ذلك وقاموا بمذبحة لمتأملي النجوم، مستأصلين إياهم، وبما أن شروط ظهورهم لم تكن معروفة، فمن المرجح أنهم سيحتاجون إلى قتل كل القادرين على أن يصبحوا واحدًا منهم.
وكان ذلك سيصبح بمثابة تدمير للبلاد.
اوبيلك: [جلالته مثير للإعجاب. إن التعلق بالأفراد هو أمر يشكل جزءًا ضئيلًا جدًا من طبيعتي، لكن لا يسعني إلا أن أرفع قبعتي احترامًا لجلالته على ما هو عليه. شخص ليس براصد نجوم لا يمكنه أن يكون كذلك.]
تشيشا: […إعجاب اوبيلك-دونو بشخص إلى هذا الحد، يا لها من مزحة غير مضحكهههه.]
اوبيلك: [أنا أعني ذلك حقًا. لا أحد قادر على تقبّل موته الذي أنذرت به الوصية براحة بال. ومع ذلك، فإن جلالته يضع جميع الاستعدادات لِما بعد موته. حتى وإن لم تبقَ لديه أي آمال للعيش، فهو لم يتخلَّ عن القتال. حقًا، إنه «ملك ذئاب السيف».]
كلمات اوبيلك، التي تمتم بها بوقار، كانت تعبيرًا راسخًا عن إعجابه بفنسنت.
ذئب السيف الذي تحدث عنه، “الذئب المخترق بالسيوف” الذي كان الشعار الوطني لفولاكيا، كان احتفاءً بنهج حياة محارب لا يتزعزع حتى حين يُثقل بجراح تهدد حياته.
بهذا المعنى، وكما صرح اوبيلك، كان نهج حياة فينسنت هو نهج ذئب السيف نفسه.
اوبيلك: [الجنرال من الدرجة الأولى تشيشا، لقد قضيت كل حياتي بنية استيفاء وصيتي بكل قلبي. ولكككن~، ليس الأمر وكأنني أعتقد أن وصيتي أروع من كل شيء. في حال كنت تقول إنه من الصعب تقبل ذلك، الجنرال من الدرجة الأولى تشيشا، فلا بأس إن أردت تجربة الأمر.]
تشيشا: [تجربة الأمر… استئصالك أنت، اوبيلك-دونو، وأولئك الذين يحملون المكانة ذاتها التي تحملها، أتقصد؟]
اوبيلك: [لقد ذكرتُ أن هناك بدائل لا حصر لها، لكن ثمة حدًّا لذلك. فالحيوات معدودة. تجربة ذلك بدعم من الجنرال من الدرجة الأولى سيسيلوس ستكون أمرًا يستحق المحاولة.]
مرة أخرى، كان عقل اوبيلك عصيًا على الاستيعاب فيما يتعلق بمقدار ما نبع من ذلك المقترح مما يشعر به حقًا.
للحظة، اعتبر تشيشا ذلك فكرة مقبولة، وهو دليل على مدى ما أصابه من اهتزاز.
بافتراض أنه فعل كما صرح اوبيلك، وكشف تلك الحقيقة لسيسيلوس ووجهه بينما الأخير ربما لا يفعل شيئًا سوى الثرثرة حولها، فقد يتمكنون من إبادة مواطني الإمبراطورية.
――لا، كان ذلك مستحيلًا أيضًا.
لو اكتشف فينسنت تلك المؤامرة، لأوقف أي هراء من هذا القبيل على الفور. كان سيسيلوس صديقًا، لكن أولويسساته كانت محددة للغاية في ذهنه.
بالنسبة لسيسيلوس، كانت الأسبقية لفنسنت على حساب تشيشا. وكان ذلك هو السبب وراء كون سيسيلوس سيغمونت هو الأول، رغم أنه لم يكن من الممكن الوثوق برأسه قيد أنملة عندما يتعلق الأمر بالتفكير.
تشيشا: [ومع ذلك، فإن أمثال الكشف عن هذا لسيسيلوس كان خيارًا لم يخطر ببالي، وذلك أمر يبعث على الضحك تمامًا، حتى لو قلت ذلك بنفسي.]
عاطفة عميقة، خارجة عن المألوف، خطت ابتسامة باهتة على شفتي تشيشا.
وبرزت في رأسه بوضوح صورة سيسيلوس وهو يلويسس شفتيه، محتجًا بضراوة――،
تشيشا: [――――]
وفجأة تذكر حديثًا دار بينهما ذات يوم بوضوح تام.
سيسيلوس: [إذا تواجهنا أنا وأنت يا تشيشا، فستموت في رمشة عين بكل تأكيد؛ ولكن، ماذا لو بدأت بألف رجل؟ قد يستغرق الأمر ألف ثانية!]
تشيشا: [أشك في ذلك. لكنني أفهم ما ترمي إليه. بينما أكسب ألف ثانية…]
سيسيلوس: [جلالته، أو أي شخص آخر، يمكنه تحقيق غرضه. عيبي الأعظم الوحيد، بصفتي الممثل الرئيسي لهذا العالم، هو أنه لا يوجد سواي في هذا العالم.]
خطر بباله الوجه المبتسم لصديقه وهو يتحدث عن أمور عشوائية.
وفجأة، طرأت له فكرة.
تشيشا: [اوبيلك-دونو، أود أن أستفسر منك عن أمر. ――هذه الوصايا التي تتلقاها، بأي طريقة تُجلب إليك؟]
وبعد أن وُجه إليه السؤال، وسع اوبيلك عينيه بدهشة طفيفة.
ثم أمال رأسه، مستعيدًا هالته المعتادة من الوداعة التي كانت قد اختفت، و،
اوبيلك: [الأمر يختلف. في أغلب الأحيان، أتلقاها في شيء يشبه الحلم.]
تشيشا: [إذًا، هل ينطبق ذلك أيضًا على الوصية المتعلقة بالكارثة العظمى التي نقلتها إلى جلالته؟]
ومع توالي الأسئلة، أومأ اوبيلك برأسه بوجه يعلوه الارتباك. وبعد أن زفر عند سماع ذلك الجواب، صاغ تشيشا ببطء الأفكار التي راودته.
تشيشا: [إن كانت اللحظة التي يفقد فيها جلالته حياته حاضرةً في الوصية التي تلقيتها――]
تلاشى البياض الخالص، طلى نفسه غير المستقر، القابل لأن يُصبغ بأي لون لا أن يكون تابعًا لأي شخص فحسب.
والظاهر هناك كان――،
تشيشا: [――فينسنت فولاكيا الذي يموت هناك، أيهما هو يا تُرررى؟]
△▼△▼△▼△
――تشيشا غولد، الذي كان في الأصل تشيشا تريم، لم يعتبر نفسه شخصًا يتمتع بإحساس عالٍ جدًا بالولاء، ولم يقسم بطاعة لا تتزعزع لجلالة الإمبراطور.
كما صرح بذلك فينسنت فولاكيا نفسه دون غيره.
في وقت مضى، عندما سُئل تشيشا عما إذا كان مستعدًا للموت من أجل فينسنت، رد بالإجابة المباشرة بأنه لن يفعل ذلك.
أن يُبقي ذلك في حسبانه وهو يخدمه، هڪذا قيل لتشيشا.
ووفقًا لذلك الإعلان، وبتلك المشاعر، جاء تشيشا لخدمة فينسنت.
وبالتالي، لم يكن ليفعل أي شيء يمت بصلة إلى الموت من أجل فينسنت.
حتى لو لم يقسم بولاء لا يتزعزع لفنسنت، فقد تعهد بولاء وليد المنطق السليم. وبصفته واحدًا من شعب الإمبراطورية، وبصفته واحدًا من جنرالات الإمبراطورية من الدرجة الأولى، تصادف أيضًا أنه يمتلك بعض الشعور بالاحترام تجاه جلالة الإمبراطور.
أي سلوك يبدو وكأنه يتعارض مع أمر فينسنت، كان أمرًا غير معقول.
ومن هنا، لم يكن خيار تشيشا شيئًا اتُخذ لأجل فينسنت، بل اتُخذ فعليًا لأجل تلك المشاعر ذاتها التي كانت في أصل كل شيء، عندما تصادف والتقى بالأمير على ذلك الطريق.
آنذاك، تجنب العديد من الناس حوله التورط بمجرد إلقاء أعينهم على تلك العربة، التي كان بوسعهم معرفة أن ركابها من علية القوم بنظرة واحدة.
كانوا ليرحبوا بالمساعدة، لكن إن تبين أنهم غير قادرين على ذلك، وجلبوا الاستياء بدلًا من ذلك، فإن حيواتهم ستكون على المحك.
وبينما كان قادرًا على استيعاب أفكار هؤلاء الناس تمامًا، تقدم تشيشا نحو العربة.
لم يكن الأمر وكأنه أراد مساعدة الناس.
ومع ذلك، فقد رأى أنه من المؤسف أن يفوت الفرصة لاختبار حساباته ودراساته، التي قيل إنها عديمة الفائدة في القرية التي كانت مسقط رأسه.
وبالفعل، كان الأمر سيان هذه المرة.
فرصة لفهم ما يدور خلف أفكار فينسنت فولاكيا، رجل كانت براعته قادرة على جعل كل شيء يسير وفق فرضياته، ربما لن تتاح مجددًا على الإطلاق.
علاوة على ذلك، فمنذ أن كان فينسنت فولاكيا طفلًا صغيرًا، وطّن نفسه على قبول تلك اللحظة بوقار.
بعبارة أخرى، كان هذا تحديًا للمشاركة في نزال حاسم وُضعت فيه حياة فينسنت فولاكيا على المحك.
رجل يغلي دمه بمجرد إلقاء قفاز التحدي، رجل ترتفع روحه المعنوية أكثر فأكثر عند إدراك أن عدوه جبار حقًا، رجل تشتعل روحه كوسيلة لإسقاط خصمه. ذلك كان رجلًا من الإمبراطورية.
وتشيشا غولد، كان رجلًا من الإمبراطورية.
أي نوع من المشاعر، أي نوع من الأفكار كانت في عقل فينسنت فولاكيا، في الوقت الذي قرر فيه وضع تشيشا تحت رعايته، ليتعلم تحت إشرافه، وليصبح قادرًا على استخدام الذكاء ذاته مثله بعد وفاته، كان أمرًا غير واضح.
هو لم يفهم، ولم يرغب في أن يفهم.
وبمجرد أن فهم أنه لم يفهم، راودته العديد من تلك الأفكار المتهورة.
كان فينسنت قد تفوه ببضع كلمات حول ذلك ذات مرة، مفادها أنه اختبر تلك الأفكار ذاتها.
وهڪذا――،
تشيشا: [الخراب الناجم عن الكارثة العظمى… ما هي الكارثة العظمى بحق، لا تجعلوني أضححك.]
مصنفة ضمن أمثال الكوارث واسعة النطاق، بدا أن الكارثة العظمى ستحاول بطريقة ما أن تسحق إمبراطورية فولاكيا وتغرقها في الخراب. ومن وجهة نظر تشيشا على أية حال، كان الأمر يثير السخرية.
الكارثة العظمى ستبدأ بموت فينسنت فولاكيا.
الكارثة العظمى لن تبدأ دون موت فينسنت، وبعبارة أخرى، لا يمكن تدمير الإمبراطورية إذا سُمح له بالعيش، أفلم تكن قد خسرت بالفعل قبل أن يبدأ الدمار؟
وبغض النظر عن فينسنت فولاكيا، ما هو الدمار القادم، وما هي الكارثة العظمى؟
――فينسنت فولاكيا، الإمبراطور السابع والسبعون لإمبراطورية فولاكيا المقدسة.
تشيشا: [جلالته نفسه هو إمبراطورية فولاكيا. والدمار والخراب التامان للأرض بعد موت جلالته هو أمر بالغ العبث، ومثير للضحك، ومهزلة المهازل.]
سخر من الكارثة العظمى التي لم تُشهد بعد بأسلوب كلام يشبه أسلوب سيسيلوس.
ساخرًا من الكارثة العظمى التي على الأرجح لن تقع عيناه عليها أبدًا، أخرج لسانه.
تشيشا: [كلب يسعى لانتزاع نصر وضيع، كيف يمكن لذلك أن يكون من يقتل ذئب السيف الخاص بنا؟ ――إياك وأن تجرؤ على الاستخفاف بفنسنت فولاكيا، الذي ساندته، والذي شيدته.]
إن كنت شخصًا قادرًا على قتله، فما الذي تنتظره إذن؟ إن كنت تقول إنك ستختطفه بعيدًا، فافعلها.
خراب مُنذر به وكل ما شابه ذلك، إياكم وأن تجرؤوا على الظن بأنكم قادرون على تدمير إمبراطورنا، تدمير إمبراطوريتنا.
ذلك اليوم، حين أخرجت العجلة من الخندق، كان من أجل هذه اللحظة بالذات.
ومن أجل السخرية من هذا الدمار، كان كل ذلك――،
تشيشا: [――تمهيدًا. رغم أنني لن أقول مثل هذا الشيء على الإطلاق، لأنني إن فعلت، فسيتحمس سيسيلوس بشكل مبالغ فيه.]
△▼△▼△▼△
――أضاء ضوء أبيض بشكل مبهر داخل غرفة العرش، وعلى الفور بعد ذلك، تناثرت دماء قرمزية بشكل مهيب.
وعلى السجادة الحمراء، وقف رجل نحيل، غارقًا في الدماء الطازجة التي تناثرت للتو.
الرجل، الذي ارتدى قناع أوني سخيفًا على وجهه، وسع عينيه السوداوين المخبأتين خلف القناع، متجمدًا من الصدمة أمام الأحداث التي تكشفت أمامه.
وأمام ذلك الرجل الذي كان يقف متسمرًا في مكانه، تداعى الجسد الذي تدفقت منه كميات غزيرة من دمائه، متهاويًا إلى الأمام.
صدره، المجرد من أي دفاعات، قد اختُرق من الخلف، مدمرًا قلبه دون ذرة رحمة، ومستأصلًا، وممزقًا كل شيء وأي شيء ضروري لاستمرار الحياة.
؟؟؟: [――――]
عاجزًا عن إسناد الجسد الساقط بذراعيه، انهار الجسد بعجز فوق السجادة.
وبهذا، لم يتحرك الجسد الساقط، دون أدنى اختلاج، ودون حتى جرعة هواء ناهيك عن أي كلمات أخيرة.
لا أحد يمكنه العيش بعد أن اختُرق قلبه.
وبناءً عليه، كان ذلك حدثًا حتميًا، ونهاية المصير التي كان لا بد وأن تصل.
؟؟؟: [――――]
لقد مات الرجل.
لقد كان تشيشا تريم، وأصبح تشيشا غولد، وأخيرًا مات الرجل بصفته فينسنت فولاكيا.
――وكان ذلك هو كل ما حدث، في تلك اللحظة.

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
[1] – طوال القوس السابع (Arc 7)، وفي المشاهد التي تدور أحداثها قبل انتهاء مراسم الاختيار الإمبراطوري، يشير فينسنت إلى نفسه بالضمير الياباني (俺 – أوري). ومع ذلك، بمجرد أن أدرك أن النصر في الاختيار الإمبراطوري بات مضمونًا وجلس على العرش، أصبح يشير إلى نفسه بضمير التعظيم (余 – يو)، وهو ضمير ملكي/إمبراطوري يُستخدم للإشارة إلى الذات بصيغة التفخيم، واستُخدم أيضًا من قبل شخصيات ملكية أخرى في القصص الجانبية.
[2] – «النو» (Noh – 能): هو مسرح درامي راقص كلاسيكي ياباني ذو تقاليد تعود لقرون طويلة، تُستخدم فيه الأقنعة لنقل سمات الشخصيات في المسرحية، على الرغم من أن الممثل الرئيسي هو من يرتديها عادةً.