الفصل 470 - عد التنازلي للنجوم
الفصل مئة وثلاثة
«عد تنازلي للنجوم»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
――بينما هزت الزلازل العالم، وانشقت السماء إلى لونين أبيض وأحمر، وبدا أن تصادم الأرواح قد جلب حدثًا ذا أبعاد كارثية، كانت ريم قد اتخذت قرارها.
ريم: [إن كنتُ سأتحرك، فالوقت المناسب هو الآن أو لا أبدًا.]
في العاصمة الإمبراطورية، حيث كانت تدور رحى معركة ذات نطاق لا يمكن تصوره، ظلت ريم سجينة في قصر بيرستيتز، مقيدة الحرية إلى حد كبير.
حتى وهي تشم رائحة احتراق تزداد قوة يومًا بعد يوم، لم تكن ريم قادرة على فعل أي شيء مفيد. وشعورًا بالخزي الشديد حيال ذلك، لم يعد خيار البقاء صامتة في مكانها لثانية إضافية أمرًا مقبولًا بالنسبة لها.
في النهاية، لم تلتقِ ريم وجهًا لوجه مع بيرستيتز، مالك القصر والمسؤول عن احتجازها، ولو لمرة واحدة منذ لقائهما الأول بالصدفة. ولهذا السبب، لم تكن هناك أي طريقة لها لتعرف ما قد يفكر فيه ذلك الرجل العجوز —الذي كان قلقًا بشأن مستقبل الإمبراطورية بسبب فلسفته الخاصة، مما دفعه للإطاحة بالإمبراطور آنذاك، آبل— حيال كل ما أدى إلى هذه المعركة الكبرى التي اجتاحت الإمبراطورية بأكملها.
ولكن، حتى لو افترضنا وجود فرصة لذلك، فمن المرجح أنهما لم يكونا ليفهما بعضهما البعض، هو وريم.
ريم: [في النهاية، أنا وبيرستيتز-سان نقف على جانبين مختلفين تمامًا.]
حتى وإن بدا الأمر باردًا، كان هذا هو الاستنتاج الذي توصلت إليه ريم في نهاية المطاف.
وحدهم الأقوياء، أو أولئك الذين يمتلكون المساحة الكافية لفعل ذلك، يمكنهم التعاطف مع ظروف من هم في مواقف مختلفة وأخذها بعين الاعتبار. وبما أن ريم لم تكن أيًا منهما، فقد أُجبرت على اتخاذ قرار.
من الذي ستتخذه عدوًا، ومن الذي ستعتبره حليفًا؟
وبغض النظر عن ذلك، لم تكن ريم تكن أي عداء تجاه بيرستيتز أو ماديلين. وهذا تحديدًا ما جعل عجز آبل عن شرح الأمور بشكل صحيح، إلى جانب طلبات بريسيلا غير المنطقية، أمورًا يصعب التعامل معها أكثر.
لذلك، فإن ما ستحاول ريم فعله من الآن فصاعدًا لم ينبع من عداء أو نية تمرد ضدهم، بل لم يكن سوى نتيجة لاختيارها للمكان الذي ستقف فيه.
ريم: [――――]
مع بدء المعركة على العاصمة الإمبراطورية، ورغم أن قصر بيرستيتز قد بُني بالتأكيد في عمق المدينة، إلا أن تأثيرات المعركة الشرسة كان يمكن الشعور بها هناك رغم ذلك.
بطبيعة الحال، وُضع القصر أيضًا في حالة تأهب قصوى، وباعتبارها أسيرة حرب إلى حد ما، أُمرت ريم أيضًا بالانتظار في الغرفة المخصصة لها. وبالتالي، قُيدت حريتها أكثر من المعتاد.
ولكن، من منظور أمن القصر، لم تكن ريم سوى فتاة تعرج على أي حال، والنظام الأمني المعمول به لم يُجهز لترك حارس كحارس شخصي أمام غرفتها ليلًا ونهارًا.
――مستغلة هذا الإهمال الأمني، تسللت ريم بصمت خارج الغرفة.
وهي تحبس أنفاسها، زحفت ريم من النافذة السقفية لغرفتها إلى سطح القصر.
ولأنها كانت حذرة ألا تُصدر صوتًا، لم يلاحظ الحراس مناورات ريم الخفية. سيكون من القسوة إلقاء اللوم على إهمالهم―― فمن المحتمل أنهم لم يتخيلوا أبدًا أن فتاة تمشي بعكاز ستتسلل من غرفتها بهذه الطريقة.
كان ليكون ذلك هو الحال، لو كانت ريم حقًا فتاة عاجزة عن المشي كما يحلو لها بدون عكاز.
ريم: [توقعتُ أن أستعد للأسوأ، ولكن…]
بالطبع، لم يكن كذبًا أن ريم قد اشتكت من إعاقتها واستخدمت عكازًا حتى هذه اللحظة.
ولكن، مع ذكرياتها غير المكتملة التي كانت تزعج من حولها، لم يكن بإمكانها ترك ساقها المصابة كما هي للأبد، ولهذا السبب كانت تتدرب باستمرار على المشي.
ومع إثمار جهودها، وبدئها في التمكن من الوقوف على قدميها إلى حد ما، خطرت لها فكرة. ――إذا ما جعلتهم يعتقدون أنها تعرج، فربما يكون ذلك مفيدًا.
في الواقع، لم تكن قد فكرت بعد في الكيفية التي سيكون بها ذلك مفيدًا تحديدًا.
على العكس من ذلك، إذا ما اكتُشف سرها الذي لا فائدة منه، فقد تضع الجميع في حالة تأهب عن غير قصد. ولكن، بما أن متاعبها قد أثبتت فائدتها بالفعل، فيمكنها على الأرجح القول إنها قد خاضت مقامرة، ونجحت فيها.
رغم ذلك، لا يمكنها مطلقًا أن تتخلى عن حذرها. إذ لا يمكنها القول إن الفوز بالمقامرة قد أتى بثماره إلا بمجرد أن تبدأ هذه الأفعال في تحقيق نوع ما من النتائج.
فالمخاطرة وبذل الجهد للمقامرة سيصبح بلا معنى ما لم يتحول إلى انتصار.
في المقام الأول، كانت ريم تحاول ألا تفكر فيمن أثّر عليها تحديدًا لتقوم بمخاطرة كهذه.
على أي حال――،
ريم: [――لو أنني فقط أستطيع البقاء غير مكتشفة حتى أبتعد.]
لم يكن هدف ريم من الصعود إلى السطح هو الهروب من القصر.
كان هذا الخيار من الصعب استبعاده أيضًا، ولكن باستثناء ريم، كان فلوب محتجزًا هو الآخر في القصر. لم تكن هناك طريقة ليخرج بها بمفرده، وكان القصر محاطًا بجدار مرتفع في المقام الأول. وتجاوزه بالتسلق سيكون صعبًا، على عكس السطح، لذا لم يبدُ أن هناك جدوى حتى من التفكير فيه.
لذلك، هربت ريم من غرفتها لإجراء اتصال مع من هم في مبنى منفصل عن القصر، يقع ضمن نفس قطعة الأرض―― أولياء العهد، الذين تم أسرهم من جميع أنحاء البلاد وجمعهم في هذا المكان.
فولي العهد ذو الشعر الأسود قد تم الإشادة به كقائد يقف خلف التمرد، وفقًا لما سمعته. وعلى الرغم من الشكوك حول ما إذا كان هذا الشخص هو حقًا ابن آبل الشرعي، فمن المحتمل أنه يملك أمرًا أو أمرين في ذهنه بشأن الحالة الراهنة للإمبراطورية.
إذا تمكنت ريم من التواصل معهم، فقد يلوح في الأفق بصيص أمل لإخراجها من الموقف الذي وُضعت فيه.
ريم: [أحتاج أن أضمن سلامتي، وسلامة فلوب-سان، وكاتيا-سان أيضًا.]
شعرت ريم أنها بحاجة إلى حلفاء يمكنهم التعاون مع بعضهم البعض.
كانت تشق طريقها بحذر على طول السطح نحو الحافة، مع الاهتمام الشديد بألا تُصدر أي صوت. ورغم جهدها في المشي بخفة، لم يكن هناك ما يضمن ألا يعثر الحراس عليها، أو أنها ستتمكن من الابتعاد بنجاح.
ولكي لا تدع هذه الفرصة تضيع هباءً، كانت مستعدة تمامًا للمخاطرة بحياتها في حال تم رصدها. وكان هذا أيضًا هو السبب الذي جعلها لا تستطيع الوقوف مكتوفة الأيدي.
كان ذلك――،
ريم: [――هـڪ]
فجأة، تسببت أحداث غريبة ظهرت في السماء البعيدة في جعل ريم تقفز من الرعب.
وبينما كانت تشهد المعركة التي تدور رحاها في جميع أنحاء أسوار العاصمة الإمبراطورية على حافة رؤيتها، وبينما تحولت السماء التي تلوح في الأفق إلى مشهد غريب، شهقت ريم.
ولأنها كانت بعيدة جدًا عن الحدث، لم يكن لدى ريم أي وسيلة لمعرفة التفاصيل، ولكن في اللحظة ذاتها التي هبط فيها تنين السحب ميزوريا على قمة الأسوار ذات الشكل النجمي التي تحمي العاصمة الإمبراطورية، حولت آكلة الأرواح أراكيا السحب إلى ألسنة لهب، ونهض موغورو هاغاني ليكون المتراس نفسه.
دون معرفة حقيقة الموقف، تصلبت ريم حين شعرت بتلك الأخطار بغريزتها. وفي اللحظة ذاتها، فقدت القوة للبقاء واقفة على السطح.
وتزامنًا مع صرخة “آه” مبحوحة أفلتت من فم ريم، انزلق جسدها أسفل منحدر السطح. كادت أن تسقط للأسفل تمامًا، لكن بدلًا من ذلك، تشبثت بسرعة بحافة السطح بكل ما أوتيت من قوة.
ريم: [كان ذلك، وشيكًا…]
لم يكن ليكون لديها عذر جيد، لو أنها صرخت أو سقطت للأسفل.
وهي بالكاد متشبثة بحافة السطح، زفرت ريم تنهيدة ارتياح. وببطء، حاولت إعادة نفسها إلى السطح ومن ثم――،
ريم: [――؟ هذا…؟]
مع بقاء هدفها بعيدًا، لم يكن تدليها من السطح سوى حادث عرضي في طريقها إلى هناك. ومع ذلك، بينما كانت ريم ممسكة بالحافة، لفت انتباهها باب مُعد في أقصى نهاية المبنى الكبير.
على الرغم من أنه سُمح لريم ببعض الحرية النسبية في الذهاب والإياب داخل القصر، وبالتالي نظرت في كل مكان، كانت هذه هي المرة الأولى التي تلمح فيها بابًا لقسم محظور تمامًا كالمبنى المنفصل. ومن خلال دورانها حول القصر عبر السطح، تجولت في قسم لا يمكن الوصول إليه عادةً.
ريم: [باب خفي…؟ ما هذا ماذا بحقك؟]
وبينما برزت أسئلة حول اكتشافها في ذهنها، توقفت ريم لبرهة بفعل التردد.
كان هدفها المبدئي هو التواصل مع “أولياء العهد” في المبنى الآخر في أراضي القصر. وكان من شأن هذا أن يمنحها صورة أوضح للوضع، بالإضافة إلى فرصة أفضل لإيجاد مخرج منه.
من ناحية أخرى، الباب الخفي غير المتوقع قد يتبين في النهاية أنه مجرد قبو للخمور. هل كان يستحق حقًا المخاطرة للدخول إليه؟
ريم: [――――]
لم تكن بحاجة حتى للتفكير لتعرف ما هو الخيار العقلاني. ――ومع ذلك، اختارت ريم الخيار غير العقلاني.
مرخية قبضتها عن حافة السطح، هبطت إلى الممر حيث الباب الخفي. لقد توخت الحذر في محاولتها لتكون هادئة قدر الإمكان، ومع ذلك كان لا يزال من الممكن سماع وقع خطواتها. لكن السماء التي أرعبتها سابقًا ظلت على حالتها غير العادية، لذا يجب أن يكون حراس القصر مشتتين تمامًا.
مخاطرةً ومعتمدةً على ذلك، وضعت ريم يدها على الباب الخفي وفتحته على مصراعيه.
ريم: [سلالم تقود إلى قبو…]
لم يكن الباب مغلقًا، ربما لكون ذلك غير ضروري، وليس بسبب الإهمال.
لم يبدُ المكان وكأنه موقع يُفترض بالضيوف غير المدعوين الدخول إليه. وبما أن ريم، التي وصلت إلى القصر بدعوة نوعًا ما، هي من كانت تدخله، فلم يكن لديها سبب للشكوى.
في استقبالها سلالم ينبعث منها هواء بارد، ومساحة خافتة بلا ضوء، استنشقت ريم الهواء بخفة بينما توجهت للأسفل ويداها تتتبعان الجدار.
كانت هناك احتمالية أن شيئًا من الرعب الذي لا يُصدق بانتظارها.
كان من الممكن أيضًا أن يكون بيرستيتز قد احتجز شيئًا شنيعًا ومروعًا.
ولكن――،
ريم: [――هل، يوجد أحد هنا؟]
بنوع من اليقين الغامض، طرحت ريم سؤالًا في ظلام القبو الذي وصلت إليه.
كانت الإضاءة ضعيفة، غارقة في الظلام، لكن كان يمكن للمرء أن يشعر بأن القبو لم يكن بتلك السعة. كان هناك أيضًا حضور كبير في الجزء الخلفي من الغرفة لا يمكن تمييزه إلا بصعوبة.
رغم كونه ضخمًا، إلا أنه لم يكن وحشيًا بأي حال من الأحوال.
كان إنسانًا ذا بنية جسدية كبيرة جدًا؛ هڪذا حضور كان مُقيدًا بالسلاسل ومحتجزًا كأسيرٍ ضد الجدار على الجانب الآخر من القبو.
وأخيرًا، تحدث ذلك الشخص عند سماع سؤال ريم――،
؟؟؟: [يجب عليّ… جلالة…]
ريم: […من أنت؟]
؟؟؟: [يجب عليّ، أن أحمي… جلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا…]
تسبب صوت خفيض ومفعم بالعاطفة في جعل الهواء الراكد داخل القبو يهتز، بشكل يثير الشفقة.
كانت أصداء الصدق الكامنة داخل الصوت قوية وعاتية، مليئة بولاء نكران الذات.
ريم: [――――]
مع تلك الكلمات، قررت ريم أن تتخذ خطوة تلو الأخرى، وسدت الفجوة بينها وبين الشخص الآخر.
بفعلها ذلك، برزت في الظلام ملامح مبهمة لرجل ضخم مُقيد بالكامل بالسلاسل. كان جسده ضخمًا حقًا، مع ندوب بيضاء محفورة في جميع أنحاء وجهه――،
الرجل: […غوز، رالفون.]
بعد لحظة، أدركت ريم أن ما تمتم به كان على الأرجح اسمًا.
في الواقع، لقد بدا مألوفًا.
إذا كانت تتذكر بشكل صحيح، فقد كان ذلك أحد الجنرالات السَاميين التسعة، أحد أقوى الكائنات وأكثرها شهرة في إمبراطورية فولاكيا――.
غوز: [يجب أن أحمي جلالته من الكارثة العظمى――]
كان الرجل كالأسد، يزأر ببطولة بينما يلتوي وجهه المليء بالندوب.

△▼△▼△▼△
؟؟؟: [――آبل، لقد قلت هذا، أليس كذلك؟ أنك من نشر الإشاعة حول ولي العهد؟]
سيرينا دراكروي، امرأة ذات شخصية قوية كانت تطل على حالة حصار العاصمة الإمبراطورية من معسكر المتمردين الرئيسي، واقفةً هناك مكتوفة الذراعين، سألت آبل هذا السؤال. وببطء، رفع وجهه المغطى بقناع الأوني.
ظهر سرب سيرينا للتنانين الطائرة من الغرب البعيد كتعزيزات. وبمشاركة راكبي التنانين الطائرة من الدرجة الأولى الذين يمتلكون القدرة على ترويض التنانين الطائرة، مالت السيطرة الجوية فجأةً لصالحهم.
بالطبع، كانت هناك بعض ساحات المعارك التي كان فيها راكبو التنانين الطائرة في موقف ضعيف بسبب وجود تنين السحب وآكلة الأرواح، لكن السيطرة على ساحة المعركة بأكملها لم تكن أمرًا ضروريًا.
كل ما يتطلبه الأمر هو اختراق واحد، وحتى أسوار العاصمة الإمبراطورية، المشهورة بصلابتها، ستبدأ في الانهيار انطلاقًا من هناك.
كانت هناك تدابير موضوعة لتحقيق ذلك؛ على الأقل، هڪذا ظن آبل. ومن هنا، ولمعرفته بوجود أماكن في ساحة المعركة كانوا فيها في موقف ضعيف، وأخرى وصلوا فيها إلى طريق مسدود، كان يصدر الأوامر بين الحين والآخر.
آبل: [هل أبدو وكأنني أملك وقتًا لثرثرتكِ الفارغة الآن؟ إن كان هناك ما يجب فعله، ألا يفترض بكِ مراقبة تحركات مرؤوسيكِ؟]
سيرينا: [نعم، بالطبع. لكنه لأمر محبط أن تتجاهل هذا وتعتبره مجرد ثرثرة. لقد اتخذتُ موقفًا بسبب رسالتك وانضممتُ بسرعة إلى جانبك. وبما أن قدومي كان حيويًا جدًا لاستراتيجيتك، فإن معاملتي بقليل من الاهتمام لن تُفقدك ماء وجهڪ.]
آبل: [تتحدثين كشخص عامي لا نفع منه.]
سيرينا: [حتى لو تحدثتُ كشخص جاهل، أفضل ألا أتصرف كذلك. أنا فقط أشعر بفضول شديد حيال ردة الفعل تلك من قبل.]
هزت سيرينا كتفيها، وأبعدت بصرها عن السماء، موجهةً إياه نحو آبل.
ردة الفعل التي أشارت إليها كانت على الأرجح ردة فعله تجاه التعزيزات القادمة من الغرب―― تجاه وصول القوات العسكرية التي لم تكن سرب سيرينا للتنانين الطائرة.
رغم أن لديها فكرة عن التعزيزات غير المتوقعة ومن كان يقودها، إلا أنها وجدت اللامبالاة في كلماته وأفعاله السابقة أمرًا مزعجًا.
ومن هنا، أدى ذلك إلى الكلمات التي بدأت بها سيرينا ثرثرتها الفارغة.
سيرينا: [أنت من نشر مسألة ولي العهد ذي الشعر الأسود. أليس ولي العهد هذا هو من يقود المجموعة في وسط ذلك الهيجان المجيد؟]
آبل: [باختصار، أتعتقدين أن هذه الجلبة المنتشرة في أنحاء ساحة المعركة قد دبرها الابن غير الشرعي للإمبراطور؟]
سيرينا: [لا، أعتذر. لقد كان ذلك تعبيرًا مجازيًا فقط. لا أعتقد أن ولي العهد ذا الشعر الأسود هو حقًا ابن جلالته. على الأرجح، جلالته ليس لديه أطفال.]
هزت سيرينا رأسها ردًا على كلمات آبل، وأجابت بنبرة واثقة تمامًا. وعندما رفع آبل حاجبًا تعجبًا من إجابتها الواثقة، تابعت: “على أي حال”،
سيرينا: [لم يتخذ جلالته قرينةً أبدًا، وهناك أحاديث عن أنه لم يقم علاقة حميمة مع امرأة قط. لقد حاولتُ إغواءه من قبل، لكنه تجاهلني تمامًا. وهذا يجب أن يكون دليلًا قويًا.]
آبل: [――هل أنتِ بكامل عقلكِ؟]
سيرينا: [بالطبع، أنا جادة تمامًا.]
آبل: [لم أسأل عما إذا كنتِ جادة، بل سألت عما إذا كنتِ عاقلة.]
بعد أن قُدم له سبب غير مقنع بالمرة لتبني عليه حجتها، أصبحت نظرة آبل صارمة.
كانت سيرينا إحدى أبرز كبار الكونتات في فولاكيا، ولأن آبل كان يكن احترامًا كبيرًا لقدراتها وطموحها، فقد اعتبرها واحدة من القوات الضرورية لهذه المعركة الحاسمة. ومع ذلك، إذا كان لآبل أن يحكم على الأمور بمعايير لا يمكن فهمها، فهذا بحد ذاته يعني أن هناك مجالًا لإعادة النظر.
سيرينا، التي كانت تحاول رؤية الأمور من منظور آبل، أطلقت كلمة “انتظر” بينما فكت تقاطع ذراعيها ورفعت يدًا واحدة، ثم تابعت،
سيرينا: [أنا لا أمزح، هذا هو السبب الأكثر أهمية. عدم قدرتي على إغواء جلالته أمر محبط، لكنه يلمح لشيء ما في الوقت ذاته.]
آبل: [――――]
سيرينا: [جلالته ليس لديه أي اهتمام بالنساء. وبصراحة أكثر، ليس لديه أي نية لإنجاب ذرية.]
نظر آبل إلى سيرينا دون أن ينطق بحرف، وتابعت الأخيرة قائلة: “لابد أن يكون هذا هو الأمر، أليس كذلك؟”،
سيرينا: [أنا لا أقول إنه زير نساء، لكن جلالته لم ينجب طفلًا. على الأقل، ليس حتى هذه اللحظة. ولكن حتى بافتراض أن ميول جلالته تتجه نحو الجانب الآخر، فإنه لا يزال بإمكانه إنجاب أطفال إذا رغب في ذلك. إذن هناك احتمالان، إما أنه عقيم، أو…]
آبل: [أنه يتعمد عدم الإنجاب.]
سيرينا: [بالضبط. على أي حال، لا أعتقد أن هناك شيئًا كولي للعهد. لهذا السبب تبدو هذه الأحاديث عن طفل غير شرعي مشكوكًا فيها في المقام الأول. ولكن إذا كانت مجرد حكايات مشكوك فيها قادرة على إشعال حرب أهلية كهذه، فإن بلادنا ترتقي لاسمها بشكل رائع.]
مع التواء بسيط في وجنتيها، كانت ابتسامة سيرينا حقيقية ومبهجة.
تجاهل آبل التعليق على موقفها أو التكهنات التي طرحتها. والجدير بالذكر أن سيرينا لم تكن بحاجة إلى رأي آبل أيضًا.
فالأشخاص أمثالها كانوا قادرين على تأكيد أفكارهم بأنفسهم دون الحاجة إلى تأييد من الآخرين.
بعبارة أخرى، ما كانت تسعى إليه من آبل لم يكن التأييد――،
سيرينا: [لأي غرض اختلقتَ وجود ولي العهد؟ بعد أن ينتصر جانبنا في هذه المعركة، من سيجلس على العرش الشاغر، وماذا ستفعل بإمبراطوريتك؟]
――سألت عما إذا كانوا سيتركون مستقبل إمبراطورية فولاكيا بين يدي ولي العهد.
آبل: [――――]
عند سؤال سيرينا الهادئ، أغمض آبل إحدى عينيه بخفة.
قد يتساءل البعض عما إذا كان هذا هو الوقت المناسب لتبادل أسئلة وأجوبة من هذا القبيل، في حين أن المعركة كانت على وشك الوصول إلى ذروتها. ولكن من الغباء الشديد ألا يفكروا فيما سيحدث بعد فوزهم، في خضم هذه المعمعة.
بطبيعة الحال، وبما أنهم كانوا يقاتلون بنية الفوز، فقد كانوا بحاجة إلى التخطيط لما بعد الحرب أيضًا.
آبل: [لماذا تسألينني عن هذا؟]
سيرينا: [أنا لا أقصد أن ولي العهد هو… الابن غير الشرعي لجلالته، لكنني أعتقد أنه ممثلك الحقيقي لقيادة هذه الحرب الأهلية العظيمة. إذا كنت أنت وولي العهد ستوحدان قواكما بعد الحرب، أليس من الواضح من يجب أن نسأل بخصوص مستقبل الإمبراطورية؟]
آبل: [――هاه.]
بينما واصلت سيرينا سرد أفكارها، تسربت تنهيدة من فم آبل عند سماعها.
في الوقت ذاته، كان هو نفسه معجبًا بمدى فعالية تأثير التشويش الإدراكي للقناع الذي يغطي وجهه.
لقد كان أمرًا مثيرًا للإعجاب مدى قدرته على إخفاء هويته ومشاعره الحقيقية.
سيرينا: [ما الخطب؟ هل قلتُ شيئًا خاطئًا؟]
آبل: [أنا لا أضحك عليكِ. بل على العكس، أنا معجب بفطنتكِ. لكن الأمر ببساطة هو أنه عندما يكون الاستنتاج خاطئًا، فإن مسار الوصول إليه يكون أكثر انحرافًا. ليس أمرًا غير منطقي، أليس كذلك؟]
سيرينا: [همف…]
التوت شفتا سيرينا بإحباط إثر تعليق آبل.
ولكن تمامًا كما ذكر، كانت قدراتها على استنباط الأمور مثيرة للإعجاب. كان من الطبيعي تمامًا التفكير في أن هدف آبل هو الفوز في هذا التمرد والاستيلاء على عرش إمبراطورية فولاكيا.
لقد وضع شخصًا يدعو نفسه بولي العهد في الواجهة، والذي سيستولي على العرش. وإذا أمكن، فربما يقوم إمبراطور الظل بقتل دميته في مرحلة ما، مستوليًا بذلك على العرش لنفسه.
لكن――،
آبل: [لا يساوركِ شك، ليس لدي أي نية لتسليم العرش. تقييمكِ مضللٌ.]
سيرينا: [إذن أنت تقول إن جميع تكهناتي خاطئة تمامًا؟]
آبل: [ليس جميعها. أنتِ محقة، لقد نشرتُ خبر وجود ولي العهد ذي الشعر الأسود بنية العثور على ذلك الشخص الذي يعيث فسادًا في ساحة المعركة هناك. لكنكِ مخطئة في تقدير الأهمية الكلية.]
سيرينا: [الأهمية الكلية؟]
آبل: [مدى أهمية وضعه في الواجهة والمركز، مقارنةً بمدى أهمية إبقائه في متناول اليد. هذا الأخير ليس ضروريًا لتلك الدرجة. ――على أية حال، سذاجته تلك لا يمكنها أن تتغاضى عن تضحيات الآخرين.]
أمالت سيرينا رأسها، محتارةً لدرجة تفوق الفهم.
مع ذلك، لم يكن آبل ملزمًا بشرح كل شيء لها أيضًا. في الوقت الحالي، ربما يكون قد زودها بالإجابات التي سعت إليها، وبدد المخاوف التي انتابتها حيال ما بعد الحرب.
أحد الاحتمالات هو أن سيرينا كان بإمكانها إنهاء هذا التمرد بقطع رأس آبل هنا والآن، ثم أخذ رأسه معها إلى قصر الكريستال.
سيتم وأد كل شيء في مهده، ولكن إلى حد ما، على حساب تضحية آبل المُرضية.
آبل: [نَحِّ التردد والرحمة جانبًا، واستفد من سذاجتك إلى أقصى حد. هذا ما يجعلك مميزًا حقًا. ――ناتسوكي سوبارو.]
ذلك الشخص الذي دعته سيرينا بولي العهد ربما لا يزال يعيث فسادًا في ساحات معارك الغرب.
حتى آبل لم يكن يمتلك في ذهنه صورةً متسقةً تمامًا للشخص الذي نطق باسمه للتو. مما كان يتذكره، كان التعامل معه أمرًا مرهقًا كمتنكر بملابس النساء بلا تنميق، وحتى أثناء اتخاذه مظهر طفل.
مع صورة سوبارو تلك وهو يتخبط، ويتحرك بهوس في ارتباك إثر رميه في موقف ما، كاشفًا عن سذاجته وقلة خبرته، التوت شفتا آبل. باشمئزاز شديد.
――لا، بكراهية، أو ربما، الوصف الأنسب لذلك سيكون غضبًا.
جندي: [――من أنت!؟]
بينما كانت سيرينا على وشك الاستمرار في استجواب آبل، بينما كان يخفي مشاعره السلبية خلف قناع الأوني، حدثت حركة في المعسكر.
قام العديد من الجنود الذين يحرسون المعسكر الرئيسي بسحب أسلحتهم، مظهرين أقصى درجات الحذر. وعند إلقاء نظرة، أمكن رؤية الجنود وهم يوجهون أسلحتهم نحو شخص نحيل ظهر من خارج المعسكر.
رفع ذلك الشخص يديه الفارغتين وضحك بخفة، متلفتًا حوله لينظر في وجوه الجنود الذين يوجهون أسلحتهم نحوه.
؟؟؟: [ياااه~، لم أكن أتوقع ترحيبًا حارًا كهذا. أنا شخصية ذات شعبية كبيرة، أليس كذلك؟]
جندي: [لا تعبث معنا! من أين أتيت أصلًا؟!]
؟؟؟: [استرشادًا بالنجوم… ألا يبدو هذا شاعريًا بعض الشيء، مع ذلك؟]
اشتعل غضب الجنود، معتقدين أنهم يتعرضون للسخرية بسبب تلك الإجابة الغامضة.
ومع ذلك، لم يتغير موقف الرجل استجابةً لسلوكهم التهديدي. كان آبل يدرك جيدًا أن موقفه لن يتزعزع بسبب هذا.
ولهذا السبب――،
آبل: [――أخفضوا أسلحتكم. هذا الشيء لا يشكل تهديدًا.]
جندي: [لـ-لكن…]
آبل: [حتى لو أعطيتموه سكينًا، فسيظل غير قادر على فعل أي شيء. إنه مهرج مهارته الوحيدة هي التلاعب بالكلمات.]
؟؟؟: [ماذااا~، هذا كلام لئيم لتقوله. لقد جرحتني، أتعلم؟]
لقد أمر الجنود الذين كانوا في حالة تأهب بخفض أسلحتهم. ومع ذلك، معبرًا عن احتجاجه على ذلك الأمر، عبس الرجل ذو المظهر اللطيف الذي استثناه آبل بشفتيه.
ثم وجهت سيرينا، التي كانت تقف بجوار آبل، نظرةً متسائلةً نحو الرجل هي الأخرى.
سيرينا: [لماذا أنت هنا؟ ألسْتَ راصد النجوم――]
؟؟؟: [――اوبيلك، لو سمحتِ. سعيدٌ بلقائكِ، الكونتيسة العليا دراكروي. ولكن مرةً أخرى…]
بينما قدم الرجل ذو المظهر اللطيف―― اوبيلك، نفسه، ابتسم ابتسامةً ساحرةً بوجهه ذي الملامح الراقية بشكل غريب.
كان من المفترض أن يكون اوبيلك في العاصمة الإمبراطورية، وبشكل أكثر تحديدًا في قصر الكريستال. بتبجح، وبأقصى درجات التبجح، قاطع الكلمات التي كان يدلي بها سابقًا، ثم ألقى إعلانًا.
اوبيلك: [――هذا حديث يُترك لما بعد الكارثة العظمى، هذا إن صادف ونجوتم منها، صحيح؟]
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※