الفصل 468 - الحب شعلة
الفصل مئة وواحد
«الحب شعلة»
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
――من بين ساحات القتال التي صبغت الصراع من أجل العاصمة الإمبراطورية، تحول موضعان إلى مشهدين برزا على نحوٍ خاص.
أحد هذين الموضعين كان المعقل الثاني، حيث بسط تنين السحاب القادم من وراء السماوات جناحيه بمهابة، وقد صُبغ المشهد بالبياض درءًا لانتشار الدمار إلى ما حوله.
أما الموضع الآخر فكان المعقل الأول، حيث اصطبغت السماء الحارقة باللون الأحمر―― وفي قلب ذلك كله كانت قوة امرأةٍ شابةٍ جعلت البيئة قاسيةً لدرجة وضعت بقاء أي كائنٍ حيٍّ هناك على حافة الهلاك.
؟؟؟: [――――]
تتراقص كسرابٍ من الهواء الساخن، ألقت أراكيا بجسدها نحو السماوات القرمزية.
مستعرضةً قدرتها كآكلة أرواحٍ باستفاضة، بدّلت أراكيا معالم العالم؛ محولةً إياه بالفعل إلى مشهدٍ جحيميٍّ ينخر في حيوات أولئك الذين يفتقرون إلى قوةٍ تتجاوز عالم العقلانية.
أراكيا: [أنا، حتمًا سـ――]
――سأستعيد الأميرة.
كان ذلك هو السبب الأساسي، السبب الوحيد الذي دفع أراكيا لخوض ساحة المعركة على هذا النحو.
لم يكن بدافع الولاء أو الوطنية بصفتها جنرالًا من الدرجة الأولى في الإمبراطورية، ولم يكن كبرياءً أو عزةً لكونها إحدى أعتى الكيانات المتمثلة في الجنرالات التسعة الساميين، ولا بدافع الغضب من أجل بني جنسها، ولا لأي نزعاتٍ خبيثةٍ كطموحاتها الشخصية قط.
فكل جنرالٍ من الجنرالات الساميين الآخرين امتلك دوافعه وأسبابه الخاصة للقتال.
أما هي، فلم تكن تمتلك أي أساسٍ نبيلٍ كهذا يسند تلك القوة، ومع ذلك، وبوصفها القوة الأعظم في صف العاصمة الإمبراطورية، هيمنت أراكيا، الجنرال الثاني، على ساحة المعركة بلا منازع.
غير أنه بالنظر إلى أصلها―― بالنظر إلى حقيقة كونها آكلة أرواح، كان ذلك أمرًا بديهيًا تمامًا.
فأن تُطلب منهم القوة، وألا يُسخروها لأجل أنفسهم بل في سبيل الآخرين، كان هو النهج الوجودي لآكلي الأرواح، ولم تكن أراكيا استثناءً من ذلك.
من الأساس، كان آكلو الأرواح مخلوقاتٍ استثنائيةً لا يمكنها امتلاك سوى مثل هذه الطبيعة.
كانت الأرواح كائناتٍ حاضرةً في كل مكانٍ عبر الأراضي طولًا وعرضًا، فضلًا عن السماوات.
وعبر التهام تلك الأرواح واستيعاب قوتها، يغدو آكلو الأرواح كيانًا واحدًا معها―― وكان ذلك عملًا شاذًا يعادل احتواء الطبيعة ذاتها داخل جسد المرء، لذا كان لا مناص من ظهور طائفةٍ واسعةٍ من الآثار، جليلِها ودقيقِها.
إن ابتلع المرء روح نار، ارتفعت حرارة جسده؛ وإن ابتلع روح ريح، حاق الخطر بأحشائه ممزقًا إياها. وإن ابتلع روح ماء، عرّض ذلك دورته الدموية للخطر؛ وإن ابتلع روح أرض، أمكنه أن يستحيل جزءًا من الثرى، بل وبرز احتمال فقدانه لهيئته البشرية بالكامل.
وفي واقع الأمر، وبسبب تلك الآثار الجانبية، توقف العديد من الساعين لأن يكونوا آكلي أرواحٍ عن كونهم بشرًا.
لقد خُلقوا في العصور الغابرة لمجابهة ساحرةٍ وحيدةٍ فتنت الجميع، وأطاعها حتى الروح العظيم الأبكم، فهم كائناتٌ ابتُكرت لغرض القتال، تمامًا كعشيرة الشياطين القادرة على استشعار الميازما.
وعقب هلاك تلك الساحرة، فقد آكلو الأرواح في العصر الحاضر غايتهم الأصلية، لكن باستهداف تلك القوة وفائدتها، سعى فصيلٌ داخل إمبراطورية فولاكيا إلى إحيائهم.
ولم تكن أراكيا سوى شخصٍ واحدٍ أُقِرّ بمهاراته النادرة ضمن ذلك المسعى.
وكانت مواهبها الفذة تتمثل في الركيزتين اللازمتين لآكل الأرواح―― أي أنها امتلكت جسدًا يطيق احتواء روح، وروحًا تستبقي بشريتها حتى بعد استيعاب الأرواح في جوفها.
ففي المقام الأول، كانت الطريقة التي يستخلص بها آكلو الأرواح القوة من الأرواح تقنيةً غير مألوفة، كما أن أسلوب تخطي الشروط المتنوعة لانتزاع قوتها المجردة كان محفوفًا بمخاطر لا حصر لها.
وكان ذلك هو الفارق الجوهري بينهم وبين مستخدمي فنون الأرواح الذين يستعيرون قوة الأرواح، وكذلك فرسان التابعين من مملكة غوستيكو المقدسة الذين ينالون قوتهم عبر نظام التبعية والولاء.
فبالنسبة لهاتين الفئتين الأخيرتين، كان بذل الجهد لازمًا لإرساء صلةٍ مع الروح المستهدفة، لكن متى ما أُبرم العقد، لم يكن هناك خطرٌ في استخدام قوتها ما دامت الرابطة مع الروح لم تنفصم.
من ناحيةٍ أخرى، وحتى لمجرد الحفاظ على قوتهم، تعين على آكلي الأرواح التغذي باستمرارٍ بأرواحٍ جديدة، وكانوا يعيشون في رعبٍ دائمٍ من احتمالية فقدان ذواتهم الجسدية والعقلية مع كل استمدادٍ جديد.
فإن خضع عقلهم وجسدهم للروح ولو لمرةٍ واحدة، فقد جسدهم هيئته الأصلية إلى الأبد، وذاب عقلهم مع الروح، منجرفًا إلى بُعدٍ لا يمت للبشر بصلة. [1]
ومن جهةٍ ثانية، فإن الأنا المفرطة في القوة ستعيق بشدةٍ التآلف مع الأرواح، مما يجعل بلوغ الإمكانات الكاملة لآكل الأرواح أمرًا مستحيلًا من الأساس.
ولذا، ولأجل التناغم مع قوة الروح المستوعبة، تطلب الأمر من آكل الأرواح امتلاك إحساسٍ شبه باهتٍ بالذات والأنا. ومع ذلك، وكما ذُكر آنفًا، فإن الأنا بالغة الضعف ستؤدي إلى ذوبانٍ يسيرٍ مع الروح المأسورة، وكان هناك احتمالٌ كبيرٌ بفقدان إنسانيتهم.
ولمنع حدوث ذلك، مُنح آكلو الأرواح عمادًا―― أي «نواة»، تحل محل أناهم الضعيفة وإحساسهم بالذات، وتمنعهم من أن يضلوا عن أنفسهم.
كانت غريزة الانطباع الأولي، الشبيهة بفرخ طائرٍ حديث الفقس يعتبر أول مَن تقع عليه عيناه طائرًا والدًا له، متجذرةً بعمقٍ في غرائز آكلي الأرواح، مشكلةً ركيزتهم تمامًا كالعماد.
تُسخَّر القوة الهائلة لآكل الأرواح لأجل ذلك العماد، ويستحوذ ذلك العماد على عقل آكل الأرواح الساذج.
ولا ريب أن مبرر وجود آكل الأرواح الدقيق كان ذلك العماد بعينه.
――مجردين من أي رغبةٍ في الخيانة، يواصل آكلو الأرواح تكريس خدمتهم بتفانٍ وتجردٍ لعمادهم.
وعقب تضحياتٍ جمة، بالغة الكثرة بما يورث الكآبة إن عُدت، بُعث آكلو الأرواح من العصور الغابرة في العصر الحاضر. وحتى أهل الإمبراطورية عجزوا عن تبرير هذا النجاح بالنظر إلى عدد الأرواح التي بُذلت ثمنًا له.
ولذلك، فإن الفتاة التي باتت النموذج المكتمل الوحيد، ككيانٍ ذي قدراتٍ لا تُقدر بثمن، قد قُدمت لإمبراطور ذلك العصر، دريزين فولاكيا، فمنحها دريزين كأختٍ بالتبني لإحدى بناته اللاتي ورثن دمه.
ولم يكن معلومًا ما هو الانطباع الذي أضمره الإمبراطور دريزين فولاكيا للفتاة التي قُدمت له، ولا لأي غايةٍ وهبها لابنته.
وإن كان ثمة شيءٌ يمكن قوله، فهو أن الفتاة عملت تمامًا كما اشتهى الفصيل الذي خطط لإحياء قوة آكلي الأرواح، وهڪذا حدد دريزين العماد للفتاة المعروضة أمامه.
وفوق كل شيء――،
――كآكلة أرواح، اكتملت أراكيا ككيانٍ أشد قوةً وعنفوانًا من أيٍّ من أسلافها الذين استُدعوا يومًا للقتال ضد الساحرة.
△▼△▼△▼△
بعد أن أخذ العالم يسخن بدرجةٍ تفوق كل عقلٍ ومنطق، بات مجرد التنفس يلفح الرئتين، وانتفخت الأوعية الدموية في الجسد بفعل القيظ، بل وتبخرت حتى قطرات الدموع التي ترطب الأعين الظامئة.
وفي تلك البيئة التي تستنزف الحياة لحظةً بلحظة، لم يكن لأي محاولةٍ فاترةٍ أن تمكن أحدًا حتى من مجرد الاقتراب بما يكفي لتبين لون عيني أراكيا.
ومهما كانت طبيعتهم، سيُتركون خلفها عطاشى، يذوون ويموتون، عاجزين عن مواكبة العالم المتبدل.
ولهذا السبب، وباستثناء أراكيا، المتمركزة في قلب هذا التحول الطارئ على العالم، لم يقف على تلك الأرض الشاسعة التي تظلها سماءٌ حمراء سوى شخصين: يورنا وبريسيلا.
وحتى يورنا وبريسيلا عجزتا عن الهروب من الشعور بأن حياتهما تُقرض ببطء.
يورنا: [――هـك.]
ومع رنينٍ مسموع، انكسر دبوس شعرٍ رابع، وتصلبت وجنتا يورنا إثر الإحساس بالخسارة.
وبفضل تأثير تقنية «زواج الروح»، كُتب للقرابين والهدايا الكثيرة المقدمة ليورنا القدرة على أن تكون بديلةً عن حياتها. وبفضل ذلك، لم تعانِ يورنا من إصاباتٍ جسدية، وظلت حركاتها طليقة، حتى أثناء قتال الوحش الحقيقي المتمثل في أراكيا.
غير أنه――،
يورنا: [لو كان بوسعي فقط التخلص من هذا الألم في صدري.]
فكون تلك الهدايا تضحي بحياتها فداءً ليورنا كان، في حد ذاته، برهانًا على الحب المكنون فيها.
ولم تكن دبابيس الشعر ذات تصميمٍ بديعٍ قط، ولا باهظة الثمن؛ بل كانت مجرد أشياء متنوعةٍ قدمها سكان المدينة الخاضعة لحماية يورنا، مستخدمين قرونهم وحراشفهم وأجزاءً من أجسادهم.
لم يكن فيها سوى الحب والاحترام والثقة؛ ولذا لم يكن لها أي ثمنٍ يُقدر.
بريسيلا: [تحطم دبوس الشعر؟ تمامًا كحلية الشعر السابقة قبل لحظات، إنها تتآكل ببطء، يا أُمّاه.]
وحين تناثرت الشظايا المحطمة للحلية البسيطة من بين أصابع يورنا، هبطت بريسيلا إلى جانبها مع رفرفة ذيل فستانها الأحمر.
شاهِرةً سيف اليانغ المشع بنورٍ أخاذ، كشف جانب وجه بريسيلا الفاتن عن تعبيرٍ لا يعرف الخوف. ――وعلى ملاحظتها تلك، ضيّقت يورنا عينيها قليلًا، وتحدثت:
يورنا: [غنيٌّ عن البيان، أن معاملة هدايا أطفالي الأحباء كمجرد عددٍ من البدائل لحياتي هو أمرٌ بغيضٌ للغاية.]
بريسيلا: [يا له من كلامٍ لطيفٍ يصدر عمن تمد في عمرها بنقله لأمدٍ يقارب الأبدية، يا أُمّاه. أأنتِ مترددةٌ في مناداتي أنا، التي لم تقدم لكِ هديةً واحدةً قط، بطفلتكِ الحبيبة؟]
يورنا: [――――]
بريسيلا: [عاجزةٌ عن مجاراتي، أليس كذلك؟ ――سأتحدث بواقعيةٍ إذن، تمامًا كما تشائين.]
هازةً كتفيها الشاحبين المكشوفين، صوّبت بريسيلا نظرها للأمام. وردت يورنا على هذا الموقف وتلك النبرة: «بواقعية، تقولين؟».
واستجابةً لذلك، رفعت بريسيلا ذقنها قليلًا:
بريسيلا: [إلى متى يسعنا مواصلة القتال ضد ذلك الشيء، يا ترى؟]
رفعت بريسيلا عينيها القرمزيتين نحو السماء. ――وعلى الفور، انهمر سيلٌ من رماح الماء فوق بريسيلا ويورنا.
يورنا: [――هـك.]
صاكةً على أسنانها، تأهبت يورنا لوابل أعمدة الماء الشرس بالانبطاح أرضًا.
ورغم أن حزم الماء قد ضُغطت لتبلغ سماكة إصبعٍ واحدةٍ لكلٍّ منها، إلا أنه من الأجدر ألا يُستخف بالقوة المبذولة لتحقيق ذلك كقوة إصبعٍ فحسب.
فالسيل المضغوط بكثافة، خارقًا كل ما يقف في طريقه، ومسقطًا أي خطرٍ محتملٍ بلا رحمة، كان قادرًا على تمزيق المرء إربًا بضربةٍ قاتلةٍ واحدة.
استخدام مثل هذه التقنية البالغة الصعوبة والدقة والتي تتطلب قدرًا هائلًا من الماء لشق الأرض بغلظةٍ ودون أدنى عناء؛ باستثناء الخطر الكامن فيها، لم يبدُ أي شيءٍ من ذلك متسقًا مع المنطق.
يورنا: [――هـك، بريسيلا!]
منبطحةً وباذلةً كامل جهدها لتفادي وابل حزم الماء، نادت يورنا اسم بريسيلا، التي كانت تستخدم سيف اليانغ لرد سيل الماء.
وبينما لوّحت بذلك السيف الأثري المتألق، قطعت بريسيلا تدفقات الماء تباعًا، مبطلةً مفعولها بالكامل، رغم أن ضعف عدد رماح الماء كان مصوبًا نحوها مقارنةً بيورنا.
وبين يورنا وبريسيلا، كان من اليسير تخمين مَن توليها أراكيا أهميةً أكبر بناءً على حجم المياه الهائل ذاك.
يورنا: [――――]
مبارزة بريسيلا الشبيهة بالرقص وهي تلوح بالنصل القرمزي في الهواء كانت مشهدًا آسرًا يفيض رشاقة.
ومع ذلك، بالكاد يمكن القول إنها صدت هجوم أراكيا بالكامل.
فتمامًا كما ألمحت إلى الحلي المتبقية على جسد يورنا قبل لحظات، تحطمت أيضًا الكثير من الجواهر التي تزين جمال بريسيلا على مدار المعركة.
لم تكن يورنا وحدها مَن يملك وقتًا محدودًا متبقيًا.
بريسيلا: [حتى وإن طيّرتِ أطرافي، أليس كذلك؟ ――يا له من أملٍ مروعٍ لتفتني به نفسكِ.]
ومع تلقي بريسيلا هجومًا ثاقبًا نحو صدرها، انفجرت جوهرةٌ من عقدها.
لم يطرف لبريسيلا جفنٌ بعينيها القرمزيتين لمصير الجوهرة التي حلت بديلةً عن حياتها، بل ثبتت نظراتها بدلًا من ذلك على هيئة أراكيا في السماء فحسب.
غير أن يورنا، برؤيتها لجانب وجه بريسيلا وهي تنظر إلى أراكيا، لم تصدق عينيها. فللحظة، كان من العسير تصديق ما ومض عبر تلك العينين القرمزيتين.
لقد كان――،
يورنا: [أنادمةٌ أنتِ، يا بريسيلا، على ما آلت إليه حال أراكيا؟]
بريسيلا: [هراء. ――لقد خُلق كل شيءٍ في هذا العالم لرضاي.]
سخرت بريسيلا بأنفاسها ردًا على سؤال يورنا، وانحنت للأمام لتنطلق راكضةً.
وطريقتها في ترك والدتها خلفها للاندفاع نحو أختها بالتبني المتباعدة عنها بدت وكأنها تخفي مشاعرها تجاه كلتيهما، كي لا تنظر في أعينهما.
يورنا: [أنا مفعمةٌ بالندم أيضًا.]
لم تكن يورنا تدري أي ضربٍ من اللقاءات والافتراق قد دار بين بريسيلا وأراكيا.
ورغم أنها كانت في موقعٍ يتيح لها المعرفة، إلا أن فرصة الاطلاع على ذلك سُلبت إلى جانب حياتها؛ ففي تجسدها السابق، فقدت يورنا حياتها أثناء ولادة بريسيلا، ولادةً متعسرةً كانت.
وعقب ذلك، أقيمت مراسم الاختيار الإمبراطوري، وابنة العائلة الإمبراطورية لفولاكيا―― بريسكا بينيديكت، هُزمت في المعركة هي الأخرى، لتفقد حياتها.
كان ذلك على ما يُفترض كامل الحياة التي علمت بها ساندرا بينيديكت، التجسد السابق ليورنا، عن ابنتها.
ومع ذلك――،
يورنا: [――――]
لسببٍ ما، انقضى الزمن، وتكشفت الظروف بطريقةٍ تفوق التصديق، وهڪذا تمكنت يورنا من لمّ شملها ببريسيلا من جديد.
التقتا مجددًا ليس كساندرا وبريسكا، بل كيورنا وبريسيلا، وعبر معجزةٍ لم يكن ينبغي أن تكون ممكنةً في الأصل، كانت الأم وابنتها تخوضان هذا الجحيم الأحمر معًا.
――أجل، ستخوضانه معًا.
أراكيا: [أيتها الأميرة.]
متمتمةً بهذه الكلمة باقتضاب، فاض كامل جسد أراكيا بالقوة بالمعنى الحرفي للكلمة.
وسواء أكان نارًا أم ماءً، ريحًا أم أرضًا، ضوءًا أم ظلًا، صبّ ذلك الكيان ذو التحولات اللانهائية، والذي يُسخر تكوين العالم بأسره، كل طاقته نحو بريسيلا المندفعة بضراوة.
اندفعت بريسيلا بصيحةٍ كأنما لتعلن موقفها جليًا، موشكةً على مجابهة تدفقات المياه ومضات البرق المتسارعة نحوها بجسدها وسيفها فحسب――،
يورنا: [――أحبيني.]
وبعد لحظة، رُفع سيف اليانغ لبريسيلا عاليًا، وتلاشت هجمات الماء والبرق الماثلة أمامها في الهواء تمامًا حين أوشكت على الاصطدام. ――كلا، لم تتلاشَ كالدخان.
بل بلا أدنى شك، قُطعت بضربةٍ قاطعةٍ من سيف اليانغ.
غير أن وميض السيف الذي خطه السيف النفيس القرمزي كان أشد صقلًا وسرعةً خاطفةً للبصر من ذي قبل.
بريسيلا: [هذا…]
وبزفيرٍ خافتٍ متفاجئٍ في صوتها، قطبت بريسيلا حاجبيها المتناسقين.
أحاطت بها رياحٌ من اللهب المحمر من جميع الاتجاهات، لكن بريسيلا لم تتردد في شق تلك الرياح الحارقة بضربةٍ واحدة، قاطعةً إياها بسهولةٍ بالغة.
وكأنما لتتأكد من الأمر، عدّلت بريسيلا قبضتها على السيف النفيس، ثم تحسست وجهها برفق. داعبت أطراف أصابعها عينيها برقة، لكنها على الأرجح لم تستشعر أي شيءٍ غير مألوف.
أما يورنا فقد علمت بالفعل؛ علمت أنه شيءٌ مختلفٌ تمامًا عن أي أثرٍ ملموسٍ يصاحب اللهب.
――لقد كانت الرابطة التي تشاركها يورنا مع طفلتها الحبيبة، متجسدةً في صورة الشعلة التي تتقد في أعينهما.
بريسيلا: [――――]
وقفت بريسيلا باستقامة، والسيف النفيس القرمزي في يدها، وعينها اليسرى تشتعل لهبًا.
كان هذا برهان حماية يورنا، الممنوح لسكان مدينة الشياطين كايوسفليم. فبإغداق تقنية «زواج الروح» عليهم، يمكن تقاسم جزءٍ من قوة يورنا مع الهدف الذي تسعى لحمايته.
في الأصل، كانت تقنيةً سريةً تمنحها يورنا لحماية أطفالها أولئك الذين يفتقرون إلى القوة والمهارات اللازمة للقتال بمفردهم، إذ تشاركوا رابطةً لا يمكن منحها لأي محارب.
غير أن استثناءً لتلك القاعدة قد بزغ هنا والآن.
كيانٌ مدججٌ بالقوة والتقنية للقتال، ويحمل سيفًا نفيسًا لا يُسمح لأحدٍ خارج العائلة الإمبراطورية لفولاكيا بشهره، قد استوفى شروط الطفل الحبيب الذي تود يورنا حمايته، بغض النظر عن قوتها.
يورنا: [بريسيلا――]
بريسيلا: [أخيرًا، بتِّ مستعدةً للاعتراف بأني طفلتكِ أنتِ، يا أُمي العزيزة.]
يورنا: [يا لكِ من وقحة. ――لن أكون أمًّا حمقاء تكتفي بمراقبتكِ وأنتِ تبتعدين في الأفق. إن كنتِ ماضيةً، فسأمضي إلى المشهد الجحيمي ذاته أيضًا.]
لم تكن تضمر أي نيةٍ لترك بريسيلا تمضي بمفردها بعد الآن.
سخرت بريسيلا بأنفاسها استخفافًا ردًا على جواب يورنا، وأقرّت عزيمتها وهي تقف بجانبها. وكدليلٍ على ذلك، شعرت يورنا بشيءٍ غريبٍ على وجهها جعلها تمرر يدها برفقٍ هناك.
وسبب ذلك الانزعاج كان في عينها―― فعلى الأرجح، كانت هناك شعلةٌ تستقر بداخلها، تمامًا مثل بريسيلا.
مستخدمتا تقنية «زواج الروح»، التي لا يمكن تنفيذها دون مؤهلات، استوفتا شروط بعضهما البعض، وتكاملت روحاهما. ――ظاهرةٌ ما كان يمكن أن تحدث أبدًا في الحقيقة، قد حدثت بالفعل.
وحينها، وبعد أن شهدت ذلك،
أراكيا: […لماذا؟]
تسرب صوتٌ خافت، وهبطت نظرةٌ نحو الأرض كأنها لعنة.
محدقةً في يورنا وبريسيلا جنبًا إلى جنب، كانت أراكيا المعلقة في عنان السماء. مررت يدها على وجهها وعلى عصابة العين التي تغطي عينها اليسرى.
ثم، مزقتها كما لو كانت تنتزعها بعنف، و،
أراكيا: [لماذا! لماذا، لماذا، لماذا، تملكين، ما يخص الأميرة…!]
كاشفةً عن غضبها جهارًا، أظهرت أراكيا العين الحمراء المسلوبة من كل ضوءٍ تحت عصابتها. وانعكست يورنا في تلك العين العاجزة عن الإبصار؛ وهڪذا، ومع تركيز ذلك الزوج من العيون الحمراء عليها، صاحت أراكيا.
صاحت في وجه يورنا، التي تحمل عينها شعلةً، بعد أن نالت بركة تقنية «زواج الروح» من بريسيلا.
والتي فعلت ذلك كانت أراكيا، التي لم تسكن عينيها أي شعلة، عاجزةً عن نيل أي بركةٍ من بريسيلا.
أراكيا: [الأميرة… لي أنا… هـك!]
بريسيلا: [إياكِ والخطأ في الفهم، يا أراكيا. حتى بافتراض التسامح مع رغباتكِ، وحتى بافتراض تنازلي، فستظلين لي، ولن أصبح لكِ قط.]
أراكيا: [――هـك.]
بريسيلا: [وفضلًا عن ذلك، أنا نفسي لن أتنازل لأي أحدٍ أبدًا.]
وأمام نظرة بريسيلا الحاسمة، حبست أراكيا أنفاسها قليلًا.
غير أنه عقب ذلك الإعلان الصارم من بريسيلا، اعترض صوت احتجاجٍ صغير.
كان ذلك――،
بريسيلا: [يا الأم العزيزة، لأي سببٍ ضربتِ رأسي؟]
يورنا: [لا ينبغي لكِ التحدث بمثل هذا الأسلوب. لا أذكر أنني ربيتُ أطفالي ليكونوا بمثل هذا الصلف والتعالي.]
بريسيلا: [يا الأم العزيزة، لا أذكر أنكِ ربيتِني من الأساس.]
يورنا: [في هذه الحالة، يبدو أن الفرصة قد حانت أخيرًا.]
قائلةً ذلك، أنزلت يورنا غليون الكيسيرو الذي ضربت به رأس بريسيلا بصوت خبطةٍ خفيفة، وهزت رأسها ببطءٍ قبل أن تتطلع نحو أراكيا.
وفي عينيها، كان هناك غضبٌ راسخ، واضطرابٌ طفيفٌ إزاء ما وقع للتو.
محدقةً بإمعانٍ هناك، وضعت يورنا غليون الكيسيرو في فمها واستنشقت الدخان الأرجواني وهي تقف وسط المشهد الجحيمي.
ثم، ومرتسمةً ابتسامةً مبتهجةً نوعًا ما لا تلائم الموقف،
يورنا: [أخيرًا، وجهتِ عينيكِ نحوي، أيتها الجنرال من الدرجة الأولى أراكيا. ――لقد حانت الفرصة لأكفّر عن قلة فضيلتي في الإخفاق في تأديبكِ، جنبًا إلى جنب مع بريسيلا، كما كان ينبغي لي.]
أراكيا: [ما الذي…]
يورنا: [بكل بساطة――]
زفرت يورنا الدخان الأرجواني وهي تستوعب الحيرة التي حملتها تلك الكلمات.
ملفوفةً بالدخان الفائض من شفتيها، وعينها تشتعل بثقة ابنتها، يورنا ميشيغوري، الأم التي كانت يومًا ساندرا بينيديكت،
يورنا: [――لستُ أمًّا تتهاون في تأديب أطفالها. استعدا، أيتها الفتاتان الصغيرتان.]
وهڪذا، أعلنت بصرامةٍ وحزم.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
[1] – البُعد: لا يُقصد به هنا بُعدٌ ماديٌّ حرفيٌّ كالذي سُحب إليه الأرنب العظيم، بل هو تعبيرٌ مجازيٌّ أكثر من أي شيءٍ آخر.