الفصل 465 - كتيبة الثريا
الفصل الثامن والتسعون
«كتيبة الثريا»
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
――مملكة لوغونيكا. إمبراطورية فولاكيا. مملكة غوستيكو المقدسة. دول مدن كاراراغي.
كل واحدةٍ من هذه الأمم، والمشار إليها عادةً باسم «الدول العظمى الأربع»، طوّرت ثقافتها الخاصة لتلاءم طبيعة أرضها؛ وكان أبرزها العقلية المؤيدة للتنين في مملكة لوغونيكا، والعقيدة المتمحورة حول الأرواح في مملكة غوستيكو المقدسة. اتخذت الدول العظمى الأربع مساراتٍ مختلفةً، كما لو كان ذلك بتدبيرٍ مقصود.
ولم يقتصر هذا التباين على العادات والثقافة الوطنية فحسب، بل انسحب أيضًا على كفاءة «محاربيهم».
ففي إمبراطورية فولاكيا، بالكاد شهد «السحر» أي تطور.
فسواء أكان المرء داخل حدودها أم خارجها، لم يشكل ذلك أدنى فارق، إذ إن البوابات التي يمتلكها الناس والشروط المسبقة الأخرى من ذلك القبيل، لم تختلف في شيءٍ عما يمتلكه سكان البلدان الأخرى. لكن بالمقارنة مع لوغونيكا وكاراراغي، تخلفت الإمبراطورية كثيرًا عن غيرها في هذا المجال.
غير أن الإمبراطورية لم تعر تلك الحقيقة اهتمامًا.
وبالطبع، لم يكن التخلف عن البلدان الأخرى في أي مجالٍ أمرًا مرحبًا به، لكن حقيقة أن مجال السحر لم يتطور عنت أن مجالاتٍ أخرى قد تطورت بدلًا منه.
وبالمقارنة مع البراعة التكنولوجية لدول مدن كاراراغي، وفنون الأرواح وفنون اللعنات في مملكة غوستيكو المقدسة، والتخصصات السحرية في مملكة لوغونيكا، تفوقت إمبراطورية فولاكيا في الفنون القتالية.
؟؟؟: [أحيانًا يكون الانقضاض وضربهم أسرع من استخدام السحر، أليس كذلك؟]
ومع أن هذه المقولة التي لا تمت بصلةٍ لمستخدمي فنون الأرواح، كانت مقولةً لا ينبغي لشخصٍ مثله التلفظ بها، إلا أن فحوى الموقف العام تجاه السحر في إمبراطورية فولاكيا كان كذلك إلى حدٍ كبير.
ورغم أنها كانت حقيقةً يُساء فهمها تمامًا، ومن ذلك النوع الذي لم يُكتب في أي كتاب، إلا أن استخدام المانا في الجسد البشري لم يكن مقتصرًا فقط على إلقاء السحر.
إذ استند عددٌ غير قليلٍ من تقنيات الفنون القتالية في أساسه إلى استخدام المانا، بالطريقة ذاتها التي استُخدمت بها في فنون الأرواح، وفنون اللعنات، وتفعيل بعض الميتيورات.
وكان من الطبيعي تمامًا لمحاربٍ من النخبة، على وجه الخصوص، استخدام المانا لتقوية جسده.
وإذا ما عُقدت مقارنةٌ بين شخصٍ يمتلك قدراتٍ بدنيةً خارقة وشخصٍ عادي، فإن الحيلة تكمن في التعامل مع المانا التي تدور داخل الجسد―― وهي تقنيةٌ تُدعى «أسلوب التدفق»، وتُمارَس بوعيٍ تام.
غير أنه――،
؟؟؟: [تشا-تشا-تشا-تشا!]
وبصوت ارتطامٍ خافت، لمست قدمٌ واحدةٌ فقط الأرض، وفي لحظةٍ تقلصت المسافة بمقدار اثني عشر مترًا.
كان تتبع ذلك الطيف، من منظور أي متفرج، سيبدو كما لو أن الزمن قد سُلب، بالنظر إلى حركات جسده الاستثنائية. لكن ذلك لم يكن خداعًا بصريًا، ولا كان هناك خللٌ في عيني ذلك المتفرج.
لم يكن ذلك الشذوذ عن المألوف سوى الفتى أزرق الشعر الذي يركض عبر ساحة المعركة.
وباتباع التفسير المقدم قبيل ذلك مباشرة، فإن انطلاقة الفتى السريعة، التي تجاوزت حدود البشر دون عناء، كانت بلا شك ناتجةً عن «أسلوب التدفق». ومع ذلك، لم يكن هناك ما يبرر صغر سن الفتى وملامحه الحادة الوسيمة؛ إذ لم يكن ثمة سجل، على ما يبدو، للأيام التي قضاها في تعلم تقنياتٍ كهذه.
في هذا العالم، نادرًا ما شوهدت كائناتٌ من هذا الصنف. ――كائناتٌ وُلدت وهي تمارس دون وعيٍ أسلوب التدفق، الذي قيل عنه إنه ذروة الفنون القتالية، كائناتٌ تركت أولئك المقيدين بالنظام الطبيعي يتخبطون في غبارها.
هابطًا منحدر التل ركضًا في نَفَسٍ واحد، اندفع الفتى إلى ساحة المعركة بحثًا عن شرف كونه في الطليعة.
رغم أنه――،
الفتى أزرق الشعر: [إن كانت المعركة قد اندلعت بالفعل، فشرف كوني في الطليعة قد ضاع، لكن دعونا لا ندقق في التفاصيل!]
مقتحمًا ساحة المعركة قادمًا من أراضي الغرب، حدق في الجيش العظيم الذي يحيط بالأسوار ذات الشكل النجمي في البعيد. كانت عينا الفتى الطويلتان كالشقين تشتعلان، رطبتين بحماسةٍ لا يمكن تصورها في ساحة معركةٍ يتعاقب فيها الحزن والفرح.
كائنٌ يخوض المعركة دون حذاءٍ لائق، دون درعٍ أو خوذة، ودون قضيةٍ من أي نوع―― عملٌ همجيٌّ يمكن أن يراه كل مَن بداخل الأسوار وخارجها عملًا عدائيًا؛ من أولئك الذين أرادوا حماية الإمبراطورية الحالية، ومن أولئك الذين أرادوا تدميرها على حدٍ سواء.
غير أنه――،
الفتى أزرق الشعر: [المستوى العالي من الطموح نقطةٌ تستحق الذكر. بوجوده أو بدونه، تتغير جاذبية الكلام الذي يخرج من فمك. الأمر فقط هو――]
؟؟؟: [مَن هذا الـ!؟]
كانت مجموعاتٌ صغيرة ترتدي عتادًا أحمرَ ودروعًا بدائية، تتألف كلٌ منها من عشرات الأشخاص المعادين لبعضهم بوضوح، تخوض مناوشات. واقتحم الفتى الصغير، غير المرتبط بأيٍّ منهما، المكان؛ فصرخ جنديٌّ يشهر سيفًا.
كانت نبرة صوتٍ واضحةً على نحوٍ مثير للإعجاب، تحمل مزيجًا من الغضب، والإحباط، والحماسة، لكن الروح القتالية هي التي غلبت. لقد كانت حركةً ذكية، حركةً أثارت الحذر تجاه شخصٍ اقتحم ساحة المعركة.
الفتى أزرق الشعر: [――لكنها بطيئةٌ بصورةٍ قاتلة!]
؟؟؟: [كاه!]
كان الصراخ هو الخيار الصائب، لكن التوقف والسؤال عن هويته كان زلةً.
كان الخيار الصائب هو افتراض أن أي كائنٍ يظهر في ساحة المعركة دون كشف ولائه هو عدو. لم يكن ينبغي للجندي الاكتفاء بتحذير مَن حوله، بل كان يتعين عليه الهجوم بسيفه فور سماع ذلك الصوت.
ومع ذلك، كان العدو أسرع، وإن لزم الأمر، يمكن الإشارة إلى عشرة أو عشرين خطأً آخر.
الفتى أزرق الشعر: [أوه، وإن كان ما نطقت به للتو عبارةً خرجت لا لأنك غفلت عن سؤالي عن انتمائي، بل لأنك لا تملك أدنى فكرةٍ عمن أكون، حينها، سأقول عذرًا لكوني سريعًا كالبرق.]
وخلف الفتى الذي يثرثر بلا توقف، انهار جنديٌّ فاتحًا عينيه على اتساعهما على الأرض. وأثناء مرورهما بجانب بعضهما، سدد الأول يده الشبيهة بنصلٍ حاد في عنق الآخر. كان الفتى يتوقع من نفسه القدرة على فصل رأس الجندي عن جسده، لكن الضربة لم تكن بالقوة الكافية.
مأرجحًا ذراعيه في الأرجاء، أمال رأسه لشعوره بوجود خطبٍ ما في نهاية المطاف.
الفتى أزرق الشعر: [إنه لأمرٌ محبطٌ للغاية حين تشعر بالقدرة على فعل شيء، لكنك تعجز عنه في الواقع. ليس وكأن لدي أي خططٍ للخلط بين مُثُلي ورغباتي وبين ما هو ممكنٌ واقعيًا. حسنًا، إذا تركته يموت عن طريق الخطأ، فسأنحدر في تقدير الزعيم، لذا فلنعتبر هذه نتيجةً جيدة!]
وفور نفض شكه بهذه الفظاظة، تحولت هيئة الفتى الضاحك إلى ضبابٍ مشوش.
وبعد لحظة، تفادى ضربة سيفٍ نازلةً على موقعه، وأصاب الجزء الخلفي من صندل الزوري الخاص بالفتى وجه الجندي من الجانب، قاذفًا إياه في الاتجاه المعاكس [1]. علاوةً على ذلك، قفز الفتى عن الجندي أثناء ركله إياه، وهابطًا وسط المجموعة التي كانت تتعقب الجندي، وجه ضربةً واحدةً لنقطةٍ حيوية لكل واحدٍ منهم قبل أن يبتعد―― بل بالأحرى، ومغتنِمًا الفرصة أثناء انسحابه، انزلق مباشرةً إلى مجموعةٍ قريبة، قاطعًا وعي نحو خمسةٍ آخرين. حدث كل ذلك في طرفة عين.
كان كلٌ من الهجوم التابع والهدف الأساسي بمثابة عملٍ إجراميٍّ لسلب الجنود المحيطين إدراكهم للزمن.
وبعبارة أخرى، كان إتقان هذا الفتى لجسده فوق مستوى الإدراك البشري ولا يمكن مجاراته بالقوة المجردة―― يمكن للمرء أن يدعوه السلالة المطلقة للفنون القتالية المتطورة في إمبراطورية فولاكيا.
وبالطبع، لم يكن من السهل على أي شخصٍ تحليل مثل هذا الموقف في ساحة المعركة، أو استيعاب حقيقة أن طفلًا في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمره قادرٌ على مثل هذا الشيء.
وقبل أي شيءٍ آخر――،
الفتى أزرق الشعر: [――عديم اللباقة.]
؟؟؟: [――――]
الفتى أزرق الشعر: [من انعدام اللباقة محاولة الحط من مهارة ووسامة نجمٍ استعراضي أثناء أدائه. فعلى خشبة المسرح، لا يحتاج المرء لأكثر من نيل الإعجاب، وسحر الألباب وأسرها. وبالطبع، إن كنت سأصعد إلى المسرح بالطريقة ذاتها، فسيتعين عليّ إثبات مظهرٍ أكثر إبهارًا من خلال خصم… جديرٍ بذلك.]
حبست المجموعة أنفاسها إزاء الفتى الذي يقف عابسًا وهو يرمق محيطه، في خضم جنود الإمبراطورية الذين أخذ الإحباط يتسلل إليهم ببطء.
كان من المفترض بجنود الجانبين أن يشرعوا في الاشتباك بالأسلحة والقتال من أجل النجاة، غير أنهم قُهروا أمام حضور الفتى، إذ لم تُسلب أوقاتهم فحسب، بل حيواتهم ذاتها.
الفتى أزرق الشعر: [هممم، مباركة الممثل…]
هي أن يسلب الآخرين حيواتهم. نال الفتى قدرًا من الرضا من ذلك الإدراك.
وبينما كان الفتى يتذوق ذلك الشعور بالإنجاز، برز من بين الجنود المهزومين الكثر المسلوبين أوقاتهم والذين كانوا يواجهون جنود الإمبراطورية، محاربٌ رثّ التسليح فغر فاه قائلًا: «أنت»،
الجندي: [من أين هذا الرجل؟ أهو واحدٌ منا؟]
الفتى أزرق الشعر: [همم، همم همم، في أي جانبٍ أقف أنا؟ هذا سؤالٌ وجيهٌ للغاية منك. ما الذي تظنني عليه؟ صديقٌ أم عدو؟]
الجندي: [――――]
لزم المحارب الصمت بمجرد أن رُدّ عليه سؤاله بسؤالٍ آخر طُرح بأسلوب «لا أكترث للأمر». فاتسعت ابتسامة الفتى إثر ذلك، هازًا رأسه ومتمتمًا: «لا، لا»،
الفتى أزرق الشعر: [لم أكن أستفزك. بل كنت أفكر في الأمر بجديةٍ أنا أيضًا. أنا أفكر باستمرارٍ في مثل تلك الأمور. لم أستمع حقًا إلى الزعيم، لذا لا أعرف حقًا مَن يقف في جانبي.]
الجندي: [هاه؟]
الفتى أزرق الشعر: [لذا في الوقت الحالي، سأتصرف فحسب كنذير العدالة لكلا الجانبين.]
وسّع المحارب عينيه دهشةً، ثم تحول وجهه المذعور إلى غبشٍ أفقي، وفي اللحظة التالية لذلك، قُلب على الأرض.
تلاشت هيئة الفتى المبتسم باستهزاءٍ في الهواء، وهذه المرة اقتحم خلسةً مجموعةً من المحاربين الذين كانوا يقاتلون جنود الإمبراطورية الذين هزمهم للتو، وأطاح بهم جميعًا بقوة.
ومع رقص الشعر الأزرق، وتردد صدى الضربات الحادة في الهواء كما لو أنها عاصفة، مُحي وعي المحاربين دون حتى صرخةٍ مريرةٍ واحدة. هذا العنف، كان تمامًا كالعاصفة―― كلا، بل كان أشبه بـ،
؟؟؟: [صاعقةٌ زرقاء…]
الفتى أزرق الشعر: [أوه، رائع. هذا بالضبط هو اللقب المستعار الذي كنت أفكر في إطلاقه على نفسي أيضًا.]
والمحارب، الذي انبعث منه لهاثٌ مسلوبٌ من هول الصدمة، أُفقد وعيه بانتهاء تلك الجملة.
كان النهج الفولاكي يقتضي الرد على كلٍّ من المواقف الودية والعدائية بالعنف ذاته―― ومع ذلك، فإن هذه الوحشية كانت لتجعل حتى إمبراطور هذا البلد يرفع حاجبيه دهشةً على الأرجح.
لكن أحدًا لم يكن قادرًا على إيقاف الفتى.
ومع ذلك، ظل ذلك هو التصرف الصحيح تمامًا وفقًا لنهج الإمبراطورية.
؟؟؟: [أوووووووووووووه――!]
متأخرين، استجاب المحاربون للتهديد الذي فرضه ذلك الإعصار الصغير المتمثل في الفتى.
لم يعد هناك أي تمييزٍ بين جنود الإمبراطورية والثوار، بل اتحد الجميع في فكرة إيقاف ذلك الفتى. لقد كان، بمعنًى ما، مشهد إنجازٍ عظيم؛ إيقاف حربٍ أهلية بمفرده، وإن كان ذلك في هذا الحيز الصغير فحسب.
غير أن العزيمة الفولاذية لهؤلاء الأبطال لم تُقابل بإجابةٍ سلمية.
انحنِ للخلف لتفادي النصل. ارقص متراجعًا لتفادي ضربات القبضات. انزلق بين السيقان لتفادي ضربات الفؤوس. راوغ السهام، راوغ الرماح، راوغ الأنياب، راوغ الدروع، تجنب، تجنب، تجنب، تجنب، انحنِ، انحنِ، انحنِ، انحنِ، تفادَ، تفادَ، تفادَ، تفادَ، راوغ، راوغ، راوغ، راوغ――.
؟؟؟: [دون أي سلاح…]
الفتى أزرق الشعر: [أجل، إنه لمأزقٌ حقيقي. أود تزيين وقفاتي الاستعراضية عبر التباهي بمهاراتي بسلاحٍ بدلًا من يدي العاريتين، لكني لا أريد استخدام شيءٍ غير متقنٍ أيضًا. ففي نهاية المطاف، الأفضل لا يعرف سوى الأفضل. آه، انظر إليّ وأنا أبدو مثل الزعيم.]
؟؟؟: [زعيم…؟]
الفتى أزرق الشعر: [صحيح. ――إنه قائدنا، قائد كتيبة الثريا!]
اتسعت ابتسامة الفتى وهو يتباهى، متفاديًا دون عناء نية القتل والعداء الموجّهين نحوه. الكلمات غير المألوفة الصادرة عن فم الفتى ملأت المحاربين بشعورٍ بالخوف غير المفهوم.
كان من المفترض بأيٍّ منهم أن يكون مستعدًا للمخاطرة بحياته في المعركة لتحديد مسار هذه الإمبراطورية.
ومع ذلك، لم يعرفوا انتماء الفتى الذي يعبث بهم، ولا حدود قوته، ولا المعنى الحقيقي لكلماته وأفعاله، أو أي شيءٍ آخر.
ورغم أنهم لم يعرفوا ما يجري، بدا كل شيءٍ وكأنه يسير وفقًا لرغبات الفتى――.
――وفي اللحظة التالية، سُمعت صيحة حربٍ هائلة، آتيةً من اتجاه بعض التلال في المسافة البعيدة.
مَن ذا الذي يمكنه لوم المحاربين على ارتعادهم مع «هـك――»؟ وسرى اضطرابٌ وارتباكٌ مماثلان بين سائر المحاربين أيضًا.
ومن هنا، اتسعت الابتسامة على ثغر الفتى، ليس لأنه كان يسخر من حالة المحاربين المذعورة، بل لسببٍ أكثر وضوحًا وبساطة.
الفتى أزرق الشعر: [حسنًا، بهذا تختتم الذروة الأولى، يا زعيم. ――احرص على إنهائها ببهرجةٍ وتألق.]
△▼△▼△▼△
عند هذه النقطة، من الضروري ذكر حقيقةٍ مؤسفةٍ للغاية بشأن «السحر».
ستكون مسألةً مختلفةً عن تلك الموصوفة سابقًا، والمتمثلة في كون إمبراطورية فولاكيا قد طوّرت الفنون القتالية الجسدية وأسلوب التدفق فحسب، بدلًا من تطوير التقنيات السحرية.
فمن بين سمات السحر الست التي ينقسم إليها نظام السحر في العالم، لم يمتلك سحر الين وسحر اليانغ سوى قلةٍ قليلة من المستخدمين، غير أن الإهمال الذي عانياه كان مبررًا بأسبابٍ أخرى غير صعوبة دراستهما.
متحكمةً في درجة الحرارة، أنتجت سمة النار ألسنة اللهب وحتى الجليد.
ومتداخلةً في قوة حياة الكائن الحي، سهّلت سمة الماء شفاء الجروح والأمراض، منقذةً الحيوات.
ومهيئةً البيئة عبر التدخل في الغلاف الجوي، استطاعت سمة الرياح حتى تأمين مناطق صالحةٍ للسكن في الأقاليم غير المضيافة.
ومتحكمةً في قوة الأرض، أمكن لسمة الأرض تخصيب التربة وكذلك تجويع الأرض وإفقارها.
وبالمقارنة مع كلٍّ من تلك السمات، التي يمكن تصور استخدامها بوضوح، كان يُعتقد في الأساس أن سمتي الين واليانغ تمثلان تأثيراتٍ تعزز أداء الجسد أو تعيقه.
ورغم كونه مفهومًا خاطئًا من الناحية التقنية، إلا أن حقيقة رسوخ مثل هذه الصورة كانت عاملًا رئيسيًا في سبب النقص الشديد في تطوير سحر سمتي الين واليانغ.
ورغم كونه مفاجئًا، فإن السمة التي لا تزال تحظى بسمعة كونها شاذةً وبلا فائدةٍ على وجه الخصوص كانت سمة اليانغ―― التي امتلكت القدرة على تعزيز إمكانات الناس.
ومع معرفة التأثيرات الأساسية لسحر اليانغ، قد يميل كثيرون إلى التشكيك في التقييم الذي ناله.
غير أنه كلما حاول المرء الاستفادة من ميزات سحر اليانغ، كبرت مشكلاته وغدت أكثر حتميةً ولا مفر منها.
على سبيل المثال، عندما يتعلق الأمر بالأداء في ساحة المعركة، فإن أولئك الذين عززوا قدراتهم البدنية عبر سحر اليانغ سيعانون من هزيمةٍ ساحقةٍ على يد العدو، في معظم الحالات.
والسبب كان بسيطًا؛ فلم يتمكنوا من التعامل مع أجسادهم المعززة على الإطلاق، وكانوا عاجزين عن إظهار قوتهم بأي شكل؛ كأنهم يتحكمون في جسد شخصٍ آخر.
وقد يمكن تلخيص تعزيز قدرات المرء في تقوية الحواس الخمس، كالبصر والسمع؛ وتعزيز القدرات البدنية، كقوة الذراع والساق؛ وتقوية الدفاعات، كزيادة كثافة العظام والعضلات.
غير أن المحاربين كانوا يدربون أجسادهم دومًا، ويتوجهون دومًا إلى ساحة المعركة وهم على درايةٍ تامةٍ بمهاراتهم الخاصة.
أما أولئك المستهدفون بسحر اليانغ، فكانوا ينبذون ذواتهم العادية ويتجهون إلى ساحة المعركة في جسدٍ جديدٍ يتشح بمواصفاتٍ معززة. ونتيجةً لذلك، كان كثيرٌ منهم يهلكون دون تحقيق أي شيء.
وتفاقمت المشكلة إلى أبعد من ذلك، إذ كانت فعالية سحر اليانغ تتأثر بشدة بمهارة الملقي نفسه، فضلًا عن حالته البدنية والذهنية في ذلك اليوم.
وحتى لو تمكن محاربٌ خضع لسحر اليانغ من التكيف مع جسده المعزز، لم يكن هناك ما يضمن أن التعزيز ذاته الذي ينفذه الملقي ذاته في اليوم التالي مباشرةً سيكون بالفعالية نفسها.
لم يكن يُتوقع من سحر اليانغ تحسين قدرة المرء على القتال بثبات؛ بل على النقيض من ذلك، اعتُرف به كعيبٍ يمنع المرء من إظهار قدراته المعتادة بالصورة الكافية. ――كان هذا هو السبب وراء إهمال سحر اليانغ.
في الماضي، ركزت إمبراطورية فولاكيا اهتمامها أيضًا على قوة السحر، وكان لديها إمبراطورٌ نوى حشد أقوى جيشٍ ممكن. فقد خطط الإمبراطور الحادي والثلاثون لإمبراطورية فولاكيا، موركيا فولاكيا، لاستخدام سحر اليانغ لتحويل جيشٍ قوي إلى جيشٍ أشد قوة.
وآخذًا في الحسبان أوجه القصور المذكورة آنفًا، جند مستخدمي سحر اليانغ في جيشه القوي، مدربًا إياهم حتى تصبح حالتهم المعززة هي حالتهم الطبيعية، ثم خاض معركةً فعلية.
غير أن النتائج التي أسفرت عن ذلك كانت كارثية؛ فقد أصبح الجيش القوي معتمدًا على التعزيزات، ومُني بالهزيمة قبل تطبيق أي سحر يانغ. وتفاوتت مهارات الملقين، التي كانت بالغة الأهمية؛ ولعجزه عن العمل بأسلوبٍ متماسك، دُحر الجيش على يد قواتٍ تفوقه عددًا. بل وحتى حياة الإمبراطور باتت في خطر.
واختتمت الحرب أخيرًا عندما قضى «فيفا المُشرح»، الحليف المقرب لإمبراطور فولاكيا آنذاك، على قائد العدو. ولكن بسبب هذه الهزيمة النكراء، حُفر اسم موركيا فولاكيا في التاريخ بلقبٍ مخزٍ، «إمبراطور الهزيمة العظمى».
وبسبب هذه السابقة، تضاءلت قيمة سحر اليانغ، وبالتالي قيمة السحر ككل، في فولاكيا، مما أدى إلى انتشار فكرة أن إتقان الفنون القتالية هو سمة الجندي القوي.
ولم يتغير هذا حتى يومنا هذا، وفينسنت فولاكيا، بكل حكمته، قد استبعد استخدام سحر اليانغ في المعارك الجماعية كأمرٍ لا يستحق عناء التفكير فيه.
وفي واقع الأمر، وبالنظر إلى أن مستخدم سحر اليانغ قادرٌ فقط على تعزيز هدفٍ واحدٍ في كل مرة، فإن نشر جيشٍ يتطلب عددًا غفيرًا من الجنود يعملون بانسجامٍ كان أضغاث أحلام.
لذلك، بقي سحر الين وسيلةً للمضايقة والإرباك، بمعنًى أنه يلحق تأثيراتٍ بدنيةً غير مألوفة بالعدو، غير أن السحر قد انحدر في إمبراطورية فولاكيا―― وحتى في البلدان الأخرى، اعتُبر سحر اليانغ ممارسةً ملعونةً نادرًا ما تُستخدم إلا للتعزيز الذاتي.
――ومع ذلك، وكما هو الحال مع كل شيء، كانت هناك استثناءات.
؟؟؟: [فلنفعلها، يا رفاق――!!]
مع شهيقٍ كبير، ارتفع صوت الفتى، الذي لا يزال حادًا، في التلال البعيدة غرب ساحة المعركة.
وبوجود الفتى في قلب جمعهم، رفع المحاربون المنتشرون فوق قمة التل―― فرقةٌ لا تقل عن عدة آلافٍ من الأشخاص رايتهم، واحدةً تلو الأخرى، للتعبير عن وحدة الجماعة وإرادتها.
كرمزٍ لإرادة قتالٍ لا ينبغي لها أن تخمد أبدًا، رُفعت إحدى الرايات الكبيرة عاليًا بجانب الفتى على يد رجلٍ مغطى الجسد بالوشوم، يرافقه رجل سحليةٍ رمادي، ورجلٌ ذو مظهرٍ رثٍ لكنه يحمل نظرةً مهيبةً في عينيه.
رُسم على الراية المرفوعة، والواضحة حتى من مسافةٍ بعيدة، شعارٌ على شكل نجمة.
لم يكن شعار عائلة أحدٍ ولا الشعار الوطني، بل مجرد برهانٍ على موضع قلوبهم؛ إعلان حربٍ من ذلك النوع، ولا شيء سواه.
كانت الجماعة المحتشدة متنوعةً―― ودون مبالغة، كانت تتألف من أعراقٍ عديدة.
حتى داخل فولاكيا، حيث يعيش ويتعايش عددٌ هائلٌ من الأجناس، كانت العلاقات القائمة على التعاون عبر الحدود العرقية نادرة. وأحد الاستثناءات القليلة التي استطاعت العمل كمدينةٍ كانت مدينة الشياطين كايوسفليم، وحتى أثناء حصار العاصمة الإمبراطورية، لم يكن هناك أي مظهرٍ للتعاون بين الثوار.
ومع ذلك، كانت هذه الجماعة مختلفة.
كان بإمكان المرء النظر إلى الأمر كما لو أنهم يعملون معًا لمجرد تحقيق الهدف ذاته. غير أن ذلك وحده لم يكن قادرًا على جمعهم تحت رايةٍ واحدة لإظهار إرادتهم الجماعية.
لم يكن الأمر أنهم يمتلكون الأهداف ذاتها، بل كانوا يمتلكون إرادةً مشتركة.
ولهذا السبب كانت هذه الجماعة―― كلا، بل كتيبة الثريا، قادرةً على العمل كورقةٍ رابحة.
متصدرًا تلك الرايات والرفاق الذين حشدهم، هتف فتى أسود الشعر―― ناتسوكي سوبارو:
سوبارو: [――نحن، الأقوى!!]
الثريا: [الأقوى! الأقوى!! الأقـوى――!!!]
ارتفعت صيحة حربٍ في صوتٍ واحد، مدويةً عبر عنان السماء، بينما انتشرت روحٌ قتاليةٌ هائلة عبر ساحة المعركة كألسنة اللهب.
وبياتريس، المحتضنة بين ذراعي سوبارو وهو يصرخ، غطت أذنيها وهي تحدق في ذهول. وبالمثل، قفزت لويس أيضًا فوق سوبارو، ومع ذلك، لم يتفاجأ من هذا المشهد سوى هاتين الفتاتين الصغيرتين.
سوبارو: [――نحن، لا نُقهر!!]
الثريا: [لا نُقهر! لا نُقهر!! لا نُـقـهـر――!!!]
هياين، وايتز، إيدرا، غوستاف، مجموعة أورسون، العجوز نول، ريكس، ميلزاك، كاشيو، مويزو، ديروي، كريغكين، كودرو، فينمل، جوسرو، تانزا؛ زأر كل واحدٍ منهم بصوتٍ عالٍ.
زلزلت الأرض وهم يضربون بأقدامهم على التربة، واستدعى الزلزال زلزالًا آخر، بينما ألهبوا روحهم القتالية.
كانت أعماق صدره تشتعل.
ذلك الشيء المشتعل، المشتعل، المشتعل للغاية، والواعد، والذي لا يُقاوم، سرى في كامل جسده.
مطلقًا ذلك الشيء المشتعل، الواعد، والذي لا يُقاوم على طرف لسانه――،
سوبارو: [――أيـهـاااااااااا الـقـدرُ الـمـحـتـووووووم!!]
الثريا: [هَلُمَّ إلينا! هَلُمَّ إلينا!! هَلُـمَّ إلـيـنـااااااا――!!!]
جأرت الجماعة بصوتٍ واحد، وتحولت عيونهم جميعًا نحو الأمام، إلى ساحة المعركة عند سفح التل.
وبعد ذلك――،
سوبارو: [――ها نحن ذا ننطلق.]
△▼△▼△▼△
شعر الجميع في ساحة المعركة في تلك اللحظة بإحساس اهتزاز السماء، والأرض، والعالم.
وكان من بين أولئك الذين لم يسعهم تجاهل الأمر باعتباره مشكلةً لا تعنيهم، أولئك المتواجدون على الأسوار الغربية والذين سيواجهون الجماعات الحاملة للرايات والراكضة نازلةً منحدر التل وجهًا لوجه―― وبعبارةٍ أخرى، جنود الإمبراطورية الذين أُمروا بالدفاع عن المعقل الرابع، الأقرب إلى تلك العصبة المذكورة.
؟؟؟: [لكن――]
غير مستسلمٍ لروحهم القتالية، صمد الجنرال من الدرجة الثانية في الإمبراطورية، غودا ديالمو، «صائد النمور»، في موقعه.
وللحظة، غُلِبوا أمام الظهور المفاجئ والمعنويات المرتفعة للخصم، لكن جنود الإمبراطورية التابعين لصائد النمور لم يكونوا غِرًّا يافعين لدرجة أن يُقهروا أمام حفنةٍ من المارقين الطائشين من هذا القبيل.
وفوق كل شيء، كان الإنهاك والخسائر لدى غودا ورجاله في أدنى مستوياتها فيما يتعلق بساحة المعركة هذه.
كان حصارٌ هائلٌ قد فُرض على العاصمة الإمبراطورية، غير أن الهجمات القاسية التي شُنّت على المعاقل الأخرى لم تحدث أي أثرٍ يذكر تقريبًا على هذا المعقل الرابع.
وكان ذلك بلا ريب إنجاز أولبارت دونكيلكين، الذي هيمن كحارسٍ للمعقل الرابع. ويمكن تسميته برهانًا على قدرات «العجوز الخبيث».
؟؟؟: [في المقام الأول، من الجيد قطع أرجل الخصم قبل حتى أن يصلوا إلى هنا. فالقاعدة الأساسية للحرب هي بتر كل شيءٍ لا يمكنك القتال بدونه، سواء أكان ماءً أم أسلحة.]
وصف «العجوز الخبيث» سبب كون هجوم العدو ضعيفًا على نحوٍ ساحقٍ مقارنةً بالمعاقل الأخرى بقسوةٍ جعلت القشعريرة تسري في ظهور القوات وهي تتخيل رعب ألا يكونوا في صفه.
ومع ذلك، حتى أولبارت قد اضطر للاندفاع إلى معقلٍ آخر لأداء دوره في حماية العاصمة الإمبراطورية، إذ كانت على وشك أن تُخترق.
ولذلك، كان المعقل الرابع يفتقر حاليًا إلى قوة الجنرالات الساميين، القوة الأعظم للإمبراطورية.
وإرث أولبارت، الشينوبي الخارقون المدربون على يديه، كانت هناك حاجةٌ إليهم للتعامل مع سرب التنانين الطائرة الذي ظهر من السماء في الاتجاه ذاته الذي جاء منه الجيش المقترب، الغرب.
وبما أنهم لم يمتلكوا أي أسلحةٍ بعيدة المدى، كانت تقنيات الشينوبي وسيلتهم الوحيدة للدفاع عن أنفسهم ضد سرب التنانين الطائرة.
وفيما يتعلق بالجماعة المندفعة بضراوةٍ نحو الداخل――،
غودا: [――سأتولى أمركم بكامل روحي!]
ومع هذه الكلمات، حدق غودا ديالمو في العدو أمامه، حاملًا السلاح المميز لـ«صائد النمور»―― هراوتين معدنيتين، تزن كلٌ منهما قرابة مئة كيلوغرام.
كان لقب غودا يُعزى إلى حقيقة أنه، حين كان لا يزال جنرالًا من الدرجة الثالثة، أباد جماعةً من شعب النمور الذين عاثوا طغيانًا في البلاد، قاطعًا رأس قائد العدو الذي قتل الجنرال من الدرجة الثانية القائم بالقيادة سابقًا.
ونتيجةً لذلك القتال البطولي حتى الموت، غُطي الجسد العضلي لغودا الذي فاق طوله المترين بندوبٍ بيضاء من رأسه حتى بطنه تركتها مخالب النمور، ولذا عُرف باسم «صائد النمور» بعد أن ذاع صيت تلك المعركة الضارية.
وظلت إرادة غودا في القتال راسخةً لا تتزعزع حتى حين كان جيشه على شفا الانهيار بعد مقتل قائده.
ومن هنا، لِمَ يخشى التفوق العددي، في ظل ذلك العبء الثقيل الملقى على عاتقه؟
غودا: [سنتصدى لكم!]
ومع صيحةٍ كدويّ إطلاق مدفع، انطلق جسد غودا الضخم دافعًا الأرض بقدميه، واقترب من حشد العدو.
واتباعًا لقيادة غودا، اندفع مرؤوسوه، وكلٌ منهم يحمل السلاح الذي يفضله، نحو الراية الحاملة للنجمة والتي تلوح في الأفق من الغرب.
غودا: [――ذلك الشخص.]
وبينما قرّبته قدماه من لحظة اصطدام المجموعتين، حدّق غودا بإمعان، مركزًا على طليعة العدو―― ففي مقدمة المجموعة التي كانت تجعل الأرض ترتج، كان هناك حصان عاصفةٍ أحمر يندفع مقتحمًا.
ما لفت انتباهه كان الرجل الذي يُمسك بلجام حصان العاصفة―― كلا، كان ذلك غير دقيق. فالرجل لم يكن سوى ممسكٍ باللجام، بل إن ما استحق انتباهه كان ذلك القوام الصغير الذي يحمله الرجل الممتطي لحصان العاصفة.
فتىً أسود الشعر يحتضن فتاةً بين ذراعيه، كان ينظر نحوهم مباشرةً بعينيه الداكنتين.
وفي تلك اللحظة، كانت الفكرة الوحيدة التي مرت ببال غودا هي أن الفتى لم يكن يركض متقدمًا ولا حائدًا عن موضعه، بل كان يندفع للأمام كما لو كان من الطبيعي تمامًا أن يتواجد في ذلك الموقع.
فتىً ذو شعرٍ أسود وعينين سوداوين، تمامًا كولي العهد أسود الشعر في الشائعة التي انتشرت منذ ما قبل اندلاع الحرب.
غودا: [――هـك!]
محا غودا تلك الفكرة بصكه على أضراسه، مركزًا على ما يتعين عليه فعله.
مستغلين شائعةً سخيفة، أعدّ الثوار عددًا كبيرًا من أولياء العهد ذوي الشعر الأسود وتحدوا العاصمة الإمبراطورية في معركةٍ حاسمة، بحماقةٍ بالغة. ولذلك، فإن الجنرالات الذين كُلفوا بالدفاع عن العاصمة―― أو بالأحرى، جميع القوات، جنودًا وقادةً على حدٍ سواء، قد حسموا أمرهم.
صحة أمر ذلك الطفل أسود الشعر من عدمها لا تعنينا في شيء. ――فليس هناك سوى إمبراطورٍ واحدٍ ينبغي لنا أن نتطلع إليه بإجلال.
غودا: [――أيها الخونة الملعونون، يا مَن تطعنون إمبراطورنا فينسنت فولاكيا في ظهره!!]
شاهِرًا هراوتيه المعدنيتين الثقيلتين بكلتا يديه، زأر غودا كنمر، وهو رمز ما يصطاده وفقًا لاسمه، واقترب من الفتى المندفع في مقدمة الحشد.
في المقدمة، كان هناك فتىً يمتطي حصان عاصفةٍ أحمر يتبعه الثوار.
ولكونه جنرالًا بنفسه، تمنى غودا سحق الروح القتالية للعدو بضربةٍ واحدة عبر حصدهم جميعًا، وفعل ذلك. وكان ارتطام الضربة هائلًا لدرجةٍ تجعل طبلات الأذن الرقيقة تنفجر.
وشعرت ذراعا غودا الغليظتان أيضًا بارتدادٍ مُرضٍ، غير أن عينيه اتسعتا.
كان من المفترض سحق الفتى أسود الشعر رفقة حصان العاصفة، لكن ما استشعرته الهراوتان المعدنيتان لم يكن الفتى، ولا حصان العاصفة الذي يمتطيه――،
؟؟؟: [عليّ حماية شوارتز، فذلك واجبي الآن كمسؤول.]
بجسدٍ أضخم من جسد غودا نفسه، وبأربعة أذرعٍ غليظة وقوية، حمل درعًا كبيرًا في يده، واستخدمه لصد الضربة مباشرةً―― أو بالأحرى، كلتا الضربتين من هراوتي غودا المعدنيتين.
غصّ حلق غودا إزاء هذا المشهد، الذي كان مذهلًا حتى مع أخذ القدرات البدنية لقبيلة متعددي الأذرع في الحسبان.
ومتسللًا في غضون ذلك التأخير اللحظي――،
؟؟؟: [و… من واجبي سحق أعداء شوارتز…!]
غودا: [——هـك!]
الصوت، الخافت ومع ذلك الباسل، والمفعم بشعورٍ قويٍّ بالفخر والشرف، وجّه صاحبه لكمةً ساحقةً إلى جذع غودا، قاذفًا جسد الأخير الضخم في عنان السماء.
الرجل الذي رآه غودا يضربه وهو يطلق «غاه» كان يكسو الوشم كامل جسده ويحمل مطرقةً ضخمة تُمسك بكلتا اليدين.
كان متدربًا جيدًا. ولكن ببنيته وحركاته الهاوية تلك، كيف استطاع أن―― كلا، الشيء الصائب للتساؤل عنه لم يكن مجرد ما حدث لجسده هو.
الثوار: [أووووراااااه——!!!]
غودا، الذي كان في الطليعة، قُذف بعيدًا، وتواصلت الاشتباكات بين الثوار وجنود الإمبراطورية بعد ذلك.
حتى لو كان رأس غودا ليُقطع، فقد درّب رجاله جيدًا بما يكفي كي لا يفقدوا إرادتهم في القتال. ولهذا الفخر تحديدًا، بالكاد استطاعوا تصديق أعينهم.
دفعةً واحدة، وقبل حتى أن يبدوا مقاومةً لائقة، سُحق جنود الإمبراطورية ودُكوا بالكامل تحت وطأة هجوم حشد الثوار القادم.
كان المشهد صادمًا للغاية لدرجة أن كامل جسد غودا امتلأ بسخطٍ أعظم من ذلك الذي شعر به حين شهد رأس قائده يُسحق إلى قطعٍ أمام عينيه مباشرةً――،
غودا: [――هذا هراء.]
وهڪذا، أطلق القائد المحنك نَفَسًا أجشَّ أمام مشهدٍ يتعذر فهمه بالكامل.
△▼△▼△▼△
――وكما هو الحال مع كل شيء، كانت هناك استثناءات.
الاستثناء الوحيد كان كتيبة الثريا، وهي جماعةٌ مرعبةٌ من الهواة سحقت القائد الجبار غودا ديالمو، والمحاربين الأقوياء الذين دربهم.
لم يمتلكوا تقنياتٍ مارسوها، ولم يمتلكوا عتادًا فاخرًا، ولم يمتلكوا حتى قضيةً راسخة.
كل ما امتلكوه كان إرادةً قوية، قويةً حقًا للتوحد، وعهدًا قطعوه على أنفسهم بألا يتراجعوا مهما حدث.
وكان ذلك تحديدًا هو ما جعل كتيبة الثريا جماعةً استثنائيةً من الناس.
تذكروا الشرح المطول لأوجه القصور في سحر اليانغ.
فإن استخدامه، الذي اعتمد على مهارة الملقي وعدد الأفراد، كان غالبًا ما يُربك تناغم الناس، ونُعت بالحماقة لكونه جلب للإمبراطور السابق لقبًا يُعد وصمة عارٍ، وهو «إمبراطور الهزيمة العظمى». وحتى فينسنت فولاكيا، الذي وُصف بالإمبراطور الحكيم، سرعان ما تخلى عن فكرة استخدامه في مرحلة دراستها.
ولكن ماذا لو كان شيءٌ من هذا القبيل ممكنًا، افتراضًا؟
مئات، بل حتى آلاف من الجنود، بكامل عددهم، يُمنحون تعزيزًا موحدًا بالفعالية ذاتها؟ ومع ذلك، لا يعاني أيٌّ منهم من الفجوة بين قدرته القتالية الأصلية ومستوى مهارة ذاته المعززة؟
وأن يكون المفتاح في ذلك هو عدم الحاجة إلى أن يتساوى عدد مستخدمي سحر اليانغ مع عدد الجنود؟ ――إن تحققت مثل تلك الشروط الحالمة أو الإعجازية، أفلن يكون ذلك قابلًا للتطبيق؟
لقد كانت أضغاث أحلامٍ يسخر منها فينسنت فولاكيا وينبذها، لو سمع بها.
سلسلةٌ من المصادفات العارضة التي يمكن القول حتى إنها لم تكن ممكنةً إلا في زمن الحرب هذا، وفي هذا الموقف، وفي هذه الظروف.
أولئك فقط الذين قبلوا ناتسوكي سوبارو―― أو بالأحرى، «ناتسوكي شوارتز»، كمركزٍ لذواتهم، أولئك الذين رأوه بصدقٍ كرفيق سلاحٍ لهم، وآمنوا به بصدقٍ كصاحبٍ لهم، هم القادرون على تحقيق معجزة.
――فإن تأثير التقوية لسحر اليانغ سيُطبَّق على كل فردٍ من الأفراد الذين تشارك سوبارو معهم تأثير «كور ليونيس»؛ أي جميع الحلفاء الذين عملوا إلى جانبه.
فقوة «الملك الصغير»، التي قُصد منها في الأصل مشاركة الجراح والأعباء، سيجري استغلالها بطريقةٍ ملتويةٍ الآن؛ وتلك القوة التي عجز الملك بمفرده عن تحملها بالكامل، سيجري تحملها الآن بالاشتراك مع الرفاق الذين يدعمونه.
ومن هنا، فإن كتيبة الثريا――،
سوبارو: [――أنا أحبكم، كلكم!!]
تحول الآلاف من «غير المقاتلين» الذين سافروا مع ناتسوكي سوبارو إلى جيشٍ من المحاربين، ملقين الدمار في كل ساحة قتالٍ ضمن هذه المعركة من أجل العاصمة الإمبراطورية.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
[1] – الزوري (Zōri): هو نوع من الأحذية اليابانية التقليدية، يشبه الصندل.