الفصل 464 - الواصلون من خلف الغرب
الفصل السابع والتسعون
«الواصلون من خلف الغرب»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
――توالت المعارك متخذةً من العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا مسرحًا لها، وفي كل بقعةٍ من تلك المواقع، دنت الذروة من أوانها.
تنينٌ، متسربلٌ بالسحب ذاتها، انقض هابطًا نحو سماءٍ يتساقط فيها الثلج الأبيض، بينما لوّحت ألسنة اللهب القرمزية كبد السماء محيلةً إياها إلى سحبٍ مضطربة. اصطدمت الغولمات الحجرية بجنودٍ اعتلت وجوههم ملامح اليأس، وتصارعت أذرع وحشٍ جبارة ضد خبثٍ متأصلٍ حنكته السنون أمام سورٍ منهار؛ وظلت كفة الصراع تتأرجح صعودًا وهبوطًا بلا انقطاع.
غير أنه في هذه اللحظة، وفي هذه الثانية بالذات، استقر محور التركيز الأكبر لساحة المعركة هذه في الجزء الأعمق للعاصمة الإمبراطورية―― أجمل قلعةٍ في العالم، والمعروفة باسم القصر البلوري، حيث انبعث ضوءٌ أبيض ساطع.
فقد استُخدمت البلورات السحرية في كامل بناء القلعة―― وهي بلورات مانا أنقى من معظم الأحجار السحرية. ومن خلال تضخيم المانا المخزنة في ثناياها، كان مدفع البلورات السحرية سلاحًا استراتيجيًا قادرًا على إلحاق دمارٍ هائلٍ بهدفه.
وللتحديد، فقد كان الورقة الرابحة للقصر البلوري، وأعنف سلاح مدفعية بحوزة إمبراطورية فولاكيا. الهجوم المطلق، والذي من شأنه أن يحسم نتيجة المعركة برمتها بطلقةٍ واحدةٍ فحسب، حتى في ساحة المعركة هذه.
وفي المقام الأول، لم يكن يعلم بوجود مدفع البلورات السحرية هذا سوى نزرٍ يسيرٍ من الناس.
وغنيٌّ عن البيان أن آبل، الذي تربع سلفًا على عرش الإمبراطور، وزيكر عثمان، الذي أُحيط علمًا بخطوط العملية العريضة، كانا على درايةٍ به. وإضافةً إلى ذلك، كانت هناك أيضًا بريسيلا بارييل، التي لن يكون عِلمها المسبق بهذه المعلومات أمرًا مستغربًا لو امتلكته حقًا، إلى جانب عددٍ محدودٍ للغاية من الأفراد في صفوف جيش الثوار.
وعلى الأرجح، كانت الأمور مشابهةً إلى حدٍ ما في جانب العاصمة الإمبراطورية، لتقتصر على الإمبراطور المزيف فينسنت فولاكيا، الذي قاد التمرد، وشريكه رئيس الوزراء بيرستيتز فوندالفون. إلى جانب موغورو هاغاني، الذي مثّل القصر البلوري ذاته―― لقد كان سلاحًا سريًا لم يعلم به حتى بقية الجنرالات الساميين.
ومن ثم――،
؟؟؟: [――قوة مدفع البلورات السحرية تقتصر على ثلاث طلقاتٍ فقط، ولكنها لن تُستعمل أكثر من مرةٍ واحدةٍ في ساحة المعركة هذه.]
كان ذلك تقدير آبل، وبالتالي، إدراكًا شاركه فيه فينسنت أيضًا.
لأسبابٍ شتى، كان مدفع البلورات السحرية الورقة الرابحة للدفاع الوطني بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ولم يكن الفعل المتهور المتمثل في استهلاك كامل ذخيرته المتبقية أمرًا يمكن الإقدام عليه مع وضع المستقبل في الحسبان.
وبالطبع، لو كان فينسنت ينوِي استنفاده في ساحة المعركة هذه دون أي اعتبارٍ للمستقبل، لكانت تلك مسألةً أخرى.
آبل: [ما كنتَ لتُقدم على مثل هذا السلوك اليائس بأي حال.]
لم يكترث آبل كثيرًا بإطلاق اسمٍ على تلك القناعة.
غير أن القناعة تظل قناعة، ودون أن ينبذ ما نبت بداخله، كان آبل قد مهّد ساحة المعركة. ومن ثم، اختار إرساء اليقين بأن مدفع البلورات السحرية، الذي لا يمكن إطلاقه سوى مرةٍ واحدة، سيطلق طلقةً عقيمةً بلا ثمر.
وقد جرى استدراج ذلك التوقع منهم بواسطة «الطعوم»؛ فزيكر، الذي يُعد ثروةً قيّمةً حين يتعلق الأمر بالإمكانات الحربية، والجنود ذوو المعنويات المرتفعة تحت لوائه، والقبائل الأخرى المتنوعة، قد جُمعوا جميعهم معًا.
آبل: [――استخدموا النخبة كطُعم. فلن يستطيع العدو غض الطرف عنهم.]
وحينها، وبعد معاينة التطورات المؤسفة للأحداث عند المعقل الثالث، وُجّه مدفع البلورات السحرية نحو ساحة المعركة التي يحميها موغورو.
وكان عيب مدفع البلورات السحرية يتمثل في احتمالية إلحاقه دمارًا هائلًا حتى بالحلفاء، لكن في ساحة معركة موغورو، كانت تلك المخاوف بلا مبرر. فالغولمات الحجرية المنتشرة عبر ساحة المعركة لم تكن سوى قوىً انفصلت عن الجنرال السامي، وحتى موغورو العملاق، الذي صار واحدًا مع السور، لم يكن الجسد الأساسي للثامن.
ولذا، تداخلت توقعات الطرفين، وسيبيد مدفع البلورات السحرية جماعةً من الثوار عند إطلاقه، غير أنه سيزيل أيضًا احتمالية أن يُهزم الثوار دون أن يملكوا حيلةً لدرء ذلك. ――أو هڪذا كان المفترض أن تسير الأمور.
آبل: [――――]
في تلك اللحظة، شهد عددٌ غفيرٌ من الناس في ساحة المعركة ضوءًا أسودَ يبتلع طلقة الضوء الأبيض.
فما الذي أدى إلى ذلك؟ وإلى أين اختفت تلك الطلقة الهائلة دون أن تحدث ذرة دمارٍ واحدة؟ أكان ذلك صنيع صديقٍ أم عدو؟
تزاحمت أفكارٌ لا حصر لها في الفراغ الذهني الذي خُلق، وبقي الجميع مشدوهين عاجزين عن الحراك.
وفي مركز قيادة الثوار، لم يكن آبل استثناءً. لقد كانت تلك حادثةً خارجةً عما افترضه تمامًا.
فهو الآخر، سُلب عقله أمام تلك الظاهرة غير المتوقعة، واعتری أفكاره فراغٌ عابر. ――وما كان يميزه هو تعافيه من تلك الحالة أسرع من أي شخصٍ آخر.
مَن، وكيف، وأين، لم يكن يعلم شيئًا من ذلك، لكن――،
آبل: [――أطلقوه، تمامًا كما خططنا!]
إن وُجه المرء بموقفٍ أفضل مما توقع، فلا شيء أعظم من ذلك.
وفي حالاتٍ عديدة، ما كان بالغ الأهمية في ساحة المعركة هو القرار السريع، لا القرار الصحيح. وحينئذٍ، ومن خلال تحديث القرار بناءً على الأحداث التي وقعت بسبب ذلك الاختيار ذاته، يمكن تحويله إلى القرار الصائب.
مبعدًا نظره عن ساحة المعركة التي كان متوقعًا للضوء الأبيض أن يحيلها ركامًا، أصدر آبل الأمر. وعند ذلك الصوت الصادر عن آبل، اتسعت أعين الجنود المتيبسين في مركز القيادة، وخفضوا نظراتهم.
وللنظرات العديدة التي عجزت عن إخفاء ارتجافها، استجاب آبل بعينيه السوداوين من خلف قناع الأوني.
آبل: [أطلقوه فورًا! اصدروا الأمر! أي تباطؤٍ سيؤدي إلى مقتل زيكر عثمان!]
الجنود: [――هـك!]
آبل: [أسرعوا، تحركوا!]
الجنود: [حاضر يا سيدي――!!]
كان الجنود المحيطون بمركز القيادة وداخله جميعهم من أتباع زيكر الأكفاء.
في الأصل، تضمنت الخطة حياة زيكر في المعادلة. وكان من النفاق منه الإشارة إلى حياة زيكر، بيد أن الجنود استوعبوا ذلك، وبدأوا في التحرك سريعًا.
وعوضًا عن حسم آبل لأمره، كانت الثقة التي بناها زيكر هي ما أتاح ذلك.
آبل: [لقد أديتم واجبكم كفرقة انتحارية. ومع ذلك، لا ترخوا أيديكم، يا زيكر عثمان. فإن كنتم قد نجوتم، فهذا يعني أنكم لا تزالون تملكون دورًا يتعين عليكم أداؤه.]
في البعيد، عند المعقل الثالث لأسوار المدينة التي تحمي العاصمة الإمبراطورية، وقع اشتباكٌ كان يفترض ألا يقع أبدًا. معركة يتصدرها زيكر، برفقة شعب الشودراك والعديد من القبائل الأخرى.
لقد غدت ساحة المعركة تنافسًا حقيقيًا للقوة لمعرفة مَن سيتمكن من شق طريقه متجاوزًا موغورو نحو داخل العاصمة الإمبراطورية.
مراقبًا تلك المعركة الضارية غير المتوقعة من بعيد، لمس آبل قناع الأوني الخاص به، وتمتم.
آبل: [――حتمًا، الدور الذي يجب عليّ أداؤه بات قريبًا أيضًا.]
وخلف آبل وهو يتمتم بذلك، أطلق الجنود مدفع حجرٍ سحريٍ نحو السماء كما أُمروا.
كان ذلك مؤشرًا على تطور الموقف، وردًا انتقاميًا على فصيل العاصمة الإمبراطورية، الذين استنفدوا ورقتهم الرابحة، مدفع البلورات السحرية―― إشارةً إلى أن جانب جيش الثوار قد لعب ورقته الرابحة هو الآخر.
محدقًا في ضوء المدفع بعينيه، حوّل آبل نظره نحو الجانب المعاكس للمعقل الثالث――،
آبل: [――أيها الواصل إلى رقعة اللعب من جهة الغرب، من تكون؟]
△▼△▼△▼△
؟؟؟: [――لا يمكن لذلك أن يكون صحيحًا قط.]
وبينما ألقى بنظراته نحو ساحة المعركة البعيدة من الطبقة العليا للقصر البلوري، اهتز حلق بيرستيتز فوندالفون العجوز طفيفًا.
رئيس وزراء الإمبراطورية، ذلك الرجل الذي لا يتزعزع جأشه غالبًا، بدا حائرًا ومرتجفًا إلى حدٍ أثار دهشة الحراس بجانبه.
بيرستيتز: [――――]
وما إن استشعر نظرات الجنود من حوله، حتى شدّ بيرستيتز وجنتيه على الفور.
إظهار أي ضربٍ من التراخي كان سيقلل من شأن الإمبراطورية. وحتى لو لم يشاركه من حوله الاعتقاد ذاته، فما دام هو مؤمنًا بذلك، فلن يسمح بحدوثه. هڪذا كان نهج إمبراطورية فولاكيا.
هڪذا بالضبط تصور بيرستيتز فولاكيا المثالية في قرارة نفسه.
بيرستيتز: [بطبيعة الحال، بما أن العاصمة الإمبراطورية يجري التقدم نحوها، فإن التوصل إلى تدبيرٍ مضاد هو أمرٌ حتمي، ولكن…]
مستجمعًا رباطة جأشه، تصدى بيرستيتز لمجريات الأحداث بواقعية.
فما تسرب من شفتيه لم يكن سوى تأملٍ في الأحداث التي وقعت للتو―― تأملًا في حقيقة أن الضربة الأولى لمدفع البلورات السحرية، الورقة الرابحة للقصر البلوري، قد فشلت في إصابة هدفها.
كان وجود مدفع البلورات السحرية يُعد سرًا بالغ الكتمان، ولا يعلمه سوى قلةٍ نادرةٍ في الإمبراطورية.
ومع ذلك، بما أن عليهم مواجهة الإمبراطور الحقيقي، فينسنت فولاكيا، فإن سرية وجود مدفع البلورات السحرية كانت بلا أي معنى على الإطلاق. ولكن، حتى مع انكشاف أمره، بقيت الحقيقة الراسخة أنه لا سبيل لردع قوته النارية الاستثنائية؛ وتلك هي القيمة الجوهرية لوجوده في المقام الأول.
لذلك، رجح بيرستيتز أن فينسنت إما سيتجنب خوض معركةٍ حاسمةٍ في العاصمة الإمبراطورية، أو لن ينشر جيشه في موقفٍ يُستخدم فيه مدفع البلورات السحرية.
غير أن فينسنت دخل ساحة المعركة؛ وتولى في خضم المعركة قيادة الثوار الذين سبقوه إلى الخطوط الأمامية. وبهذه الطريقة، بدأ في إدارة مجريات الأمور. وعلى ما يُفترض، كان الزجّ بمقاتلين يمكن الاستغناء عنهم في خط نيران مدفع البلورات السحرية بمثابة ملاذٍ أخيرٍ له.
حينها، وسعيًا وراء أقصى درجات الكفاءة، وجّه بيرستيتز مدفع البلورات السحرية نحو المعقل الثالث.
حتى لو كانت خطة فينسنت هي جعلهم يطلقون النار على المنطقة ذات التركيز الأعلى لقوات الثوار في ساحة المعركة، وذلك لتقليل الضرر الإجمالي لحلفائه إلى أدنى حد―― ظلت حقيقة أن الخصوم سيعانون قائمة.
وبالقضاء على كباش الفداء، سيستخدمون حينها قوة الجنرالات التسعة الساميين لسحق خطط العدو. ――ومع وضع هذا في الحسبان، التمس العفو من فينسنت الجالس على العرش بجواره.
وحينئذٍ――،
فينسنت: [متى ما انجلى خداع كلا الطرفين، فلن يتبقى سوى الفارق الصارخ في القوة العسكرية. ――نفّذ ذلك.]
ورؤيةً لكونه وفينسنت متفقين، أطلق بيرستيتز مدفع البلورات السحرية.
بمجرد تصويبه على هدف، فإن اندلاع القوة التدميرية الهائلة، بعد إطلاقها، كان سيندفع إلى ساحة المعركة في ومضة، مبخرًا أجساد العديد من الأبطال في طريقه، ومرسلًا إياهم إلى حتفهم المحتوم.
ولذلك، ومع حسم النصر والهزيمة بعد أن يحصد مدفع البلورات السحرية الثوار، كان سيوجه جل تفكيره نحو الخطوات التي ستعقب تغير موازين المعركة، غير أن――،
بيرستيتز: [الضرر الناجم عن مدفع البلورات السحرية منعدم؟]
بالنظر إلى إنجازات مدفع البلورات السحرية المستعاد والمختوم في القصر البلوري، لم يخطر بباله أن فينسنت قد يمتلك وسيلةً ما لإبطاله.
إن الاحتفاظ بالأوراق مخفيةً بإحكام حتى الرمق الأخير كان عادةً متأصلةً لدى فينسنت بلا ريب. تحسر بيرستيتز لكونه قد غُلب بالدهاء تمامًا، بيد أنه في الوقت ذاته، شعر بتدفقٍ من الحماسة يغمر قلبه.
وأكثر من أي شيء آخر، فكر. ――يا للأسف.
بيرستيتز: [يا صاحب الجلالة، إني ليعتصرني الندم من أعماق قلبي.]
وبما أن نهج إمبراطورية فولاكيا هو تبجيل القوي، فإن أسلوب فينسنت في حكم الإمبراطورية بالدهاء بدلًا من العنف بوصفه من يتربع على قمتها، كان يبعث على مزيجٍ من الضجر والرعب.
امتلاك المهارات السياسية لتجنب أي حربٍ كبرى كان شيئًا قدّره هو نفسه، وفي الوقت ذاته تجنبه. ومع ذلك، لم تكن لديه أي شكوى بشأن خدمة فينسنت.
طالما أنه أدى واجباته كإمبراطور وحمى مجد إمبراطورية فولاكيا.
بيرستيتز: [ما الذي ستفعله عند عودتك، يا صاحب الجلالة…؟]
ماذا سيفعل بالإمبراطورية بعد عودته إلى العرش وإعدام كل أولئك الذين تمردوا ضده؟ هل سيترك الإمبراطورية كما كانت من قبل، ويتخلى مرةً أخرى عن واجباته كإمبراطور؟
حتى أبرز الأباطرة لم يكن له الحق في البقاء على العرش إن كان راضيًا بالسماح بحدوث ذلك.
بيرستيتز: [――أعدّوا مدفع البلورات السحرية للطلقة التالية.]
بما أن عدد شحنات مدفع البلورات السحرية كان محدودًا، فإن استنفادها كان أمرًا غير مقبول.
ومع ذلك، إن استدعى الموقف التغيير، فسيستخدم بيرستيتز كامل صلاحياته. غير أنه إن كان الخصوم يمتلكون بالفعل ورقتين رابحتين لإبطال مدفع البلورات السحرية، فلن يسعه تكرار الخطأ ذاته مجددًا.
وإلى أن يدرك ذلك، لم يكن بمقدوره المضي فيه حتى النهاية.
الجندي: [――! رئيس الوزراء بيرستيتز! انظر إلى ذلك!]
فجأةً، رفع أحد الجنود الواقفين بجانب بيرستيتز صوته.
متتبعًا نظرة الجندي، أمكنت رؤية ضوء الأحجار السحرية المنبعث في السماء بعيدًا خلف ساحة المعركة―― على الأرجح في المكان الذي تمركز فيه معسكر الثوار الرئيسي.
كانت نوعًا من الإشارات.
إشارةٌ لا يمكن الاعتماد عليها على نحوٍ فظيع، حيث صُبغت السماء فوق ساحة المعركة باللونين الأبيض والأحمر، لكنها ستكون فعالةً بما فيه الكفاية لأي شخصٍ ينتظر قدوم الإشارة.
بيرستيتز: [إشارة…]
من خلف عينيه المضيقتين، تفرس بيرستيتز في نوايا خصمه.
بعد إطلاق المدفع السحري، لكانوا قد ظنوا أن الموقف قد تغير أيضًا على ما يُفترض. فإن كان الأمر كذلك، فهل كانت تلك الإشارة توجيهًا للجنود في الخطوط الأمامية؟ ومع ذلك، إذا كانت النية هي إبلاغ الجنود الذين يقاتلون في الخطوط الأمامية، فإن تلك الإشارة غير موثوقةٍ إلى حدٍ بعيد.
لذلك، لم تكن لإبلاغ الجنود في الخطوط الأمامية――،
بيرستيتز: [――تعزيزات.]
لكن في الوقت ذاته، أعمل بيرستيتز فكره بروية.
ومع عيث أغلبية الثوار الذين تجمعوا من سائر أنحاء البلاد فسادًا بالفعل في ساحة المعركة، ومع سحق تلك الجماعة بالفعل بقوة الجنرالات التسعة الساميين، أي قواتٍ تلك التي يسعها أن تشكل تعزيزاتٍ حقيقية؟
التعزيزات لم تكن قطعًا يحتفظ بها المرء ببساطة.
ينبغي أن تكون ورقةً رابحةً بالمعنى السليم، تُنشر لتغيير موقف الحرب بطريقةٍ حاسمة. وبالطبع، كانت بلا معنى ما لم تكن تحمل قوةً كافية.
أي نوعٍ من القوات يمكن أن تكون بحق؟ ――ومع تلك الأفكار، وسّع بيرستيتز عينيه الضيقتين كالشقين وأدارهما نحو الغرب البعيد.
بيرستيتز: [لا يمكن أن يكون ذلك.]
وما تجلى ببطءٍ في بصر بيرستيتز وهو يتمتم بخفوت، كان ظلالًا توافدت من سماء الغرب—— منتشرين عبر رقعةٍ شاسعةٍ من تلك السماوات، كان الحكام المطلقون للسماء يقتربون في هدوء. سربٌ من التنانين الطائرة.
استقر عددٌ كبيرٌ من التنانين الطائرة في إمبراطورية فولاكيا، ومع ذلك، تطلب ترويض تنينٍ طائر تقنياتٍ ثمينةً ومهاراتٍ بارعة—— والتي جمعت العديد منها تحت لوائها كانت نبيلةً بارزة، تمتلك قوةً رفيعة المستوى داخل الإمبراطورية.
كونتيسةٌ عليا كانت قد رفضت المشاركة في المعركة الحاسمة للعاصمة الإمبراطورية، بذريعة الحفاظ على النظام داخل أراضيها، قائدة أقوى سرب تنانين طائرة في الإمبراطورية——،
بيرستيتز: [――الكونتيسة العليا سيرينا دراكروي، أليس كذلك؟]
وبلمحه لسفينة تنينٍ ترفع أشرعةً حمراء مشتعلة بين سرب التنانين الطائرة المقترب من وراء السماء، فهم بيرستيتز تهديد التعزيزات التي أعدها الثوار.
وعندما يتعلق الأمر بالتحكم في التنانين الطائرة، امتلك فصيله أيضًا إحدى الجنرالات التسعة الساميين، ماديلين إيشارت. وأمام المنتمية لعرق التنين تلك، كانت جميع التنانين الطائرة عبيدًا لإرادتها. ——ومع ذلك، فإن الاستثناء الوحيد لذلك كان التنانين الطائرة التي صاغت روابط مع مروّض، من خلال تقنية ترويض التنانين الطائرة.
بيرستيتز: [ومع ذلك، فلن يعدو الأمر كونه صراعًا على السيادة الجوية. كلا، إن كانت قد استدعت تنين السحاب، فإن ذلك الافتراض يجب أن يتغير أيضًا.]
على الرغم من صدمة إبطال مدفع البلورات السحرية، لم يُهمل بيرستيتز إحاطته بساحة المعركة.
خلال المعارك الضارية التي دارت عند المعاقل الخمسة، حتى ألوان السماوات والأرض شهدت تغيراتٍ مضطربةً ناجمةً عن مختلف ساحات القتال. وفي إحدى تلك المعارك، رُصد هبوط التنين الجبار.
وبوصفها منتميةً لعرق التنين، كانت ماديلين قادرةً على استدعاء التنين المرتبط بأسلافها.
وحتى الآن، لم تكن قد استدعت تنين السحاب ميزوريا إلى الأرض قط―― واستدعاؤها له سيغير مجرى المعركة جذريًا.
وبطبيعة الحال، كانت الظروف التي قد تستدعي ماديلين في ظلها ميزوريا مستحيلة التكهن، مما يعني أنه كان من الممكن أن يكون مجرد حشرها في الزاوية كافيًا.
بيرستيتز: [مهما يكن من أمر، ففي حالة قتال التنانين الطائرة بعضها لبعضٍ من أجل السيادة الجوية…]
في كلٍّ من الكم والكيف، اعتقد بيرستيتز أنهم يحوزون الأفضلية.
إن القرار الحاسم للكونتيسة العليا سيرينا دراكروي بالانحياز إلى جانب الثوار لا بد أنه كان خطأً مثيرًا للغضب بالنسبة لرجال فولاكيا، ومع ذلك――،
بيرستيتز: [――؟]
مفكرًا في هذا، كان بيرستيتز يحدق نحو سماء الغرب حين أدرك شيئًا ما.
كان قد ركّز تمامًا على سرب التنانين الطائرة المقترب ببطء، غير أن ذلك لم يكن التغير الوحيد الذي طرأ في الغرب.
――نظرةٌ أدق نحو التلال في الغرب كشفت عن هيئة مجموعةٍ تنتشر من جديد.
لبرهة، بدت وكأنها قوات الكونتيسة العليا دراكروي، لكن بيرستيتز بدّل رأيه سريعًا حين اتضح أن الأمر ليس كذلك.
وكان السبب في ذلك بسيطًا؛ الراية التي كانت تلك المجموعة ترفعها.
لم تكن تحمل شعار الكونتيسة العليا دراكروي، المتمثل في تنينٍ طائر يحمل ندبةً على خده، ولا الشعار الوطني لإمبراطورية فولاكيا، الذئب المخترق بالسيوف، بل رايةً مختلفةً كليًا.
قال بيرستيتز، وقد خامره شيءٌ من القلق مما كان مرسومًا عليها:
بيرستيتز: [――أتلك، نجمة؟]
△▼△▼△▼△
؟؟؟: [مهلًا يا أخي، ما الذي تفعله؟! لقد تأخرنا تمامًا بالفعل؟! ]
؟؟؟: [كفّ عن الجلبة، أيها الوغد السحلية… شوارتز مشغولٌ بأمرٍ ما…! ]
؟؟؟: [أجل، هو كذلك، لكن هياين محق. ماذا سنفعل؟ هل ننضم إلى صفوف جيش الثوار هڪذا؟]
؟؟؟: [واو، أترى ذلك يا زعيم؟ اليمين واليسار في حالة فوضى عارمة، إنها حقًا معركةٌ كبرى حاسمة! إلى أين يجب أن نذهب؟ لا أستطيع إيقاف خفقان صدري!]
سوبارو: [آاااه، اخرسوا!! ألا ترون أنني في خضم مشهدٍ مؤثرٍ للغاية الآن!؟]
وبينما اقتحمت مجموعةٌ من الأصوات المألوفة المكان محدثةً جلبةً هائلة، وبخهم ناتسوكي سوبارو. وأدرك فجأةً مدى اعتياده الخطير على كونه ناتسوكي شوارتز هذه الأيام.
ورغم أن ناتسوكي شوارتز لم يكن سوى اسمٍ مستعار في نهاية المطاف، إلا أنه كان يشعر بقوةٍ بأن اسمه الحقيقي، الاسم الذي ينبغي أن يُنادى به، هو ناتسوكي سوبارو.
بل بالأحرى――،
سوبارو: [لا بأس باعتبار ذلك مناداتكِ لاسمي، أليس كذلك؟]
لويس: [واو! واو، واو، واووو~!]
سوبارو: [فهمت! لقد فهمت بالفعل، لذا لا تسكبي مخاطكِ فوقي بالكامل! مقرف!]
هڪذا رد سوبارو، وأبعد بقوةٍ وجه الفتاة شقراء الشعر المتشبثة به―― لويس، بعيدًا، بينما كانت تغرقه بدموعها ومخاطها.
لكنه عجز عن نفض لويس عنه بعزمٍ تام، نظرًا لأنه مدينٌ لها كثيرًا أيضًا بإسهاماتٍ قيّمةٍ للغاية راكمتها.
كان سوبارو قد طلب بالفعل الكثير من الأمور من لويس والتي لا يمكنه التكفير عنها.
رغم أنه كان بإمكانه التماس العذر لنفسه لعدم وجود أي خيارٍ آخر أمامه.
سوبارو: [إن فعلت ذلك، فلن أستحق مواجهتكِ. لذا سأفعل الأمر على النحو الصحيح.]
لويس: [أووو~…]
وبينما أراحت جبهتها متشبثةً بظهر سوبارو، أنّت لويس.
وسواء أكانت تلك طريقتها في مسامحته، أم كانت سعيدةً فحسب بلقائه مجددًا، تنهد سوبارو متقبلًا أنها لم تبدُ وكأنها تضمر أي مشاعر سلبية.
لم يكن عليه الاعتذار للويسسسسس فحسب، بل كان مدينًا لها بجزيل الشكر أيضًا.
لكن الشخص الذي كان يشعر تجاهه بأعظم امتنان――،
سوبارو: [――بياتريس.]
عانقها بإحكامٍ ونطق اسمها، وهو يداعب شعرها الكثيف. فالسبب الحقيقي الوحيد لوجود فتاةٍ صغيرةٍ لا تلائم ساحة المعركة، صاحبةِ ذلك الحجم الهائل من الشعر المجعد والفستان البديع، في هذا المكان، لم يكن سوى سوبارو، مهما نظر المرء للأمر.
لقد أقدمت بالتأكيد على عملٍ متهورٍ إلى حدٍ لا يُصدق، لتقترب من التلاشي كما حدث لها.
ولهذا السبب――،
بياتريس: [――سوبارو.]
ومع نطق تلك الشفتين لاسمه حقًا، تنفس سوبارو الصعداء.
كان اسمه حقًا «ناتسوكي سوبارو»، مرةً أخرى――.
؟؟؟: [――معذرةً، شوارتز-ساما؟]
سوبارو: [أوواه!]
شاعِرًا بالارتياح، انتفض كتفا سوبارو لسماع همسٍ غير متوقع بالقرب من أذنه. التفت لا إراديًا، وكان حاضرًا هناك وجهٌ جميلٌ ومألوف―― وجه تانزا.
حدقت الفتاة الأيل المرتدية للكيمونو في سوبارو بوجهها الخالي من التعابير كالمعتاد، بينما كان الأخير مفترشًا الأرض محتضنًا بياتريس بين ذراعيه، ولويسسسسس متشبثةً بظهره.
تانزا: [أعتذر عن مقاطعة تسليتكم. لكن هياين-ساما والآخرين على حق. ليس لدينا متسعٌ من الوقت لإهداره في أنشطة الترفيه.]
سوبارو: [أنشطة الترفيه؟ أليس هذا قاسيًا بعض الشيء…]
تانزا: [ليس لدينا متسعٌ من الوقت لإهداره في أنشطة الترفيه.]
سوبارو: [آسف آسف، خطأي…! أنا أفهم مشاعركِ يا تانزا. يورنا-سان ستكون على الأرجح في مكانٍ ما في ساحة المعركة هذه أيضًا.]
مستحثًا بصوتٍ باردٍ وحازم، اعترف سوبارو بخطئه، مبديًا تفهمه. وإثر ذلك، خفضت تانزا حاجبيها المستديرين قليلًا وتمتمت: «نعم».
تانزا، التي انتهى بها المطاف بمرافقة سوبارو إثر سلسلةٍ من الأحداث، كانت فتاةً خدمت في الأصل يورنا ميشيغوري، حاكمة مدينة الشياطين كايوسفليم.
وبينما كبحت رغبتها في لقاء يورنا في أسرع وقتٍ ممكن، انضمت تانزا إلى سوبارو في رحلته، وأخيرًا بات لمّ شملهما وشيكًا.
ولكونها في مثل تلك الحالة الذهنية المضطربة، كان من المفهوم تمامًا شعورها برغبةٍ ملحةٍ في مقاطعة سوبارو الذي كان يسبق الجميع في لمّ شمله المبهج.
غير أنه――،
بياتريس: […سوبارو، ما خطب هذه… هذه الفتاة الأيل الوقحة؟]
متلويسسسسةً بين ذراعي سوبارو، نظرت بياتريس للأعلى نحو تانزا، معلنةً ذلك بنبرةٍ غير راضية إلى حدٍ ما. وعلى الفور، حدقت تانزا نحو بياتريس:
تانزا: [اسمي تانزا. وبسبب سلسلةٍ من الأحداث، كنت أعمل كمرافقة لشوارتز-ساما.]
بياتريس: [همف، لقد فهمت، حقًا. شكرًا لعملكِ الشاق، أفترض. من الآن فصاعدًا، بيتي والآخرون سيعتنون بسوبارو، لذا يمكنكِ اعتبار نفسكِ معفيةً، حقًا.]
تانزا: [ستعتنين به؟ في تلك الحالة؟ يبدو أنكِ لا تستطيعين حتى التحرك بالشكل اللائق دون أن يحملكِ شوارتز-ساما بين ذراعيه…]
بياتريس: [غاية سوبارو في الحياة هي احتضان بيتي، لذا فهذا لا بأس به، أفترض.]
سوبارو: [انتظرا انتظرا انتظرا انتظرا، لماذا تتشاجران!؟ كفتاتين صغيرتين، ألا يجدر بكما التوافق والانسجام!؟]
لسببٍ ما، اندلعت أجواءٌ محفوفة بالخطر فجأةً بين الفتاتين؛ ومحاصرًا في المنتصف، تصدع صوت سوبارو لا إراديًا.
بالنسبة لتانزا، التي كانت هادئةً في العادة، كان هذا التصرف غير لائقٍ وغير محبب، ولكن بطريقةٍ جيدة. ليس الأمر أن سوبارو لم يكن مدركًا أنه لا ينبغي له إخبار فتاةٍ صغيرة بمدى عدم نضجها.
سوبارو: [تانزا، بياتريس، لا تتشاجرا، أنتما الاثنتان. أنتما حليفتان، كِلاكما. هيا.]
تانزا: [بياتريس-ساما هي مَن دست أنفها أولًا. وفضلًا عن ذلك، أخبرتني يورنا-ساما أن أرد بالمثل على الأشخاص الحقيرين الذين يتصرفون بلا مبالاة.]
سوبارو: [هل أخبرتكِ حقًا بشيءٍ من قبيل «شريعة حمورابي»؟ لم أكن أعلم ذلك… إذن، عليكِ أن تعتذري… بياتريس؟] [1]
حاول سوبارو التوسط بينهما بينما حدقت عينا بياتريس المستديرتان فيه دون حراك. ومفتونًا بالنقشة المميزة لبؤبؤيها، أمال سوبارو رقبته متسائلًا: «ما الخطب؟».
حينها، ارتجفت شفتا بياتريس واختلجتا، وقالت:
بياتريس: [قبل قليل، ناديتَ اسم تلك الفتاة قبل اسم بيتي، في الواقع. ما معنى هذا، أفترض؟] [2].
سوبارو: [هاه؟ أفعلتُ ذلك؟]
بياتريس: [لقد فعلتَ، في الواقع! كم هذا مثيرٌ للغيظ تمامًا، أفترض! لن أقبل بهذا مهما حدث، في الواقع!]
وعيناها تشتعلان غضبًا، أمسكت بياتريس بياقته وهزت رأسها جيئةً وذهابًا. ولسماع هذا الحُكم غير المتوقع، أُصيب سوبارو بالدوار أيضًا.
ثم، وقد ضاق ذرعًا بهذا الأخذ والرد الذي لا يفضي إلى أي نتيجة،
؟؟؟: [――شوارتز، حتى أنا، كمسؤول، لصبري حدود. ينبغي أن تكون واعيًا بهذا، أليس كذلك؟]
بياتريس: [ميا!]
سوبارو: [أوه.]
هبط عليهم صوتٌ جهوريٌّ وقاهرٌ؛ وصرخت بياتريس حتى قبل سوبارو. متبعًا نظرة بياتريس المربكة، فهم سوبارو سبب مفاجأتها.
واقفًا هناك، في معطفٍ أسود وأربعة أذرعٍ معقودة، كان غوستاف موريلو صارم الوجه يحدق فيهما نحو الأسفل.
ولكونه حاكم جزيرة المجالدين، كان موقعه في العادة يقتضي إبقاء سوبارو ورجاله في الأسر، غير أنه غدا الآن متعاونًا مع أولئك الذين يتجولون بوقاحةٍ خارج الجزيرة―― كلا، بل كان رفيقًا لهم.
ولم يقتصر الأمر عليه وحده. فالمحتشدون في ذلك المكان بعينه لم يكونوا فقط العدد الكبير من الناس المرافقين لسوبارو من جزيرة المجالدين، بل رفقاء انضموا إليهم في غضون ذلك كرفاق سلاح.
بياتريس: [سـ-سوبارو، هذا الرجل…]
سوبارو: [هذا غوستاف-سان. يبدو مخيفًا، لكنه في جوهره مجتهدٌ على نحوٍ مخيف. غوستاف-سان، التي على ظهري هي لويس، وهذه الفتاة هي بياتريس. إنها…]
غوستاف: […ماذا تكون لك؟]
سوبارو: [أمم… أقصد، كما تعلم، ذاك.]
مداعبًا ظهر بياتريس وهي تنكمش، حار سوبارو في إيجاد الكلمات ليقدم تفسيرًا لغوستاف. ورؤيةً لذلك، قطب كل من غوستاف وتانزا وبياتريس حواجبهم.
وأمام النظرات العديدة الموجهة نحوه، حكّ سوبارو رأسه بارتباك و،
سوبارو: […سأطلعك على التفاصيل لاحقًا.]
غوستاف: [مهلًا الآن.]
بياتريس: [انتظر، أفترض! سوبارو، أيعقل أنه ليس مظهرك فحسب، بل عقلك أيضًا قد… قليلًا…]
تقبل غوستاف مراوغة سوبارو شديدة التراخي بطبيعته المفرطة في الجدية. لكن، عندما أوشكت بياتريس على إصابة كبد الحقيقة مباشرةً، غطى سوبارو فمها.
ثم همس في أذن بياتريس، التي كانت تقاوم بصخب.
سوبارو: [شرح أنني تقلصت سيكون معقدًا. لذا سأحتفظ بالأمر لنفسي في الوقت الحالي.]
بياتريس: […أتتذكر بيتي حقًا، في الواقع؟]
سوبارو: [أنا أحبكِ حقًا، ولهذا السبب يتعين عليّ فعل هذا.]
ورؤيةً لنظرة بياتريس المتسائلة، أجاب سوبارو ثم ضغط على يدها، مشابكًا أصابع يده الصغيرة بأصابع يد بياتريس الصغيرة أيضًا.
وبمجرد أن فعل ذلك، داهمه للحظةٍ إحساسٌ مروعٌ بالخواء أفقده توازنه. لكنه لم يدم إلى الأبد؛ فوخز الألم الأولي وحده كان كبيرًا.
سوبارو: [لم يكن بإمكاني مواصلة العيش دونكِ. أليس كذلك؟]
بياتريس: […ينتاب بيتي شعورٌ بأنك ماهرٌ للغاية في خداعها، أفترض. وفضلًا عن ذلك…]
سوبارو: [فضلًا عن ذلك؟]
بياتريس: [——. سوبارو، هناك خطبٌ ما، في الواقع.]
تدفق الدفء من داخل سوبارو إلى بياتريس وهما يمسكان بأيدي بعضهما أمام بعضهما البعض. وبغريزته، كان سوبارو واعيًا بأن هذا ليس بالأمر السيئ، بل كان بالأحرى طمأنينة.
كانت ذاكرته عن بياتريس قد أصبحت ضبابيةً قليلًا في بعض الأجزاء، حيث صارت بعض التفاصيل فقط مشوشة، لكنه كان متفائلًا إلى حدٍ ما بأن كل شيء سيكون على ما يرام بمجرد عودة جسده إلى طبيعته.
على أية حال، وعلى مقربةٍ من سوبارو وهو ينظر إلى الموقف بمثل هذه النظرة الإيجابية، قطبت بياتريس حاجبيها المتناسقين، وهي تتأمل شيئًا ما على ما يبدو.
سوبارو: [بقدر ما يبدو تعبير تفكيركِ لطيفًا، ما هو الخطب بالتحديد؟]
بياتريس: […سوبارو، طوال فترة انفصالك عن بيتي، لم تكن لديك وسيلةٌ لتصريف المانا، أفترض. لذا من الطبيعي أن تتراكم المانا، لكن هذا المقدار هو…]
سوبارو: [——؟]
ارتجفت رموش بياتريس الطويلة وهي تشد أصابعها كأنما لتتأكد. وأمام سوبارو المائل الرأس، انطلق من شفتيها صوتٌ خلا من النبرة.
وبالتأكيد، كانت قد تمتمت بشيءٍ من هذا القبيل. ――بأنه «أكثر من اللازم».
ولكن قبل التحقق من حقيقة الموقف――،
هياين: [――آه، يا أخي، أخبارٌ سيئة! ذلك المدعو سيسيلوس اندفع مسبقًا!]
سوبارو: [ماذاااا!؟]
ارتفع صوت هياين الحاد كصرخة، والتفت سوبارو برأسه على عجل. وأشار هياين في الاتجاه الذي تصوب إليه نظره، نحو ساحة معركةٍ تتوالى فيها اشتباكاتٌ ضارية بلا هوادةٍ ودون نهاية، وسحابة من الغبار تعصف نحوها دون توقف.
كان ذلك دليلًا على اندفاع فتىً نافد الصبر وجامحٍ هابطًا منحدر التل.
وايتز: [ماذا الآن؟ أينبغي أن أعيده أم…؟]
سوبارو: [كلا، بقدر تقديري لرأيك، سيكون ذلك فوق طاقتك يا وايتز. من الأساس، يستحيل على أي شخصٍ إيقاف سيسي… الراية.]
إيدرا: [فهمتك، يا شوارتز.]
وبينما كان يضمر أفكارًا منزعجةً إزاء سحابة الغبار البعيدة، أخذ سوبارو في الحسبان الجوانب الإيجابية لهياج ذلك الفتى، نظرًا لأنه كان يعلم تمام العلم من رحلته حتى الآن أنه سيكون عاجزًا عن كبح جماحه.
ومستعيدًا رباطة جأشه، قدم سوبارو طلبه التالي، وكان إيدرا هو مَن تحرك بحماسة. وإلى جانب وايتز، رفعا الراية ببطءٍ هناك مباشرةً.
وأعقب هذا الفعلَ عددٌ هائلٌ من رفاق السلاح المحيطين بهم.
رُفعت رايةٌ تلو الأخرى؛ وبالنسبة لأولئك في جوارهم، سيكون المظهر هو أن المجموعة التي فوق منحدر التل متحدةٌ بإحكام.
سوبارو: [لويس، أيمكنكِ النزول عن ظهري؟]
لويس: [آه، أوه!]
سوبارو: [لن أختفي فجأةً ثانية، أؤكد لكِ ذلك. لقد حزمت أمري بشأن ما تسبب في اختطافي بعيدًا.]
أقنع سوبارو لويس، التي كانت لا تزال مصدومةً من اختفائه ومترددةً في ترك ظهر سوبارو. كانت لا تزال متشككة، لكنها في النهاية تركت ظهر سوبارو بإرادتها الخاصة.
ومع ذلك، كان ترددها دليلًا على افتقارٍ معينٍ للثقة.
بياتريس: [——. لا نية لبيتي في المغادرة أبدًا، في الواقع.]
سوبارو: [أجل، ابقي معي. ――تانزا، أكل شيءٍ جاهز؟]
تانزا: [نعم. ――كتيبة الثريا مستعدةٌ للانطلاق في أي وقت.] [3]
وخلف تانزا المنحنية، ابتسم سوبارو لنفسه وهو يراقب رفاقه يرفعون راياتهم وأسلحتهم وأرواحهم القتالية.
كانت معنوياتهم مرتفعة، وحافزهم ممتلئًا حتى الحافة، وهدفهم نصب أعينهم. وكل ما تبقى هو انتزاعه.
سوبارو: [بما أن سيسي يعرف خطتي على الأرجح دون أن أخبره بكل تفصيلة، فتلك مجرد تسليته المعتادة… حسنًا، فلنبدأ، أيها الجميع!]
الجميع: [يـاااااااه――!!]
بياتريس: [――هـك.]
كانت هناك استجابةٌ هائلةٌ لنداء سوبارو، حيث احتبست أنفاس بياتريس في حلقها.
لو سمع المرء ذلك للمرة الأولى، لكانت هذه مفاجأةً محتومة. ومع ذلك، كانت أذنا سوبارو قد اعتادتا على ذلك بالفعل، وكان طقسًا بالغ الأهمية قبل القتال.
لويس: [واو؟]
بياتريس: [سوبارو، ما الذي تنوي فعله بالضبط، أفترض؟]
نظرت لويس وبياتريس، اللتان انضمتا لتوّهما إلى سوبارو، إليه نحو الأعلى دون معرفة تفاصيل الموقف.
مغمضًا عينًا واحدةً ليلتقي بنظراتهما، خطا سوبارو خطوةً إلى الأمام، والحماسة تنبع من أعماق جسده، والتي احتواها بثباتٍ في ساقيه النحيلتين.
ثم أعلن:
سوبارو: [أليس الأمر بديهيًا؟ ――سندمر هذه الحرب الغبية التي بدأها والدي الحثالة.]
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
[1] – شريعة حمورابي هي واحدة من أطول النصوص القانونية وأفضلها حفظًا من العصور القديمة. وبشكل عام، تتبع القوانين الموصوفة فيها مبدأ «العين بالعين»؛ وتحت تصريح تانزا يكمن المبدأ ذاته.
[2] – تم إعادة أسلوب بياتريس في قولها «In fact» إلى أصله المتعارف عليه في القصة «في الواقع» بدلًا من «حقًا». مع الأخذ بالإعتبار أن بياتريس خواتم جملها بعض الأحيان قد تحتوي على «I suppose / In fact» ولهذا سيتم ترجمتها بشكل تلقائي إلى «في الواقع / أظن»
[3] – في اليابانية، تعبير «كتيبة الثريا» (Pleiades Battalion) أو (プレアデス戦団) هو تلاعب لفظي باسم «عنقود الثريا النجمي» (Pleiades Star Cluster) أو (プレアデス星団).