الفصل 460 - الجيش الحجري
الفصل الثالث والتسعون
«الجيش الحجري»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
اخترق سهمٌ ذلك الرأس الذي خلا من الأعين والآذان والأنف، فقُذف الغولم المصنوع من الحجر مسافةً كبيرةً إلى الخلف.
غير أن الرأس، المفتقر لأي أجزاء تشبه ملامح البشر، لم يكن ليمثل نقطة مقتل حيوية، لذا لم تتراجع خطوات العدو المتقدم، سواء اخترقه سهم أم فَقَد جزءًا من رأسه.
؟؟؟: [إن لم يكن سحق رأسه كافيًا… هولي!]
هولي: [مفهوم~!]
بخطوات متعثرة، اندفعت غولمات الحجر نحوهما بأيدٍ ممدودة.
ومشهدها، الذي لا يفوق حجم البشر، وهي تقترب بحركاتها غير البشرية أثار شعورًا بالاشمئزاز. ومحوّلةً ذلك النفور إلى أصابعها أثناء سحب وتر القوس، أطلق القوس القوي صوتًا يشبه قصف الرعد.
انطلقت ثلاثة أسهم في الوقت نفسه. وأصابت جذع الغولم الحجري، لا لتخترقه ولا لتصيب نقطة حيوية، بل لتحطمه إلى أجزاء، قاطعةً حركته.
فإذا تحطم جسده بأكمله إلى أجزاء، سيتوقف حتى الغولم الحجري عن الحركة.
بيد أنه――،
؟؟؟: [بهذا العدد، يستحيل القضاء عليها واحدًا تلو الآخر!]
نظرت كونا إلى الأعلى لبلوغ السور المستهدف، المعقل الثالث، والذي قيل لها إنه ثغرة في تشكيلة العدو، ولكن عندما تمكنت من الوصول إليه، جعلها عدد وطبيعة جنود العدو المنتشرين تشعر باليأس.
كان من المفترض أن يتولى حراسة المعقل الثالث موغورو هاغاني، أحد الجنرالات التسعة الساميين.
ولحسن الحظ، لم يكن موغورو نفسه ظاهرًا على السور. أكان ذلك لأنهم لم يصلوا إلى موغورو بعد، أم كان موغورو نفسه في مكان آخر؟
على أي حال――،
هولي: [إنهم أشبه بنمل متجمع حول نسغ شجرة~! لا يمكنني إسقاطهم هڪذا~!]
كونا: [ليس هذا وقت تذمرك! أطلقي، أطلقي، أطلقي، أطلقي! أطلقي على أكبر عدد ممكن!]
هولي: [يا ويلي~! كونا، أنتِ صارمةٌ للغاية~!]
رافعةً صوتها بنبرة تشبه الصراخ، سحبت هولي سهمًا من الجعبة على ظهر كونا وأطلقتها واحدًا تلو الآخر من قوسها القوي. دُمّر غولمان أو ثلاثة مع كل رمية، لكن ذلك لم يكن كافيًا لمجاراة عدد الأعداء.
――لأن هناك مئات، بل آلافًا، من الغولمات الحجرية، بعدد يفوق الحصر.
كونا: [تشه، ماذا يفترض بنا أن نفعل…!]
طقطقت كونا بلسانها مبتعدةً عن العدو، ولعنت آبل لإعطائها هذه الأوامر.
لم تكن تعرف عنهم إلا من الشائعات، لكن موغورو هاغاني كان نوعًا خاصًا من أنصاف البشر يُدعى «شعب الفولاذ». وخلافًا لـ«قبيلة الأسلحة»، الذين تتكون أجسادهم جزئيًا فقط من المعدن، سمعت أنهم كائنات تتكون أجسادهم بالكامل من المعادن.
في هذه الحالة، هل كانت كل تلك الغولمات الحجرية التي لا حصر لها أمامهم من شعب الفولاذ أيضًا؟
هولي: [تبدو جميعها مجردةً من الحياة تمامًا~! إنها تشبه الدمى حقًا~!] [1]
كونا: [أنا من الرأي ذاته! ما الحيلة التي يخفيها هؤلاء؟]
مع الحفاظ على مسافة معتدلة، حدقت في محيطها ونظرت إلى حشد الغولمات الحجرية. وبسبب افتقارها إلى الأعين، لم يبدُ أن الغولمات الحجرية تملك أي وعي ذاتي.
كانت ببساطة تحاصر من يقترب منها، وتنهال عليه ضربًا حتى الموت بأطرافها الصلبة وقوتها الهائلة. والذين عجزوا عن الفرار لحقت بهم، وماتوا بصورة مأساوية إثر تعرضهم لعنف تلك الأعداد الهائلة.
المتمردون الذين تحدوا المعقل الثالث وداستهم جحافل الغولمات الحجرية، كانت جثثهم تُداس حرفيًا، ولم تكن بقاياهم لتظل سليمة خارج نطاق تشكيلتهم. ولم يكن هذا حدثًا يسع كونا والآخرين الضحك عليه بإعتباره مشكلة شخص آخر.
فإذا استمروا على هذا النحو، سيُسحقون تحت أقدام عدد ساحق من الأعداء دون أدنى فرصة لمواجهتهم.
وقبل أن يحدث ذلك――،
كونا: [إذا ساءت الأمور حقًا، فسيتعين علينا التراجع، ولكن…]
هولي: [مهلًا! كونا! انظري إلى ذلك~!]
كونا: [هاه؟]
اضطرت كلتاهما إلى وطء عشب الأراضي الزراعية التي تحولت الآن إلى ساحة معركة، والرماية أثناء الفرار. وعندما استدارت كونا على صوت هولي، دخل شيء مفاجئ في مجال رؤيتها.
وقف شخص ساكنًا في ساحة المعركة، ثم اندفع الغولم الحجري وهوى بذراعيه الحجريتين عليه. بدا أن الهدف سيسقط أرضًا من أثر الضربة ويُترك ليموت في بركة من الدماء――،
؟؟؟: [――لا تقف في طريقي، أيها الغولم الحجري!!]
كانت ميزيلدا هي من زأرت، وقد تشوه جمالها الشرس غضبًا.
وبينما كانت تصرخ بغضب، لوّحت بهراوتها التي تمسكها بكلتا يديها، ساحقةً رأس الغولم الحجري وجزءه العلويسسسس بعدما وثب نحوها، متفوقةً عليه في أسلوبه نفسه.
――كلا، لم تكن الوحيدة التي اختارت مهاجمة الغولمات الحجرية بدلًا من الفرار منها.
؟؟؟: [تنحوا عن طريقي، تنحوا عن طريقي، اغربوا عن طريقي سحقًا لكم! جميعكم عارٌ على الإمبراطورية ولا تفقهون سلطة جلالة الإمبراطور، فلا تقفوا في طريقي ماذا بحقك!]
انطلقت الضربة القاطعة مع صرخة حنجرية، وفصلت ببراعة عنق الغولم الحجري عن جذعه، بل وشطرت الرأس المتطاير رأسيًا في الهواء. وإن لم يكن ذلك كافيًا، ضرب الجذع قطريًا، وقطع الذراع من الكتف، وعندما رأى أنه توقف عن الحركة، ركله أرضًا وانتقل إلى الهدف التالي.
رجل خشن المظهر بعصابة عين اندفع بالمثل في وسط الغولمات الحجرية، تمامًا كما فعلت ميزيلدا.
أحبطت القوة الهجومية الضارية لهذين المهاجمين في القتال المتلاحم قدرة الغولم الحجري على شن هجوم.
لكن ما أذهل كونا وهولي حقًا لم يكن أيًا منهما.
كونا وهولي: [――――]
زمجر سيف قوي، وحاصدًا الغولمات الحجرية، أطاح بها بعيدًا.
كانت ضربة خشنة وعنيفة يصعب وصفها بالبارعة. ومع ذلك، كان أسلوب المبارزة هذا هو الأنسب للاستخدام ضد الغولمات الحجرية التي تطلّب كبحها تدميرها بالكامل.
كان من يلوح بذلك السيف ويدفن قطيع الغولمات الحجرية المندفعة سيافًا أحمر الشعر―― رجلًا لم تكن تعرفه سوى كتابع لبريسيلا المتكبرة المتعجرفة، هاينكل.
رجلٌ بدا ميتًا من الداخل إلى حد ما، انضم إلى جبهة الحرب قبل أن يلاحظ أحد، وقضى على الغولمات الحجرية واحدًا تلو الآخر دون أن ينطق بكلمة؛ مشهد افتقر إلى الإحساس بالواقعية، تمامًا مثل كابوس في ليلة نومٍ رديء.
بالنظر فقط إلى الأحداث الجارية، وبغض النظر عما إذا كانت ظروفًا ينبغي لكونا وهولي الترحيب بها، لم تكونا متأكدتين مما إذا كان يجدر بهما تقبل الأمر بابتهاج، وكانت هناك أفكار سلبية تدور في خلدهما.
وبالتأكيد كان سبب ذلك هو تعبير وجه هاينكل وهو يلوح بسيفه.
هولي: [يبدو ممتلئًا بالألم~.]
بعد أن شهدت الشيء نفسه، لم تتمالك كونا نفسها من الموافقة على تمتمات هولي.
لم تستطع فهم أفكار هولي عندما عبرت عن ذلك، ولكن من منظور كونا، بدا الأمر أشبه برغبته في الموت.
أحيانًا، يتجه المحاربون إلى ساحة المعركة بحثًا عن مكان للموت.
حتى في الشودراك، كانت هناك أوقات يختار فيها أولئك الذين لم يتبقَ لهم الكثير ليعيشوه لحظاتهم الأخيرة بحمل قوس وتحدي المخلوقات الضخمة الكامنة في أعماق الغابة.
ربما لم تكن هذه نهاية قد تختارها كونا، لكنها كانت قادرة على تفهم مثل تلك الأفكار.
غير أن دوافع هاينكل كانت تختلف عن دوافع محارب يبحث عن مكان للموت.
يريد الموت ويخشى الموت في آنٍ واحد، وهيئته التي تقاتل بشراسة ضد الموت لم تزد المشهد إلا إثارةً للشفقة عند النظر إليه. ورغم علمها بأن وجوده كان يدعم جبهة الحرب بشكل حاسم، تمنت كونا لو يسقط ويموت على الفور.
لقد كان رجلًا يلوح بسيفٍ محاطًا بكآبة بالغة إلى حد جعل من حوله يفكرون بذلك.
؟؟؟: [كونا! هولي!]
ومع تلك الكلمات، واصلت أجواء ساحة المعركة تقلبها، متجاهلةً تلك الصورة الذهنية التي راودت كونا والآخرين.
تلك التي نادت بأسميهما وتجاوزتهما كأنها تطير عبر المروج لم تكن سوى تاريتا. حاملةً جعبتها على ظهرها وعائدةً إلى زي الشودراك المعتاد، توقفت أمامهما،
تاريتا: [من الخطر التوقف عن الحركة. هذا هو الطريق الذي مهدته أختي وجمال.]
كونا: [أدرك ذلك حتى دون أن تخبريني، أيتها الزعيمة….كنتُ مشتتة الذهن قليلًا فحسب.]
تاريتا: [هاينكل، أليس كذلك؟]
ناظرةً إليها بعطف، خمنت تاريتا مشاعر كونا المحرجة والكئيبة بدقة.
كانت تاريتا هي شقيقة ميزيلدا الصغرى، وقد خلفتها كزعيمة لشعب الشودراك. في السابق كانت خجولة ومترددة، فتاة برزت بكونها جبانة أكثر من كونها حذرة.
ومع ذلك، كشرط لتولي منصب الزعيمة، بدت تجربة خوض الرحلة إلى مدينة الشياطين كايوسفليم ذات أثر بالغ؛ إذ قمعت ذلك الجبن وقادتها لاكتساب قوة مصقولة.
ولعل ملاحظتها الثاقبة للموقف الآن كانت نابعة من ذلك التطور أيضًا.
هولي: [أيتها الزعيمة، ألا تجدينه مخيفًا ومريبًا~؟]
تاريتا: [أعتقد أن وصف مريب صريح أكثر من اللازم، ولكن… إذا كان صحيحًا أنه يائس، وأنه سيصبح قوة عسكرية لنا، فليس لدي أي اعتراض على القتال بجانبه.]
كونا: [يا له من جواب رائع….هذا يناسبني أنا أيضًا.]
رغم وجود أمور لا يمكن تفسيرها، لم تكن هناك حاجة للتدقيق فيها في هذه اللحظة.
في الأصل، كانت تاريتا بارعة في تغيير أسلوبها في مواقف الصيد، إن لم يكن في الحياة اليومية. والآن، بصفتها الزعيمة، بات بإمكانها التكيف بنجاح مع أي موقف.
وبينما كانت كونا تقيّم الموقف، نظرت تاريتا إلى الجعبة على ظهرها،
تاريتا: [انخفض عدد الأسهم المتبقية كثيرًا. وبينما تسنح لنا الفرصة، فلنجمع الأسهم الساقطة. سيكون من الأفضل ألا نستهلك الكثير من الأسهم على شخص واحد.]
كونا: [نظريًا، نعم، ولكن…]
هولي: [لا يبدو أنني أستطيع الإجهاز عليهم برمية واحدة~!]
تاريتا: [هناك حيلة لإسقاطهم بضربة واحدة. صوّبي نحو القلب. ――هڪذا.]
وأمام الثنائي المكافح، أطلقت تاريتا بسرعة ثلاثة أسهم من قوسها. ومع اقتراب ثلاثة غولمات حجرية من ظهر ميزيلدا في المسافة البعيدة، اخترقت الأسهم الأجساد الثلاثة عبر الظهر، والرأس، والفخذ، لتسقطهم قتلى.
كونا: [مهلًا، مهلًا، مهلًا! لماذا ماتوا برمية واحدة!؟ القلب؟]
هولي: [إنها غولمات حجرية، لذا لا أعرف أين تقع قلوبها~]
تاريتا: [أ-أهذا صحيح؟ إذا دققتِ النظر، أعتقد أنكِ تستطيعين رؤية مواضع نقاطها الحيوية، ولكن…]
انخفض حاجبا تاريتا بتعبير مضطرب بينما ألحت عليها كونا وهولي بالسؤال.
على ما يبدو، لم تفعل حقًا أكثر من مجرد تدقيق النظر. كانت تاريتا بالفعل شقيقة ميزيلدا، رغم أن شخصيتها كانت نقيضًا تامًا لشخصيتها لدرجة صعّبت ملاحظة ذلك.
وبصفتها واحدة من شعب الشودراك، كانت كونا فخورة بدرجة النقاء العالية لدى الأختين الزعيمتين.
كونا: [بما أن تلك المشورة لم تكن مجدية، فلنفعل هذا بطريقتنا. التقطي الأسهم، وإن لم تكن كافية، فاستخدمي هراوة أو أي شيء آخر. ثم سنهوي على العدو ضربًا حتى الموت.]
هولي: [فلنضع نهاية للعبة الدمى هذه~!] [2]
تاريتا: [أعتقد أن هذه هي الروح المطلوبة. لكن، في مرحلة ما، سيخرج الجنرال السامي الحقيقي من مخبئه….كما كان الحال مع يورنا، فالجنرالات التسعة الساميون أبعد ما يكونون عن المألوف. كنّ على حذر شديد.]
هولي: [من الأفضل أن تقولي ذلك لميزيلدا~.]
إزاء رأي تاريتا جادة المحيا، أومأت كونا بذقنها نحو ميزيلدا، التي كانت تعربد بالفعل في الخطوط الأمامية.
الزعيمة السابقة، التي كانت تملك ساقًا اصطناعية، كانت قد تنازلت عن منصبها لشقيقتها وكانت الآن تندفع بضراوة بجسدها خفيف الوزن. وبهذا المعدل، إذا ظهر الجنرال السامي من صفوف العدو، فستكون هي أول من يصطدم به.
وحتى دون إحدى ساقيها، كانت ميزيلدا قادرة على خوض نزال حقيقي ضد أي غريم جدي――،
تاريتا: [أختي، أرجوكِ لا تبتعدي كثيرًا! ستموتين إن بقيتِ وحدكِ!]
ميزيلدا: [――――]
صرخت تاريتا، وأطلقت رمية واحدة على رأس غولم حجري يقطع الطريق أمام ميزيلدا. وعلى صوت تاريتا، لوّحت ميزيلدا بيدها تلويسسسسحة واسعة، موضحةً أنها استوعبت ما يجري.
كانت كونا متفاجئة ومعجبة بصدق بحسن تقدير تاريتا في كلماتها.
لقد توقفت تاريتا حقًا عن الاختباء خلف ظهر شقيقتها.
كونا: [لم أرَ ما حدث في ذلك الوقت مع ماريولي، ولكن…]
هولي: [تاريتا، أنتِ تزدهرين، لذا نحن مسرورون لأجلكِ أيضًا~.]
تاريتا: [أهذا حقًا وقت قول ذلك!؟ كلاكما، اذهبا للقتال رجاءً!]
أطلقت هولي السهام على الغولمات الحجرية التي حاصرتهم بقوسها، وضربتهم كونا ببلطتها القصيرة وهي تعلق، وردًا على ذلك، قالت تاريتا ذلك بصوت حاد.
أومأت كونا وهولي إحداهما للأخرى وأطاعتا دون تردد توجيهات زعيمتهما التي لا تخيب الثقة فيها.
عهدٌ قديم، وعدٌ متبادل بين إمبراطور سابق لفولاكيا وشعب الشودراك، وعدٌ بات الآن بعيدًا جدًا عن الحاضر، بحيث لا يمكن لوم كونا والآخرين على نسيانه.
بدأت هذه المعركة للوفاء بذلك، ومع ذلك، فقد أصبحت الآن معركة يتحتم على كونا وهولي، كأفراد من شعب الشودراك، إحراز النصر فيها بلا أدنى شك.
△▼△▼△▼△
اندفعت غولمات حجرية نحوه مباشرة.
دون وجوه، لم تكن تملك نية عدائية، ولا نية للقتل. ملوحًا بسيفه في وجه أولئك الخصوم، وهو يلعن محرك الدمى الذي اختار تلك الغولمات دون أي مراعاة، تطلع هاينكل أستريا إلى ساحة المعركة. [3]
لأي غاية، كان يلوح بسيفه في أراضي الإمبراطورية الشاسعة؟
لأي غاية، كان لا يزال يلوح بسيفه بعد أن كشف عن الكثير من خزيه؟
لأي غاية، تواجد هناك، في أرض لا يقطنها الشخص الذي كان يتحتم عليه أن يراه وهو نافع؟
هاينكل: [――هـك.]
وبضربة صاعدة بسيفه بترت تلك الأذرع الممدودة من عند المرافق، أطاح بالجزء العلويسسسس
لخصمه بعيدًا بفعل الضربة.
كان الخصوم غولمات حجرية، وفضلًا عن عدم إمكانية إضعاف قوتها القتالية بمجرد قطع رأسها أو أطرافها، كان المطلوب أكثر من مبارزة سيوف مصقولة هو دفع الخصم إلى وضع لا يمكنه فيه فعل أي شيء بعد الآن، هجوم يشبه هجوم قبيلة همجية.
مغيرًا قبضته على سيفه، باعد ساقيه واتخذ وضعية قتالية.
أطلق السيف الذي أعده عند خصره، ومحا الغولمات الحجرية في مساره إلى حد مثير للسخرية. لم يكن الأمر مسليًا. لم يكن هناك أي شيء مسلٍ في هذا البتة.
لم تكن لديه أي ذكريات بأن التلويسسسسح بالسيف كان ممتعًا على الإطلاق.
فبالنسبة له، لم يكن السيف يومًا سوى قيد أثقل مما يبدو عليه.
هاينكل: [تبًا.]
وبينما كان يكيل الشتائم، وجه ضربة للعدو الذي دخل نطاق سيفه.
لم يكن يملأ رأسه سوى شكوك «لأي غاية»، ومطيحًا بكل تلك العوائق في طريق رؤيته، لوح بسيفه. لوح به. لوح، ولوح، ولوح، وواصل التلويسسسسح به في الأرجاء――.
هاينكل: [سحقًا لهذا.]
حرر عقلك من كل الأفكار المعيقة، هڪذا كان قد عُلّم أثناء تدريبه على السيف.
عزز تركيزك، وتحرر من الأفكار المعيقة، واصقل مهاراتك لتتحد مع السيف. ――مهما تكرر قول ذلك له، لم يكن لديه أدنى فكرة عما تحاول هذه التعليمات إيصاله.
هاينكل: [سحقًا لهذا.]
قيل له ألا يفكر، ولكن إذا حاول تطبيق ذلك عمليًا، فسينتهي به الأمر بالتفكير في “ألا يفكر”، لذا لم تكن هناك طريقة يمكن لعقله من خلالها أن يتحرر من العوائق.
التركيز بالكامل على لا شيء سوى السيف، كيف يمكن للبشر فعل شيء كهذا؟
إذا عاش المرء، فسيجوع. وسيتنفس أيضًا. وربما يشعر بحكة في جسده، وتهاجمه الرغبة في النعاس أيضًا. ومخاوفه لن تنتهي، وستكون عائلته حاضرة دومًا في زوايا عقله.
القلق حيال الغد وما سيحدث بعد عشر ثوانٍ لم ينقطع قط، فضلًا عن إخفاقات ما قبل عشر ثوانٍ، ناهيك عن إخفاقات الأمس، والإخفاقات التي سبقت ذلك، كلها أمورٌ تلازم المرء كشبحٍ مؤرق إلى الأبد. تتراكم وتتدافع، وتتوالى بلا انقطاع؛ أفكارٌ لا نهاية لها.
كيف للمرء أن يتحرر أصلًا من الأفكار المعيقة؟
قطع الأفكار المتولدة طبيعيًا عن النشاط البشري بالكامل؛ كان مثل هذا الشيء بالتأكيد أمرًا لا يمكن لإنسان تخيله. وفي تلك الحالة، ألم يكن السياف الذي يستطيع تحرير نفسه من الأفكار المعيقة إنسانًا بحق؟
ألهذا السبب لم يكن سيافًا حقيقيًا؟
هاينكل: [تبًا، سحقًا لهذا ماذا بحقك!]
ذلك السيل الذي لا ينتهي من الشتائم، مهما أطلقه، لم يكن ليختفي من عقله.
وكأنه يحصد كل ذلك دفعة واحدة، لوح هاينكل بسيفه بتهور، وشرع في تحويل الغولمات الحجرية التي تسد طريقه إلى جبل من الحصى.
ما القيمة المرجوة من هذه الأفعال أصلًا؟
إخفاقه في إنجاز ما توجب عليه فعله في المكان الذي كان ينبغي عليه فعله فيه، وأن يدع الشخص الذي تمنى نيل حظوته يلملم شتات فوضاه، وفي النهاية بات مدينًا لشخص آخر ساعده على البقاء حيًا.
مع تكرار مثل هذه الأفعال مرارًا وتكرارًا، بأي شيء سيُكافأ، وعلى ماذا أصلًا؟
؟؟؟: [المعذرة أيها العجوز، لكن نفسي المذهلة ليس لديها أدنى فكرة عما تقاسيه.]
في رأسه، وممتزجًا مع شتائمه الخاصة، تناهى إليه صوت شخص آخر.
صوتٌ لا يزال يافعًا، بل ويمكن نعته بأنه غير ناضج، وكان ذلك من الوقت الذي ثمل فيه على منصة المراقبة. ورغم أنه أوضح حينها أنه لا يريد التحدث مع أحد وعزل نفسه، كان ذلك صوت الفتى الذي اقتحم عزلته بحماقة وبلا لباقة في ذلك الوقت.
؟؟؟: [ليس لدي أي فكرة عما إذا كنتَ قد فشلت، ولا عن مدى فداحة ما أفسدته أيضًا. لكن أتعلم، إذا كان الأمر يتعلق بتجربة الفشل، فإن نفسي المذهلة تملك ذلك أيضًا.]
بعد أن طرده ذات مرة بتفوهه بكلمات طائشة، عاد الفتى ليظهر مرارًا وتكرارًا.
ثم، ورغم أنه هو نفسه كان يحمل وجهًا تعلوه الشكوك، حاول التدخل في مخاوف هاينكل لتؤول الأمور إلى هذا النحو.
كان ذلك تصرفًا طفوليًا ومبتذلًا للغاية، وتلك الأفكار الساذجة والمثالية جعلته يرغب في الضحك باستهزاء.
؟؟؟: [ليس هناك أحد سواك يستطيع التمييز فيما أفسدته. لهذا السبب كنت أخبرك أيها العجوز، إن كنت عازمًا على فعل ذلك――]
هاينكل: [اخرس سحقًا لك، أيها الشقي اللعين!!]
تشجيعًا كان أم مواساة، شفقةً أم تعاطفًا، أيًا كان، لم يكن يكترث.
كل ما يوجَّه نحوه كان مزعجًا، ولم يكن هناك أي شيء على الإطلاق يرغب فيه منهم. لم يكن هناك حتى شيء واحد يبتغيه من الآخرين. لم يكن هناك ما يرغب فيه. لم يكن هناك سوى شخص واحد أراد أن يكرس هذا لأجله.
فالقيمة الحقيقية تكمن فيما يناله من ذلك الشخص فحسب، وما عدا ذلك فليس سوى أثقال حجرية يجرجرها وهو يخطو.
هاينكل: [――هـك.]
زحفت الغولمات الحجرية المشؤومة بصمت، وأمام عينيه، ضربها بسيفه، شاطرًا اثنين منها عموديًا إلى نصفين. وكأنه يستغل تلويسسسسحته الواسعة، جاء آخر طائرًا من الجانب، فسحق منطقة وجهه بطرف الغمد، ثم سحب سيفه المحبوب «أستريا» إلى الوراء، وغرسه للإجهاز عليه.
خصوم بلا وجوه، لا يستخدمون إلا حركات لُقنوها، فإذا كانت هذه طبيعة النزال، كان بإمكانه حصدهم مهما بلغ عددهم.
ما دام يواصل التنفس، كان بإمكانه مواجهة عشرة أو عشرين دون أي مشكلة. ومع ذلك، أي أهمية كانت لذلك؟
إحراز هذا النوع من النقاط دون حتى إظهارها للشخص الذي يجب أن يريها له، ما الذي――،
؟؟؟: [――أيها العجوز، إن كنت عازمًا على استرداد ما ضاع منك، فاسترده بسيفك أنت.]
هاينكل: [أيها الوغد اللعين… هـك.]
كان من المثير للسخرية أنه لا يزال يتشبث بضوء خافت قد يكون موجودًا أو لا يكون.
وعند هذه النقطة، اصطدم مجددًا بفكرة لماذا لا يزال حيًا أصلًا.
ما الذي أراد إثباته عبر هذا السيف أصلًا؟ ما الذي أراد كسبه؟ ما الذي كان يرغب فيه؟
هاينكل: [――――]
عندما تعلق الأمر بحجم التهديدات الرئيسية، كان الجميع في الجوار يشنون هجمات متعاقبة عليها.
المندفعون كانوا هاينكل، وامرأة قبيلة الصيادين الملوحة بهراوة، وكذلك مستخدم السيفين التوأمين ذو عصابة العين الذي استخدم مهارات سيف أنيقة لا تتناسب مع ملامح وجهه. ومع ذلك، وبأوامر زعيمة قبيلة الصيادين، التي استخدمت القوس بشكل أساسي، انقلبت جبهة الحرب بحزم، واستعاد الثوار الآخرون الذين تنحوا جانبًا ذات مرة روحهم المعنوية.
ثغرة في خط دفاع العدو؛ كانت الإشارة إلى ذلك ذات جدوى.
بالمقارنة مع المعاقل الأربعة الأخرى، كان من الواضح أن هذا المعقل تحديدًا يعاني ضعفًا في الدفاع. وحقيقة أن هاينكل استطاع شق طريقه بالسيف كانت دليلًا على ذلك.
شخص واحد، حقًا، لو وُجد حتى شخص واحد قوي حقًا، لكان من المستحيل على هاينكل قيادة الهجوم هڪذا.
؟؟؟: [اتبعوا ذلك الظهر――!]
؟؟؟: [لا تدعوا الرجل ذا الشعر الأحمر يستأثر بكل الإنجازات! سنتقدم نحن أيضًا!]
؟؟؟: [مهارة المبارزة تلك ليست سيئة. لو حلق لحيته، لغدا وجهه أكثر جاذبية للناظرين.]
متأخرين عن هاينكل الذي قاد الهجوم، كان عدد الأشخاص الذين يرفعون أصواتهم أمرًا لا يصدق.
لم يكن لديه وقت ليُفتن بهم كمدّعٍ زائف.
هاينكل: [تبًا لهذا… هلموا إلي، هلموا إلي ماذا بحقك! بهذا القدر فقط، لن أتمكن حتى من…]
إحراز النقاط؛ محاولًا تقبل الموقف أمام عينيه بصرامة أكبر وبشكل أكثر واقعية، رفع هاينكل رأسه.
الغولمات الحجرية الواقفة أمامه مباشرة، نُسفت تشكيلتها بضربة سيف جانبية، ومحاولًا النظر إلى الأسوار القريبة، ركز القوة في ركبتيه وهو يثب نحوها.
التشبث بالأسوار على الفور؛ إذا أباد الأعداء فوق السور، فإن الاستيلاء على المعقل الثالث―― للتوضيح، لم يكن الأمر أنه سيصرع جنرالًا للعدو، فهل سيكون ذلك إسهامًا حقيقيًا؟
إذن، للتعويض عن فشله في تلك المدينة الممعقلة، هل سيكون هاينكل هو من يصل خيوط العنكبوت لما تبتغيه بريسيلا؟
على أقل تقدير، حتى لو كان ذلك مجرد قدر يسير――،
؟؟؟: [――أنت، قتلتني، أكثر.]
هاينكل: [――――]
حقًا، في اللحظة التي تشبث فيها بالأسوار بتهور، صعق هاينكل بصوت مباغت.
شعر برئتيه كأنهما مشلولتان، وتسرب نَفَس أجش من حلقه. لم يكن الأمر أنه تعرض لهجوم، ولا أنه تفادى هجومًا، بل كان مجرد أنه سمع صوتًا.
وبذلك وحده، ارتجف جسد هاينكل بالكامل رعبًا.
الأفكار المتعددة التي راودته قبل لحظات ومضت في رأسه؛ عن التحرر من الأفكار المعيقة، عن رغباته الخاصة، عن التعويض عن إخفاقاته؛ طُليت جميعها باللون الأبيض، واختفت عن ناظريه.
ما فهمه هو ما صادفه للتو. ――تهديد لا يستطيع فعل أي شيء حياله على الإطلاق.
كان ذلك――،
؟؟؟: [قتلتني، أكثر. لذا، أنا أيضًا، أقتلك.]
تردد صدى صوت خالٍ من المشاعر، وأمام عيني هاينكل، بدأ الجدار العالي والسميك يتغير.
لم تكن الغولمات الحجرية المصطفة فوق الجدار.
ولم تكن الغولمات الحجرية المنتشرة في محاولة لحماية الأسوار أيضًا.
المعقل القائم على أسوار القلعة النجمية، على الجدار السميك الذي أطلقوا عليه المعقل الثالث، طرأ عليه تغيير.
هاينكل: [――آه]
في مجال رؤية هاينكل، الذي كانت أنفاسه تتسرب، ولدت «أضواء» لا حصر لها فوق الأسوار التي امتدت إلى يمينه ويساره. ――كلا، ما إذا كان يمكن تسمية تلك «أضواء» كان مسألة يختلف فيها الرأي.
تلك «الأضواء» التي ولدت على الأسوار، كانت كرات بحجم قبضة اليد تتوهج بلون أخضر ساطع، وللوهلة الأولى بدت كأشياء غير ضارة لا يمكن الشعور بأي خطر منها.
ومع ذلك، لم تكن تلك الكرات موجودة في الأصل على الأسوار.
على الجدار الذي لم يكن عليه شيء، انبثقت فجأة «أضواء» الكرات التي لا حصر لها. وبالنسبة لهاينكل، بدت تمامًا كأعين كائن حي. وبدا أنه تلاقى بالأعين مع تلك «الأضواء» كلها دفعة واحدة.
استبد به الرعب عندما بدت تلك «الأضواء» في الوقت نفسه وكأنها تحدق فيه بغضب.
هاينكل: [إيييك…]
في تلك اللحظة، تجمد جسد هاينكل بالكامل، وتراخت قبضته على السيف――،
؟؟؟: [طِر بعيدًا.]
في تلك اللحظة، وفي تناقض مع ذلك الصوت الرتيب، ومحدثةً هديرًا رعديًا لا يصدق ومحاطةً برياح عاتية، أطبقت قبضة حجرية عملاقة على هاينكل وهو في الهواء، وقذفت به بعيدًا.
هاينكل: [كاه…]
متلقيًا ألمًا عنيفًا من رأسه حتى أخمص قدميه، طار هاينكل في السماء عاجزًا عن إبداء أي مقاومة.
على نحو مشابه لكيفية تعامله مع خصوم الغولمات الحجرية قبل لحظات، سيكون التعبير بأنه «تُقاذف كالدمية» ملائمًا. كان هاينكل ينثر الدماء في كل مكان أثناء تحليقه، ثم رأى ذلك.
داخل مجال رؤيته الدوار، تغيرت ظروف الأرض تمامًا. لم يكن ذلك نتيجة تشوش وعي هاينكل المقذوف، إذ كان هناك تغيير حقيقي لا يمكن إشاحة النظر عنه――،
موغورو: [――الثامن بين الجنرالات التسعة الساميين، موغورو هاغاني.]
كانت تلك آداب المحارب في ساحة المعركة، تقديرًا مهيبًا في تعريفه بنفسه―― غير أن ذلك المقياس كان غير طبيعي إلى أقصى حد.
هاينكل: [――――]
سور القلعة النجمية، الذي كان ينبغي عليهم الاستيلاء عليه، المعقل الثالث نفسه تحرك.
كان ذلك بلا ريب واحدًا من الجنرالات التسعة الساميين، الكيان القوي الذي عرّف نفسه بأنه موغورو هاغاني.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
[1] – الكلمة التي يستخدمها الكاتب تابي لوصف الغولم (人形) تُقرأ أيضًا بمعنى “دمية”. وتقييم هولي هو تلاعب بهذا اللفظ، وإن كانت القراءة المعتادة هي “غولم” وفق قراءة الفوريكانا.
[2] – تلاعب لفظي آخر هنا باستخدام كلمة “دمية” للغولم؛ حيث تستخدم هولي تعبير (人形遊び)، والذي يعني جوهريًا “اللعب بالدمى”.
[3] – يشبّه السرد من ينشر الغولمات هنا بـ “مُحرك الدمى” (人形遣い)، نظرًا لأن الكلمة المستخدمة للغولم (人形) تعني كذلك دمية أو دمية متحركة.