الفصل 459 - إحياء الروابط القديمة
الفصل الثاني والتسعون
«إحياء الروابط القديمة»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
صرخ الهواء، وأخذ العالم يتباطأ شيئًا فشيئًا.
استبدّت حرارة بساحة المعركة. ――بل لم تكن ساحة المعركة وحدها، بل الإمبراطورية كلها.
اجتاحت الحرارة الإمبراطورية بأسرها، وغرقت البلاد في اضطراب لم يُعهد مثله من قبل.
علت أصوات كثيرة، وشُهرت أسلحة كثيرة، وأُعلنت مُثُل وغايات، واتقد الحماس.
وانتشرت الحرارة إلى الخارج، فازدادت اتساعًا وسرعة وقوة ولهيبًا.
كانت حرارة تتأجج منذ سنوات طويلة في قلوب أهل فولاكيا وعقولهم.
حرارة ظلت تُحشر في صندوق مغلق بلا نهاية، فلا تجد متنفسًا تتبدد منه. ومع ذلك ظلت الحرارة المحبوسة تشتد في تلك الأثناء، حتى انفجرت أخيرًا حين لاحت لها فرصة.
وما بدأ على هذا النحو لا يُنكَر في ذاته.
فحيث يعيش الناس تتعدد طرق التفكير. وكذلك الحال بين البلدان: لكل بلد طريقته في التفكير، وتضرب طرق العيش جذورها في تربة وماء وهواء مختلفة.
ومهما حشر المرء أنفه، فلن يصغي إليه أحد في شكواه.
لذا فلا محل هنا للحديث عن صواب وخطأ.
وفي موضع تشابك فيه كل هذا الكمّ من الأمور، إن كان ثمة شيء واحد يمكن قوله،
فهو――
؟؟؟: [――أنا… أكره هذا حقًّا حقًّا.]
غيّر ذلك الهمس أجواء ساحة المعركة، بالمعنى الحرفي للكلمة.
غطّت رقائق الثلج البيضاء الحقول الزراعية والمروج والمساحات الخضراء المحيطة بالعاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، في مشهد ما كان ليخطر ببال في إمبراطورية عُرفت بمناخها الدافئ.
؟؟؟: [ما… ما هذا…؟]
كان الذي صاح في ارتباك أمام الثلج الذي يراه لأول مرة أحد أبناء الأسلحة، وهو ملقى على الأرض.
وُلدوا وأجزاء من أجسادهم من المعدن، يعيدون تشكيلها أسلحةً يستخدمونها في ساحة القتال. وقد تحدّوا العاصمة الإمبراطورية، فسحقهم عدو جبار.
وما إن أعادوا تنظيم صفوفهم، ونهضوا مع من بقي قادرًا على القتال لمواجهة العدو من جديد، حتى بدأ المشهد الأبيض يتكشف ببطء.
ذهلوا لحظة، ثم أعادوا انتباههم سريعًا إلى ساحة المعركة.
وما كان ليُستغرب لو انتهز العدو تلك الفرصة الخاطفة، جزءًا من الثانية، ليُزهق أرواحهم. لكن العدو بدا وقد كفّ عن عدّ أبناء الأسلحة تهديدًا، فلم ينتهز الفرصة.
كتموا مذلّتهم، وصبّوا غضبهم في نصالهم ورماحهم وفؤوسهم ليسحقوا أعداءهم دفاعًا عن كرامة عرقهم، وفي تلك اللحظة،
――أدركوا أن أجسادهم قد خدرت، ولم تعد تطيعهم كما يريدون.
وكما أسلفنا، كانت الإمبراطورية الفولاكية بلدًا يبقى مناخه دافئًا طوال العام.
طبعًا، من كان مسقط رأسه في أعالي الجبال، أو على الحدود مع البلدان المجاورة، أو قرب الشلال العظيم، فقد تُتاح له فرصة تجربة مناخ مختلف، لكن أبناء الأسلحة لم يكونوا من هؤلاء.
ومع ذلك، لا يُلامون كثيرًا.
فمن كان ليخطر له أن يحترس؟
ومن كان ليتخيل أنه، حتى الآن، في ظهيرة ساحة المعركة حيث تُطلّ السماء الزرقاء وأشعة الشمس، سيبرد جسد تصبّب عرقًا من الحر دفعة واحدة، وتهب ريح متجمدة بهذه الشدة فيتجمد الدم في العروق!
؟؟؟: [يا جماعة! ابتعدوا عن هنا! سأبذل قصارى جهدي هنا، حقًّا حقًّا!]
وبينما كانوا يجبرون أجسادهم المخدّرة على الحركة، ضرب الصوت آذان أبناء الأسلحة المذهولين.
في الهواء البارد الذي جعل مجرد الإمساك بسلاح عسيرًا، لاحت هيئة تتقدم بخطوات واسعة عبر المرج، وشعرها الفضي يتطاير في الهواء.
فتاة جميلة، بشرتها ناصعة وعيناها بلون الجمشت، وقسمات وجهها بالغة الدقة والتناسق، تقدمت بمهابة وكأن ما حولها من مشهد أمر بديهي لا يستدعي التفاتة.
وبينما كانوا يتأملون هذا المنظر بإعجاب، أدرك أبناء الأسلحة. ――أدركوا من المسؤول عن هذا.
؟؟؟: [――تبًّا، أنتِ مجددًا؟]
واستمرت دهشة أبناء الأسلحة المرتجفين.
وبينما تقدمت الفتاة الفضية الشعر، ناداها صوت من علٍ――ماديلين إيشارت، الهيئة الصغيرة الواقفة على قمة سور المدينة، فتاة تنين ذات قرنين أسودين فوق رأسها.
وهي «الوحش» الذي تربّع بوصفه التاسع بين الجنرالات التسعة الساميين، والتي سحقت صفّ أبناء الأسلحة القتالي بضربة واحدة.
نظرت ماديلين إلى الأسفل باشمئزاز، وفي يدها نصلها المجنّح الطائر، سلاح أضخم من قامتها، لكنها بارعة في التحكم به رغم أنه أثقل مما يبدو.
وحتى في إمبراطورية تعجّ بقبائل أنصاف البشر، كان عرق التنانين النادر مهيبًا إلى حدّ أن مجرد مواجهته تجعل ضعيف النفس يجفل ويجثو على ركبتيه.
لكن――
؟؟؟: [أجل! أنا مجددًا يا ماديلين! أنا إميلي، مستخدمة الفنون الروحية التي صادف أن مرّت من هنا!]
أما إميلي، الفتاة التي قابلت نظرة التنينة الذهبية الحادة، فلم تكترث بتلك النظرة.
وكان هذا التبادل الذي لا يعرف الخوف كل ما احتاجه أبناء الأسلحة ليفهموا. فهموا الفجوة بين المسرح الذي يقفون عليه، وذلك الذي تقف عليه إميلي وماديلين، والفجوة في علوّ المنظور الذي ترى منه كلٌّ منهما الأمور.
أبناء الأسلحة: [――――]
كان في نفوسهم خيبة أمل وإحباط من واقع الحال، لكن ما لبث أن أعقبهما شعور طافح بالنشوة.
إنه ترقّب المعركة التي توشك أن تنكشف أمام أعينهم، معركة تتجاوز الإدراك البشري.
كانت على وشك أن تبدأ. معركة الطبقات العليا، التي لا يبلغها المرء بمجرد أن يولد قويًا.
سرت فيهم رعشة المحاربين، ولا شأن لها ببرودة دمائهم مع انخفاض الحرارة.
وحينها――
ماديلين: [يا لكِ من فتاة مزعجة! وأنتِ التي لم تقدري على هزيمة هذا التنين في معركة قبل أيام――]
تحوّل وجه ماديلين، الذي يمكن وصفه حتى بالمحبّب، إلى وجه عابس بشراسة.
رفعت التنينة الغاضبة النصل المجنّح الطائر في يدها، وصبّت كل قوتها في ذراعيها النحيلتين، غير عابئة بالبرد القارس الذي عطّل حركة أبناء الأسلحة.
وأدركوا بحدسهم أنه ما إن يُشهر ذلك النصل المجنّح الطائر حتى تبدأ معركة سيُخلَّد ذكرها عبر التاريخ.
إميليا: [――هيا!]
――وفي اللحظة التالية، هوت كتلة جليد بحجم قلعة على الأرض خارج متناول إميلي بقليل، وابتلعت شظايا الجليد المتطايرة هيئة ماديلين على الأسوار بدويّ مزلزل.
△▼△▼△▼△
ارتطمت كتلة جليد ضخمة بالسور، وقالت إميليا في نفسها: «جيد».
كانت المعركة بين المتمردين المحيطين بالعاصمة الإمبراطورية والجيش النظامي الذي يحاول الدفاع عنها قد بدأت، وأحدثت في رأس إميليا فوضى عارمة.
لنبذل ما بوسعنا، ولنقلّل عدد من يموتون بكل السبل.
كان ذلك هو النهج الذي أرسته إميليا، وهدفًا تقبّله رفاقها دون اعتراض، مع علمهم بصعوبته.
ومع ذلك، حين بلغت إميليا ورفاقها وجهتهم، كان المتمردون الذين سبقوهم قد بدؤوا المعركة فعلًا.
؟؟؟: [من وجهة نظر العاصمة الإمبراطورية، هم كلهم متمردون سواء، لكن لكل قبيلة مآربها الخاصة. فلم تبدأ المعركة بانتظام، ولم تصطف القبائل كلها للقتال. وهذا مفهوم دون حاجة إلى التفكير حتى.]
قال آبل لإميليا المتعجلة كلامًا لاذعًا بعض الشيء، لكنهم هم أيضًا، وقد دخلوا المعركة من المدينة المحصّنة، اتخذوا مواقعهم وانضموا إلى القتال وإن متأخرين.
ومن بين إميليا ورفاقها، كان المقاتلان الأساسيان في المعركة هي وغارفيل؛ فبياتريس وبيترا لا تستطيعان القتال، ولكل من أوتو وفريديريكا دور آخر يؤديه.
وكان ذلك يغيظ إميليا كثيرًا، فهي لا تجيد سوى القتال، لكنها تعلّمت أن توزيع الأدوار مهم جدًا، فقررت أن تترك كل شيء لكلٍّ بحسب اختصاصه.
آبل: [لوبوغانا، العاصمة الإمبراطورية، تحيط بها أسوار على هيئة نجمة. مدينة يصعب اقتحامها ويسهل الدفاع عنها. والسبيل الوحيد لإخضاعها هو الاستيلاء على المعاقل الخمسة.]
إميليا: [المعاقل الخمسة؟]
آبل: [إنه سور على شكل نجمة. ومن هذه المعاقل الخمسة يمكن التحكم بساحة المعركة عمقًا ومدى. وبالعكس، إن استولينا على هذه النقاط أضعفنا الخصم إضعافًا كبيرًا. ولهذا…]
إميليا: [ولهذا؟]
آبل: [ومن خلال المتمردين الذين يضربون أولًا، سنتبيّن كيف وزّع العدو قواته. وإن نجحوا في إضعاف الخصم ولو قليلًا، فهذا يكفينا.]
إميليا: [إذن فمن يضربون أولًا سيكونون في خطر! لا يمكن أن تفعل ذلك أبدًا!]
وإن كان وضع خطة الفوز من مهام آبل، فإن إميليا لم تستطع قبول ذلك النهج. ولذا انطلقت إلى القتال لتستولي على المعاقل المطلوبة بشدة عند رؤوس النجمة.
ومع ذلك، لم تعرف بصدق ما الذي يحسم لها أي معقل تهرع إليه.
أوتو: [إميلي، سأدلّك على وجهتك. ――عندي خطة.]
وحين كانت إميليا توشك أن تنطلق، عرض أوتو مساعدتها.
لم تدرِ إميليا ما تقوله لأوتو، فقد بدا لها متهورًا إلى حدٍّ أعجزها عن إيجاد كلمة تقولها له.
بيترا: [لا تقلقي يا إميلي، اتركيه لي.]
ولأن بيترا هي التي قالت ذلك، صدّقتها إميليا، وتمكنت من الانطلاق.
غارفيل: [إميلي! أنا الرائع هنا! هيا نفجّر ثغرة جديدة!]
وبعد أن تمنّوا التوفيق لغارفيل المتحمس ولبعضهم بعضًا، افترقوا جميعًا في طريقهم إلى معاقلهم.
فريديريكا: [إميلي… لا، إميليا-ساما، سأهرع أنا أيضًا لأؤدي دوري. أرجوكِ كوني بأمان، ولا تتهوري كثيرًا من أجل سوبارو-ساما!]
وتحولت فريديريكا، التي كانت تعدو إلى جانبها، إلى وحش، وانطلقت عبر ساحة المعركة بسرعة تخطف الأبصار.
وكان كل واحد منهم يهرع لأداء دوره.
إميليا: [وعليّ أنا أيضًا أن أجتهد حقًّا حقًّا.]
وبعزم قوي في قلبها، بلغت إميليا المعقل لتفعل ما يجب فعله.
أغمضت عينيها بإحكام، ووضعت يدها اليسرى فوق يدها اليمنى الموضوعة على صدرها. وقبل بدء المعركة، كانت بياتريس، وهي نادمة على عجزها عن المشاركة في القتال، قد أمسكت بيدها وقالت،
بياتريس: [يغيظني هذا حقًّا، لكنّ بيتي تطلب منكِ أن تحلّي محلّ بيتي، في الحقيقة. فبعد بيتي، أقرب من يبذل جهده من أجل سوبارو هي إميليا، على ما أظن.]
إميليا: [أجل، أريد حقًّا أن أصدّق ذلك.]
وسواء أكان ذلك بفضل ثقة بياتريس أم تعاون الجميع، كان جسد إميليا وذهنها في حال جيدة على نحو يثير الدهشة.
فقد سكن قلبها المرتبك وصفا ذهنها المشوَّش، وغدت شديدة الهدوء.
وبهدوء تام، وازنت إميليا بين دورها وما تريد فعله.
كان دور إميليا أن تهزم ماديلين التي تحرس معقلها.
وما تريد فعله هو أن تمنع أكبر عدد ممكن من الناس من الموت.
ومن هذه اللحظة فصاعدًا ستقاتل هي وماديلين، حتى لا يموت كثير من الناس.
إميليا: [――――]
فتحت عينيها، وركّزت على بوابتها في أعماق جسدها، فأطلقت كل ما تراكم فيها من مانا دفعة واحدة، وخفضت حرارة المحيط بوتيرة جامحة.
وفقًا لبيترا المجتهدة، فولاكيا بلد دافئ، ولذلك لا يحب كثيرون من أهلها البرد. وقال لها أوتو، محب الحيوانات، إن التنانين الطائرة في السماء لا تحب البرد هي أيضًا.
وفوق ذلك، فالبرد، كما قال الشقيقان غارفيل وفريديريكا، يدفع الناس إلى الانكماش على أنفسهم.
وبكل ذلك، وبتجربتها هي تحديدًا، أدركت إميليا.
أن――
إميليا: [حين يشتد البرد حقًّا حقًّا، لا يقوى الناس على اتخاذ وضعية القتال.]
ذات مرة، في قصر روزوال، القصر الذي سبق الحالي واحترق، غطّى الثلج محيط القصر كله حين واجه باك، قبل أن ينام، مشكلة في إطلاق ماناه.
وامتدّ الأمر إلى قرية أرلام القريبة وأحدث ضجة كبيرة، لكنه بقي ذكرى غريبة عند إميليا، التي لم تشعر بالبرد قط في حياتها.
وها هي الخبرة والمعرفة اللتان اكتسبتهما يومها تُستثمران أفضل استثمار.
إميليا: [أعلم أنني لا أستطيع بسهولة أن أغيّر آراء الجميع ومشاعرهم حيال هذا القتال. وددت لو أحدّثهم وأفهمهم أكثر إن أمكن، لكن ليس عندي وقت.]
ولذلك قررت إميليا.
ستستخدم القوة――لا، ستُقيّد الجميع بالبرد.
ستخدَر أصابع الجميع فلا يقدرون على الإمساك بأسلحتهم، وترتجف ركبهم فلا يقدرون على استخدام مهاراتهم، وتصطكّ أسنانهم بلا توقف، وتهتزّ نظراتهم، وتبيضّ أنفاسهم حتى يُصعقوا لرؤيتها.
وإذا أدركوا ذلك، فلن يبقى أحد منهم قادرًا حتى على التفكير في القتال.
ومع ذلك، إن وُجد خصم ما زال يحتفظ ببدن وعزيمة قويين للقتال――
إميليا: [――أنا من سيكون خصمك!]
ماديلين: [كفّي عن العبث! ولا تتماااادي، تبًّا!!]
وغطّى دويّ كتل الجليد المتساقطة على الأسوار صرخة إميليا الحاسمة.
ولم تُفاجأ إميليا كما فوجئ غيرها حين سمعت ردّ ماديلين النشيط حتى بعد إصابتها مباشرة بكتلة جليد أكبر من بيت. فالأمر نفسه حدث حين واجهتها في غوارال قبل أيام قليلة.
وفي تلك المرة أيضًا بدأ القتال على المنوال نفسه، بكتل جليد تضرب الخصم.
ماديلين: [مهارتكِ ناقصة.]
دوّى صوت حاد في الهواء، وفي اللحظة التالية انشطرت قطعة الجليد الضخمة نصفين طولًا.
وخرجت من خلف شظايا الجليد المتناثرة ماديلين النشيطة، رافعة نصلها المجنّح الطائر فوق رأسها.
وضاقت حدقتا عينيها الذهبيتين وهي ترقب الجليد المتحطم يتفتت إلى شظايا، ثم إلى ذرّات، ثم يعود مانا.
ماديلين: [حتى بعد تجربة مروّعة كتلك، لم تغيّري رأيك يا نصف الشيطانة…]
إميليا: [تجربة مروّعة؟… كان ذلك الأخير مفاجأة، لكنني أظن أنني وبريسيلا كنا على وشك الفوز بتلك المعركة. لا ينبغي أن تكذبي.]
ماديلين: [――هـڪ، لا تستخفّي بهذا التنين، تبًّا، يا نصف الشيطانة!]
وثنت ماديلين ركبتيها تتهيأ للقفز من فوق الأسوار، وقد أغضبها ردّ إميليا. فاتسعت عينا إميليا لذلك، وألقت نظرة على ما حولها، ثم،
إميليا: [هيّا!]
ولوّحت بذراعيها فأمطرت كتلة جليد على ماديلين، كما فعلت من قبل.
ولم تشكّل، كما كان متوقعًا، حتى إلهاءً لماديلين، إذ صدّتها وحطّمتها بسلاحها الذي رفعته بضجر، فأبطلت الهجوم.
لكن――
إميليا: [هيّا! هيييّا! ما زال عندي المزيد! خذي هذا!]
ماديلين: [ماذا―]
وراحت تصنع كتل الجليد في السماء الواحدة تلو الأخرى، وتسقطها على ماديلين فوق الأسوار مرارًا.
ولأنها قدّمت السرعة على القوة في هذه العملية، كان حجم الجليد أصغر بكثير من المرة الأولى، لا يتجاوز حجم قبضة اليد على الأكثر.
ومع ذلك، فلو أصابت رأس أحد لأحدثت ألمًا شديدًا بلا ريب، وكانت يدا إميليا تصنعان عشرًا منها، ثم عشرين، ثم خمسين، بل مئة، لتنهمر بعد ذلك على الأسوار.
حصى من جليد――لكنها لم تكن بجمال الحصى؛ بل كانت عاصفة جليدية.
ماديلين: [كفى! لا تتماااادي――!]
وفي مواجهة عاصفة الجليد المنهمرة عليها، ردّت ماديلين بضراوة.
فاستعملت جسدها كله، وهو لا يتأثر بالبرد، وأخذت تلوّح بنصلها المجنّح الطائر سلاحًا يُضرَب به لا سلاحًا يُرمى، وتصدّ به كتل الجليد المتساقطة.
وتوالت سلسلة من الارتطامات وأصوات التشقق، وتدفق سيل من قطع الجليد نحو ماديلين وهي تعدو فوق الأسوار.
وراحت ماديلين تتفادى وابل الجليد، تقفز وتنقلب وتنحرف جانبًا وتدور على نفسها بخطو راقص، بل بخفة لاعبة جمباز.
وكانت خفة حركتها تذهل العين، لكن الإصابة لم تكن غاية إميليا. كان هجومًا يُفترض أن يُتفادى، وغايته كسب الوقت.
أي أن――
إميليا: [ابتعدوا جميعًا! القتال بيني وبين ماديلين سيكون خطرًا على كل من هنا!]
نادت إميليا المتمردين المحيطين بها وهي ترمي عاصفة الجليد في الهواء.
كان أبناء الأسلحة المهزومون متجمعين، ويبدو أنهم يتحيّنون فرصة للانضمام إلى القتال باندفاع، لكنهم كانوا يرتجفون من البرد، وقد فقد كثير منهم أسلحتهم.
وكانت صعوبة تحريك أطرافهم فادحة بسبب ما فعلته إميليا، لكنها تمنّت أن يجاهدوا في تحريكها وينسحبوا مع رفاقهم.
وحينها――
إميليا: [――هـڪ، آه، لا، مهلًا!]
ومن خلال هجوم إميليا الرتيب الذي قدّم الكثرة على النوعية، انطلق نصل ماديلين المجنّح الطائر يشقّ طريقه عبر شظايا الجليد الدقيقة.
فتفادت إميليا بسرعة النصل المجنّح الطائر الذي زأر هائجًا وهو يشقّ الريح، لكنه دار دورة واسعة في ساحة المعركة بزئيره ثم عاد إليها بدقة مرعبة.
وجاء إعصار الموت، الحاصد كل ما يعترض طريقه، نحو إميليا وهو يمزّق كل شيء بلا رحمة. ولذا هرعت إميليا لتمنع أن يطال الضرر العَرَضي أبناء الأسلحة بطيئي الحركة.
إميليا: [هييياه!!]
وتدخلت إميليا أمام أبناء الأسلحة الذين لم يقدروا على تفادي إعصار الموت القادم.
ورفعت قدمها فركلت حافة النصل المجنّح الطائر إلى الأعلى. وجعل الارتطام كل عظمة في جسدها تئنّ، لكنها عضّت على أسنانها وتحمّلته دون تردد. ودفعته بكل قوتها، فمرّ النصل فوق رؤوس أبناء الأسلحة ورأسها، وطار نحو ظهورهم.
إميليا: [الآن لن تستطيعي…]
ماديلين: [أظننتِ، تبًّا، أن الأمر انتهى؟]
إميليا: [――هـڪ]
ولم يتسنَّ لها حتى أن تشعر بالارتياح، إذ جاءها صوت من خلفها.
وراء شعرها الفضي المتطاير، كان النصل المجنّح الطائر الذي أطارته إميليا قد أُمسك به، وانعكست في عينيها بلون الجمشت صورة ماديلين تلوّح به.
ضربة قاطعة نازلة، وتفاديها يعرّض الجميع للخطر.
إميليا: [فنون نصل الجليد!!]
ولم يكن أمامها خيار سوى تلقّي الضربة، فشكّلت في الحال سيفًا من جليد لتصدّ به النصل المجنّح الطائر.
لم يكن ما جرى مبارزة بسيوف متشابكة. ففي اللحظة التي تلامست فيها نصال الخصمين، تشقق سيف الجليد فجأة وتحطم. لكن ذلك كان سيفًا واحدًا فقط. ففي يدها الأخرى سيف ثانٍ، واليد التي فقدت السيف الأول صنعت ثالثًا؛ ومهما تكسّرت، واصل وابل إميليا الذي لا ينقطع من سيوف الجليد انهماره بدويّ.
وبدورة واسعة، واصلت الضرب على جانب النصل المجنّح الطائر، تضرب، وتصدّ بالكاد، وتهوي.
إميليا: [――كياه!؟]
ارتطم النصل المجنّح الطائر الهابط بالأرض، وبعد لحظة ضربت موجة صدمة جسد إميليا كله.
وأصابت الموجة نفسها أبناء الأسلحة الذين لم يفلحوا في الهرب، فقُذفوا بعيدًا. كانت القوة الخام لهذا التنين عبثية في جنونها، تفوق حتى قوة إميليا، وهي القوية أصلًا.
إميليا: [مع ذلك…]
نهضت إميليا بوثبة من تدحرجها، وصفعت وجنتيها، ونظرت أمامها.
وانتزعت ماديلين النصل المجنّح الطائر من الأرض، ورمقت إميليا، التي ما زالت نشيطة، بنظرة استياء، ثم تلفّتت حولها.
ماديلين: [تبًّا، أنتِ وحدكِ؟ وأين تلك المرأة؟]
إميليا: [تلك المرأة؟ …آه، تقصدين بريسيلا؟]
ماديلين: [أتظنين أن هذا التنين تتكلف حفظ اسم بشري؟ أعني تلك المرأة القرمزية، تبًّا لها.]
إميليا: [تلك بريسيلا. وأنا إميلي. لدى بريسيلا شخص تريد لقاءه.]
وبينما كان آبل يحيك خططه في المعسكر، وفريق إميليا يعدو في ساحة المعركة، كان كلٌّ من بريسيلا وآل قد وطئ هو الآخر أرض ساحة قتال أخرى.
لكن، خلافًا لفريق إميليا الذي يريد استعادة سوبارو وريم، وفريق آبل الذي يريد خلع الإمبراطور بطريقة ما، كان هدف بريسيلا عصيًّا على الفهم.
وحين سُئلت، لم تجب جوابًا وافيًا أيضًا.
إميليا: [حتى يورنا لم تخبرني بما دار بينهما…]
ولأنه كان لقاء أم بابنتها، ظنّت أن عندهما الكثير مما تتحدثان فيه.
وحين فكرت في اليوم الذي ستلتقي فيه بباك بعد أن يستيقظ أخيرًا من الحجر السحري المعلّق حول عنقها، تمنّت إميليا أن تطلب منهما بعض النصائح.
وطبعًا، كانت تريد أيضًا أن تسمع ببساطة حكاية بريسيلا السعيدة.
ماديلين: [تريد لقاءه…؟]
إميليا: [إ-إيه… أظن أنه في مكان ما من ساحة المعركة هذه. قالت إنها مشكلتها الخاصة، وأنا أيضًا قدّمت فارسي على… آه! أ-أقصد، فارس السيدة بيترا! ربما!]
ماديلين: [————]
ففي الإمبراطورية الفولاكية، حيث عليها أن تخفي مقامها الاجتماعي، صحّحت إميليا كلامها على عجل، بينما رمقتها ماديلين بارتياب.
وبصرف النظر عن الشكوك، فإميليا ببساطة لا تجيد الكذب. ولما فكّرت أن الإفراط في المحاولة لن يزيد إلا احتمال انكشافها، هزّت كتفيها استسلامًا.
إميليا: [لا، كان ذلك كذبًا. نعم، سوبارو هو فارسي. آسفة لأنني خدعتك.]
ماديلين: [وأصلًا، حتى لو قلتِ لي هذا، فهو ليس هنا أساسًا، تبًّا!]
إميليا: [آه، حقًّا…؟]
ماديلين: [ما تفكر فيه فتاة صغيرة مثلكِ لا شأن لهذا التنين به إطلاقًا. ――إنه لأمر مغيظ، تبًّا، أن تلك المرأة القرمزية ليست هنا، لكنه مناسب لي على أي حال.]
وما إن قالت ذلك حتى بدأ جسد ماديلين يُصدر البخار ببطء.
وفي الهواء البارد الذي صبغت أنفاسها بياضه، واصلت حرارة جسدها الارتفاع، وهي تشعّ روحًا قتالية متصاعدة يراها الناظر.
وحين بدأت تلك الروح القتالية المرئية تفيض، صنعت إميليا في الحال سيفين في يديها.
فاتخذت وضع الدفاع اليقظ، فضحكت ماديلين ضحكة متوحشة،
ماديلين: [كل من يسخر من هذا التنين سيُذبح، واحدًا بعد آخر.]
وتلألأت عيناها الذهبيتان المتّقدتان وهي تندفع إلى الأمام.
وبخطوة فجّرت الأرض المكسوّة بالصقيع، تلاشت المسافة بينهما في نفس واحد، ورفعت ماديلين نصلها المجنّح الطائر فوق رأسها، بينما تأهبت إميليا.
وحينها――
إميليا: [حتى من دون بريسيلا، لستُ وحدي!]
ماديلين: [ماذا――]
كانت ماديلين على وشك أن تصيح: «أتقولين إن…».
لكن هيئة لم تكن في الحسبان لم تدعها تُكمل، إذ أوقفت ضربة النصل المجنّح الطائر المشهَر. فاتسعت عينا ماديلين، وهي تنظر إلى الهيئة التي قفزت على النصل المجنّح الطائر.
وكان ذلك جسدًا صدّ الهجوم بالاصطدام به، ناتسوكي سوبارو المصنوع من الجليد――
ماديلين: [ماذا…!؟]
إميليا: [هييّا!!]
وانطلق نصلا إميليا الجليديان نحو ماديلين المتسمّرة في مكانها.
△▼△▼△▼△
بدأت المعارك عند معاقل الأسوار النجمية المحيطة بالعاصمة الإمبراطورية، وتغيّرت طبيعة القتال.
كان يبعث على السخرية أن يُقضى على هذا العدد الهائل بقوة صغيرة كهذه، تكاد تكون قوة فردية؛ وكأنها صورة مصغّرة للإمبراطورية الفولاكية، أرض يُوقَّر فيها الأقوياء.
فمهما احتشد الضعفاء، فإن ضربة واحدة من قويٍّ تقتلع أملهم بيُسر.
بل إن معركة وُصفت بحماس بأنها «المعركة الحاسمة للعاصمة الإمبراطورية» كانت ستنتهي بقطع رقاب المتمردين عن بكرة أبيهم لو تُركت بلا كابح، وخلال عام واحد يصير أصحاب الأرواح القتالية المتأججة وادعين.
وقد يكون ذلك تنقية لصفوف المتمردين، لكن من المشكوك فيه أن يكون هذا ما يتوقعه الإمبراطور الآن.
ومع ذلك――
يورنا: [――ومع ذلك، كانت تلك ستكون القصة نفسها لو لم يُخلع جلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا عن العرش.]
وفي إحدى يديها غليونها، أطلّت يورنا ميشيغوري على ساحة المعركة، ونطقت ببضع كلمات تعبق بدخان أرجواني.
وقد جرؤ على إشعال تلك النار الصغيرة بنفسه، إذ كانت الأفكار التي ارتخت في زمن السلم بحاجة إلى شدّ. وهذا مما كان الإمبراطور سيتولاه على الأرجح، لكنه ما كان ليفعله بالتنازل عن العرش بنفسه.
لكن، لو لم تكن تعرف الحقيقة، ولم تُدعَ لتكون واحدة من الجنرالات التسعة الساميين الذين حكموا مدينة الشياطين، فإلى أي جانب كانت ستنضم؟
يورنا: [ليس لديّ وقت لهذه المشاعر العقيمة. ――لديّ دور أؤديه.]
ونظرت يورنا إلى الأمام بهدوء، وقد تركت ذلك البديل الذي لا يُعقل.
فينسنت فولاكيا، الإمبراطور الحقيقي، هو من حفظ السلام في هذه الإمبراطورية. أما المستقبل في ظل حكم الإمبراطور المزيّف الذي أطاح به، وإلى أين سيفضي، فيلفّه ظلام عميق.
هڪذا كانت يورنا تؤمن.
يورنا: [أطفالي الأحباء، وأهل الأرض التي هي إمبراطورية جلالته الحبيبة.]
فقد أطفالها الأحباء مدينة الشياطين في حماقة، ومع ذلك ظلوا يجلّونها رغم أنها لم تُظهر القوة التي كان ينبغي أن تُظهرها.
وشعب الإمبراطورية هو الشعب الذي أحبّه رجل أحبّته يومًا، وما زالت تحبّه بمودة لم تنقص.
وفوق ذلك، أرادت أن تهب أطفالها تحديدًا، أولئك الذين شاركتهم روحها، عالمًا يليق بهم ليعيشوا فيه.
وذلك هو――
يورنا: [――أنا أؤثر سلام الإمبراطور الحقيقي على مستقبل يبنيه إمبراطور مزيّف.]
وما إن قالت يورنا ذلك حتى أخذت تحرّك الأرض من حولها ببطء وهي تدير غليونها، وترسم حلزونًا. وتلك هي تقنية يورنا في إضفاء تقنية زواج الأرواح على الجمادات وجعلها تفعل ما تشاء.
تقنية لا يستطيع غيرها تقليدها أبدًا بسبب سعة أرواحهم――لكن، خلافًا لمدينة الشياطين، حيث أمضت وقتًا طويلًا وحميمًا في بثّ أفكارها ومشاعرها، كانت تربة العاصمة الإمبراطورية بطيئة الاستجابة.
ومع ذلك، ربما لم تكن مشاعر يورنا المختلطة تجاه الإمبراطورية بمعزل عن الأمر.
يورنا: [أعتذر لأنني لست في أحسن حال، لكنني سأكون شريكتك.]
ورفعت يورنا بصرها أمامها نحو قمة الأسوار، ثم إلى ما فوقها.
والسبب بسيط وواضح: خصمها الذي يجب أن تخترقه بنظرتها كان أعلى من الأسوار، يحلّق بحرية في السماء فوق ساحة المعركة.
وحوّلت آكلة الروح ساقيها إلى لهب، وأخفت الدمار المكنون في جسدها النحيل――.
؟؟؟: [――يورنا.]
يورنا: [يا جنرال الدرجة الأولى أراكيا، ما زلتِ تقاتلين باستعراض صاخب كعهدي بكِ. حتى من بعيد، عرفتُكِ من النظرة الأولى.]
ذات البشرة السمراء من أبناء الكلاب، وفي إحدى يديها غصن شجرة وعلى عينها اليسرى عصابة――أراكيا.
ألقت نظرة متوجسة على يورنا التي ظهرت تحتها، وبينما كان جلدها يكاد يحترق عداءً، أجالت يورنا بصرها فيما حولها، وضيّقت عينيها أمام الأراضي الزراعية المحترقة.
وفي هذا المعقل، معقل أراكيا، كان الاعتراض أشدّ الاعتراضات استعراضًا ردًّا على هجوم المتمردين.
وطبعًا كان ذلك لأنها هي نفسها قوية، لكنه ربما كان أيضًا استعراضًا لقوتها أمام من حولها.
فحتى لو لم يعرف أحد رجال الجيش من تكون أراكيا حقًّا، فمن السهل أن يدرك أنها تمتلك قوة هائلة.
ولم يكن ذلك مجرد مقاصد أراكيا نفسها، بل――
؟؟؟: [هل وضع أحدهم تلك الفكرة في رأسكِ يا أراكيا؟]
أراكيا: [――هـڪ.]
يورنا: [أنتِ…]
ومن خلفها، وهي تخطو على الحقل العشبي الأسود الذي احترق حتى تفحّم، هزّ صوت القادمة ساحة المعركة.
شهقت أراكيا ويورنا معًا، واتسعت عيناهما. ورفعت يورنا حاجبيها لظهور صوت ما كان ينبغي أن يُسمع، لكنه سُمع.
ثم سارت حتى وصلت إلى جانب يورنا، إلى مسافة تغنيها عن الالتفات،
؟؟؟: [ما الأمر، يا والدتي العزيزة؟ أما زلتِ، وقد متِّ مرة، عاجزة عن التخلي عن ابنتكِ؟]
وهڪذا ضحكت بريسيلا ذات العينين القرمزيتين بقسوة، وهي تفتح المروحة في يدها بصوت.
وأخذها ذلك الظهور المباغت، وما تلاه من كلام، يورنا على حين غرّة، فأطلقت تنهيدة طويلة.
يورنا: [――. ألم يقل آبل إن هذا المكان سيُوكَل إليّ؟]
بريسيلا: [أوَلم يكن في الاجتماع ذاته الذي قلتُ فيه إنني لن أفعل ما يأمرني به آبل؟]
وكانت بريسيلا، التي لا تعوزها إجابة على أي كلمة، قد ردّت بلا رحمة، فحارت يورنا أمام موقفها. غير أن بريسيلا أطلقت «همف» من أنفها، وزالت الابتسامة عن وجهها.
وبعد ذلك مباشرة، تحوّلت نظرتها القرمزية نحو أراكيا في الأعلى.
كانت أراكيا من أقوى الجنرالات الساميين، وقد عُيّنت يورنا خصمًا لها لأن الجميع أدرك أنه لا يصلح ندًّا لها سوى يورنا.
ومع ذلك، جاءت بريسيلا الحصيفة إلى هذا المكان لأن لديها سببًا لمواجهة أراكيا بمعزل عن عوامل كالقوة والتكتيك.
ودليل ذلك أن أراكيا اهتزّت بوضوح لدخول بريسيلا.
فحتى أمام يورنا، لم يتزعزع تعبيرها المنفصل عن العالم بعض الشيء، لكن ما إن رأت بريسيلا حتى انهار قناعها.
وكان ذلك دليلًا لا يقبل اللبس على العلاقة الخاصة بين بريسيلا وأراكيا،
بريسيلا: [أراكيا، هل حسمتِ أمركِ؟]
وبدت قسمات وجه بريسيلا رزينة وهي تطرح السؤال، ونظرتها من الحدّة بحيث بدت كأنها توشك أن تقتل من تنظر إليه. ومع ذلك، بدت الكلمات التي نسجتها شفتاها رقيقة، بل رحيمة، على نحو ما.
سؤال رقيق زُيّن بقسوة، فحبست أراكيا أنفاسها وأومأت.
أراكيا: [سأستعيد الأميرة. ――سأقتل جلالته… الأميرة هي الإمبراطور الحقيقي.]
بريسيلا: [أتريدين حسمًا رسميًا لـ«مراسم الاختيار الإمبراطوري»؟ ذلك يفي بالغرض.]
وما إن سمعت جواب أراكيا حتى أغلقت بريسيلا المروحة في يدها، ودسّتها في صدرها، ورفعت يدها الفارغة إلى السماء، وسحبت من العدم سيفها الثمين القرمزي.
وكانت الحرارة المنبعثة حول النصل بحيث بدا الهواء يتمايل، إنه سيف اليانغ الذي لا يُسمح بحمله إلا لإمبراطور فولاكيا――وقد حدّقت فيه يورنا، دون وعي منها، بإعجاب.
وكأن صورة الرجل الحبيب ليورنا، الذي حمل يومًا ذلك السيف الثمين ذا القرمزي الداكن، عادت إليها خلف جفنيها.
بريسيلا: [ليس هذا وقت الإعجاب، يا والدتي العزيزة.]
يورنا: [――. كل هذا الهذر الأناني… مع أنني لست من ربّاكِ، فلماذا نشأتِ على هذا النحو؟]
بريسيلا: [حسنًا إذن. ما من سبب بعينه يجعلني على ما أنا عليه. وفوق ذلك، فاتني أن أخبركِ بأمر واحد.]
وعند نظرة بريسيلا الجانبية وهي تُعدّ سيف اليانغ، تصلّب جسد يورنا كله، ودخلت هي أيضًا وضعية القتال. وبعد أن اتخذت تلك الوضعية، التفتت يورنا إلى ابنتها بنظرة استفهام في عينيها.
ومن دون أن تلاقي نظرتها، وجّهت بريسيلا طرف سيف اليانغ نحو أراكيا، و،
بريسيلا: [إنها أختي بالتبنّي. يا والدتي العزيزة، بعد موتكِ نشأت معي كأننا شقيقتان. والآن يبدو أن غايتها أن تُجلسني على العرش.]
يورنا: [ماذا…]
بريسيلا: [إنها قادمة.]
اتسعت عينا يورنا لذلك الكشف، وصدر الإعلان الخالي من الشفقة في اللحظة نفسها تقريبًا.
وغطّت ألسنة لهب متضخمة السماء، وانهمرت تلك الحرارة الهائلة لتحوّل الحقل المحترق أصلًا إلى أرض محروقة.
ومن وراء ذلك كله، وهي تصبغ العالم بلون أحمر، صرخت أراكيا.
أراكيا: [سأستعيد الأميرة، بقوتي الخاصة!! ――هذا ما قيل لي.]

△▼△▼△▼△
محدقًا من بعيد في النيران التي تتحكم بها أراكيا وهي تشعل العالم بإفراط، استشعر تود فانغ أن أجواء ساحة المعركة كانت تتغير مع اتجاه الريح.
تود: [――لا شك في أن التحرك الأول كان فعالًا، ولكن…]
حطمت القوة النارية الهائلة الروح القتالية للمتمردين الغزاة، ولطالما كان الغزاة الأوائل أشخاصًا مشهودًا لهم بقدراتهم.
لم تكن هناك أي طريقة تمكّن مجموعة من الحفاظ على معنوياتها بينما تُحرق دون حيلة لفعل أي شيء حيال ذلك.
ومن هنا، من بين المعاقل الخمسة التي تحمي الأسوار ذات الشكل النجمي، خمن أن المعقل الذي يضم أراكيا، والذي عُين فيه، كان الأكثر أمانًا، والمكان الذي سيُضعف فيه هجوم العدو.
في الواقع، أثبت حكم تود صحته، وبعد إبادة «قبيلة السايكلوب» التي تقدمت ببسالة، غدا هجوم المتمردين، خوفًا من أراكيا، ممزقًا، وكانت المعركة قد حُسمت عمليًا.
كان سبب هذا التغير في الأجواء هو انضمام مجموعة ثانية وصلت متأخرة إلى المجموعة الأولى من المتمردين التي صُدت.
بعد تلقيهم ضربة على الرأس وفقدانهم لقوتهم القتالية، بدا وكأن المجموعة الأولى على شفا الانهيار، لكنهم استُوعبوا من قِبل المجموعة الثانية التي وصلت لاحقًا، وكانوا يحاولون استعادة قوتهم القتالية.
بالطبع، حتى لو تجمع الخاسرون، لم يكن لذلك أن يُحدث تأثيرًا كبيرًا على النتيجة، لكن أولئك الذين جاؤوا لاحقًا جمعوا شتات المجموعة التي كان يُفترض أن تُكسر معنوياتها وأبقوا الأضرار عند حدها الأدنى.
مفكرًا في احتمالية وجود ضابط قائد سريع البديهة للغاية في المجموعة الثانية، ارتجف تود إزاء ذلك الاحتمال المخيف.
تود: [مستحيل، هل كان الوصول متأخرًا جزءًا من خطتهم أيضًا؟]
دون الحفاظ على وتيرة متساوية، حيث تكفل كل شخص بالدفاع عن نفسه، اندفع جيش المتمردين فارغي العقول للهجوم. وعند رؤية تلك التجربة المؤلمة للمجموعة الأولى، كادت المعركة من هناك أن تنتهي بانتصار ساحق للجيش النظامي.
ومع ذلك، وبعد أن فقدت المجموعة الأولى أشخاصًا أقوياء وتملكهم الإحباط، وحين بُرّد تهورهم، فإن أولئك المزعجين الذين افتقروا إلى القدرة على الاستماع للنقاش قد فُقدوا تمامًا.
في تلك الحالة، ولانتزاع النصر في المعركة التي خاضوها، لم يكن أمام المجموعة من خيار سوى الانضمام إلى صفوف الطرف الآخر للحصول على فرصة أفضل للنجاح، والأداء بشكل محموم من أجل تلقي حصة من الفتات.
تود: [بدلًا من قوات الطليعة التي كانت تعج بالحمقى، هل المجموعة الثانية هي المنافس الحقيقي؟]
حتى عندما تعلق الأمر باتخاذ أراكيا كخصم في المعركة، فمن المرجح أن المنافس الحقيقي كان قد أعد تدابير مضادة.
كان من الصعب تخيل هزيمة أراكيا، لكن تود لم يظن أن خصمًا قادرًا على الحساب إلى هذا الحد سيأتي دون خطط في متناول يده لشن هجوم على العاصمة الإمبراطورية.
كانت هناك نوع من الاستعدادات ليس لأراكيا فحسب، بل ولحراس المعاقل الأخرى أيضًا.
بالإضافة إلى ذلك، وبخلاف أولئك الذين يحرسون المعاقل، بدأ جنود الجيش النظامي، الذين كان يُفترض أن يقتصر دورهم على اصطياد الناجين، في استغراق الوقت إزاء تحركات المتمردين، حتى وإن لم تكن المعركة عصيبة.
بدا الأمر مزعجًا، كما لو أن عيونًا وآذانًا قادرة على بلوغ مسافات شاسعة، وحتى أطرافًا ماهرة، كانت تتبع دماغ عدو شيطاني.
سيكون من الأفضل ترك الأعداء الأقوياء لأراكيا وللحراس.
ومع ذلك، اعتقد تود أن العدو المزعج حقًا في هذا الصراع كان شيئًا آخر.
ولذلك――،
تود: [――يتحتم عليّ التعامل مع الرجل الذي لا يضمر خيرًا.]
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※