الفصل 458 - التسابق عبر ساحة المعركة
الفصل الحادي والتسعون
«التسابق عبر ساحة المعركة»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
خلعت رداءها ومططت ذراعيها وساقيها اللتين طالما حرصت على إبقائهما في هيئة أنثوية مهذبة.
؟؟؟: [――――]
ركلت الأرض بقوة وأطلقت جسدها المرن ليندفع إلى الأمام. كان شعور خصلاتها الذهبية الباسلة وهي تشق الرياح ممتعًا، بينما أخذت تحذر نفسها في قرارة عقلها وهي تعدو عبر العشب.
كانت هذه ساحة معركة، المكان الذي تتصادم فيه أرواح كثيرة، والمحطة الأخيرة لأرواح أخرى ستتناثر هباءً.
وعلى الرغم من إدراكها التام لذلك، إلا أن رائحة الدماء التي تسللت إلى أنفها، والهالات القتالية العديدة التي بلغتها عبر الهواء، هددت بإثارة حماسة فريديريكا التي تحولت إلى وحش.
فريديريكا: [هذا أمرٌ مقيت…]
ودون أن تصرف انتباهها عن نشوتها، تمتمت فريديريكا بعاطفة مجردة من غرائزها.
لحسن الحظ أو لسوئه، لم تكابد فريديريكا أي كوارث تذكر على الرغم من انتمائها للمعسكر ووقوفها على حافة الدوامة العاتية.
فمن المؤكد أنه لم تمر بها كارثة تضاهي حادثة احتراق قصر روزوال القديم، حيث التقت بغارفيل لأول مرة منذ ما يربو على عقد من الزمان، إبان القتال ضد ميلي وشريكتها في ذلك الحين. فقد كانت تلك، وبالمعنى الحقيقي للكلمة، ساحة معركة يائسة بالكاد نجت منها بحياتها.
ولأنها عاشت تلك الأوقات الهادئة نسبيًا، فقد أدركت حقيقة الأمر، شاءت أم أبت.
حقيقة أن الدماء التي تجري في عروقها، ذلك المزيج بين الطبيعة البشرية والوحشية، كانت متحيزة. وبدون قدر كافٍ من الوعي والإدراك، سيكون من السهل عليها أن تفقد بصيرتها عما هو مهم بالنسبة لها.
ما كان يؤرق فريديريكا حقًا هو ذلك النوع من القدر المرتبط بجسدها كنصف وحش.
ذلك النداء الغريزي الذي استطاع شقيقها غارفيل التحكم به ببراعة عالية ودون وعي منه. في حين كانت فريديريكا مستاءة بشدة من عجزها عن السيطرة عليه.
فمصدر الدماء التي شكلت كيانها بدا دنيئًا وعديم الرحمة إلى حد مريع――.
فريديريكا: [――لا أملك رفاهية الوقت لأشفق على نفسي. في حين يبذل غارف وإميليا-ساما، وكذلك بيترا وأوتو-ساما، قصارى جهدهم.]
بعد أن أنهت حوارها الداخلي، حدقت فريديريكا إلى الأمام بينما أطلقت العنان لأطرافها المتوحشة.
كان كلٌ من النشوة التي عصفت بها والقلق حيال المستقبل الغامض، مجرد مشاعر سلبية نابعة من مكانة فريديريكا غير المستقرة داخل معسكرها.
――بطبيعة الحال، كانت إميليا هي من تمثل فريديريكا ورفاقها.
وعلى الرغم من أن لكل فرد في المجموعة آراءه الخاصة بشأن استراتيجيتهم، إلا أن إميليا هي من تتخذ القرار النهائي في المطاف الأخير. علاوة على ذلك، كانت إميليا نفسها مستخدمة فنون روحية قوية ويمكن الاعتماد عليها في ساحة القتال.
كان غارفيل يتمتع بكفاءة تامة كضابط عسكري، بينما تولى أوتو رسم المسار بحكمته البالغة، حتى في ظل تواجدهم في بلد مجاور دخل للتو حالة حرب. ورغم أن غياب سوبارو قد أثقل كاهل كل من غارفيل وأوتو بعض الشيء، إلا أن الأول أخذ يبحث عن فرص للتنفيس عن غضبه في ساحة المعركة، في حين تكفلت بيترا بالتعامل مع الأخير ببراعة.
فريديريكا: [إذا أصبحت يُعتمد عليها أكثر من اللازم، فسأشعر بالوحشة حقًا.]
رغم تمتمتها العابسة، كانت فريديريكا فخورة بتطور الفتاة التي أحبتها كأخت صغرى. وحقيقة أن ذلك التطور كان مصحوبًا بشعور بالوحدة، لم يكن سوى انعكاس لرقّة قلبها.
كان أوتو، بفضل استخدامه للحماية السامية لروح اللغة وإصغائه لكل كائن حي في محيط ساحة المعركة، هو من حصد القدر الأكبر من المعلومات في خضم هذه الاضطرابات العاتية على الأرجح.
أما بيترا الواقفة إلى جانبه، فكانت تطبق سحر اليانغ الذي تعلمته حديثًا――والذي من شأنه تحسين الوظائف الجسدية والعقلية――على نفسها وعلى أوتو، لتخفف بذلك من التداعيات الناجمة عن إفراطه في استخدام حمايته السامية، وتعاونه في الوقت ذاته على تمحيص المعلومات التي جمعها.
تلك الفتاة، بيترا، التي تتلمذت كخادمة جديدة تحت إشراف فريديريكا طوال العام المنصرم، قد تطورت بشكل مذهل بفضل جهودها الدؤوبة، ناهيك عن قوة ذاكرتها وبراعتها في إنجاز المهام.
من حيث معدل التطور، لربما كانت هي الأفضل على مستوى المعسكر، متفوقة في ذلك حتى على إميليا وسوبارو.
ورغم صغر سنها ومنعها من وطء ساحة المعركة لعدم نضجها، إلا أنها لم تستسلم للعجز، بل سعت لإيجاد دور لنفسها؛ حيث وقفت تساند أوتو الذي كان يواجه المخاطر، لتؤدي بذلك دورها الفريد على أكمل وجه.
كانت فخورة بها حقًا. لكنها في الوقت ذاته، أخذت تتأمل حال نفسها.
فهي عاجزة عن القتال بضراوة إميليا وغارفيل، وتفتقر في الوقت عينه للذكاء والقدرة على تقديم المساعدة كأوتو وبيترا.
فما عساها أن تفعل، وهي التي يقتصر دورها على العدو عبر ساحة المعركة بهيئة وحش يكبت غرائزه المتأججة.
فريديريكا: [――――]
استغل حمايتك السامية إلى أقصى حد وسيطر على مجريات هذه المعركة.
ذلك ما عقد أوتو العزم على فعله، وما آمنت فريديريكا بأنه يتحقق على أرض الواقع. فبفضل جهود أوتو، الذي استند إلى دعم بيترا ونحى جانباً أي تفكير في العواقب المستقبلية، أخذت المعلومات الاستخباراتية تتدفق إلى مقر قيادة آبل تباعاً.
اتسع نطاق التكتيكات المتاحة بمجرد أن تمكن آبل من استيعاب الأحداث الجارية وسير الأمور، وتقدمت معركة جيش المتمردين. ――بالتأكيد، في صالحه.
بالطبع، لم تبلغ تعليمات آبل مسامع كافة قوات جيش المتمردين.
فالمتمردون الآخرون، الذين انخرطوا في القتال دون انتظار وصول مجموعته التي ضمت إميليا ورفاقها من المدينة الممعقلة، لم يبدوا أي علامات تدل على التنسيق أو التعاون المتبادل.
ومع ذلك، ارتأى كل من أوتو وآبل أن هذا الوضع المحبط لن يدوم إلى الأبد، وقد بدأت بوادر ذلك تلوح في الأفق بالفعل.
فبعد أن جرفهم زخم التمرد، اصطدم المتمردون الذين شنوا هجوماً مباغتاً على العاصمة الإمبراطورية بنخبة مختارة بعناية من قِبل الإمبراطور الذي يحكم الإمبراطورية، ألا وهم «الوحوش».
ولا شك أن المتمردين قد تلقوا ضربة قاصمة في مواجهة تلك القوة، مما بث في نفوسهم الصدمة والرعب.
وكان الأمل معقوداً على أنه متى ما تمكنوا من إخراجهم من تلك الحالة التي تعمي أبصارهم عن رؤية أي شيء سوى العدو الماثل أمامهم والمجد الذي ينتظرهم، فإنهم سيبدؤون في الإصغاء لما يملى عليهم.
وخلال هذا الوقت العصيب ريثما يتحقق ذلك، لم يكن بوسع فريديريكا سوى――،
فريديريكا: [――وجدتكِ! تاريتا-ساما!]
تاريتا: [――هـڪ!؟ ماذا!؟]
وفي اللحظة التالية، اندفعت فريديريكا مسرعة نحو الشخص الذي كانت تنشده في خضم ساحة المعركة سريعة التقلب.
استدارت تاريتا واتسعت عيناها ذهولاً إزاء مشهد الوحش ذي الأرجل الأربع الذي يركض بضراوة راكلاً العشب خلفه. ومع ذلك، سرعان ما تبدد اضطرابها حين رفعت قوسها بنظرة باردة تبعث على الرعب، وصوبت نصل سهمها المشدود على الوتر نحو فريديريكا بلا أدنى تردد و――،
؟؟؟: [تمهلي يا تاريتا. إنها حليفة.]
كانت ميزيلدا هي من أنقذت فريديريكا من التعرض لإصابة قاتلة، بعد أن أمسكت بقوس شقيقتها وخفضته من الأعلى. وإذ رأت عيني تاريتا تتسعان دهشة من كلمات شقيقتها، هبطت فريديريكا على قدميها واعتذرت بصوت جهور: «أنا في غاية الأسف!»
فريديريكا: [أرجو المعذرة على هيئتي هذه. أنا فريديريكا.]
ميزيلدا: [فهمت الأمر، إنها أنتِ إذن، هاه. ――هذا تحول وحشي فاتن. لو لم أعلم أنها أنتِ، لراودتني الرغبة في سلخك وعرض فرائك في القرية.]
فريديريكا: [أ-أفترض أن عليّ أخذ ذلك على محمل الإطراء، أليس كذلك؟ أحم، لدي أمر أود إخباركما به. ――هذه رسالة من قائد المعسكر الرئيسي، آبل-ساما.]
في مواجهة ميزيلدا التي عقدت ذراعيها، دخلت فريديريكا في صلب الموضوع مباشرة متجاهلة شعورها بالارتباك جراء إطرائها المخيف.
اتخذت فريديريكا هيئة الوحش وركضت عبر نيران الجحيم المنهمرة على ساحة المعركة لتلعب دور المرسال. لقد أتت لتنقل المعلومات التي محصها آبل، بعد أن تولى أوتو جمعها بمساندة بيترا.
ميزيلدا: [من آبل… وماذا قال؟]
بدافع الحذر من الأعداء الذين يحرسون القلعة النجمية ومعاقلها الخمسة، وتوجساً من الدخول في اشتباك فوضوي مع المتمردين الذين سبقوها إلى الميدان، مالت تاريتا المتأهبة للهجوم إلى الأمام.
وعلى الرغم من التهديد الذي تشكله القوة القتالية لـ «شعب الشودراك»، إلا أن بأسهم الحقيقي يكمن في قدرتهم على القتال في مجموعات، ولا تتجلى فاعليتهم القصوى إلا حينما يهيئون أنفسهم لوضع يمكن وصفه بـ «الصيد».
فلم يكن بوسعهم استغلال قوتهم على الوجه الأمثل في أرض قتال مكشوفة.
فلو تسنى لهؤلاء الفتيات تسلق الأسوار، لتداعت دفاعات العاصمة الإمبراطورية في لمح البصر. ولهذا السبب تحديداً، كان اختيار السور المراد مهاجمته يحظى بأهمية بالغة.
ولهذا――،
فريديريكا: [――في مقر القيادة، خلصوا إلى أن المعقل الثالث هو الأجدر بالاختراق أكثر من سواه.]
ميزيلدا: [الثالث… هناك؟]
إثر تلقيها للرسالة الممررة، وجهت ميزيلدا أنظارها صوب السور المعني.
على مقربة منها، كانت مجموعة من المتمردين قد أخذت زمام المبادرة لاقتحام الأسوار، محاولين تجاوز السور المنيع الذي يطوق العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، فرداً تلو الآخر. غير أن الانفجارات العنيفة والصرخات المدوية التي شقت عباب ذلك الحماس سخرت من محاولات الاقتحام المتهورة تلك، مبينة لهم مدى قسوة المصير الذي ينتظرهم.
لم يساورهم أدنى شك في تمركز كيانات جبارة تتولى حراسة العاصمة الإمبراطورية في المعاقل الخمسة بأسرها. ومع ذلك، فإن السبب وراء اعتبار المعقل الثالث نقطة اختراق مثالية كان――،
ميزيلدا: [――. يبدو أن غولم حجرية تتحرك في الأرجاء هناك.]
تاريتا: [هل هو الرجل الفولاذي؟ بيد أنه لا ينبغي أن يتواجد سوى واحد من الجنرالات التسعة الساميين.]
فريديريكا: [――――]
أُسقط في يد فريديريكا وعقدت الدهشة لسانها إزاء الأختين اللتين تجاذبتا أطراف الحديث بكل أريحية بينما كانتا تحدقان في السور البعيد.
وبصفتها نصف وحش، كانت فريديريكا تتمتع في هيئتها الوحشية الحالية ببصر يفوق المعتاد حدة. ورغم ذلك، لم تقع عيناها على أي شيء سوى سحابة الغبار المخيمة على السور الذي كانت الأختان تحدقان نحوه.
وعلى الرغم من إدراكها لكونهم قبيلة تعتمد في بقائها على الصيد، إلا أنها شعرت بالاشمئزاز مجدداً من افتقارها للقدرة الكافية.
ميزيلدا: [فريديريكا، ماذا قال آبل والآخرون بخصوص الدمى؟]
فريديريكا: [――آه، أجل، حسناً، لقد ذكر آبل-ساما أنهم يمثلون قوات موغورو هاغاني، أحد الجنرالات التسعة الساميين.]
تاريتا: [الجنرالات التسعة الساميون…]
وما إن تناهت إلى مسامعها تلك الكلمات حتى تصلبت وجنتا تاريتا وهي تحدق في الأفق البعيد.
أدركت فريديريكا بمرارة السبب الكامن وراء مسحة القلق الخفيفة التي شابت تمتماتها.
فبطبيعة الحال، طالما أن تاريتا ستخوض غمار المعركة الحاسمة في العاصمة الإمبراطورية، فلا بد أنها أخذت بالحسبان احتمالية الاصطدام بأحد أعضاء الجنرالات التسعة الساميين. غير أنه، وحتى مع وضع هذا الاحتمال في الاعتبار، ظل هناك قلق مبرح يعصى على التبديد.
على غرار الخوف من قديس السيف، والذي يظل قابعاً في النفوس حتى وإن أيقن المرء يقيناً تاماً بعدم تواجده في الجوار.
ميزيلدا: [تاريتا، لا تقلقي.]
تاريتا: [أختي…]
ومع ذلك، ضحكت ميزيلدا بخفة إزاء هيئة شقيقتها المتوترة. وربتت على كتف شقيقتها بحزم، بينما لمعت عيناها القويتان ببريق متوهج.
ميزيلدا: [حتى لو كان الخصم جنرالاً سامياً، فلن نسمح بأن يتم التفوق علينا مجدداً أبداً. إن كان ذلك الجنرال السامي عينه، فسأثأر لنفسي، وإن كان غيره، فسيستشيط غضبي. ألديك أية أسئلة، هاه؟]
وبموازاة سؤالها لتاريتا مع هزة لامبالية من كتفيها، استعرضت ميزيلدا ساقها اليمنى――والتي بُترت من أسفل الركبة ليحل محلها طرف خشبي.
لم تدرك فريديريكا ما إن كانت هذه الكلمات نابعة من جنون مطبق، أم أنها كانت تهدف محضاً لتشجيع شقيقتها――،
تاريتا: [――كلا، لا توجد أسئلة.]
رمشت تاريتا مرة، ثم مرتين، وأومأت برأسها، وفي اللحظة التالية، وبسرعة خاطفة تعمي الأبصار، سحبت سهماً وثبته على الوتر، لتطلقه مباشرة فوق رؤوسهن.
وفي أعقاب ذلك مباشرة، رفعت فريديريكا بصرها إثر سماع صرخات ألم تشق عنان السماء، لترى تنينًا طائرًا يهوي متخبطاً ليسقط على الأرض على مقربة من موقعهن.
كان السهم الذي أصاب التنين الطائر أسفل ذقنه قد اخترق جمجمته بالكامل وصولاً لأعلى رأسه، ليرديه قتيلاً على الفور. وبينما وقفت فريديريكا مشدوهة من مهارة تاريتا الفائقة في الرماية، أطلقت تاريتا زفيراً وقالت،
تاريتا: [متى ما حانت اللحظة المناسبة، فسنتكفل باختراق السور بأنفسنا. إن تسنى لنا تجاوز الأسوار، فالنصر حليفنا.]
ميزيلدا: [هڪذا إذن، كما هو متوقع من زعيمة الشودراك بحق. ――فريديريكا، ماذا عنكِ؟]
ميزيلدا التفتت نحو تاريتا، وأومأت برأسها بارتياح وهي تطالع النظرة الحازمة المرتسمة على وجهها. أما فريديريكا، التي كادت تغرق تحت وطأة ضغط الأختين، فاستعادت رشدها على وقع تلك الكلمات.
فريديريكا: [سأنقل هذه الرسالة إلى البقية. متى ما اجتمع كل من يبتغي الإصغاء إليّ في مكان واحد.]
ميزيلدا: [ثقب واحد يكفي لتصدع السد.]
فريديريكا: [أجل. ――ثقب واحد لإطلاق هبوب ريح جديدة.]
كان ذلك مسار العمل الذي يتحتم على معسكر إميليا وفريديريكا انتهاجه.
ولأنها كانت تدرك تمام الإدراك مدى هشاشة وضعها واستمرار تارجحه على حافة الهاوية داخل المعسكر، فقد عقدت العزم على بذل قصارى جهدها ضمن الحدود الضيقة للدور الموكل إليها.
فريديريكا: [تاريتا-ساما، ميزيلدا-ساما، أرجو لكما التوفيق في المعركة. إياكما وإلقاء حياتكما تهلكةً.]
تاريتا: [حاضر، فريديريكا، احذري أنتِ الأخرى.]
ميزيلدا: [إن قدر لكِ الهلاك، فسنتوارث نحن الشودراك جلدك أجيالاً بعد أجيال.]
فريديريكا: [يا للأسف، لا نية لي بمنحه إياكم قط!]
متحررة من قسط يسير من التوتر، انطلقت فريديريكا تاركة خلفها كلمات توديع الأختين.
وكأنها عاصفة هوجاء، ركلت العشب بقدميها ومضت في المقدمة لتنقل تعليمات آبل؛ فلا يمكن للتعاون المشترك بين بيترا وأوتو أن يذهب سدى.
وهذا بدوره سيعود بالنفع على غارفيل وإميليا في خضم معراكهما، فضلاً عن سوبارو وريم، اللذين لربما كانا قابعين في قلب العاصمة الإمبراطورية.
فريديريكا: [لكن في الوقت الراهن، ليس عليّ سوى مواصلة العدو.]
△▼△▼△▼△
مخلفةً وراءها أثراً خفيفاً من العشب المائل والظلال المتلاشية، توارت فريديريكا بهيئتها الوحشية عن الأنظار.
لقد كانت فهداً ذهبياً، وحشاً رباعي الأرجل لا صلة له بملامحها الأصلية الطويلة والفرعاء، ورغم ذلك بدت في غاية الرقة والجمال لدرجة تجعل حتى أكثر الصيادين خبرةً يقف منبهراً بفتنتها.
ووفقاً للمعلومات التي وافتهم بها فريديريكا، كانت كل من تاريتا وميزيلدا على أهبة الاستعداد لتعبئة مقاتلات الشودراك لخوض غمار التحدي عند المعقل الثالث.
وما إن استقر رأيهما على ذلك حتى――،
؟؟؟: [――تباً، لا يسعني الإجهاز عليهم! ثمة كثرة كاثرة تعترض طريقي!]
وسط نبرة خشنة، هوى من كبد السماء رجل يعتمر رقعة على إحدى عينيه ويمسك بسيفين متوأمين.
وبمهارة فائقة في التعامل مع نصليه الطويلين، أخذ الرجل يقطع أجنحة تنين طائر، قبل أن يثب بخفة نحو تنين آخر هوى في اللحظة ذاتها، قاطعاً رأسه وهو يهم بافتراسه.
بضربة سيف خاطفة وباهرة، استدار الفاعل ليتبين أنه――،
ميزيلدا: [أنت يا جمال، أظن ذلك؟ طلتك هذه لا تقر عين الناظر إليها.]
جمال: [لا أدري عما تتشدقين به! لقد سئمت هذا الهراء بأسره! إن لم نقتحم العاصمة الإمبراطورية بأية طريقة، فلن أعرف أبداً إن كانت كاتيا في مأمن أم لا… تود، أيها الوغد، أرجو أن تكون متكفلاً بحمايتها.]
وبينما كان يتأوه متذمراً ويطلق الشتائم، صرخ جمال وهو يمرر أصابعه بعنف عبر شعره البني الداكن المجعد.
وبصفته جندياً إمبراطورياً أُسر في مدينة القلعة، فقد وجد نفسه في وضع استثنائي أتاح له توحيد صفوفه مع آبل عقب إدراك هويته الحقيقية، بيد أنه ظل رغم ذلك رجلاً ذا بأس شديد――ولسوء الحظ، كانت تعابير وجهه تفضح طباعه الفظة، مما جعلها لا تحظى باستحسان ميزيلدا التي تعير المظهر قدراً كبيراً من الاهتمام.
وعلى أي حال، لم تستطع تاريتا أن تغمض عينيها عن مدى السخط الذي يعتصره لترك عائلته خلفه داخل العاصمة الإمبراطورية.
وعلى أية حال――،
ميزيلدا: [بغض النظر عنا، فالمرجح أن بقية المتمردين سيعمدون إلى اقتناص أي فرصة تسنح لهم.]
جمال: [أدرك ذلك تمام الإدراك! ولهذا السبب تحديداً، أنا عازم على وضع وزر هذه المهزلة السخيفة أوزارها عبر حز رأس هذا الإمبراطور المزيّف في أقرب وقت ممكن.]
ميزيلدا: [طالما أن جذوة الحماس توقدت في صدرك هڪذا، فلدى ما يسرُّك. نحن على وشك التوجه نحو المعقل الثالث. وهناك أنباء مؤكدة تفيد بأن الفرصة مواتية أمامنا لتوجيه ضربة قاصمة هناك.]
وما إن طفق جمال يضرب بقدميه حنقاً، حتى كشفت له ميزيلدا فحوى رسالة فريديريكا السابقة. وإثر سماعه لتلك الأنباء، عقد جمال حاجبيه في حيرة مستنكراً: [هاه؟]
جمال: [فرصة؟ ومن ذا الذي وافاكِ بهذه المعلومة…]
ميزيلدا: [يبدو أنه آبل.]
جمال: [أطلعينا على التفصيل فوراً! هيا! يا رفاق، استعدوا! وجهتنا المعقل الثالث!]
لم يتوانَ جمال عن تبديل بوصلته سارعاً، وطفق يوجه نداءاته الحازمة لبقية الجنود كي يحشدوا صفوفهم――أولئك الذين تقاسمتهم الظروف ذاتها وانضموا إليهم في المدينة الممعقلة.
كان صوته هادراً، وعزيمته راسخة جلية، فضلاً عن امتلاكه لقوة جسدية حقيقية. ولربما توفرت فيه حقاً مقومات القائد العسكري أو «الجنرال».
وإذ رأت تاريتا قفا جمال، هرعت ل للحاق به.
تاريتا: [أختي، يتحتم علينا استدعاء كونا وهولي للاستعداد كذلك… آه؟]
وما إن أطلقت نداءها، حتى حبست تاريتا أنفاسها على حين غرة.
واتسعت حدقتا عينيها وهي تمد كفها نحو جسم ضئيل يرفرف ويهوي أمام ناظريها. وما إن بسطت تاريتا راحتها برفق، حتى تلاشى طيف أبيض اللون من بين فجوات أصابعها في أقل من ثانية.
لقد كان وميضاً أبيض يرقص ببطء وجنون في كبد سماء ساحة المعركة الملتهبة――كلا، بل كانت حبة جليد باردة، أو بالأحرى، ندفة ثلج.
تاريتا: [لمَ يحدث هذا يا ترى؟]
ميزيلدا: [――. حقاً، يبدو أنكِ لم تلحظيها من قبل يا تاريتا.]
تاريتا: [أختي؟]
وإلى جوار تاريتا التي تجمدت في مكانها ذهولاً برؤيتها للثلج للمرة الأولى في حياتها، أومأت ميزيلدا برأسها بهدوء.
ولسبب ما، بخلاف تاريتا، بدت ميزيلدا على دراية تامة بما تراه؛ بل إنها تعرفت عليه فوراً.
ميزيلدا: [إنها إميلي.]
تاريتا: [إميلي…]
لقد كان الاسم الذي تفوهت به ميزيلدا عائداً لتلك الفتاة ذات الشعر الفضي المنتمية لذات المعسكر الذي تضمه فريديريكا.
فلم تنسَ تاريتا بعد ذلك الموقف حين كشفت عن هويتها كفتاة نصف إلف، وها هي اليوم تتسبب في هطول هذه الثلوج. فأي غاية ترمي من ورائها يا ترى؟
ولربما لكونها اختبرت شيئاً يجاوز حدود مخيلتها، سرت في جسد تاريتا قشعريرة خفيفة فبادرت إلى معانقة كتفيها برفق.
ميزيلدا: [يبدو أن العالم الخارجي فسيح بحق، أليس كذلك. فزعيمة الشودراك وزعيمتها السابقة تتقاطران علينا بلا انقطاع، بينما نُترك نحن في قاع القائمة. وهذه الثلوج لا تختلف عنهن في شيء. فضلاً عن ذلك…]
وميزيلدا التي كانت شاخصة ببصرها نحو السماء المتساقطة ثلوجها، حولت أنظارها صوب الاتجاه المعاكس. حيث ركزت على بقعة العشب التي وطأتها قدم فريديريكا آنفاً، والمسار الذي توارت فيه.
وتناهى إلى ذهنها جسامة تلك المهمة المضنية المتمثلة في نقل أحدث المستביات والرسائل الصادرة عن آبل بلا هوادة عبر هذه البقعة المترامية الأطراف ودون التقاط الأنفاس――،
ميزيلدا: [――وحش وضيع الجمال يتكفل ببقائنا أحياء. وأينما أممناها، فهي متعة الصياد الحق.]
وبهذا، أسهبت في الثناء على ذلك الشخص الآخر، الذي طالما بخس قدر نفسه أكثر مما ينبغي.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※