الفصل 456 - كافما إيرولوكس
الفصل التاسع والثمانون
«كافما إيرولوكس»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
――حتى في أرض الإمبراطورية، التي آوت تنوعًا هائلًا من أنصاف البشر، كان ثمة من يُنظر إليهم كهراطقة. [1]
وقد كانت «قبيلة قفص الحشرات» تجسيدًا لذلك تمامًا، فحتى في إمبراطورية امتزجت فيها شتى أعراق أنصاف البشر، ظلت الحقيقة القاطعة أنهم لم يسلموا من النظرة الدونية التي تصمهم بالغرابة والشذوذ عن المألوف.
من حيث المظهر، لم تختلف قبيلة قفص الحشرات كثيرًا عن العرق البشري.
فمعظمهم تميزوا ببشرة سمراء واعتادوا رسم الأوشام على أجسادهم، بيد أنهم افتقروا لأي سمات جسدية بارزة كتلك التي تميز «قبيلة السايكلوب» و«قبيلة العين الشريرة» بعيونهم الفريدة، أو «قبيلة متعددي الأذرع» و«قبيلة طويلي الأرجل» بأطرافهم المميزة، أو بالأخص «قبيلة الوحوش» و«قبيلة أنصاف الوحوش» الذين كانت سماتهم أسطع من أن تُخفى.
ورغم ذلك، كان ثمة سبب جوهري جعل الأعراق الأخرى ترمق قبيلة قفص الحشرات بنظرات الاستهجان: ألا وهو أسلوب حياتهم.
لقد عُزي ذلك إلى نهج حياتهم القائم على التعايش مع «الحشرات» داخل أجسادهم، وهي سمة اختصت بها قبيلة قفص الحشرات دون غيرها.
وكما أُسلف الذكر، وبمقارنتهم بأنصاف البشر الآخرين، فإن الفروق الشكلية بين قبيلة قفص الحشرات والبشر تكاد تكون معدومة. فلو لم تكن تلك «الحشرات» تسكن أجسادهم، لكان بوسعهم العيش والانخراط كجزء لا يتجزأ من العرق البشري.
ولكن الأمر لم يكن كذلك على الإطلاق. فقد آوت القبيلة «حشرات» في أجسادها وورثت خصائصها.
كان الأمر، إن جاز التعبير، بمثابة اكتساب لخصائص أنصاف البشر بعد الولادة، وممارسةً لفن محظور يُحوّر الجسد الذي فُطر عليه المرء――وكان هذا هو السبب الرئيسي وراء نبذهم من قِبل سائر أنصاف البشر.
وهذا ما ميزهم عن شعب الأسلحة، الذين وُلدوا بجزء معدني في أجسادهم يمكنهم إعادة صياغته إلى سلاح من اختيارهم كلما تقدموا في العمر، وعن شعب التوهج، الذين يُعتقد أنهم يمتصون أرواح ضحاياهم لتزيد من بريق بلورة البيروكسين النابتة على جباههم.
كانت طريقة عيش قبيلة قفص الحشرات، الذين اعتزلوا الاختلاط بالآخرين ولم يبرحوا موطنهم قط، محاطة بهالة من الغموض.
ولأن المعلومات المغلوطة غالبًا ما تنتشر متأبطةً التحيز، فإن بعض الشائعات كانت لتثير سخرية قبيلة قفص الحشرات لو قُدر لهم سماعها.
غير أن فرص تصحيح تلك الشائعات كانت نادرة، كما انعدمت أي فرصة حقيقية لتبديد سوء الفهم هذا.
وتمحورت المفاهيم الخاطئة الأكثر شيوعًا حول التوقيت الذي تُدخل فيه الحشرات إلى الجسد، بالإضافة إلى طبيعة الرابط بين أسلوب حياة الحشرات وقبيلة قفص الحشرات――وبعبارة أخرى، كان الأمر يتعلق بتاريخ قبيلة قفص الحشرات بأكمله.
ففي المقام الأول، كان زرع «الحشرات» داخل الجسد أمرًا محفوفًا بمخاطر جمة.
ففي المنطقة الجنوبية من الإمبراطورية الفولاكية، وفي أعماق القرية التي استوطنتها قبيلة قفص الحشرات، قبع كهف مأهول بـ«الحشرات». وقد عُرف ذلك الكهف باسم «الهاوية» لكثرة ما يقطنه من مخلوقات مشوهة وما يعبق فيه من هواء سام. وكانت «الحشرات» القابعة في ذلك الكهف تتسم بمظهر غريب، وتختلف جوهريًا عن الحشرات كما يعرفها الناس عادةً.
أما هوية من ابتكر فكرة دمج هذه المخلوقات الغامضة في الأجساد، فقد ظلت طي الكتمان.
غير أن الإجماع كان يشير إلى أنها على الأرجح طريقة استثنائية ابتكرها مستخدمو فنون اللعنات، والشينوبي، وغيرهم من المنحرفين عن المألوف بمبادئهم الشاذة، بُغية حيازة قوة يستحيل بلوغها بالطرق التقليدية.
وعلى أي حال، وبالنظر إلى أصل تواجدهم، فلم يكن ظهور قبيلة قفص الحشرات سوى نتاج عرضي.
فقد كان أسلاف قبيلة قفص الحشرات هم من آثروا التعايش مع قوى الطبيعة عبر زرع تلك «الحشرات» الغامضة في أجسادهم، وقد توارثوا هذا الجنون جيلًا بعد جيل حتى يومنا هذا.
وبالعودة إلى صلب الموضوع. ――لقد دأب أفراد قبيلة قفص الحشرات على الانتظار حتى بلوغهم سن الثانية عشرة لاستقبال «حشرتهم» الأولى.
وحتى بلوغهم ذلك العمر، كانوا يخضعون أجسادهم وعقولهم لتدريبات قاسية لتغدو أوعية ملائمة لـ«الحشرات»، بحيث يُعترف بهم كمضيفين صالحين لـ«الحشرات» أثناء الطقس الفعلي، وليتسنى ترتيب موعد الفقس على النحو الأنسب.
وبعد ذلك، لن تدين «الحشرة» المتعايشة بالولاء لمضيفها إلا إذا أحكم السيطرة التامة عليها، وحينها فقط يُسمح للمضيف بأن يلقب نفسه عضوًا متكاملًا في قبيلة قفص الحشرات.
لقد كان هذا الطقس محظورًا على من هم دون الثانية عشرة، لأن دمج «الحشرات» كان بمثابة مقامرة بحياة المرء.
فكل من أقدم على تحدي الطقس قبل أن يبلغ أهبة الاستعداد الجسدي والعقلي، كان يُلتهم حيًا من قِبل «الحشرات» المزروعة. ورغم أن الحد الأدنى لخوض الطقس هو اثنا عشر عامًا، إلا أنه طالما كان الوعاء غير مستعد، كان يُسمح بتمديد السن حتى الخامسة عشرة. وإذا لم يبلغ الوعاء استعداده بحلول ذلك الوقت، فإنه يُعد غير مؤهل ليصبح فردًا في قبيلة قفص الحشرات، ويُلقى به في «الهاوية» ليكون طعامًا لـ«الحشرات».
أما عن المعاناة التي ترافق طقس استقبال تلك «الحشرات» الأساسية، فكانت تفوق الوصف.
فكما تتعدد فصائل الدم بين العرق البشري، وتغدو محاولة تعويض نقص الدم عبر نقل فصيلة مغايرة مجازفة تهدد حياة المرء؛ فإن المعاناة في طقس «الحشرات» كانت على الشاكلة ذاتها.
إنه الإحساس بأن كل قطرة دم تسري في عروق المرء قد تحولت إلى سم زعاف، يعيث فسادًا في أعضائه ويصلي دماغه بنار حارقة.
حيث تنمو «الحشرة» لتتخذ طور الشرنقة وتشرع في اختبار مضيفها لترى ما إذا كان جديرًا بأن يكون وعاءً لها، فتظل لثلاثة أيام وثلاث ليالٍ تقرر خلالها إما اتخاذه وعاءً، أو إذابته والتهامه.
وعندما تفقس الشرنقة في نهاية المطاف، فإذا ظل الشكل البشري متماسكًا وسليمًا، يكون الطقس قد كُتب له النجاح وأصبحت «الحشرة» كائنًا متعايشًا.
ويطرأ التغير الجسدي الأول على أفراد قبيلة قفص الحشرات بمجرد إدخال «الحشرة» إلى الجسد وفقسها من شرنقتها.
فمنهم من يكتسب قرون استشعار وأجنحة، ومنهم من تتطور لديه عيون مركبة، بينما تنبت لآخرين أذرع وأرجل متعددة، ويكتسي غيرهم بدروع صلبة تغطي أصابعهم وأجسادهم.
وحقيقة أن هذه الخصائص جاءت متطابقة مع سمات الحشرات الحقيقية كانت هي المبرر وراء تسمية قبيلة قفص الحشرات بهذا الاسم، على الرغم من أن «الحشرات» التي استقبلوها في أجسادهم لم تكن في الواقع حشرات على الإطلاق.
وبالطبع، فرغم اختلاف شكلها، إلا أن جوهرها ظل ثابتًا لا يتغير.
بيد أنه كان من الصحيح أيضًا أن هناك من نظر إلى قبيلة قفص الحشرات كأشخاص غير طبيعيين يؤدون طقوسًا ليحوروا أنفسهم ويغدوا أوعية لـ«الحشرات».
كان ذلك هو التحيز البغيض الذي كان في انتظارهم في نهاية معاناتهم، ورغم ذلك، ظلت طريقة قبيلة قفص الحشرات راسخة لم تتغير.
ومن أجل أن يحظى المرء بالاعتراف كعضو في قبيلة قفص الحشرات، كان لزامًا عليه استيعاب «حشرة» واحدة. ولكن، كلما زاد عدد «الحشرات» التي يستوعبها المرء، تعاظمت قوته وبأسه كمحارب.
ولهذا السبب، كان خيرة محاربي قبيلة قفص الحشرات قد استوعبوا ثلاث «حشرات» على أقل تقدير.
غير أنه، ومع زيادة عدد «الحشرات» المدمجة، يتفاقم خطر افتراسها لبعضها البعض داخل الجسد، مما يضع حياة المضيف على المحك. ولذلك، كان عدد «الحشرات» المتعايشة مقياسًا مباشرًا يعكس براعة المحارب وقيمته.
فقد كان زعيم قبيلة قفص الحشرات الحالي يُعد محاربًا فذًا بين المحاربين، ويحظى بتبجيل واحترام عظيمين كبطل لقبيلته بعد أن استوعب ثماني «حشرات» في جسده.
――بينما كان كافما إيرولوكس وحشًا ضاريًا استوعب اثنتين وثلاثين «حشرة».
إنها ولادة لوحش طغى بوجوده حتى على أمجاد الأبطال، وحش خالف قانون قبيلة قفص الحشرات منذ نعومة أظافره.
فما كان لطقس زرع «حشرة» أن يُقام قبل بلوغ المرء عيد ميلاده الثاني عشر خشية تعريض حياة الوعاء للخطر، إلا أن كافما كان قد استوعب «حشرته» الأولى عندما كان يبلغ من العمر بضعة أيام فحسب.
فبصفته الأخ الأكبر للزعيم، فقد والده صوابه إثر بقائه في منزلة أدنى من أخيه الأصغر اللامع، فصبّ جام جنونه ذلك على طفله الرضيع.
وما إن اكتسب كافما وعيًا بما يدور حوله، حتى أطلعه والده على حقيقة ظروفه.
لاحقًا، نُفذ حكم الإعدام بحق والده الحقيقي على يد أخيه الأصغر، الزعيم، لتبقى نواياه الحقيقية طي الكتمان. لكن قبل ذلك، كان والده قد أشاع خبر وفاة ابنه بعد ولادته بفترة وجيزة، فعزل كافما عن العالم، وأخذ يؤدي عليه طقس زرع «حشرة» جديدة في كل عام.
ومن سخرية القدر، أنه عندما اكتُشف أمر كافما وأُخرج من مخبئه لأول مرة في سن الثانية عشرة، وهو ذات العام الذي كان يُفترض فيه أن يخضع أقرانه لطقس زرع «الحشرات»، كان كافما قد أضحى بالفعل وحشًا يمتلك في جسده ثلاث عشرة «حشرة» متعايشة.
وحتى داخل قبيلة قفص الحشرات نفسها، تباينت الآراء بشدة حول كيفية التعامل مع كافما، ذلك الوجود الذي لم تتخيل القبيلة ظهوره قط.
ومع كون والده في عداد الموتى بالفعل بعد إعدامه لخرقه القانون وإنزاله تلك اللعنة بطفله، ظل السبب وراء قدرة كافما على دمج أكثر من دزينة من «الحشرات» لغزًا غامضًا تمامًا――وفي النهاية، أعلن عمه الزعيم تحمله لمسؤولية وجود كافما ومنحه حق الحياة.
لم يكن في الأمر زيف، ولطالما كان كافما إيرولوكس ممتنًا للزعيم.
فعمّه الذي يشاطره رابطة الدم، سواء أكان ذلك مدعاة للخير أم للشر، قد حافظ على مسافة معينة وحنكة واضحة في تعامله مع كافما، ولم يُوجه إليه أي لوم أو اعتذار مبالغ فيه بسبب أفعال والده.
إن موقف عمه، الذي لم يتسم بلطف مفرط ولا بقسوة متحجرة، أظهر إدراكًا واعيًا بضرورة عدم معاملة كافما بمعاملة استثنائية كعضو في قبيلة قفص الحشرات، وهو ما كان كافما ممتنًا له حقًا.
«ومهما كانت طبيعة المعاملة التي أتلقاها من عمي، فإن حقيقة الأمر تظل أنني أعتبر حالة شاذة بين أفراد القبيلة.»
ومع ذلك، فإن الجيل الذي لم يكن قد كابد بعد ألم زرع «الحشرات» آثر إبقاء كافما على مسافة منه، في حين أن أولئك الذين احتضنوا الحشرات بالفعل قد تملكهم الخوف من كافما نظرًا لذلك العدد الذي لا يُصدق مما استوعبه منها.
لقد نُظر إلى قبيلة قفص الحشرات كجماعة شاذة ومنبوذة من قِبل القبائل الأخرى، وبات كافما هو الشذوذ الأكبر بين أفرادها أنفسهم.
وبطبيعة الحال، لم يقترف كافما ذنبًا يبرر لومه أو اضطهاده.
كان بإمكان كافما أن يدير ظهره لتلك النظرات التي رمقه بها الآخرون، وأن يمضي في عيش حياته كغريب لا تربطه بهم صلة. ولكن، ورغم نشأته التي اختلفت جذريًا عن أقرانه، فقد امتازت شخصية كافما بنبل أخلاقها وفضيلتها.
«لم ترق لي تلك البيئة التي يتملك فيها أبناء جلدتي الخوف مني.»
فكي يغدو المرء عضوًا في قبيلة قفص الحشرات، كان لزامًا عليه زرع «حشرة» في جسده.
إلا أن كافما كان قد تجاوز تلك المرحلة قبل أن يعي ذاته حتى. ولذا، لم يدخر جهدًا في محاولة فهم أقرانه بشتى السبل الممكنة.
فبادر بالتفاعل النشط مع الآخرين، وتلقن فنون القتال ليغدو محاربًا على يد عمه الزعيم، وأثبت أنه لا يختلف عنهم بشيء من خلال مثابرته في التواصل مع جميع الأجيال.
ولكي يحظى بالاحترام كمحارب في قبيلة قفص الحشرات، أقدم على تحدي طقس زرع «حشرة» جديدة في جسده.
وقد واجهت خطوته تلك بعض المعارضة. فباعتباره حالة فريدة في تاريخ قبيلة قفص الحشرات، كونه قد استوعب بالفعل ثلاث عشرة «حشرة»، فقد عُقدت آمال عريضة على مقدار القوة التي سيبلغها بمجرد بلوغه ونموه الطبيعي.
تذرعوا بأن ما يفعله خطأ فادح لم يكن ليقع، وأنه سيلقى حتفه قبل أن تفقس الحشرة حتى.
أدرك كافما ما كان يجول في خواطر أولئك الشيوخ، بيد أنه لم يرَ في التراجع خيارًا صائبًا.
وقبل أن يُمنح الإذن، سلب كافما «الحشرة» ومضى في أداء الطقس بمفرده دون إشراف. ولاحقًا، أدرك كافما أنه قد ورث هذا النزق والتهور عن والده.
ولكن في هذه المرة، استوعب كافما بتهوره «حشرته» الرابعة عشرة، وبعد كابوس استمر لثلاثة أيام وثلاث ليالٍ من المعاناة وتقيؤ الدم، خرج ناجيًا.
وهڪذا، فقس كافما إيرولوكس أخيرًا ليغدو عضوًا متكاملًا في قبيلة قفص الحشرات.
إن كافما، وعلى الرغم من نشأته الشاذة، كان يمتلك روحًا نبيلة مكنته من كسب احترام استثنائي من أبناء قبيلته، ليتوج بذلك كأقوى محارب في تاريخ قبيلة قفص الحشرات.
ففي أروقة الإمبراطورية الفولاكية، لا يُكرم ولا يُمجد سوى الأقوياء.
وحاملًا على عاتقه آمال قبيلته وتطلعاتهم، انطلق كافما ليحفر اسمه كـ«جنرال» في فولاكيا، وليذيع صيت قوة قبيلة قفص الحشرات على الملأ.
وبطبيعة الحال، فإن هواة الثرثرة يتواجدون في كل بقاع الأرض. وفي بعض الأحيان، كان يتعرض لإساءات لاذعة ومضايقات من أولئك الذين انطلت عليهم الشائعات الزائفة عن قبيلة قفص الحشرات. إلا أن تلك لم تكن سوى تفاهات.
تفاهات لم يلقَ لها كافما بالًا بمجرد ولوجه إلى العالم الخارجي. أجل، لم تكن سوى تفاهات.
――لقد كان كافما إيرولوكس «وحشًا» تمخض عنه تاريخ قبيلة قفص الحشرات.
متسلحًا بروح فضيلة وإحساس عميق بالانتماء لرفاق وطنه، بادر بأخذ زمام المبادرة لمقارعة الأعداء والذود عن حياض قبيلته.
بيد أنه، ومهما كد وبذل من جهد، ظل أبناء قبيلته يرسمون خطًا فاصلًا بينهم وبينه. ولأنهم ذاقوا مرارة التعايش مع الحشرات، فقد عجزوا عن تقبل كافما كواحد منهم.
ولذلك، بالنسبة لكافما إيرولوكس، غدت مغادرة وطنه هي طموحه الأسمى.
ففي بقعة تخلو من أبناء قبيلته، قبيلة قفص الحشرات، فحسب، كان بوسع كافما أن يبصر ذلك النور الذي كان يطمح إليه.
فبحق، كان من المفترض أن يمر جميع أفراد قبيلة قفص الحشرات بطور الفقس أثناء نموهم، ليخرجوا من شرنقتهم، ويدركوا أنهم ليسوا سوى كيان واحد لا يتجزأ، حتى النهاية――
△▼△▼△▼△
غارفيل: [――آآآآآآآآآآه!!]
صرّ كافما بقوة على أضراسه إزاء النمر الذهبي الهائج والعاوي الذي وثب أمامه.
لقد حشد كافما كل ذرة من قوته للتصدي للعدو الذي ضخّم النصف العلويسسسس من جسده بانفجار القوة، مشرعًا مخالبه الحيوانية الفتاكة――ذلك المحارب الذي نصب نفسه باسم غارفيل تينزل.
كافما: [أعتذر عن التقليل من شأنك!]
ومع خفقة مدوية من أجنحته الممزقة على ظهره، أطلق كافما وابلًا من الأشواك الأرجوانية من ذراعيه الممدودتين.
ورغم كونها وافدًا جديدًا إلى ترسانة «الحشرات» التي تبناها كافما، إلا أن الأشواك غدت سلاحًا معتادًا لديه بفضل مرونة استخدامها. ومع ذلك، فحتى بقوتها القامعة، لم تفلح في كبح جماح غارفيل.
فبأرجحة واحدة خاطفة من مخالبه، حصد أطراف الأشواك المتناثرة عبر امتداد السور، واهتزت أرجاء دماغ كافما من صدى صراخ الحشرة في داخله.
إن ذلك السيل الذي لا ينضب من الأشواك لم يكن سوى امتداد لـ«الحشرة» التي استوعبها كافما.
وبطبيعة الحال، فإن أي ضرر يلحق بها سيرتد عليه بنسبة متكافئة. إلا أنه قمع ذلك الألم بقوة حيوية محضة، ليُظهر وكأن الهجوم لم يُحدث فيه أي أثر يُذكر.
غارفيل: [غآآآآه!!]
اندفع غارفيل للأمام بزخم لا يُقهر، وفي زاوية رؤيته، راقب انزلاق كافما بسرعة خاطفة أسفل السور مدفوعًا بقوة أجنحته، ليتفادى انقضاض النمر الشرس.
تردد صدى الاصطدام في زئير مدوٍ انطلق بجواره مباشرة، وما راع كافما إلا ضيق المساحة المتاحة للمراوغة.
لقد كانت كل هجمة تالية تتجاوز سابقتها في السرعة والبطش.
إن نمو المرء خلال المعركة، أو تفجر قواه الكامنة، كلاهما خياران يجافيان الواقع. فكل تغير يطرأ على مجريات القوة في ساحة المعركة إنما هو في جوهره استنزاف وضمور.
ومن البديهي أن أي حالة من الكمال تُعدّ قبل نشوب القتال تتلاشى مع كل ثانية تنقضي بمجرد بدء المعركة، حتى تُستنزف مخزونات الطاقة ويغدو تحقيق النتائج المثلى حلمًا بعيد المنال.
ولهذا السبب، كان من الضروري حشد أعتى القوى النارية وأمهر الحركات القتالية في مستهل المعركة.
ولم يكن كافما بالغريب عن هذه القاعدة، فأطلق العنان لأقصى قواه النارية ومهاراته القتالية صوب عدوه.
وكان حريًا بغارفيل أن يفعل المثل. ――كان ينبغي أن يكون الأمر كذلك، لذا فقد بدا الموقف عصيًا على التفسير.
ذلك التصاعد المتواصل في القوة والسرعة أثناء احتدام القتال، بغض النظر عن تفاصيل التحول الوحشي.
كافما: [وأنت، لا بد أنك مثخن بالجراح――هـڪ!]
أما عن هجمة كافما السابقة، فقد صحّ وصفها بالهجوم المباغت أو محاولة الاغتيال المسموم.
وسواء أكانت الوسيلة نبيلة أم دنيئة، فلم يتورع كافما عن الإقدام عليها. فإذا كانت النبالة هي الخط الفاصل بين الحياة والموت في المعركة، فمن الحكمة اختيار الوسيلة التي تفضي إلى النتيجة المنشودة.
أما إذا كانت تلك الاعتبارات تمس قدرة المحارب على تقديم أقصى ما لديه، فذلك أمر آخر.
كافما: [――――]
ومهما يكن من أمر، فإن مجمل الجراح التي أثخنت غارفيل لم تكن مألوفة.
ولئن كانت الضربة الأقسى هي الصدمة في رأسه جراء هجوم كافما، فإن «الحشرات» التي نخرت في جسده كانت هي الأخرى ذات وقع بليغ. غير أن تكرار ذات الأساليب لن يجدي نفعًا.
فبعد ابتلاعه لأحجار سحر النار، ظل جسد غارفيل يتلظى بحرارة قرمزية.
كان جسده برمته مكتسيًا بوشاح من اللهب، إلا أن الوضع في أحشائه كان بالتأكيد أشد استعارًا وتعقيدًا.
وبينما يتعرض جسد المضيف لمخاطر جمة عند زرع «حشرة»، فإن «الحشرة» الخالية من مضيف تكون في غاية الهشاشة، وقد تفنى بسهولة في أي بيئة قاسية ولو بدرجة طفيفة.
فليس ثمة ما يُدعى «حشرة» قادرة على العيش في جسد يلتهم النيران.
كافما: [مجرد التفكير في الأمر يبعث على الرعب.]
وحتى إن امتلك المرء زمام سحر الشفاء، فإنه يعجز عن استخدامه لقتل «الحشرات». بل يتطلب الأمر اقتلاع «الحشرة» أولاً ليتمكن السحر من أداء دوره في التئام الجروح.
كانت تلك هي الطريقة الأنجع لاختراق هذا التناقض، إلا أنه استبعد قدرته على ابتكارها بمفرده.
بل كان من الأرجح أن ذلك ثمرة الانقياد للغريزة وليس تدبر العقل.
فلو أنه أخضع الأمر لمنطق العقل، لما استطاع قط ابتلاع حجر السحر وحرق جسده.
كافما: [――هـڪ.]
وفي اللحظة التي انزلق فيها نحو جانب مكشوف، انطلقت قرون استشعار حمراء من كتفي كافما وكأنها قذائف مدفعية.
قُذف جسد غارفيل من السور مصحوبًا بزئير مدوٍ، بينما اخترقت أطراف قرون «الحشرات» المنبثقة من عظام كتف كافما المتحولة عضلاته البطنية الفولاذية.
كانت ضربة قاصمة، إلا أن كافما لم يسلم من الأذى.
كافما: [غه.]
تقلصت عضلات وجنتي كافما ألمًا من العظام التي تجمدت إثر تحطم اثنين من قرون الاستشعار من الجذور. وإذا كان النصر مرهونًا بضريبة الألم، فقد أجبرت هذه الضريبة كافما على الجثو على ركبتيه.
ولكن كافما لم يكن من الحماقة بحيث يستسلم ويركع هنا.
لأن――،
غارفيل: [غا! أوها! روووآآآه!]
زحف غارفيل، الذي كان من المفترض أن يُقذف بعيدًا، عائدًا ليرتقي الأسوار، وغرز مخالبه في الجدران، ووثب عاليًا ليقف أمام ناظري كافما.
تفجر بخار أحمر من جانب جسده حيث كان يفترض أن تخترقه القرون، والتأم الجرح. وأطلق كافما زفيرًا بينما توهج سحر الشفاء الشاحب ببريق فسفوري ساطع، وسرعان ما برئ الجرح على نحو لا يُصدق.
كافما: [ها.]
وضع كافما يده على فمه، مدركًا أنها كانت رغبة عارمة في الضحك.
ثم، وكأنه يسلّم بالأمر الواقع، أنزل يده وهز رأسه ببطء.
كافما: [منعش.]
اعترف بذلك في قرارة نفسه.
لقد استمتع كافما إيرولوكس بمعركته ضد غارفيل تينزل حتى الثمالة.
غارفيل: [أوآآآه!]
هوى غارفيل العاوي بذراعيه كأقراص ذهبية تدور بشكل عمودي. ورفع كافما ذراعيه، مدركًا عجزه عن إيقافهما، فدفع نفسه للأمام، مقررًا النفاذ من تحت غارفيل إلى خلفه، مستهدفًا ظهره المكشوف الذي لاح له من الجانب.
بيد أن كافما أطلق قطع أجنحته دون الالتفات، ليُصد بحجر صاعد انبثق فجأة بينهما. وقبل أن تبلغ هجمة كافما مرادها من أسفل، غرس غارفيل ساقه الممدودة في الأرض وفعل حمايته، مبطلًا الهجوم.
علاوة على ذلك، ارتطمت أجنحته بالحجر الصلد وتمزقت محدثة صخبًا――بينما انطلقت ساقا غارفيل الخلفيتان بوحشية من الجانب الآخر.
كافما: [――هـڪ!؟]
ومع ظهور كل منهما للآخر، تطاير جسد كافما إثر ضربة ساحقة.
وقد باءت محاولاته في الثبات على قدميه بالفشل الذريع، وعجز جسده الممتد عن امتصاص قوة الاصطدام، ليرتد عن الأرض، باصقًا الدماء، وليتدحرج جسده الطويل مرتدًا فوق السور.
مرة، ومرتين ارتد عاليًا، ولمح وجه غارفيل وهو يدور مستغلًا زخم تدحرجه.
إلى الأسفل――،
كافما: [المرة الثانية――هـڪ!]
انشطر صدره، وتباعدت أضلاعه؛ واهتزت أحشاؤه القرمزية القابعة في الأعماق، لتندفع منها موجة صدمة عاتية صوب غارفيل.
هذه الموجة، التي مثلت الورقة الرابحة لكافما، لم تكن وليدة زرع «حشرة» جديدة، بل هي عضو مستحدث نشأ من رحم التآزر والتعايش بين اثنتين وثلاثين «حشرة» تم استيعابها حتى تلك اللحظة.
تظافرت وظائف «حشرات» متعددة لتطلق موجة صدمة تبتلع وتحيل كل ما يعترض طريقها إلى ركام بفضل اهتزاز دقيق وبطاش، ضربة ساحقة لا تذر شيئًا إلا ومزقته.
وما إن يتعرض لها أي محارب، وهي الخفية عن الأنظار، حتى تحيله إلى ضباب من الدماء.
كافما: [――بوه.]
بقي ذلك اليقين راسخًا لا يتزعزع، بينما تخضب شعر غارفيل الذهبي بلون الدماء.
كان مصير أي محارب أن يتحول إلى سحابة من الدماء. ولذا――،
كافما: [――وحش.]
أوقف كافما جسده المتدحرج مسندًا ذراعه إلى الأرض، ورفع ناظريه.
ثم اندفع غارفيل، بنصفه العلويسسسس المضرج بالدماء يرتعش، وفمه مشرع على اتساعه. انقض «الوحش» نحوه مباشرة، موجهًا ضربة قاضية كانت لتودي بحياة أي محارب آخر.
غارفيل: [――――]
أصابت أرجحة تلك القبضة الهائلة وجه كافما، لترتد لكمة مضادة تلقائية صعودًا لتصيب فك خصمه. وهڪذا، اندلع عراك وحشي، وتفتحت أزهار دموية حمراء على طول السور.
كانت ملحمة قتالية لا يجرؤ أحد على التدخل فيها، صراعًا خالصًا بين الوحوش.
كافما: [ها.]
أطلق كافما زفيرًا، وغض الطرف عن الألم، مسخرًا كل طاقته في المعركة.
لقد كان وحشًا استثنائيًا يتحدر من أصل غريب، وكان ذلك هو السبب الذي جعل كافما إيرولوكس يغرد خارج السرب عن أبناء قبيلته، وهو القدر الذي لطالما لعنه بكيانه كله.
وبعد أن ودع موطنه المنعزل وخطا نحو العالم الرحب، سعى كافما لاكتشاف الحقيقة.
حاول العثور على دليل يثبت به بملء فمه أنه ليس بوحش.
غير أن الواقع كان يروي قصة مختلفة.
فحتى في العالم الخارجي، كانت قوة كافما الحقيقية الجبارة تتجاوز المألوف، وبالتالي نُظر إليها كشذوذ. وكم من جنود نظاميين شاركهم خندق القتال قد ارتاعوا من براعته، ونأوا بأنفسهم عن شذوذه.
حيثما ولى وجهه، فهو وحش، وفي نهاية المطاف، كان هذا قدرًا لا فكاك منه، هڪذا آمن كافما.
إلا أن――،
؟؟؟: [――انهض أيها الجنرال من الدرجة الثالثة كافما! لنتكاتف، ونبذل كل ما نملك من أجل المجد السامي لسعادة الإمبراطور! ماذا بك، لا تبالغ في التفكير، فنحن جميعًا، مثلك تمامًا، وحوش!]
كانت تلك الكلمات الصادحة، التي تفوه بها الرجل الضخم بضحكته المجلجلة، بمثابة غيث من السماء بالنسبة لكافما.
رغبةً في دحض كونه وحشًا، حاول كافما التقرب من أبناء قبيلته. ولما خابت مساعيه، سعى للبحث عن إجابة في الخارج، ومع ذلك، باء بالفشل.
ولكن، ماذا لو وجه نظره إلى الأعلى؟
كان أولئك المجتمعون هناك وحوشًا، لدرجة أن حتى كافما إيرولوكس، الذي طالما ارتُعد لكونه وحشًا، لم يكن ندًا لهم.
لم يكن كافما يبتغي أن يُقال له أنه ليس وحشًا.
بل كان جل مبتغاه ألا يغرق في وحدة لا يؤنسه فيها أحد ولا يتفهمها بشر.
فرغم كونه وحشًا، فإن العالم لم يتخلّ عن كافما.
ولهذا――،
كافما: [――ومعركتي ضدك هي معركة أخرى تُضاف إلى الرصيد.]
وبينما كان جسد غارفيل مغمورًا بوابل رباعي من قرون الاستشعار المطلقة من مسافة تكاد تنعدم، فقد كابدها بقوة غاشمة، معمدًا إلى التئام جراحه فور إصابته بها.
فالقوة الدفاعية الفذة، والصلابة، وقدرات التجدد الخارقة التي لا بد أنها اقترنت بقوة حماية ما، كانت هي مكامن القوة لدى «الوحش» الماثل أمام عيني كافما، والدافع وراء اتقاد حماسه.
التفت الكروم الشوكية المنطلقة من ذراعه اليمنى حول جسد النمر الشرس، وانتُزعت الأشواك بالقوة وهي تمزق لحمه إربًا. واصطدمت قبضتاه، المكسوتان بدروع صلبة تدرأ كل هجوم، اصطدامًا مباشرًا بقفازي غارفيل الفضيين اللامعين، لتتهشم الدروع في مشهد مذهل.
احترقت بيوض «الحشرات»، التي زُرعت بخفة من يده اليسرى، في لظى النيران، وموجة الصدمة التي انبعثت إثر إرغامه على الجثو على ركبتيه، والتي أحدثت اضطرابًا في أحشائه، لم تقو على مجابهة قدرة التعافي الخارقة تلك، لتتلاشى دون أثر.
منعش. آه، ما أروعه من شعور.
ففي نهاية المطاف، هو رجل عسكري، ومهما حاول اصطناع غير ذلك، فهو وحش، ومع «الحشرات» التي كانت تهلل من أعماقه، سرعان ما التصقت ابتسامة بوجنتي كافما، رافضةً الزوال.
إن «الحشرات» الاثنتين والثلاثين، تلك الكائنات التي التحمت به وباتت أقرب إليه من عائلته، قد امتلأت بهجة لأنها ظفرت أخيرًا بفرصة لتفريغ طاقاتها الكامنة، وبدأت تهذي وتضج بصخب.
لا بد من الظفر بالنصر.
في سبيل غاية سامية، من أجل المجد السامي لسعادة الإمبراطور الذي يقود دفة الإمبراطورية، وردًا لجميل ولي نعمته الذي رفعه إلى هذه المكانة، وإرضاءً لأبناء قبيلته الذين طمحوا في ارتقاء شأن قبيلة قفص الحشرات.
غارفيل: [――يا حثالة، أين تظن أنك تنظر ماذا بحقك؟]
تناهى إلى سمعه صوت من وسط معمعة الألم، والاختناق، والأفكار المتسارعة التي اكتظ بها عقله.
ورغم أن كليهما كان يفتك بالأعضاء الحيوية للآخر بقوة وضراوة تجعل الموت أقرب الاحتمالات، ورغم انعدام أي فرصة لتبادل الحديث، إلا أنه سمعه بوضوح.
ثبّت زوج من العيون الزمردية الخضراء نظراته عليه من الأمام، ولمعان محتقن بالدماء اخترق سويداء روحه.
أصدرت الأنياب الحادة ضجيجًا أشبه بصوت التهام اللحم والدم، وصوت صرير العظام جعل كل إدراكه يتلاشى.
ولذا، وبينما كان كل شيء يُسخّر لمسرح المعركة، زمجر الوحش القابع أمام عينيه.
غارفيل: [ذاتي الرائعة، هنا تمامًا.]
كافما: [――――]
غارفيل: [في هذه اللحظة بالذات، لن أدع أي شيء يقف في طريقي.]
في تلك اللحظة بالذات، اضمحلت ألوان العالم، وتلاشى صوت الرياح وطنين أذنيه، ولم يتبق في عالم كافما إيرولوكس سوى ذلك العدو الضخم الماثل أمامه.
خجل كافما من قصوره، لائمًا نفسه على افتقاره إلى اللباقة.
ثم سرعان ما نبذ ذلك الافتقار المخزي للباقة جانبًا، وأومأ برأسه.
كافما: [――آه، إنه أنا وأنت فقط.]
في تلك اللحظة، تشابكت قبضاتهما وهوت كل واحدة منهما على وجه الآخر، وتسارعت عجلة الزمن.
أطبقت راحة يد على وجهه، وصرخت جمجمة كافما من وطأة تلك القبضة الخارقة. بيد أن كافما غرس هو الآخر يده في فم خصمه، ومن هناك بث أشواكه في جسده.
وبما أنه عجز عن اختراقه من الخارج، فليكن الاختراق من الداخل إذن.
ثارت الأشواك المتدفقة داخل أحشائه، وباتت النهاية بالتهامه من الداخل قاب قوسين أو أدنى. ولكن، وبينما كانت الأشواك تتسرب إلى غارفيل، أرجح الأخير جسد كافما عاليًا، ثم هوى به لأسفل، ليصطدم بقوة بالأسوار.
كافما: [――هـڪ.]
ومع اندفان ظهره في السور، رُفع وهوى به مجددًا. رُفع، وأُسقط. رُفع، وأُسقط. رُفع رُفع رُفع رُفع، أُسقط أُسقط أُسقط أُسقط، ودُيس عليه بلا رحمة.
تصدع السور في موضع دفن جسده بالكامل، وانشطر طرف معقل المعقل النجمي إلى نصفين. واصطبغت رؤيته بلون أحمر قانٍ، وتدفقت الدماء بدلاً من الأنفاس.
ومع ذلك، لم تفقد الأشواك بأسها، وواصلت التدفق إلى جسد غارفيل.
فحتى يستنفد كافما آخر قطرة من قواه، ستظل «الحشرات» متعطشة للنصر.
غارفيل: [――غاه.]
لم تقو فكوك النمر الكبير المفتوحة على قضم حزمة الأشواك الضخمة. ومهما أعملت مخالبه تمزيقًا فيها، فإن طبقات الأشواك المتشابكة كانت أسمك من أن تُخترق. ومهما بلغ من الأمر، لم يكن كافما ليتركه يفلت.
وكانت الأشواك محدودة، فثمة سقف لما يمكنه إرساله.
فلو أرسلها جميعًا في هذه المرحلة، لفرط في أثمن فرصة له لهزيمة الثوار الآخرين الزاحفين نحو الأسوار. بيد أن هذا النصر سيكون مستحقًا.
――لا، بل إن الوحش المعروف باسم غارفيل تينزل، يستحق ذلك بجدارة.
كافما: [آه، آآآه، رااااااااااااه――!!]
متجاهلًا ألم كسور عظامه، أطلق كافما من حنجرته صرخة حرب مدوية.
غمرت الأشواك الفائضة جسد غارفيل حتى حافته، وضغط الأشواك القاتلة، التي لا ملاذ لها، من شأنه أن يسبب تمزقًا يفضي إلى الموت الحتمي.
مهما حاول التملص بجسده، أو مهما بلغ تحوله الوحشي ذروته، فلن يتمكن من الإفلات.
وبتركيز القوة المتبقية لجميع «الحشرات» في جسده، كبت كافما جماح غارفيل وانحنى للأمام لانتزاع النصر――ثم كان شاهدًا على أمر يفوق التصديق.
كافما: [――ماذا…]
تضخم النمر الكبير ذو الفراء الذهبي إلى حد الانفجار جراء الأشواك التي انهمرت في فمه. وقبل أن ينفجر ذلك الجسد، فقدت الأشواك ضغطها بسرعة خاطفة.
ما السبب في ذلك؟ ――لقد فُتح ممر لهروب الأشواك التي تسللت إلى جسده.
مزقت مخالب غارفيل الحادة بطنه، وتدفقت الأشواك من الجرح كالسيل.
لقد كانت تكتيكاته اليائسة والمروعة ضربًا من الجنون الذي وضعه على شفا الموت. فلو تدفقت الأشواك إلى جرح أُحدث عمدًا، لكان من الممكن فتح الجرح في المعدة لنفس السبب الذي استحال معه إغلاق الفم. وحينها سيُشطر جسده نصفين، وتُسدل الستارة على حياته.
بالفعل، إن مجرد استدعاء الموت بهذه الطريقة، يُعد فعلًا همجيًا ومفرطًا في الحماقة.
إلا أنه، في اللحظة التي راقب فيها كافما تلك الهمجية، منح الفراغ اللحظي في عقله غارفيل، الذي كان على وشك تمزيق نفسه، برهة لالتقاط أنفاسه.
فأطبق فكيه. وصاحب ذلك صوت أشواك تتمزق، لينغلق فم النمر الكبير أخيرًا.
فقد كافما ضربته القاضية بأشواكه، وقبل أن يستوعب الأمر، تقدم غارفيل للأمام وانهالت قبضته على وجه كافما باصطدام مروع من قفازيه الفضيين.
مكومًا على قمة السور، ارتطمت القبضة بوجه كافما وهو ممدد على الأرض، وفي تلك اللحظة، أحدث الاصطدام الذي غاص في أعماقه دمارًا قاصمًا بالسور.
تردد صدى زئير مدوٍ، وبدأت أسوار العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، التي لطالما تغنوا بمناعتها، تتهاوى نحو الانهيار.
وبينما كان يستشعر الانهيار من خلال الصوت الصادر من خلفه، وجه كافما نظره مباشرة نحو غارفيل، الذي سحب قبضته إلى الخلف.
وببطء، انحل تحوله الوحشي، ليستعيد الفتى هيئته البشرية الأصلية――وقد اندمل الجرح في بطن غارفيل، والذي أحدثه لتمزيق نفسه، مصحوبًا بنافورة من الدماء.
لقد كان جرحًا مميتًا، إلا أن رؤيته يتناسى حدوثه بهذه السرعة الخيالية دفعت كافما للانفجار في موجة من الضحك.
يا له من مشهد عبثي.
كافما: […وحش.]
وهڪذا، وبمجرد أن تمتم بتلك الكلمات لنفسه وكأنه يسترد أنفاسه المتقطعة، اكتمل الانهيار وتهدمت الأسوار.
وبينما كان يهوي بين ركام الأسوار والأنقاض المتناثرة، تلاشى وعي كافما ببطء، تلاشى، وتلاشى حتى لم يعد هناك ما يمكن التشبث به――.
كافما: [سعادة الإمبراطور، أعتذر…]
وحتى الرمق الأخير، وبينما كان يلوم نفسه بخجل لتخليه عن مظاهر التابع المخلص، سقط.
――بدت أصوات «الحشرات»، التي كان يألفها منذ ولادته، صامتة بشكل مخيف أيضًا.
△▼△▼△▼△
قابضًا بقوة على جسد الرجل الذي هوى بلا حول ولا قوة، ركل غارفيل الأنقاض بقدمه منطلقًا للابتعاد عن موقع الانهيار.
وكاشطًا الأرض بكعبه، أوقف اندفاعه واستدار ليرى الأسوار وهي تتهاوى مصحوبة بزئير مدوٍ، لتخلف ثقبًا هائلًا في ذلك المعقل المنيع.
غارفيل: [لقد فتحته غصبًا، ثقبًا للرياح الجديدة.] [2]
كانت تلك الكلمات قد قيلت قبيل نشوب المعركة. وإذ تذكر أمر إميليا، تلوت ملامح وجهه. وبشعوره بألم حارق في زوايا فمه التي تمزقت على اتساعها، أطلق غارفيل صرخة: «غاه!»
سارع بوضع يده على الجرح، مفعلًا سحر الشفاء خاصته.
غارفيل: [آرغ… سحقًا… هذا يوجع… لكن…]
وبعد أن أتم شفاء فمه الممزق على عجل، حدق غارفيل بتركيز شديد في يديه.
تلك المعركة الضارية المباغتة، ووقوعه في مأزق لم يكن ليدهشه بصراحة لو لقي حتفه فيه―― ورغم ذلك، التأمت وتلاشت تلك الجروح المروعة التي كست جسده، ولم يتبقَ من الألم المتسرب سوى إحساس خافت.
حتى وهو في هيئته الوحشية، ظن أنه نجح في الحفاظ على قدر من رباطة جأشه مع استمراره في القتال. وبفضل ذلك، تمكن من التعافي من جراحه بسرعة. ――ولكن، هل كان ذلك كل ما في الأمر حقًا؟
غارفيل: […هل أصبحت ذاتي الرائعة أقوى؟]
قبض غارفيل على راحة يده بشدة، وهو يهمس بتلك الكلمات.
لم يكن واثقًا تمامًا. لعل الأجدر تسمية الأمر بحسن الحظ، فغارفيل لم يسبق له حتى اللحظة أن واجه خصمًا يُرغمه على بذل كل ما يملك من قوة.
فباستثناء معركته الطاحنة ضد كورغان «ذو الثماني أذرع» في مدينة بوابة الماء، توالت المعارك التي لم يقدر فيها غارفيل على إطلاق العنان لكامل قوته.
ومع تحطيم تلك القيود، وبفضل قدرته مجددًا على القتال بكل ما أوتي من بأس، رسخ في داخله إحساس يقيني.
لقد تمكن من اختراق السور بمستوى يفوق ما كان عليه من قبل. وهذا ما تيقن منه خلال هذه المعركة.
ولهذا السبب――،
غارفيل: [――سميتني وحش، لكني سأقول الشيء نفسه عنك بالضبط.]
وبذلك، أرخى غارفيل ذراعه اليمنى ليُسقط جسد كافما على الأرض، وأطلق زفيرًا من أنفه.
كان صدر كافما يعلو ويهبط ببطء، دلالةً على أنه لا يزال يتنفس. هذه حرب، ولكي يُعد الأمر نصرًا حقيقيًا، لم يكن يجدر به ترك خصمه على قيد الحياة؛ وهو يدرك ذلك تمامًا.
لكن إميليا كانت قد طلبت محاولة تقليل عدد الأشخاص الذين سيلقون حتفهم على أيديهم.
وبالمثل، أوعز أوتو لغارفيل بأن يبرحهم ضربًا حتى يعجزوا عن الوقوف على أقدامهم.
وبالفعل، فقد باحت إميليا بتلك الكلمات من أعماق قلبها، وتفوه بها أوتو بدافع القلق.
ولذا، أراد تلبية رغباتهما.
ولذلك، في هذا المكان――،
غارفيل: [――إنه فوز ذاتي الرائعة.]
وهڪذا، وبعد أن أسقط أحد المعاقل المتمركزة على رؤوس النجمة، رفع غارفيل قبضته عاليًا في الهواء.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
[1] – «هراطقة» جمع هَرْطوق، وتُستخدم لوصف أشخاص يُنسبون إلى أفكار أو معتقدات مخالفة للعقيدة الدينية المعتمدة، خصوصًا في السياقات الدينية والتاريخية.
[2] – كما ورد في الفصل 88، التعبير الذي استخدمه غارفيل هنا باليابانية (風穴を開ける) يُترجم حرفيًا إلى «فتح ثقب للرياح»، ولكنه يحمل معنيين مزدوجين: الأول هو اختراق وتدمير شيء ما، والثاني هو بث حياة جديدة في شيء ما. في هذه الحالة، يشير غارفيل إلى إحداثه فجوة فعلية في السور، ولكنه من الناحية الفنية ذات التعبير الذي استخدمته إميليا في الفصل السابق. وأيضًا قال غارفيل بالنص الإنجليزي «I fuckin’ opened it» ولهذا قمت بترجمتها إلى «لقد فتحتها غصبًا».