الفصل 454 - المعركة الحاسمة عند المعقل
الفصل السابع والثمانون
«المعركة الحاسمة عند المعقل»

※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※
أن يكون حصار المتمردين للعاصمة الإمبراطورية لوبوغانا قد بدأ جبهةً موحدة، اجتمع فيها المتمردون من شتى أنحاء البلاد متعاونين على خلع الإمبراطور فينسنت فولاكيا――ذلك لم يكن ما حدث على الإطلاق.
أجل، كان عدد المتمردين المحتشدين حول العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا هائلًا بلا شك.
فقد توافدوا من كل ركن من الإمبراطورية وضربوا الحصار على لوبوغانا، قلب الإمبراطورية الفولاكية، وحشدوا من القوة ما يفوق عدد الجنود الإمبراطوريين المرابطين في العاصمة.
في أغلب الأحيان، تُحسم المعارك بالأعداد.
وكلما اتسع نطاق المعركة ازدادت هذه القاعدة صرامة. ويمكن القول إن جيش المتمردين، الذي استطاع أن يحشد أكثر من ضعف عدد القوات إذا قورنت الأعداد مجردةً، قد نال أفضلية كاسحة في هجومه على العاصمة الإمبراطورية.
لكن――
؟؟؟: [――هذا إن استطاعت الجموع المحتشدة أن تعمل كتلةً واحدة متماسكة.]
في أعمق موضع من العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، على العرش في قاعة الاستقبال بقصر الكريستال، ضيّق فينسنت عينيه السوداوين وهو يتلقى التقارير عن الهجوم الشامل الذي شنّه المتمردون للتو.
كانت العاصمة محاصرة بقوات المتمردين، وتواجه هجومًا يفوقها عددًا بفارق هائل. ومع أنه كان في مأزق لم يشهد تاريخ الإمبراطورية له مثيلًا، لم يظهر على مظهره البارد الشيطاني أثر لخوف أو قلق.
وذلك يعود في معظمه إلى التحليل الذي ساقه هو نفسه قبل قليل.
فينسنت: [قد تكون غاية المتمردين المحتشدين واحدة، هي رأسي، لكن أساليب بلوغها لا تقبل المساومة عندهم. منذ البداية، كان كلٌّ منهم يتسابق ليكون في الصف الأول ما إن بدأت الأحداث تتوالى.]
؟؟؟: [وكلما اشتد حرصهم على ألا يسبقهم أحد، ازداد عسر قبولهم بالتنسيق مع غيرهم. وهذا يذكّرني حقًا بأيام مراسم الاختيار الإمبراطوري.]
فينسنت: [――――]
؟؟؟: [لتحديد الإمبراطور القادم، طقسٌ دموي يتنازع فيه إخوة الأسرة الإمبراطورية الفولاكية على العرش… وفي تلك المرة أيضًا، أُخرج من الرقعة كل من رفض البديل. وفوق ذلك كله…]
وعند هذا الحد سكت بيرستيتز، الواقف إلى جوار العرش، وأمسك عن الكلام لحظة. لم تكن مشاعر الشيخ تُقرأ في عينيه الضيقتين كخيطين رفيعين، لكن المرء يستطيع أن يخمّن على وجه التقريب ما يعتمل فيه.
فبيرستيتز أيضًا كان ممن ذاقوا سفك الدماء في مراسم الاختيار الإمبراطوري.
بيرستيتز: [في ذلك الوقت، كان الناس يتوجسون من طبع سمو بارثروي، الذي كوّن أكبر الفصائل، ولذلك أُقصي سريعًا، كما كان متوقعًا.]
وتجاهل ما دار في خلد فينسنت، ومسّ شاربه تحت أنفه وهو ينطق بخاتمة كلامه المكتوم.
كان يتحدث عن الأمر كأنه شأن شخص آخر، وذلك في غاية التصنّع.
فينسنت: [أتجرؤ على الكلام في هذا؟ أوَلم تكن أنت ولاميا من أزاحا أخي الأكبر ذاك؟]
بيرستيتز: [مع أن الأمر مخزٍ، فقد أخذت برأي سمو لاميا. ثم إنني لم أتبيّن مقاصد سمو بارثروي الحقيقية، فلا أزال إلى اليوم أعيش في خزي.]
فينسنت: [مقاصد أخي بارثروي، همم.]
بيرستيتز: [نعم. لقد كانت مؤامرة لم يدبّرها إلا سموّك وسموّ بارثروي معًا.]
أجاب بذلك وهو يشدّ ذقنه إلى صدره، ولم يتبدّل تعبير وجهه.
وبالنظر إلى ما جرى، قد يتوقع المرء أن يضمر حقدًا، لكنه كان رجلًا خلا من هذه المشاعر البشرية الصغيرة. وفوق ذلك، كان من العقل بحيث يعلم أن لا جدوى من قول شيء لفينسنت.
فذلك الفعل فعلُ فينسنت فولاكيا――بل هو ثمرة ما فعله فينسنت أبيلوكس، قبل أن يصير إمبراطورًا.
؟؟؟: [وبما أن جلالته الحقيقي خارج الأسوار في هذه اللحظة، فإنني أتفهّم شعور معالي رئيس الوزراء، الذي يتحمّل وطأة الهجوم، تفهّمًا تامًّا~.]
بيرستيتز: [――――]
؟؟؟: [همم~؟ تحدّقان فيّ بنظرات صارمة… هل قلت ما لا ينبغي؟]
ذلك الرجل الودود الذي هزّ كتفيه بلا مبالاة وهو يواجه فينسنت وبيرستيتز، أرفع شخصين في الإمبراطورية مقامًا، كان كائنًا خارجًا عن المألوف يُؤذن له بدخول قصر الكريستال أيًّا كانت رتبته――إنه متأمل النجوم، أوبيلك.
ولم يكن أوبيلك المشاغب قد اقتحم الحديث فجأة؛ فقد كان حاضرًا منذ البداية حين تحدث فينسنت وبيرستيتز، غير أنه لم يتدخل.
أوبيلك: [آه~، كان عليّ ألا أزيد كلمة «الحقيقي»، أليس كذلك؟ لا عجب أن جلالة الإمبراطور ومعالي رئيس الوزراء غضبا هڪذا. لكن إن لم أُخرج ما في صدري بين حين وحين، فقد يفلت مني في نوبة انفعال من دون قصد. ――ألا تشفقان على الجنود الذين ما زالوا حتى الآن يخاطرون بحياتهم لحماية العاصمة الإمبراطورية؟]
فينسنت: [――――]
أوبيلك: [فلو انكشف عن غير قصد أن جلالة الإمبراطور فينسنت، الذي يبذل الجميع جهدهم لحمايته، مزيّف في حقيقته…]
وضع أوبيلك يده على فمه، وجاهر بوقاحة بما وُبّخ عليه لتوّه.
كانت قدراته تجعل منه كنزًا ثمينًا، غير أن سلوكه كان بلا شك يحمل خفة المهرّجين. لكن مهمة المهرّج لا يصح أن تُعدّ ترخيصًا بالمقالب فحسب.
وحتى لو كانت كفاءته متأملًا للنجوم فذّة،
فينسنت: [وقاحتك المتكررة لا يُتغاضى عنها. إن أثمر كل ما دبّرناه حتى الآن، فسأجزّ رأسك بيدي.]
أوبيلك: [أعلم ذلك طبعًا. لكن، يا صاحب الجلالة… لا، أنت رجل متأنٍّ. ظننت حتى اللحظة الأخيرة، الأخيرة تمامًا، أن روحي لن تُؤخذ.]
ولم تُثنِه حتى نظرة كالخنجر من العرش، فقابلها أوبيلك بابتسامة. ثم قال: «وفوق ذلك»، والتفت إلى بيرستيتز،
أوبيلك: [ومن معالي رئيس الوزراء أخاف أكثر. يبدو أنه يخبّئ في داخله الجحيم نفسه.]
بيرستيتز: [ليس من شيمة متأمل النجوم أن يخاف رجلًا مثلي. فلمَ لا تسأل النجوم إن كان مثلي يستحق خوفك؟]
أوبيلك: [عفوًا يا معالي رئيس الوزراء. النجوم تطلّ على هذا العالم من علٍ في السماء، وما لم تُظهر نفسها بأنوارها الباهرة، فلا سبيل إلى رؤيتها.]
فمن لا شأن لهم لا ينعكسون في المستقبل الذي يراه متأملو النجوم.
أكان ذلك قناعًا أم رأيه الحقيقي، لم يكن ممكنًا أن يُستشفّ من كلام أوبيلك وتصرفه. لكن مزاح أيام السلم جانبًا، فكلمات أوبيلك لا يمكن تجاهلها حين يؤدي دور متأمل النجوم.
تسع سنوات مرّت منذ بدأ أوبيلك خدمة الإمبراطورية الفولاكية متأملًا للنجوم――وربما جاز القول إن إنجازاته كانت تتراكم لأجل هذه اللحظة بعينها.
أوبيلك: [――يا للهول.]
وفجأة، بلغ قاعة الاستقبال الغارقة في الصمت هدير مدوٍّ من السماء البعيدة.
ارتجّت الأرض ارتجاجًا خفيفًا تحت أقدامهم، وكان جوّ القتال الضاري محسوسًا حتى في أعماق قصر الكريستال. على أن الظاهرة التي أحدثت ذلك الهدير كانت في الغالب من فعل أحد من جانب العاصمة الإمبراطورية.
أوبيلك: [مع أن المتمردين المحيطين بالعاصمة ينبغي أن يفوقونا عددًا…]
فينسنت: [إنهم في النهاية خليط مشتّت من الناس… بل لا يبلغون حتى حد التماسك؛ هم عصابة خارجين على القانون، قد يجرّ بعضهم بعضًا إلى الهاوية أحيانًا. وهذا لا يصلح لمنافسة قطيع ذئاب السيف الذي يحكمه قانون الحديد والدم.]
أوبيلك: [فهمت. لكن مهما كان أهل الإمبراطورية متعطشين للدماء، فلن يغزوا العاصمة إن لم يروا فرصة للنصر. أليس لهذا تدفع كل قبيلة ببطلها؟]
فينسنت: [أنسيت ما قلته أمامي قبل قليل؟]
أوبيلك: [للأسف، لم يبلغني شيء من هذا القبيل.]
بيرستيتز: [إذن فهذا يوافق دورك أنت أيضًا، على ما أظن.]
وبهذا الكلام، وضع بيرستيتز حدًّا لابتسامة أوبيلك المتكلّفة.
ارتبك أوبيلك وارتسم الحرج على وجهه، لكنه لم يشعر بأنه محاصر. فهو أصلًا، سواء أكان متأمل نجوم أم لا، كان يعرف هذا حق المعرفة.
فمن المؤكد أن كل المتمردين سيأتون لقطف رأس فينسنت، الجالس على العرش. ولهذا الغرض ستوفد كل قبيلة أقوى محاربيها لتعلن سيادتها.
لكن تلك الفكرة خاطئة من أساسها، لأنها قائمة على سوء فهم شائع. وكان لا بد أن يقع ما وقع. ――فما الذي ظنّوا أن الجنرالات التسعة الساميين هم بالضبط؟
فينسنت: [لقد هيّؤوا لأنفسهم الفشل حين قاسوا أبطال كل قبيلة بمقاييس ضيقة كهذه. وإلا فبأي معيار آخر ظنّوا أننا اخترنا جنرالات الدرجة الأولى، الجنرالات التسعة الساميين؟]
فقد جمع فينسنت فولاكيا أقوى الكائنات في الإمبراطورية الفولاكية.
ولم يكن أبطال الإمبراطورية غير الرسميين ندًّا لهم. ولو وُجد عملاق نائم كهذا، لما فات فينسنت أمره.
وقد استبقاهم قريبين منه مهما كلّفه الأمر، ومنحهم مراتب تليق بقدراتهم احتياطًا للمستقبل.
وقد خيّب الأبطال توقعات فينسنت، إذ بدا البطل قاصرًا إلى جانب الوحش.
――لقد جمع إمبراطور الإمبراطورية الفولاكية المقدسة «وحوشًا» لا يأمل بطل أن يصمد أمامها.
بيرستيتز: [ومع ذلك، يصعب أن نتوقع من كل المتمردين حسن السلوك.]
فينسنت: [يبدو ذلك. فماذا نفعل إذن؟]
بيرستيتز: [أعلم أنه ليس من شأني أن أخرج من وراء الستار وقد اختار الجنرالات الكبار ساحاتهم، لكن… الجلوس مكتوف اليدين لا يُحتمل.]
أوبيلك: [يا للعجب، هذا… حليفنا معالي رئيس الوزراء متعطش للدماء حقًّا.]
انحنى بيرستيتز من خصره أمام فينسنت في حين كان أوبيلك يطعنه بتلك الكلمات. لكن رئيس الوزراء العجوز تقبّل تلك الملاحظة بصدر رحب، وقال،
بيرستيتز: [فأنا في النهاية رجل من فولاكيا أيضًا.]
وترك تلك الكلمات دون أن يبتسم حتى، ثم خرج بيرستيتز من قاعة الاستقبال. ولم يستوقفه فينسنت، بل شيّع المحارب العجوز بصمت وهو يغادر.
وبعدما أُغلق الباب وغادر بيرستيتز، هزّ أوبيلك كتفيه وسأل: «أهذا مناسب؟»،
أوبيلك: [كما قال بنفسه، ليس بيد معالي رئيس الوزراء ما يؤثر به في وضع الحرب الراهن. وأنا أرى ذلك أيضًا، لكن…]
فينسنت: [خلاف ما توقعت، احتمل الأمر بصبر. لطالما كان رجلًا يكبح نفسه في سبيل مُثُله. وإن شئت أن أقولها بأسلوبك، فقد أراد تجنّب الانفجار.]
أوبيلك: [فهمت… وبالمناسبة، هل معالي رئيس الوزراء على علم؟]
طرح أوبيلك السؤال وهو يعلّق إبهامه بحافة ردائه فوق صدره ويحرّك سائر أصابعه. وأغمض فينسنت إحدى عينيه، فقد أدرك ما وراء ذلك السؤال البغيض.
وحين قوبل بالصمت، أومأ أوبيلك وقال: «كما ظننت»،
أوبيلك: [كان عندي حدس بهذا، فتحاشيت أن أكون متهورًا في كلامي… لكن لا أدري أأفرح أم أحزن لصدق حدسي، ومشاعري حيال ذلك معقدة جدًا، صدّقني.]
فينسنت: [تحزن؟ وهل تفهم أصلًا مشاعر بشرية كهذه؟]
أوبيلك: [يا لقسوتك. تتكلم كأنني لست إنسانًا أصلًا، وهذا يجرحني كثيرًا. قياسًا بالأول والثاني، أنا أعقل منهما بكثير، ألا ترى؟]
فينسنت: [إن ضربت سيسيلوس مثلًا، فحظه قليل في أكثر المواضيع. وأراكيا كذلك فتاة تعيش بمنطق الوحوش لا البشر، لكن يمكن تدبّرها متى استقرّت عند صاحب. أما أنت…]
وقطع فينسنت كلامه عند هذا الحد، وثقبت عيناه السوداوان أوبيلك. وكان أوبيلك ثابتًا أمام أي نظرة قاسية تُصوَّب إليه، إذ كان عدم اكتراثه بحياته هو نمط عيشه.
فينسنت: [أنت مجرد قوقعة فارغة على هيئة رجل، مصنوعة من لحم بشري.]
أوبيلك: […آه، هذا يجرح مشاعري فعلًا.]
وعند كلمات فينسنت، خفض أوبيلك حاجبيه وارتسمت على وجهه ابتسامة متكلّفة.
وبذلك بدا حزينًا أو مرًّا. مشاعر مزيفة، كأن أحدًا لقّنه ذلك؛ أو هڪذا رآها فينسنت على الأقل.
وبملامح لم تنقض ذلك الانطباع، وضع أوبيلك يده على صدره وقال،
أوبيلك: [بمنطقك هذا، فكل من يؤدي دوري… كل متأملي النجوم الذين يصغون إلى «الوصايا»، قوقعات فارغة؟]
فينسنت: [لا أعرف متأملًا للنجوم غيرك. ولا رغبة لي في الرد عليك.]
أوبيلك: [ها قد عدت لهذا، لا داعي لأن تكذب هڪذا. لا أظنك تثق بي إلى هذا الحد. بل كنت أتوقع أنك تعقّبت كل متأمل نجوم في البلاد وعذّبته.]
أوبيلك: [وأنا واثق أنك لن تبني حكمك على ماهية متأملي النجوم على شخصي وحدي دون تروٍّ.]
أمام سؤال أوبيلك المخادع، لم يتحرك تعبير فينسنت قيد أنملة.
ولم يصرّح بأن ما قاله أوبيلك صحيح أم خاطئ. وكل ما كان موقنًا به أن كل متأمل نجوم مُنح وصية، بلا استثناء، مصاب باضطراب عقلي.
ولم يكن ينوي أن يكلّف نفسه عناء بيان كيف بلغ ذلك الاستنتاج.
فينسنت: [وإلا فكيف تُقدم على فعل همجي كتدمير عينك الشريرة بيدك لمجرد إثبات هويتك؟]
أوبيلك: [آه~، كان ذلك مؤلمًا حقًا. وإحساس الفقد لم يكن طبيعيًا أيضًا. لكن بفضله صرتَ مستعدًا للإصغاء إليّ، أليس كذلك؟]
وبينما كان يتكلم، سحب أوبيلك طرف ردائه عن صدره، فانكشفت بشرته العارية. وفي منتصف صدره النحيل تمامًا، انطبعت ندبة حرق كبيرة تنبئ بألم فظيع.
في الماضي، أحرق أوبيلك العين الشريرة في ذلك الموضع بمكواة وسم حتى تفحّمت، ولم يبقَ منها سوى تلك الندبة.
لقد هدم معنى وجوده ذاته بوصفه من قبيلة العين الشريرة. ――فعلٌ أقدم عليه ليثبت أنه لا يشكّل أي خطر، ولو لم يوقفوه لربما سحق أطرافه أيضًا.
ومنذ ذلك الحين――
فينسنت: [لا أطلب منك جوابًا صادقًا. فقط أجب بحذر.]
أوبيلك: [أمرك مطاع.]
فينسنت: [لا همسة وصية جديدة في أذنيك. بلا أدنى شك.]
أوبيلك: [――نعم. أنا على الأقل لا أكذب. لم تصدر وصية جديدة. فمن الأساس، لا تُطلب وصية جديدة ما لم تكتمل الوصية السابقة، غير أن…]
أوبيلك: [الرقعة التي أعددتها لن تختلط بتدخل من السماوات. ――فكل من في الإمبراطورية تقريبًا في راحة يدك.]
فينسنت: [――――]
أوبيلك: [هل من خطب؟]
لما لم يُحدث ذلك الكلام الجازم الأثر المرجو، بدا أوبيلك حائرًا. فهزّ فينسنت رأسه ردًّا على سؤاله: «لا».
لم يظن أن كلام أوبيلك الأخير كذب. فهو رجل يقدّم همسات النجوم الغامضة على ولائه للإمبراطور، لكن تجرّده من الأنانية صادق.
ولذا فالأرجح أن أوبيلك نفسه لم تكن له نيات خفية من تصريحه.
كل ما في الأمر أن――
فينسنت: [――شعب الإمبراطورية في راحة يدي، تقول؟]
تلك الكلمات المزخرفة التي تُركت عمدًا دون أن تُقال، أثارت قلقًا في نفس الرجل الذي يؤدي دور الإمبراطور.
△▼△▼△▼△
――وبالفعل، ثبت أن ذلك القلق الذي ساور الجالس على العرش كان في محله.
؟؟؟: [أوه، أوووووووووه――!!]
عند أحد معاقل السور النجمي، تعالت صرخة حرب وانطلق نمرٌ يندفع في شراسة.
وبذراعين تكتسيان بقفازين فضيين لامعين، خطا بسرعة البرق ليقف وجهًا لوجه أمام عدوٍ سحق لتوه مجموعة من شعب القنطور بطريقة مروعة.
خطوة، فخطوتان، وانقضّ غارفيل تينزل إلى الأمام في طرفة عين.
لكن――،
؟؟؟: [صحيح أن قتال الكثرة ضد واحد هو تخصصي، لكن――]
غارفيل: [――هـڪ.]
؟؟؟: [حتى قتال رجل لرجل لن يلقي بظلاله على تقنيتي البارعة!]
في المقابل، تأهب كافما إيرولوكس بكلتا ذراعيه لصد صاحب ذلك الصوت الشجاع.
انتفخت بشرته البنية الداكنة والمغطاة بالأوشام من الداخل، ومباشرةً انطلقت كمية هائلة من الأشواك، لتملأ مجال رؤية غارفيل تمامًا وهو يندفع نحوه مباشرة.
كانت سرعة الكروم الشوكية التي تُنبت أشواكًا لا تحصى توحي بوحش ضارٍ ينقض على فريسته. وبمعنى آخر، كانت أسرع هجوم لحصد حياة الخصم.
غارفيل: [يا لك من وقح――!!]
على قمة السور، كان الجدار السميك المخصص لحماية العاصمة الإمبراطورية واسعًا بما يكفي للوقوف عليه، لكن مقارنة بساحة معركة مفتوحة، كانت الحركة المقيدة تخنق الأنفاس.
ومع انتشار الكروم الشوكية جانبيًا وتدفقها كموجة عاتية تسد أي منفذ للفرار، وبدلًا من محاولة التهرب بيأس، اختار غارفيل رفع قفازيه والغوص مباشرة في بحر الكروم الشوكية.
واثقًا بصلابة قفازيه وقوة ساقيه، شق طريقه في خط مستقيم نحو عاصفة الكروم――،
كافما: [تصميمك هذا جدير بالثناء، لكن قرارك كان خاطئًا.]
وتزامنًا مع تمتمة كافما بذلك، التحم غارفيل بالحافة الأمامية للكروم الشوكية المتدفقة. ولكن في اللحظة التالية، صرّ غارفيل على أسنانه إثر اصطدام فاق في قوته كل ما افتُرض أن تحتمله قفازاته.
غارفيل: [――غه.]
حتى وإن أُطلقت بطريقة غير مألوفة كهذه، فالكروم تظل كرومًا. وبالنظر إلى حجم اللبلاب والأشواك، كان قد استعد لتلقي قدر معين من القوة. إلا أن القوة الفعلية للكروم فاقت توقعاته بكثير، فتعثرت سرعة تقدمه.
ودون مبالغة، كان الضغط يعادل غابة كاملة تنهار فوقه.
وإزاء تعرضه للضرب حرفيًا بغابة من الأشواك المتضخمة التي استدعاها شخص واحد، غيّر غارفيل من أسلوبه.
غارفيل: [إذن، ماذا عن هذا!!]
كافما: [ماذا!؟]
صارًّا على أسنانه حتى سُمع صريرها، هوى غارفيل بقدمه بشراسة بعد أن ضربته الموجة المتدفقة من الكروم الشوكية. سرت القوة المنبعثة من نعل حذائه لترفع جزء السور الذي يقف عليه، وأمالت موطئ قدم كافما على الجانب الآخر من الكروم، مما أفقد «الجنرال» المذهول توازنه.
كان ذلك من تأثير حماية أرواح الأرض السامية لغارفيل. في جوهرها، تتيح الحماية تلقي القوة من الأرض والتدخل فيها بالمقابل، لكن نطاقها يعتمد بشكل كبير على تفسير حامل الحماية لها.
وفي حالة غارفيل، ما دامت قدماه تطآن أرضًا صلبة، فتلك هي الأرض بالنسبة إليه.
غارفيل: [طالما أنني لا أطير في الهواء!]
قد يختلف الأمر مع سفن التنانين التي تحملها التنانين الطائرة الشهيرة في الإمبراطورية الفولاكية، لكن عدا ذلك، فبإمكان غارفيل الاعتقاد راسخًا بأنها الأرض.
غيّر كافما موطئ قدمه ليس لمرة واحدة فحسب، بل لمرتين وثلاث بينما كان موطئ القدم الصاعد يلاحقه، وتعامل رجل قبيلة قفص الحشرات مع الموقف وهو يطير متراجعًا للخلف. في تلك الأثناء، وبينما كان يواجه الأشواك التي تعيق دقة هجماته، اندفع غارفيل للأمام رغم تمزق وجنتيه وكتفيه بفعل الأشواك التي فشل في صدها.
تناثر دمه الأحمر الزاهي واجتاح جسده ألم حاد، بيد أن المسافة بينهما أخذت تتقلص وتتقلص.
وما إن دنت المسافة المتبقية بينهما لتبلغ بضعة أمتار،
كافما: [إذن سأقطع في العمق وحسب!]
متخليًا عن هجوم الأشواك متوسط المدى، استأنف كافما، الذي كان على وشك التراجع، هجومه مجددًا.
للحظة، وإذ كان لا يزال حذرًا من موجة الصدمة المنطلقة التي أطاحت بشعب القنطور، لم يفتح كافما صدره، بل قطع تحكمه بالكروم الشوكية من ذراعيه، وشرع في أرجحة الأجنحة على ظهره مُحدثًا طنينًا.
في لمح البصر، رفرفت تلك الأجنحة بسرعة يتعذر على العين إدراكها، وفي الوقت ذاته، انطلق كافما من السور ليظهر بجوار غارفيل مباشرة. لم يكن الأمر مجرد سرعة، بل كان تلاعبًا محنكًا بتفاوت السرعات.
وبهذه الطريقة، التف من الخلف متسللًا من خارج نطاق إدراك غارفيل.
لكن――،
غارفيل: [لن أسمح لك!]
مغلقًا إدراكه المكاني المُخترق قسرًا، أطلق غارفيل زئيره.
وبالتزامن مع زئيره، وجه ضربة خلفية خاطفة صوب وجه كافما الذي ظهر بجواره. وتصديًا لذلك، رفع كافما ذراعيه عاليًا في وضع دفاعي――وقد تغطت كلتاهما بدروع سوداء صلبة.
كانت بمثابة حماية لجسده، شأنها شأن قفازات غارفيل. إلا أنه، بامتلاكه الأشواك، والأجنحة، والأضلاع، والآن الدروع الصلبة، قد أظهر أربع قدرات بالفعل. فكم عدد «الحشرات» الكامنة في جسده بحق؟
كافما: [شـ――!]
وُجهت ضربة واحدة، لكن معركة الثنائي لم تتوقف عند هذا الحد.
كان القتال من مسافة قريبة جدًا في صالح غارفيل. فقد أرجح قبضته اليسرى بكامل قوتها مستغلًا زخم الاستدارة من الموضع الذي صُدت فيه ضربته الخلفية، ثم سدد نطحة برأسه لخصمه الذي حاول تفادي الضربة.
دوت أصوات الاصطدامات وصرخات الألم بين الاثنين، ومن هناك تبادلا لكمات شرسة استهدفت الأعضاء الحيوية.
غارفيل وكافما: [――هـڪ.]
بالقفازات والدروع الصلبة، تبادل الطرفان الضربات بقبضات معززة. ومع ذلك، لم يكن فخره السابق في غير محله. فالالتحام القريب كان يصب في صالح غارفيل، والهزيمة من ذلك الموقع كانت أمرًا غير وارد.
غارفيل: [غاه، آآآآآآآآه!!]
استدار والتقط القبضة القادمة، وفي المقابل، سدد لكمة في صدر خصمه وجذعه. ومن الأسفل، اندفعت قبضة غارفيل المعاكسة نحو فكه المتدلي، ثم غرس ركبته في جذعه الذي انثنى للخلف. وبصرخة ألم، رفرف كافما بأجنحته وقفز إلى الخلف وثبةً واسعة.
غارفيل: [لن تفلت مني!!]
كافما: [――غه.]
قابضًا على ساقي كافما القافزتين، صفعه بقوة عائدًا به ليرتطم بالسور. ثم ثبّت جسد كافما على الأرض واندفع بشراسة لتمزيق الأجنحة من ظهره.
ركض غارفيل على الجدار مثيرًا سحابة من الدخان، وتفجر الدم من ظهر كافما بينما تُمزق أجنحته إلى أشلاء، جناحًا تلو الآخر. وعلى هذا المنوال، كان على وشك――،
――وبعد لحظة، انفتح صدر كافما في حين رفرفت الأجنحة على ظهره بقوة، لترفعه عن الأرض. ومن وراء أضلاعه البارزة، التقطت عيناه ومضة لـ«الحشرة» الذهبية القابعة داخل صدره.
غارفيل: [――――]
استجابةً لنداء غريزة البقاء بكل جوارحه، ترك جسد كافما وقفز مباشرة إلى الجانب. وكان ذلك هو القرار الصائب. ففي البقعة التي وقف فيها غارفيل قبل قليل، كانت الحشرة الذهبية قد جرفت قمة سور المدينة بالكامل في مسار نيرانها. وبينما تطايرت الشعيرات القصيرة من جسده، سرت قشعريرة باردة في عمود غارفيل الفقري.
كافما: [――أعترف بقصور بصيرتي.]
غارفيل: [أوه؟]
ومباشرة بعد أن كابَد إحساس التعطش للدماء ذاك، انتزعه صوت كافما من أفكاره.
التقطت عيناه مشهد كافما وهو يركع على السور، متلمسًا أجنحته الممزقة على ظهره، وينظر إلى غارفيل بإعجاب وإجلال يفيضان من عينيه.
مسح بيده الدم النازف من زاوية فمه، ونهض واقفًا على قدميه.
كافما: [لم أكن على علم بوجود محارب مغوار مثلك. إنني أخجل من جهلي.]
غارفيل: [هه، لا ألومك إن لم تعرف. كنت سأقلق أكثر لو عرفت.]
كافما: [――؟ ماذا تعني؟]
رافعًا حاجبًا بنبل، تساءل كافما عن حقيقة كلمات غارفيل.
فمن وجهة نظره، لم يكن ليخطر بباله قط أن شخصًا من بلد آخر، ولا سيما من المملكة، سيكون متورطًا في حدث جلل كهذا داخل الإمبراطورية.
أوتو: [إذا اكتشفوا هويتنا ومن أين جئنا، فقد يتسبب ذلك في أزمة دبلوماسية شديدة التعقيد. ولهذا السبب، أرجوك تجنب الاستفزاز من الجانب الآخر، والتفوه بأشياء غير ضرورية بتهور.]
كان أوتو، الذي تخلف في المعسكر الرئيسي، قد قال هذا لغارفيل قبل أن يقفز الأخير إلى ساحة المعركة.
لقد كشف كافما عن هويته له بالفعل، وبادله هو الكشف عن هويته، ولكن إذا تفوه بأي معلومات إضافية، فهناك احتمال أن يتمكن كافما، الذي بدا يتمتع بفطنة حادة، من تخمين كل هذا.
فمن غير الوارد أن يحولوا هذا التمرد داخل الإمبراطورية إلى حرب طاحنة تتورط فيها المملكة.
غارفيل: [آسف، لكني لم أكن أنوي إخبارك سوى باسمي. لكن يمكنني إفلات شيء واحد… بخصوص «كورولوكياك ذو الوجهين»، ذلك.]
كافما: [――. ليس لدي شك في أنك شخص ذو مهارة فذة، سواء أبقيت فمك مغلقًا أم لا. ولهذا السبب، أنا نادم أيضًا.]
غارفيل: […نادم؟]
هز كافما رأسه وخفض صوته، مما دفع غارفيل للعبوس؛ فلم يكن ثمة زيف في نبرة كافما، بل كانت مشوبة بندم حقيقي، خالية من أي نية للاستفزاز.
لكن هذا الندم لم يكن يُعزى إلى كافما نفسه――،
كافما: [لولا هذه الظروف، لوددت حقًا أن أحظى بمحادثة صريحة معك.]
غارفيل: [ما الـ――]
وفي تلك اللحظة التي كان يفكر فيها عما إذا كان عليه الاستفسار عن مغزى كلماته.
وإذ خطا خطوة إلى الأمام، خذلته ركبته، فجثا على الأرض في مكانه. ومع تأوه مباغت، تسرب منه نفس لاهث، واحتقنت عيناه بالدماء وهو يقبض على صدره.
كان قلبه يخفق وينبض بصوت عالٍ ومنذر بالخطر. ――أدرك غارفيل حقيقة ما سمعه: لقد كانت أجراس الإنذار التي تطلقها غرائزه المذعورة متوسلةً النجاة بحياته.
――كان هناك شيء يزحف في أحشائه.
غارفيل: [غااغ…]
كافما: [إذا كنت تنوي قتالي من مسافة قريبة، كان حريًا بك تجنب التعرض للإصابة.]
مد كافما يده نحو غارفيل، الذي كانت أسنانه تصطك ودموع مريرة تنهمر على وجهه. وعند طرف أصابع كافما الخمسة المنحنية، أمكن رؤية أنبوب يحمل «حشرة» بيضاء تتلوى.
كانت «حشرة» قد زرعت بيضة عبر هذه الأنابيب في أحد الجروح التي أحدثتها الأشواك. ففقست البيضة داخل جسد غارفيل وأخذت الحشرة تزحف في أحشائه.
غارفيل: [غوووو…]
وفي اللحظة التي أدرك فيها ذلك، احتضن غارفيل نفسه ونشط سحر الشفاء.
غمرت موجات شفاء مكثفة جسد غارفيل بضوء شاحب، لتلئم الجروح التي تكبدها قسرًا. ولدى رؤية ذلك، رفع كافما حاجبيه قليلًا مبديًا دهشته.
كافما: [سحر الشفاء، مما يعني أنك معالج أيضًا. هذا التنوع في القدرات أمر يجب وضعه في الحسبان. ومع ذلك.]
غارفيل: [――هـڪ، آآ، أوه.]
كافما: [الغاية من الحشرات التي تسري في عروقك ليست جرحك، بل جعل جسدك مرتعًا تتكاثر فيه. ――يمكنك شفاء الجرح، لكنك لا تستطيع شفاء التحول.]
وما كان إعلان كافما القاسي إلا حقيقة أثبتها ذلك الوهن المستعصي على الشفاء.
لهث غارفيل في عذاب ولعن نتيجته وهو يخدش صدره، مدركًا أنه، في الواقع، قد سد منفذ الهروب على «الحشرات» التي تسري في جسده.
أضحت أنفاسه معذبة واكتست رؤيته بحمرة قانية. وإذ لم يقوَ كافما على احتمال مشهد عذاب غارفيل، تقدم إلى الأمام ونظرة كئيبة تكسو وجهه.
كافما: [ببراعتك ومهارتك، سأحتفظ أنا، كافما إيرولوكس، بذكراك في قلبي يقينًا. ――نَم ببسالة.]
تغلفت ذراعه اليمنى مجددًا بدرع أسود صلب، واندفعت قبضته لتخترق غارفيل الذي شُلت حركته. سحق الاصطدام جمجمته، ليتناثر الدم ويتدحرج جسده بعنف.
تدحرج، وتدحرج، ثم تدحرج، ليرتد مباشرة عن حافة السور، فابتلعه إحساس بالطفو، وهوى.
غارفيل: [――آه.]
انزلقت صرخة الموت الخافتة من حلق غارفيل، وهوى جسده الواهن بلا حماية ليقع أسفل أسوار المدينة.
△▼△▼△▼△
أوتو: [اسمع يا غارفيل، أرجوك أن تتذكر هذا جيدًا.]
أوتو: [إذا اكتشفوا هويتنا ومن أين جئنا، فقد يتسبب ذلك في أزمة دبلوماسية بالغة التعقيد. ولهذا السبب، أرجوك أن تتجنب الانجرار وراء استفزازات الطرف الآخر، وألا تتفوه بأشياء غير ضرورية بتهور.]
أوتو: [ورغم قولي هذا، وبما أنك أنت المعني، فأنا لا أتوقع منك أن تتحلى بكل هذا الصبر. ولا أطلب منك أن تتبادل الكلمات بردود متكافئة كما يفعل التجار. لذلك――]
أوتو: [لذلك، احرص على تذكر هذا الشيء الوحيد جيدًا.]
أوتو: [إذا تورطت في تبادل للكلمات――]
△▼△▼△▼△
――في المعارك التي تُخاض ضد قبيلة قفص الحشرات، يستحيل على الكثيرين النجاة من القتل عند المواجهة الأولى.
فـ«الحشرات» التي يزرعونها داخل أجسادهم قد تطورت ونمت بما يتجاوز حدود الخيال البشري، ويمكن القول إن قدراتها تتنوع بلا حدود.
علاوة على ذلك، إذا تناغموا مع «الحشرات» المرباة داخل أجسادهم، وسرّعوا من وتيرة تطوير مهاراتهم بشكل أكبر، فلن تُنجب قبيلة قفص الحشرات محاربَين متماثلَين قط.
ناهيك عن أن كافما إيرولوكس قد وُلد عبقريًا بين أفراد قبيلة قفص الحشرات.
لقد رفض كافما الترقية للانضمام إلى الجنرالات التسعة الساميين لتمسكه بمعتقداته وفلسفته الخاصة، وقد اعترف الإمبراطور فينسنت بأن قدراته تضاهي قدرات جنرالات الدرجة الأولى.
وبوصفه محاربًا من فولاكيا، فقد كان فردًا استثنائيًا سُمح له باعتلاء القمة.
وبطبيعة الحال، وبما أنه وُلد في قبيلة قفص الحشرات، لم يساوره أي تردد أو شعور بالذنب في استعارة قوة «الحشرات» وتسخير قدراتها وكأنها قدراته الخاصة.
متضمنةً قوة «الحشرات»، تلك كانت قوة المحارب الذي يُدعى كافما إيرولوكس.
ومع ذلك――،
كافما: [أنا أيضًا لا أخلو من أفكاري الخاصة.]
إذ لم يكن يتوقع سوى النصر، فإن كافما، الذي تطلّب موقفه إبادة أكبر عدد ممكن من الأعداء، لم يمتلك ترف الوقت للقتال ضد محارب واحد فقط.
ولذلك، لجأ إلى حركة خادعة بغية إسقاط خصمه بأسرع ما يمكن، فهزم العدو.
كافما: [――――]
إن طقس إدخال «الحشرات» في الجسد كان يمثل ذروة الاستعداد الدقيق، حتى بالنسبة لقبيلة قفص الحشرات.
فمنذ أن يكونوا أطفالًا حديثي الولادة، تُعدل أجسادهم تحضيرًا لإدخال «الحشرات» في المستقبل، إلا أن الطقس كان يُحظر عليهم حتى بلوغهم سن الثانية عشرة. أي بعبارة أخرى، كان الأمر يستلزم ما لا يقل عن اثني عشر عامًا من التحضير قبل التمكن من زرع «حشرة» في الجسد.
وإذا ما تُخُطيت هذه العملية وزُرعت الحشرة مبكرًا، فلن يقوى جسد المتلقي على تحملها.
ومن هنا――،
كافما: [يؤلمني أن أضطر لحسم الأمر معك بهذه الطريقة.]
وبعد أن أفصح عن مشاعر الندم التي تعتريه، أغمض كافما عينيه وقدم صلاة صامتة لخصمه المهزوم. غير أن الوقت الذي انغمس فيه في العاطفة كان عابرًا، فسرعان ما استدار كافما وعاد ليوجه نظره إلى ما وراء السور.
ورغم أنه تمكن من صد الهجوم الأول لشعب القنطور، إلا أن المجموعة الثانية ستشن هجومها عليه لا محالة. ومهما تكررت هجماتهم، فلن يمثل ذلك مشكلة. ففي كل مرة، سيصدهم جميعًا――كانت تلك اللحظة التي أعقبت تفكيره هذا مباشرة.
كافما: [――هـڪ، ماذا!؟]
في وقفته المهيبة، حاول كافما استدعاء «حشرات» الأشواك التي تسري في جسده، لكن زئيرًا مدويًا انفجر بالقرب منه――فاتسعت عيناه ذهولًا إزاء الاصطدام الهائل الذي بدا وكأنه انفجار.
للحظة، ساور كافما الشك في أن المتمردين قد جلبوا نوعًا من الأسلحة لاختراق السور، لكنه أدرك سريعًا خطأ ظنه.
بيد أن إدراكه لذلك لم يجلب له الطمأنينة.
والسبب في ذلك كان――،
كافما: [――غارفيل تينزل.]
في مجال رؤية كافما المرتجف، وقف غارفيل، بعد أن زحف عائدًا إلى أعلى الأسوار المنهارة.
متخذًا هيئة وحش ضارٍ متضخم، وقف المحارب المجنون وجسده بالكامل يلتحف بنار مشتعلة.
△▼△▼△▼△
لقد كانت نعمة خفية أن المكان الذي سقط فيه كان حقلًا مفتوحًا.
فلو أنه سقط على الأسوار، لربما عجز عن حشد القوة اللازمة للنهوض مجددًا. وبفضل سقوطه على الأرض، فقد انحازت الأرض ذاتها إلى جانب غارفيل.
ومع ذلك، كان الضرر الذي لحق بجسده فادحًا، إذ انشق رأسه، وكان الإحساس بأن جسده يُعصر من الداخل يمهد الطريق للموت ليزحف نحو حياة غارفيل مع كل ثانية تمر.
كان من الممكن ترميم الرأس المشقوق بسحر الشفاء. غير أن «الحشرة» كانت تحول دون تفعيله. وبما أن «الحشرة» لم تكن تهاجم بشكل فعلي، فإن سحر الشفاء لم يستطع التخلص منها أيضًا. وفي المقام الأول، لم يكن هناك وقت لاستخدام سحر الشفاء، ومع تدخل «الحشرة»، ظل رأسه مشقوقًا والدم كان، الدم كان، الدم كان، الدم كان.
غارفيل: [غاه، أوه.]
صارًّا على نواجذه ومتمسكًا بخيط حياته الواهي، توقف عن الاعتماد على رأسه.
فبطبيعة الحال، كان رأسًا مشقوقًا. ولم يعد بالإمكان التعويل عليه. وما كان يحتاجه الآن هو غريزة البقاء، الانقياد لها، تحريك الجسد بالقوة، ومن ثم.
ومن ثم، مدفع حجر السحر الذي نُصب على السور، متأهبًا لاعتراض العدو القادم من الخارج، فقد ابتلع حجر السحر المحمل بداخله وسحقه في بطنه.
وفي لمح البصر، تضخمت المانا المخزنة داخله لتملأ كيان غارفيل، فتحرق «الحشرة». وما إن احترقت «الحشرة»، حتى لم يتبقَ لغارفيل سوى جروح بالغة القسوة.
――لا، بل الجروح، والعدو.
أوتو: [اسمع يا غارفيل، أرجوك أن تتذكر هذا جيدًا.]
أوتو: [إذا اكتشفوا هويتنا ومن أين جئنا، فقد يتسبب ذلك في أزمة دبلوماسية بالغة التعقيد. ولهذا السبب، أرجوك أن تتجنب الانجرار وراء استفزازات الطرف الآخر، وألا تتفوه بأشياء غير ضرورية بتهور.]
أوتو: [ورغم قولي هذا، وبما أنك أنت المعني، فأنا لا أتوقع منك أن تتحلى بكل هذا الصبر. ولا أطلب منك أن تتبادل الكلمات بردود متكافئة كما يفعل التجار. لذلك――]
أوتو: [لذلك، احرص على تذكر هذا الشيء الوحيد جيدًا.]
أوتو: [إذا تورطت في تبادل للكلمات――]
غارفيل: [إذا، تورطت…]
وبكلمات متعثرة، في حين أخذت عقلانيته تخبو بفعل التحول الوحشي اللاإرادي لشفاء جراحه البليغة، كان ما يتردد بلا توقف في ذهن غارفيل هو كلمات شخص بمثابة أخيه الأكبر، الرجل الذي يمكنه التعويل عليه في أي موقف.
وأمام ناظريه، بينما كان يستدير ببطء وسط ألسنة اللهب المتراقصة التي تحرقه، كان يقف عدو مرعب يواجهه.
كان ذلك العدو مطلوبًا.
لتنفيذ ما أمره به أخوه الأكبر، كان وجود العدو مطلوبًا.
فبعد كل شيء، لقد قال له ذلك. ――قال أوتو سوين ذلك لغارفيل.
أوتو: [――احرص على ضرب ذلك الخصم حتى تعجز ساقاه عن حمله!]
غارفيل: [سأسحقك سحقًا――!!]
تعالى زئير الوحش مجددًا، وغارفيل المتحول، الذي أضحى الآن وحشًا هائجًا، داس وسحق كل ما في طريقه وهو يثب عابرًا الأسوار. وعند رؤيته لهذا الاستعراض الجبار للقوة، فإن العدو الماثل أمامه―― فتح كافما عينيه وابتسم.
وبابتسامة عريضة، رفع كافما كلتا ذراعيه فوق رأسه، وانطلق إلى الأمام.
كافما: [هلم إليّ، غارفيل تينزل!!]
غارفيل: [آآآآآآآآرهااااااااااا――!!]
اصطدم الهجوم الكاسح للنمر الذهبي، الذي كشر عن أنيابه وهو يثب، مباشرة بأمواج الأشواك الأرجوانية التي سدت مجال رؤيته من الاتجاه المعاكس تمامًا، ليتشكل صدع في المعقل الكائن عند إحدى نقاط النجمة.
ومما لا شك فيه، كان الأمر وكأنه يجسد تمامًا ذلك القلق الذي ساور الإمبراطور الجالس على العرش――.
كافما: [――――]
――لقد كان ذلك انتقام الصدع الذي يحفر سقوط السماوات المنيعة في تاريخ الإمبراطورية.
※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※ ※